بظرف لحظة واحدة ودون تفكير ركض عمران خلف الصغير وقبل أن تصل السيارة له كان هو يمسك به ويجذبه إليه بعيدًا عنها. تركت آسيا الأكياس على الأرض غير مكترثة لها وركضت تجاه ابن أخيها ثم انحنت عليه وجذبته لصدرها تضمه برعب وهي تهتف: _أنت كويس ياحبيبي؟ ابتعد الصغير عن عمته وأومأ لها بالإيجاب، وهو أيضًا تعتلي ملامحه الطفولية الفزع، ثم وجدها توبخه بغضب وقلق: _أحنا مش نبهنا مية مرة متعديش الشارع وحدك ياعمار. تمتم الصغير متعذرًا:
_أنا آسف ياعمتي. كان عمران يقف صامتًا يتابعها بصمت، في نظرات ثاقبة يتمعن تلهفها ورعبها على ابن أخيها وكأنه ابنها. لوهلة تعجب أن تلك الساحرة تمتلك قلبًا من الأساس، ولكنها لم تمهله المزيد من الوقت ليتتمعنها، حيث انتصبت في وقفتها وطالعته بشراسة وعنجهية امتزجت بالقرف، ثم أمسكت بكف ابن أخيها وقالت محدثة إياه بجدية: _يلا ياعمار عشان نروح البيت.
لم يبدِ الطفل أي اعتراض، فقط التفت تجاه خاله الذي ابتسم له وانحنى عليه يلثم شعره بحنو هاتفًا له: _خد بالك من نفسك واسمع الكلام زين ياعمار. أومأ له الصغير بالموافقة ثم سار مع عمته في طريق عودتهم للمنزل. وخلال الطريق تطلع لعمته وسألها بعفوية: _عمتي أنتي ليه مش بتحبي خالي عمران وكنتي متعصبة منه؟ رمقته آسيا بقوة وقالت في حدة وغضب: _وأنا أحب خالك ده ليه؟ كمان بناقص مفضلش غيره اللي أحبه وأبص في وشه.
تعجب عمار من عصبية عمته بسبب سؤاله البريء كما يعتقده. بينما هي فتابعت بصوت خفيض تتوعد له: _أنا لو أقدر كنت قتلته بيدي هو وجدك.. بس قريب قوي هاخد حق أبويا. ***
فور وصولهم للمنزل ركض عمار لأعلى حيث غرفته هو وشقيقه. بينما آسيا فتوجهت نحو المطبخ تضع به الخضروات والطعام الذي قامت بشرائه. ثم جذبت كأس ماء فارغ وفتحت البراد وأخرجت منه زجاجة مياه باردة ثم سكبت في الكأس ورفعته لفمها تشرب بتأنٍ شديد. وإذا بها فجأة تجد يدًا تنتشل الكأس من فمها بعنف. لوهلة أصابها الفزع، لكن حين التفتت ورأت وجه ابنة عمها التهبت نظراتها بغيظ.
كانت خلود تمسك بكوب المياه في يدها وعيناها ثابتة على آسيا تتطلع إليها شرزًا في نظرة تنبض بالشر والحقد. وعلى الرغم من غضب آسيا المتمثل في نظراتها، إلا أنها قررت التصرف ببرود وعدم خلق مشكلة. حيث زفرت النيران من فمها ومدت يدها لكي تجذب كوب الماء، لكن الأخرى عادت بيدها للخلف مانعة إياها من أخذه! انفجرت آسيا بها وهتفت بلهجة قوية: _اتجننتي في نفوخك ولا إيه يا خلود؟ هاتي كوباية المايه وبعدي عني واصل. ابتسمت
خلود بخبث يضمر البغض: _مش لما تبعدي عني أنتي الأول! جاهدت آسيا في التحكم بزمام انفعالاتها وقالت مغتاظة: _لا إله إلا الله. هدرت خلود بهمس مريب وبنظرة مشبعة بالنقم: _اوعاكي تكوني فاكرة نفسك حاجة ولا ليكي قيمة.. عمي الله يرحمه هو اللي عمل منك قيمة. لكن أنتي حية فضلتِ تلفي على كل رجالة البيت وتبلعي فيهم لغاية ما بقى محدش قادر عليكي ولا حد بيتنيلك كلمة. لو عرفوا حقيقتك والسواد اللي جواكي محدش هيبص في وشك.
سكون تام أشبه ببرود أعصاب مستفز كان يهيمن على آسيا التي تبتسم بعدم اكتراث لكلماتها. تظن أنها ستبعث تأثيرًا سيئًا في نفسها وتدفع بثقتها في نفسها للهاوية. لكنها لا تدرك أن من أمامها تستطيع تدميرها نفسيًا بلحظة إن أرادت. تمتمت ببسمة ماكرة كلها ثقة وعنجهية:
_اطمني كلهم عارفين إني حية وبرضك بيحبوني. الدور والباقي على عامل فيها الملاك الطاهر والمظلوم وهو شيطان.. اصل دايمًا بيقولوا ياما تحت السواهي دواهي مش إكده ولا إيه يا بت عمي؟ جربي إكده تشيلي السواد والحقد اللي في قلبك ده وصدقيني هترتاحي، لكن أنتي اللي مصممة تثبتي للكل أنك وحشة مع أني معملتلكيش حاجة واصل، لكن أنتي اللي غيرانة مني. احتقن وجه خلود بالغيظ وقالت بوعيد حقيقي: _مسيرك تقعي ومحدش يسمي عليكي يا آسيا.
ضحكت بقوة وقالت بجبروت وغمزة خبيثة وهي تسير مبتعدة عنها: _اطمني لما أقع هسند نفسي واقف من تاني.. مش هستنى حبيب القلب اللي هيسندني. بقت خلود مكانها تحدق في أثرها بتوتر ملحوظ. كانت تلقي الغاز مريبة وهي متعمدة لكي تثير شكها وتقذف الرعب في قلبها. وللأسف نجحت! *** داخل منزل إبراهيم الصاوي. خرج بشار من غرفة الصالون الكبيرة وقاد خطواته تجاه الطابق العلوي حيث غرفته، لكن استوقفه صوت أنثوي ناعم يهتف: _بشار!
التفت برأسه للخلف فسقطت عيناه على ابنة عمته التي تبلغ من العمر عشرين عامًا. ترتدي عباءة سوداء وفوق شعرها حجاب من اللون السكري. ملامح وجهها البريئة والهادئة مع بسمتها الرقيقة تبعث في نفسه الراحة. لكنه سيطر على فيض مشاعره وتصرف بطبيعية وهو يجيبها: _أهلًا يا رحاب كيفك؟ أجابت بوداعة: _زينة الحمدلله.. جيت أسلم على جدي وخالي إبراهيم وخالي عبد العزيز. بشار بإيجاز: _هتلاقيهم قاعدين في أوضة الجلوس روحيلهم.
أومأت له بالموافقة ومازالت معالم وجهها الدافئة محتفظة ببسمتها. وحين وجدته سيرحل ليكمل طريقه استوقفته من جديد وهي تسرع نحوه تقطع المسافة الكبيرة التي بينهم، ثم رفعت يديها الحاملة لقِدر متوسط الحجم وهمست: _أمي عاملة ورق العنب ده مخصوص عشانك وبعتاني بيه. اتسعت بسمة ثغره ينقل نظره بين القِدر وبينها وهمس مداعبًا: _حاسة بيا عمتي والله. ربنا يديها الصحة ويخليها لينا. ضحكت بخفة وتمتمت:
_بالهنا والشفا يارب.. هديها لمرات خالي وأقولها تشيله ليك عاد. أومأ لها بالإيجاب وطالت نظرته الحزينة لها قبل أن يسألها مترددًا: _كيفك أنتي وخطيبك؟ لمعت عيناها وهمست باسمة ببعض الخجل: _الحمدلله كويسين وقريب قوي كمان هنحدد الفرح إن شاء الله. زينت وجهه بسمة مزيفة لم تصل حتى لعيناه وتمتم باختصار لينهي ذلك الحديث الذي لا فائدة منه: _ربنا يسعدكم.. أنا هطلع أريح وأنام عايزة حاجة؟ _لا عايزة سلامتك. تصبح على خير.
بشار بوجه خالٍ من المشاعر: _وأنتي من أهله. قاد خطواته يصعد الدرج قاصدًا غرفته، وأثناء سيره اعترض طريقه عمران الذي حدق في معالم وجهه البائسة وسأله بتعجب: _مالك في حاجة حصلت ولا إيه؟ بشار بحدة وضيق: _مفيش ياعمران تعبان وعايز أنام فيها حاجة دي كمان وأنا معرفش!
أنهى عباراته واندفع نحو غرفته، فالتفت عمران برأسه للخلف يتابعه بعدم فهم. لكن فور سماعه لصوت رحاب بالأسفل ارتخت عضلات وجهه وتنفس الصعداء، ثم أكمل طريقه إلى حيث هو ذاهب! *** بصباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان. وقفت أمام باب غرفة الصالون الواسعة، ثم استندت برأسها على الباب تحاول التقاط أي صوت من الداخل. لكن السكون كان يملأ الغرفة مما أثبت لها أنه بمفرده بالداخل.
انتصبت في وقفتها وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن ترفع يدها وتطرق طرقتين فوق الباب، ثم فتحته بحذر دون أن تنتظر إجابة منه. دخلت تدريجيًا وهي تبتسم بإحراج بسيط أمام نظراته الثاقبة لها. أحفضت نظرها لكوب القهوة الساخن الذي تحمله فوق يدها وتقدمت منه وهي تهمس: _صباح الخير يا سيد الرجالة عملتلك القهوة اللي بتحبها.
استمر الصمت هو رده الوحيد على محاولاتها التي يفهم مبتغاها جيدًا، بينما هي فبقت واقفة وهي تبتسم بلطف رغم حدة الأجواء. فخرج عن صمته أخيرًا وهو يلتقط كوب القهوة ويرتشف منه رشفتين ثم يتمتم بجفاء: _شكرًا. ظلت مكانها تتابعها وهو يشرب قهوته بكل هدوء غير مكترث بوجودها. عقلها شارد وتفكر كيف ستصلح علاقتهما. كيف ستعتذر منه عن سوء تصرفها معه ومع الجميع. بالأخص أنها تدرك طبع أخيها الصارم وأن مهمتها ليست بسيطة.
تنحنحت بلطف ثم اقتربت وجلست بجواره ودام صمتها للحظات أخرى حتى هتفت أخيرًا بعزم: _جلال أنا آسفة يا خوي حقك عليا. لم يجيبها بل استمر بتجاهلها، لكنه في الواقع كان ينتظر متابعتها للحديث حتى يسمع مبرراتها كاملة. وبالفعل أكملت هي بأسف:
_أنا عارفة إني غلطت في اللي قولته ليك سامحني.. بس أنا مش غلطانة في رفضي للصلح ده. وحقي أرفضه لأن اللي مات ده أبويا زي ما هو أبوك. وإن جيت للحق أنا مش مصدقة ولا قادرة أفهم أنت كيف وافقت على الصلح ده. التفت برأسه لها وقال في حدة: _وافقت عشان ده اللي المفروض يحصل.. على الأقل دلوقت. آسيا بصلابة واعتراض تام:
_لا يا جلال اللي المفروض يحصل أنت عارفه زين. وهو إننا ناخد حق ابونا وتارنا. إبراهيم الصاوي وولده هما اللي قتلوا أبويا أنا عارفة زي ما أنت عارف زين قوي كمان ومتفتكرش إني معرفاش. عشان كده أنا مصدقة إنك وافقت على كلام جدي وعمي ومستغربة. رمقها جلال بنظرة نارية ثم قال بلهجته الرجولية: _قولتلك هو ده اللي المفروض يتعمل. بعدين أنتي جاية تعترضي على كلام الرجالة وتقولي ده صح وده وغلط ولا جاية تعتذري على عملتك السودة؟
اجفلت نظرها عنه باحترام وقالت مؤيدة كلامه: _عندك حق. معدش له لزمة الكلام في الموضوع ده دلوقت اللي حصل حصل مش إكده ولا إيه؟ المهم هو أنك تسامحني ومتبقاش زعلان مني. أنا مقدرش على زعلك يا غالي أنت سندي وضهري في الدنيا ده بعد أبويا يا جلال.. حقك عليا وأوعدك مش هعمل حاجة تضايقك مني بعد كده تاني واصل واللي حصل مش هيتكرر. طالت نظراته الساكنة لها دون أن يتحدث. لم يعد غاضبًا منها لكنه يعاند. فلزكته في كتفه بمرح هامسة:
_خلاص عاد ميبقاش قلبك أسود يا واد أبوي. ابتسم مغلوبًا كإشارة على نجاح مهمتها، لكن سرعان ما اختفت بسمته وحل محلها الحزم وهو يلقي عليها تعليماته الصارمة: _بس من إهنه ورايح مهتتصرفيش من دماغك تاني سامعة ولا لا؟ وعلى الله أسمع إنك عملتي مصيبة إكده ولا إكده يا آسيا. أجابته بثقة وسعادة: _متقلقش مش هعمل حاجة واصل. تنهد جلال الصعداء بعدم حيلة ثم اقترب منها برأسه وطبع قبلة دافئة فوق شعرها هامسًا: _ربنا يهديكي يا بت أبوي.
روحي يلا عاد شوفي وراكي إيه عشان اخلص أنا كمان الشغل اللي ورايا. إماءت له برأسها في إيجاب ثم استقامت واقفة وغادرت الغرفة وهي تبتسم براحة بعد أن نجحت في نيل رضا جدها وأخيها. توقف عمران بسيارته أمام مبنى كبير مكون من طابق واحد. القى نظرة يتفحصه بتدقيق قبل أن يفتح الباب وينزل من السيارة ليقود خطواته للداخل وهو يرتدي الجلباب الصعيدي ويضع فوق أكتافه عبائته الكبيرة ذات اللون البني.
فور دخوله دار بنظره في حركة دائرية حول البرادات التي تملأ المخزن وحين لم يجد أحد صاح بصوته الجهوري: _عم سعيد. خرج ذلك الرجل الذي في منتصف العمر مسرعًا من الداخل على أثر صيحته وفور رؤيته لعمران ابتسم وهتف مرحبًا: _أيوه معلش يا ولدي كنت في الحمام. عمران بهدوء وهو يتقدم نحو إحدى البرادات: _ولا يهمك يا عم سعيد. أمال فين بقية العمال مش في شحنة سمك جايه بليل ولا إيه ومحتاجة تتنضف زين قبل ما تتحط في التلجات؟ سعيد بإيجاب:
_روحوا عشان يريحوا شوية في بيوتهم يا ولدي وشوية بليل قبل ما توصل الشحنة هيكونوا إهنه. لم يعقب على رده بل بدأ بتفقد البرادات واحدة تلو الأخرى وهو يفتحهم ويلقي نظرة متفحصة على الأسماك المثلجة التي بها. جميع أنواع الأسماك البحرية. لاحظ أنه متبقي فقط كميات قليلة جدًا فقال مبتسمًا: _ماشاء الله التلاجات فاضية يا عم سعيد.
_الحمدلله بشار كان بيجي كل يوم الفترة اللي فاتت وفي طلبيات كتير طلعت للمطاعم والمراكب وده اللي فضل زي ما أنت شايف. يدوبك خمس كيلو جمبري على كام كيلو ماكريل وسالمون والباقي كله سمك بلطي. ابتسم وتمتم بجدية: _الحمدلله. الشحنة اللي جايه بليل في طلبيات كتير حاجزاه من قبل ما توصل. وصي العمال ينضفوا كويس وبعدين السمك يتحط في التلاجات على درجة حرارة زينة عشان يفضل سليم وطازة لغاية ما يتوزع أن شاء الله. هدر سعيد بالموافقة:
_حاضر متقلقش يا ولدي. وابقى سلملي على الحج إبراهيم قوي. عمران بإيجاز: _يوصل أن شاء الله. أنا همشي عاوز حاجة يا عم سعيد؟ _عاوز سلامتك يا ولدي. طريق السلامة.
خرجت آسيا من غرفة الصالون بعدما انتهت من حديثها مع أخيها وكانت بطريقها لغرفتها لكن استوقفها صوت أمها وهي تتحدث مع أحدهم وتضحك. فتقدمت نحوها حيث غرفة الضيوف لتجدها جالسة مع امرأة من نفس عمرها وبجوارها ابنتها اليافعة. لوت فمها بخنق فور رؤيتها لتلك المرأة وابنتها. أدركت غرض أمها جيدًا من تلك الزيارة وتحديدًا بوجود الفتاة واختيار اليوم المناسب لأجازة أخيها. وما صابها بالضحك هو رؤيتها فريال تجلس معهم وتتبادل أطراف الحديث بكل عفوية وود وقد اندمجت كثيرًا مع تلك الفتاة. تلك الساذجة لا تعرف ما تحيكه والدة زوجها من دون علمها وأنها جلبت تلك الفتاة خصيصًا لتعرضها على زوجها محاولة إقناعه بالزواج مرة أخرى. لو علمت كل هذا بالتأكيد لن تبقى هادئة بهذا الشكل.
ربما هي لا تحب زوجة أخيها وتريده أن يطلقها لكن بالطبع لن يسرها أمر زواجه للمرة الثانية على زوجته. خصوصًا أن تلك الحمقاء تعشقه وهو كذلك. انتبهت جليلة لوجود ابنتها أخيرًا فهتفت تحثها على الانضمام لجلستهم: _تعالي يا آسيا سلمي على الحجة نعمة ومنيرة. واقفة عندك إكده ليه؟ تقدمت نحوهم آسيا وهي ترسم ابتسامة متكلفة فوق ثغرها وقامت بالترحيب بالسيدة. وعند انتقالها للفتاة ابتسمت لها باتساع وقالت ساخرة:
_ماشاء الله يا منيرة كبرتي وبقيتي عروسة. قهقهت الفتاة وردت بمرح وخبث: _أه ادعيلي عاد يا آسيا ربنا يكرمني بـ ابن الحلال. رتبت على ذراعها بقوة بسيطة وهي تبتسم باستنكار: _يارب يا حبيبتي. يكرمك ويكرم البنات كلها. ابتعدت عنها وسارت نحو فريال تجلس بجوارها وعيناها ثابتة على الفتاة التي تتصرف بدلال مبالغ فيه. وكأنها تحاول إثبات شيء يفهمه الجميع ما عدا فريال. خرج صوت فريال الرقيق مثلها وهي تسأل منيرة بعذوبة:
_خالتي قالتلي إنك بتدي دروس في البيت يا منيرة والكل بيشكر فيكي. أجابتها منيرة بتيه ومكر دفين: _آه ده أنا مفيش حد إلا وجاب عياله عندي أديله دروس. فريال بابتسامة هادئة: _ما شاء الله عليكي. خلاص هجيبلك معاذ وعمار عاد تديلهم درس في العربي والحساب. مطلعين عنيا فيهم ودورنا كتير قوي أنا وجلال على مدرس زين ملقيناش. انطلقت منها ضحكة خافتة كلها عنجهية وهي تجيبها:
_هاتيهم طبعًا هو أنا أفديكي الساعة لما ادي دروس لولاد المعلم جلال دول زي عيالي. كانت جليلة ممنونة وسعيدة جدًا بالحوار الدائر بين زوجة ابنها الحالية وزوجته المستقبلية كما تعتقد. أما آسيا فكانت نظراتها المشتعلة ثابتة على تلك الفتاة ذات الوجهين التي تتلون كالحرباء أمامهم. لم يرتاح داخلها لها أبدًا بل وتخشى مجرد اقترابها من أخيها حتى. ولسوء حظها أنها سجلتها بقائمتها السوداء.
بنفس الوقت كان جلال مارًا من أمام الغرفة بمحض الصدفة. فلمحته جليلة وصاحت منادية عليه بسرعة: _جلال تعالى يا ولدي. توقف عند سماعه لصوت أمه وقاد خطواته نحوها دون أن يدري الكمين المنتظره بالداخل. وفور دخوله نقل نظره بينهم جميعًا باستغراب لكنه تدارك الأمر بلحظة ورحب بالسيدة هاتفًا: _كيفك يا أم محمد والحج ياسر كيفه؟ أجابته بود وابتسامة واسعة: _زين يا ولدي بيسلم عليك.
عدلت منيرة من جلستها لتصبح أخرى كلها غنج ونظراتها تحولت للرقة والخجل. حتى أن ذلك المكر الذي كان يملأ عيناها لم يعد له وجود وباتت تختلس النظرات لجلال بإعجاب. اسرعت جليلة قبل أن يغادر وأشارت بيدها على منيرة تقدمها له بإبتسامة تشق طريقها حتى أذنها دون اكتراث بردة فعله أبدًا بل تصرفت بقوة وتجبر يليق بامرأة مثلها: _دي منيرة بنت الحج ياسر. لساتها كانت عيلة صغيرة. دلوك كبرت ونورت وبقت عروسة كيف القمر ما شاء الله.
لم يكلف نفسه عناء الالتفات لمنيرة بل رمق أمه بنظرة نارية تحمل في ثناياها الكثير واستدار بعدها دون أن يتفوه ببنت شفة أخرى ليغادر الغرفة وهو يشتعل من فرط الغيظ. رغم تحذيره لها بعدم التدخل بينه هو وزوجته لكنها لم تنصت له ونفذت رغبتها. لم تكن آسيا حالها أفضل من شقيقها حيث تطلعت لأمها بقوة وغضب يشابه لجبروتها تمامًا. وما أشعل غيظها أكثر رؤيتها لفريال تجلس بجوارها بكل هدوء وسذاجة فرمقتها شزرًا وانحنت عليها
تهمس لها بلهجة صارمة: _ما تقومي ياختي روحي ورا جوزك شوفييه ليكون محتاج حاجة إكده ولا إكده بدل ما أنتي قاعدة تلكي وتعجني كيف حريم المصاطب. اتسعت عيني فريال بدهشة من طريقة آسيا معاها وكلماتها الحادة فقالت لها بغضب: _في إيه يا آسيا چرالك حاجة في نفوخك بتكلميني إكده ليه؟ ضحكت وردت عليها ساخرة: _أنا خايفة عليكي أنتي لتچرالك حاجة بعد إكده في نفوخك وتتچني. قومي روحي ورا جوزك يافريال وشوفي عيالك.
طالعتها فريال بخنق وقرف من أسلوبها الفظ واستقامت واقفة لتغادر الغرفة قبل أن ينشب شجار بينهم من دون داعٍ بسبب سخافتها. فتحت باب غرفتها ودخلت فوجدته يجلس فوق مقعد هزاز أمام الشرفة وقدميه تهتز بعنف من فرط الغضب. ضيقت عيناها باستغراب من تغير حالته المفاجئة. قبل قليل كان مزاجه جيد معهم بالأسفل. اقتربت منه برقة ثم وقفت خلفه ووضعت كفيها على كتفيه وراحت تدلكهم بلطف هامسة: _مالك يا جلال في حاجة ضايقتك؟
التفت لها برأسه وطالعها مطولًا بنظرات غامضة لم تفهمها ثم استقام واقفًا ورفع كفه يمرر أصابعه بدفء فوق وجنتها متمتمًا بقلق: _أمي قالتلك حاجة ضايقتك يا فريال؟ غضنت حاجبيها بحيرة وردت بعدم فهم: _لا مفيش حاجة أنا زينة الحمدلله. بس حاجة زي إيه قصدك؟ تنفس الصعداء براحة وابتسم لها بحب ثم انحنى عليها يلثم جانب ثغرها برقة مردفًا: _متاخديش في بالك.
ابتسمت له بنعومة رغم شعورها بأن هناك شيء يخفيه عنها لكنها لم تعقب وتجاهلت ذلك الإحساس تمامًا لتقول بنبرة طبيعية: _صحيح بت الحج ياسر منيرة اللي كانت تحت بتدي دروس والكل بيشكر فيها وبيقول عليها شاطرة قوي. إيه رأيك نوديلها معاذ وعمار؟ انكمشت ملامح وجهه واختفت ابتسامته ليجيبها بحزم رافضًا: _لا يافريال قولتلك أنا هشوف مدرس زين ليهم. قالت محاولة إقناعه: _تمام بس خلاص احنا لقينا مدرسة زينة يا حبيبي ليه تتعب نفسك.
جلال بغضب ونظرة قوية: _فريال وبعدين عاد. التزمت الصمت وتنهدت بيأس ممتثلة لقراره بينما هو فطالعها بضيق وحزن. والدته تحيك المؤامرات من خلفها وهي لا تدري وبسبب طيبة قلبها حتى لم تلحظ شيء إلى الآن وفوق كل هذا تريد إرسال أولادهم للدروس الخصوصية عند تلك الفتاة. التقط يدها ورفعها لفمه يلثم باطنه بمشاعر جياشة ويهتف:
_عملت إيه في دنيتي عشان ربنا يكرمني بست كيفك يافريال. مفيش في جمالك ولا حنانك وطيبة قلبك ربنا يخليكي ليا يا روح قلبي. لمعت عيناها بسعادة امتزجت بغرامها به لتجيبه بدلال يليق بها: _ويخليك ليا ولولادك يا سندي وضهري وحبيبي وجوزي. ضمها لصدره وراح يقبل شعرها وجبينها بقبلات متتالية وسط همسته المفعمة بمشاعر العشق: _بحبك قوي يافريالي.
ابتسمت باتساع وزادت من حميمية عناقهم تتشبث به أكثر بحب واطمئنان وشعور يفوق حتى الراحة بل هو الأمان بحد ذاته. داخل منزل إبراهيم الصاوي بتمام الساعة الثامنة مساءً. قاد عمران خطواته تجاه غرفة الصالون حيث يجلس أبيه. فوجده يتحدث بالهاتف مع العم سعيد وانهى حديثه بعبارة: _شيل عشرة كيلو من السمك البلطي اللي وصل ياسعيد. ضيق عمران عيناه باستغراب من طلب أبيه ليقترب ويجلس على المقعد المقابل له ينتظر إنهائه لمكالمته الهاتفية.
وفور انتهائه سأله بجدية: _عاوز تشيل العشرة كيلو دول لمين يا بوي؟ أجاب إبراهيم بكل بساطة: _لناس خليل صفوان. كيف ما أنت عارف هما مبقوش يشتغلوا في السمك من وقت موت خليل وبقى شغلهم كله على معرض الأجهزة الكهربائية اللي معاهم. رفع حاجبه مستنكرًا إجابه أبيه ليهتف بلهجة رجولية قوية: _اممم عارف. وأنت هتديلهم السمك ده ليه عاد؟ إبراهيم بنبرة حكيمة وهادئة:
الصلح تم يا ولدي وفضينا العداوة اللي بيناتنا خلاص. وقت عاد نرچع الود زي ما كان وترجع المايه لمجاريها من تاني. ضحك عمران ساخرًا وقال بنظرة مريبة: أنت عارف زين إن المايه عمرها ما هترجع لمجاريها تاني ولا الود هيرجع لا من ناحيتنا ولا من ناحيتهم كمان. إبراهيم: ادينا بنحاول يا ولدي!
أخذ عمران يتطلع بأبيه بشك، الأسئلة التي تدور بحلقة ذهنه ولا يجد لها إجابة تشعره بوجود أمر مريب. بينما إبراهيم عندما لاحظ نظرات ابنه له، هز رأسه بعدم فهم يحثه على التحدث وإفراغ ما بعلقه. ليخرج صوت عمران الغليظ وهو يهمس: أمرك عجب يا بوي. لو في حاجة مخبيها عني قولي قبل ما يكون الأوان فات. إبراهيم بثبات تام يحسد عليه: وأنا هخبي عنك إيه يا عمران؟ أجابه بنظرات مريبة وصوت أشبه بفحيح الأفعى:
معرفش.. بس جايز مثلاً تكون عارف حاجة عن اللي قتل خليل ومخبيها عني، أو ليك يد في قتله صح مثلاً!! انفعل إبراهيم بشدة وخرج عن طور ثباته وهدوئه ليصيح بابنه في عصبية: إيه اللي بتقوله ده اتخبلت في نفوخك ولا إيه يا عمران؟ بتشك في أبوك وأنا اللي بقول ولدي هيقف في ضهري ويقطع لسان أي مخلوق يقول كلمة عفة على أبوه. وأنت جاي تقولي قتلت خليل. خسارة تربيتي فيك. أنا طالع أنام وأريح جسمي شوية.
استقام واقفًا من مقعده وقاد خطواته لخارج الغرفة مستاءً من ابنه. بينما عمران فبقى مكانه يعلق نظره على أثر أبوه بجمود تام وكأنه لم يقتنع بحرف واحد مما تفوه به. ***
قاد إبراهيم خطواته تجاه غرفة زوجته الثانية بعد انتهاء جلسته هو وابنه. وكان عقله مشغولاً بما قاله عمران وشكوكه حول أن كان هو المتسبب في قتل خليل أم لا. لوهلة شعر أن عقله سينفجر من فرط التفكير والخنق فقرر اللجوء لزوجته علها تخفف عن همه قليلاً. وفور دخوله الغرفة وجدها تجلس فوق الفراش وبيدها إبرة وخيط وملابس قديمة تقوم بإعادة حياكتها من جديد.
لم يعلق أو يتفوه بكلمة بل أكمل طريقه نحو الفراش وألقى بجسده فوقه متأففاً بصوت عالٍ. فالتفتت عفاف تجاهه وسألته بتعجب: مالك يا حج تعبان ولا إيه؟ هدر بصوت مكبوت: كنت بتكلم مع عمران تحت. فور مرور اسم عمران من أذنيها، ولت كل اهتمامها للحديث وسألته بفضول: حصل إيه؟ تنهد الصعداء وقال بقوة: شاكك فيا وبيقولي أنا اللي قتلت خليل! شهقت عفاف بصدمة وقالت بغضب: وه ولدك باين له اتجنن يا إبراهيم.. بيشك في أبوه.
لم يجيبها وبقى صامتًا يتطلع في الفراغ بشرود حتى وجدها تكمل بحقد مضمور في نبرة صوتها الجافة: قولتلك مليون مرة ده ولد أمه إخلاص. مهيوقفش في ضهرك ولا يسندك لكن أنت اللي مفيش على لسانك غير ولدي عمران وبلال معاوزش تدخله في حاجة واصل بحجة أنه لسه صغير وبيدرس. حدجها شزرًا واعتدل في جلسته بسرعة يهتف بها في انفعال:
اوزني كلامك يا ولية ومتنسيش أن بلال ولدي كمان وأنا عاوزه يركز في دراسته عشان يطلع حاجة تشرف أبوه وعيلته كلها بعدين. عشان كده أنا مشيل عمران المسؤولية كلها لكن بعد ما بلال يخلص هو وأخوه هيبقوا ماسكين كل حاجة مع بعض. عمران الكبير هنا في البيت من بعدي أنا وعبد العزيز وعمره ما كره الخير لأخوه. أوعاكي يا عفاف تدخلي بيني وبين ولادي ولا تحاولي تكرهيني في ولدي. أصلًا العيب عليا أنا أني بحكيلك همي وبفضفض معاكي.
هب من الفراش واقفًا وسار باتجاه الباب وهو يتأفف بغضب. فأوقفه صوتها وهي تهتف بغيرة حارقة: رايح لإخلاص مش كده! رمقها بقسوة وهتف بتأكيد: أيوه على الأقل مش هتعكر مزاجي بزيادة كيف ما عكرتيه. بقت تتابع خطواته السريعة حتى غادر الغرفة بأكملها فقالت مستهزئة بأعين تلمع بالضغينة: ارمح عندها أما نشوف بعدين هي وولدها الغالي هيقفوا معاك ولا هيرموك للسمك اللي في البحر عشان ياكل جتتك. ***
خرجت آسيا من باب منزلها مرتدية عباءة سوداء فوق جلابيتها المنزلية ذات اللون الأصفر ويعلوها وشاح كبير من نفس اللون تلفه فوق شعرها الأسود والغزير بإحكام.
قادت خطواتها الثابتة مبتعدة عن المنزل، تسير بكل تباه وقوة غير مبالية بأي حد. كانت نظراتها مظلمة ومخيفة تمامًا كساحرة تستعد لإلقاء تعويذتها السحرية. استمر سيرها لدقائق طويلة حتى توقفت بأحد الشوارع الجانبية الذي لا يمر منها أحد سوى نادرًا. وظلت واقفة وتتطلع يمينها ويسارها تتفقد وصول الشخص الذي تنتظره. وفور وصوله أخذت نفسًا طويلًا وانتصبت في وقفتها بكبر لتوبخه بصرامة: أنا مش نبهت عليك آجي ألاقيك مستنيني.
أجابها الشاب معتذرًا: حقك عليا يا ست البنات. آسيا بحدة ونظرات مريبة: قصره. هتعمل اللي اتفقنا عليه الليلة وبكرا تبلغني أن كل حاجة تمت وزي الفل وحسك عينك حد يسمع بالكلام اللي بيناتنا ده يا خالد وإلا قول على نفسك يا رحمن يا رحيم. أنت عارفني زين وعارف أقدر أعمل إيه. هز الشاب رأسه بالإيجاب واسمًا بتوتر: طبعًا وهو مين ميعرفش يا ست الكل ده أنتي الكبيرة. آسيا: جدع وأصيل يا خالد. أنهت عباراتها وهمت بالانصراف لكنه
أوقفها بعبارته المتهكمة: والحلاوة يا ست آسيا ميتا هاخدها. رمقته بحدة وقالت بنبرة مهيبة: لما تنفذ اتفاقنا حلاوتك هتاخدها. ألقت عباراتها واستدارت تكمل طريقها عائدة إلى منزلها وكذلك الشاب غادر المكان مسرعًا.
أثناء سيرها في طريق عودتها مرت من أمام منزل إبراهيم الصاوي فرفعت رأسها للأعلى تلقي بنظرة مشمئزة على ذلك المنزل وإذا بها تجد عمران يقف بشرفة غرفته. التقت عيناهما مع نظرة جامدة وثاقبة منه تقابلها نظرة كلها شر ووعيد منها. وباللحظة التالية فورًا أنزلت رأسها وتابعت سيرها نحو منزلها. *** بتمام الساعة الثالثة عصرًا من اليوم التالي داخل وكالة العطارة الخاصة بعائلة إبراهيم الصاوي.
كان عمران يجلس على مكتبه الخاص يراجع الحسابات الأخيرة بالوكالة وفي تركيز شديد حتى قطع لحظات عمله رنين هاتفه الصاخب فالتقطه وأجاب على المتصل دون أن يرفع نظره عن الأوراق التي أمامه: الوو. أتاه صوت بشار بصوت رجولي غليظ: وينك يا عمران؟ رد باختصار شديد: في الوكالة يا بشار. بشار بجدية تامة: تعالى دلوك علطول على مخزن السمك. انتبهت جميع حواسه على أثر عباراته ولهجته المريبة فهتف: إيه اللي حصل؟ ظهر الغضب والانفعال
في صوت بشار وهو يجيبه: شحنة السمك اللي لسه واصلة أول امبارح لقيناها كلها معفنة في الثلاجات والسمك كله بايظ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!