مستلقية بجانبها على فراش تختها، كفها تحت رأسها على الوسادة، تتابع بأعين يقظة خيوط الضوء المتسللة عبر النافذة المغلقة، والمنذرة ببداية الصباح. لا تصدق أن هذا هو يومها كما يقال، لا تصدق أن أمرًا كهذا يتم بهذه السرعة ودون إرادتها ورغبتها، لا تصدق أنها ستغادر غرفتها ومنزلها وجدتها وتسكن وحدها مع رجل غريب عنها بمنزله. رجل أذاقها من الدلال وكلمات الغزل يومين قبل أن ينقلب لصورته الأول ويعود لتجبره وتسلطه معها. كيف لها أن تعترض الآن بالوقوف أمامه ومجابهته وقد غاب عنها سندها ومصدر أمانها دائمًا بسببه؟!
مسحت بكفها الدمعة التي سقطت على وجنتها سريعًا قبل أن تنهض بجزعها تلملم شعرها الذي تنحل عقدته دائمًا مع نومها، ثم نهضت بعدها عن التخت وقد أجمعت أمرها بالمضي قدمًا فيما قدر إليها، تاركة أمرها على المدبر الذي لا يغفل عنه شيء. ذهبت للمطبخ لتحضر وجبة الفطور قبل أن تذهب لغرفة جدتها التي وجدتها هي الأخرى مستيقظة، جالسة بجذعها تنظر في الفراغ بشرود، ويبدو على وجهها علامات الهم، وهي تعلم بداخلها جيدًا السبب وراء ذلك.
اقتربت تتصنع الابتسام وهي تهتف باسمها: -إيه يارقية؟ دا انتِ صاحية أهو، قال وأنا اللي كنت شاغلة بالي بصحيانك. ختمت جملتها بقبلة على رأسها، قابلتها رقية بنظرة غامضة قبل تلوي فمها المطبق وتشيح بوجهها عنها. -انتِ لسة برضوا لاوية بوزك مني ياستي؟ سألتها زهرة بعتب وهي تجلس بجوارها، تنهدت رقية قبل أن ترد عليها: -أمال عايزاني يعني أعملك إيه؟ أقوم أترقصلك مثلًا، حمد لله مشلولة.
كلماتها البسيطة كانت تلسعها كالسياط، وهي المجبرة قليلة الحيلة، لا تجرؤ على التفوه بالحقيقة حتى لا تزيد على أحزان جدتها، فيكفي عجزها ومرضها أيضًا. ضغطت على شفتها وهي تدعي عدم الفهم قائلة: -يعني هو انتِ لازم ترقصي؟ ياستي كفاية تفرحيلي، ماينفعش بقى تفرحيلي. ردت رقية وقد احتدت عيناها في النظر إليها: -بت انتِ، ما تعملهومش عليا، انتِ عارفة كويس قوي أنا قصدي إيه؟ أومأت برأسها تقول لها:
-عارفة ياستي ومقدرة كمان، بس هاعمل إيه أنا بقى؟ جاسر مضطر يتم الجواز بسرعة عشان عنده ظروف قوية لكده. ردت رقية باستنكار رافعة شفتها العليا: -ظروف إيه دي يا أختي اللي تخليه يلم جوازتك منه في ظرف أيام قليلة من غير حتى ما ربنا يقدره يستنى خالك، خالك يا زهرة اللي رباكي وكأنك حتة منه ولا انتِ نستيه يا بت؟
هنا لم تقوى زهرة على الإنكار أكثر من ذلك، فخرجت شهقتها المكتومة بعنف، جعلت رقية تلتف برأسها إليها مجفلة، فوجدتها تبكي بصوتٍ مكتوم ووجهها مغرق بالدموع. انفطر قلبها لرؤيتها فجذبتها سريعًا لداخل أحضانها، تشدد عليها بذراعيها وهي تردف: -بس لو تفهميني إيه اللي صايبك، بدل ما أنا حاسة نفسي كده زي الأطرش في الزفة. كانت تبكي وفقط، تفرغ مع دموعها الحزن والقهر من داخلها، ورقية تربت على ظهرها بحيرة، حتى سألتها أخيرًا:
-هو بيهددك بحاجة يا بت ولا ماسك عليكِ ذلة؟ انتفضت زهرة تخرج من أحضانها تنفي وهي تمسح بكفيها لتزيح أثر الدمعات: -لأ طبعًا انتِ ليه بتقولي كده ياستي؟ تنهدت رقية قانطة وهي تضرب بكفيها ترد عليها: -طب عايزاني أقول إيه بس؟ وأنا شايفة الوضع كده مش مريحني، دا غير كمان خلقتك انتِ اللي متغيرة، حتى لو كنتِ بتمثلي الضحك والفرحة قدامي أنا كشفاكي يا بت. ابتسمت زهرة رغم ما تشعر به على فراسة جدتها قبل أن ترد:
-طب لما انتِ كشفاكي كده وحاسة بيا، ليه بقى زعلانة مني؟ مش تقدري كده خوفي من دنيا جديدة داخلة عليها. ردت رقية وهي رافعة حاجبها بتشكك: -يعني انتِ كل المشكلة عندك، هو خوفك من الدنيا الجديدة اللي داخلة عليها؟ وخالك بقى نستيه؟ -أنسى مين بس ياستي؟ هتفت بها تبتلع الغصة المؤلمة بحلقها قبل أن تكمل:
-أنا عارفة إن خالي عمره ما هايتخلى عني حتى لو غلطت، وعلى العموم أنا عملت اللي عليا معاه في الاتصال والمحايلة، والباقي عليه هو بقى! غمغمت الأخيرة بصوتٍ خفيض لم يصل إلى رقية التي انتبهت على صوت جرس المنزل: -طب قومي ياختي شوفي مين اللي جايلنا على أول الصبح كده ومش صابر حتى لما الشمس تطلع كويس. نهضت زهرة تعدل من هيئتها وشال رأسها. فتحت لتجد والدها يقتحم المنزل مهللًا وخلفه زوجته وبناته الثلاثة:
-صباح الخير يا ست العرايس ياقلب أبوكي، عاملة إيه النهاردة؟ لم تجبه زهرة فقد انشغلت عنه بتلقي المباركة والتهاني من زوجة أبيها سمية وهي تحتضنها بمودة حقيقية: -ياحبيبة قلبي ربنا يتمم بخير يارب ويفرحك يا زهرة. ردت زهرة بابتسامة ممتنة قبل أن تعيد الكرة مع صفية وشقيقاتها الصغار، الحسنة الوحيدة لأباها كما كانت تقول دائمًا. فرك خلفهم بكفيه محروس قائلًا بحماس: -ها يازهورة، جهزتي نفسك بقى؟ هتفت رقية نحوه من الداخل:
-جهزت نفسها لإيه بس ياراجل انت؟ هو احنا لسة اصبحنا ولا فطرنا حتى. اندفع إليها متبخترًا يقول: -الله بقى، مش لازم أسأل أنا وأطمن على كل حاجة، بحيث بقى لما تيجي عربية العريس اللي هاتخدنا عالفيلا بتاعة الباشا، يلاقينا جاهزين ومش ناقصنا حاجة ولا إيه يا حماتي؟ -يييييه، دا رجع يقولها من تاني، وأنا اللي قولت إني استريحت منها، الله يسامحك على الورطة السودة دي يا حاج ويرحمك. غمغمت بها بقرف رقية وهي تشيح عنه بوجهها، قبل
أن تلتفت على كلمات سمية: -زهرة ياحبيبتي، خلصتي كل حاجتك ولا عايزة مني مساعدة؟ -حاجة إيه؟ تسائل بها محروس ببلاهة قبل أن تنهره رقية: -وانت مالك انت؟ مش جيت ونبهت على ميعاد الباشا بتاعك، جر عجلك بقى وانزل تحت استنى عربيته، احنا مش فاضين. غمغم محروس بكلمات غير مفهومة بحرج وهو يخرج من الشقة ويتركهم. فور مغادرته التفتت سمية لزهرة تسألها: -ها ياحبيبتي مردتيش يعني؟ ردت زهرة متبسمة: -حاجة إيه بس يا خالتي؟
هو انتِ شوفتيني يعني جايبة الجهاز اللي مالي البيت، دي كلها شوية هدوم عبيت بيها الشنطة، والباقي يعني، حاجات بسيطة مش مستاهلة. -خلاص ياقمر، ادخلي انتِ الحمام خديلك شور زي مابيقولوا البنات كده، على ما أنا روقتلك الحاجات دول، وصفية بقى تحضر الفطار. -تسلمي يا غالية يا بنت الأصول، نردلك تعبك يارب في بناتك ياحبيبتي. هتفت بها رقية لسمية التي ردت: -تعب إيه بس يا خالتي؟ وأنا يعني عملت حاجة؟ شهقت رقية قائلة بشقاوة:
-اهاا دا كفاية تعبك معاها امبارح يا أختي وهي دي شوية؟ تغير وجه زهرة وهي تنهض مغادرة بحرج، ضحكت لها سمية وهي تقول لرقية: -كسفتيها يا خالتي، وبنت بنتك دي مشكلة لوحدها. لوحت رقية بكفيها الاثنتان أمامها في الهواء تردف وهي تلوك فمها على الجانبين: -انتِ هاتقوليلي يا أختي، ما أنا عارفاها خيبة. ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
خرجت كاميليا من بنايتهم، متوجهة إلى سيارتها كي تلحق بصديقتها التي نبهت عليها من الأمس بالذهاب إليها صباحًا اليوم، متخلية عن يوم عمل لها بالشركة. وصلت إلى سيارتها وقبل أن تهم بفتحها فوجئت بمن يهتف عليها باسمها، التفتت فوجدته أمامها يقترب بخطواته إليها. رفعت نظارتها إلى مقدمة شعرها وهي تقول باستغراب: -عماد. رد وهو قد وصل إليها: -أيوة عماد يا كاميليا، انتِ عاملة إيه؟ ردت وهي تمط بشفتيها:
-كويسة ياسيدي، بس انت اخبارك إيه بقى؟ أومأ برأسه بابتسامة خفيفة يرد عليها: -كويس أنا ياستي والحمد لله، لقيت شغل جديد بعيد عن عزبة الريان وابنه. أومأت برأسها تبتسم بحرج وتردد: -حلو قوي يا عماد، انت شاطر أساسًا وشغلك مطلوب في كل الأماكن. أجفلها مباغتًا بسؤاله: -هي عاملة إيه دلوقت؟ -هي مين؟ سألته باستفسار، أجابها هو:
-أقصد زهرة يا كاميليا، رغم أنها اتخلت عني وقت الخناقة، بس أنا عاذرها، ما أنا برضوا غلطان في اندفاعي عليها بدون تفكير، وهي أكيد خافت من الفضايح، يعني كان لازم أقدر. تبسمت بخفة تجيبه: -خلاص يا عماد ولا يهمك، أنا هاكلمها وأقولها اطمن و ما تقلقش. همت لتتحرك ولكنه أوقفها قائلًا: -مقلقش إزاي بس يا كاميليا؟ وأنا قلبي بياكلني وخايف عليها لتتجوز الراجل ده اللي بتقول عليه غادة، أنا مش... -بتقول مين؟ هتفت كاميليا
مقاطعة واستطردت سائلة: -هي غادة اللي قالتلك على موضوع العريس، وقالتلك بقى اسمه إيه كمان؟ -لا مقالتش يا كاميليا. تنهدت بارتياح قبل أن تستمع لباقي كلماته: -بس أنا عايز أعرفه وعايز أشوف زهرة عشان أوقفها عن جوازها منه. جحظت عيناها فردت بذهول: -توقف مين يابني؟ ما خلاص يا عماد كل واحد يشوف نصيبه، ثم انت وهي مكانش في مابينكم حاجة يعني عشان تديك الحق توقف جوازها زي ما بتقول. قال بإصرار:
-لا كان في مابيننا إعجاب متبادل يا كاميليا، بدليل إن بنت عمتها بنفسها لاحظت وقالتلي. جزت على أسنانها تتمتم بالكلمات الغاضبة نحو هذه الغادة، واستطرد هو برجاء: -كلميها والنبي يا كاميليا، قوليلها إن عماد مستعد يتقدم، وعندي بدل الشغلانة اتنين، اينعم أنا مش هبقى غني زي اللي اتخطبتلو، بس على الأقل مش هاخليها محتاجة حاجة، خليها تقنع أبوها بكده.
تعرقت وارتبكت أمام الحاحه وهي لا تجد من الكلمات المهونة له، ولا تريد خداعه أيضًا فزهرة زواجها اليوم ولو أخبرته، لربما قام بحركة مجنونة كما فعل سابقًا وكان سببًا في حدث اليوم. ردت أخيرًا بتهرب: -طب أنا هبقى أشوف الموضوع دا يا عماد وأقولك، عن إذنك بقى عشان متأخرة ماشي. قالت الأخيرة واستدارت لتفتح باب سيارتها سريعًا، ردد هو من خلفها هو: -طب ما تنسيش يا كاميليا اللي قولتلك عليه.
دلفت لسيارتها لتدير المحرك كي تهرب سريعًا من أمامه، وظل هو على وضعه واقفًا حتى تحركت بسيارتها واختفت من أمامه تمامًا. ..................................... وفي الحارة انتشر خبر زواج زهرة اليوم من عريسها العربي كما أشاع والدها. كانت تدلف النساء الجارات على المنزل كي يلحقن بابنة حارتهم لتهنئتها والمباركة، قبل ذهابها بصحبة أهلها.
كانت غادة ومعها والدتها وصلن مع أول إشراق الصباح، يدعين الفرح والوقوف بجانب زهرة مع مواصلة فضولهن في معرفة كل صغيرة وكبيرة حدثت أو سوف تحدث. وصلت كاميليا لتنضم إلى صحبة المنزل الممتلئ على آخره من النساء الجالسات بجوار رقية في الصالة، وصفية وأشقائها يضيفن الجميع بالعصائر والمشروبات. ألقت كاميليا نظرة نارية نحو غادة قبل أن تتجه لسمية تسألها عن زهرة. أجابت سمية وهي تشير بسبابتها:
-زهرة قاعدة في أوضتها ياحبيبتي بتلبس لها هدوم للخروج، حكم العريس اتصل وقال إنه خلال نص ساعة والسواق هايوصل وياخدها. -طب كويس. أومأت برأسها كاميليا كي تذهب إليها ولكن قبل أن تتحرك ألقت نظرة أخيرة نحو غادة. وحينما وصلت إلى غرفة زهرة وطرقت على بابها بخفة، وصلها الصوت من الداخل: -أيوة مين اللي على الباب؟ أجابتها بصوتٍ مرح: -أنا كاميليا صاحبتك يا عروسة. فتحت زهرة فور سماعها بالاسم، لتدخلها وتصفق الباب على الفور خلفها.
خبأت ابتسامة كاميليا وهي تجد النظرة الغريبة من زهرة بوجهها العابس: -إيه مالك؟ شكلك متغير كده ليه؟ تنهدت مطولًا صامتة قبل أن تتركها وتجلس على تختها بشرود ووجهٍ يكسوه الهم. جلست خلفها كاميليا على الكرسي المقابل لها تسألها بقلق: -ايه يابنتي جرا إيه؟ بقى دا شكل واحدة جوازها النهاردة؟ -خايفة. تفوهت بها زهرة وسألتها كاميليا: -خايفة ليه ياحبيبتي؟ ردت زهرة وهي تزدرد ريقها الجاف:
-مش عارفة صراحة، إزاي هاتلم مع راجل غريب عني في بيت واحد، راجل كنت بخاف ما أبص له حتى ودلوقتي هابقى مراته و...... قطعت جملتها وصدرها يصعد ويهبط دون توقف بتوتر حقيقي وصل إلى كاميليا التي نهضت لتجلس بجوارها، تطمئنها بابتسامة متسعة: -يابنتي ليه القلق دا كله بس؟ هو غول وهايكلك يعني؟ الخوف والقلق دا شيء عادي عند كل عروسة، لكن معاكِ انتِ كده بزيادة ممكن يجيبلك أزمة قلبية. خاطبتها زهرة بنظرة مترجية:
-بجد، يعني دا فعلًا شيء عادي؟ ردت بابتسامة مطمئنة قبل أن تقبلها على وجنتيها: -والله يا شيخة شيء عادي، لكن انتِ يعني لو مش حاسة بناحيته بأي شعور، كنتِ قبلتي تتجوزيه أساسًا؟ لعقت شفتيها تجيبها بتفكير: -مش عارفة صراحة، بس أنا لما بسمع كلامه أما يكون رايق بحس كده براحة غريبة وأحيانًا كتير بيبقى فرح، بس بقى لما بيقلب، بكش في جلدي على طول منه! ردت كاميليا بابتسامة بشوشة:
-يابنتِ مدام في إحساس؛ يبقى خير والله، وكل اللي في عقلك دي مجرد خوف مالهوش داعي، قومي بقى جهزي نفسك كده وفرفشي، دي نسوان الحارة عامليلك مهرجان ولا كأنك حتى هاتتجوزي أمير خليجي. استجابت لها زهرة ترد: -البركة في أبويا وفشره بقى، دا يعمل من البحر طحينة. قالت كاميليا بمرح: -حلو يازهرة، الصيت ولا الغنى بقى، وعلى العموم يعني هو مبعدتش كتير، ماهو جاسر برضو...... قطعت جملتها على أثر النداء الذي وصل إليهم من خارج الغرفة:
-يازهرة عربية العريس وصلت. فتحت كاميليا باب الغرفة، فدلت غادة قائلة بلهفة لزهرة: -إمام وصل يازهرة ومعاه كرسي بعجل لستك عشان ياخدها معاكي في العربية، يلا بقى عشان أركب معاكم أنا كمان. -تركبي فين يا غادة؟ العربية يدوبك للعروسة وستها. قالت لها كاميليا بحدة أجفلتها، وردت غادة: -طب وايه يعني؟ ما أنا كمان بنت عمتها وزي اختها. ردت كاميليا مشددة على حروفها:
-مش اختها يا غادة، ثم إن أخواتها اللي بجد بقى قاعدين مكانهم وهايستنوا العربية التانية، جاسر باعت العربية دي لزهرة وجدتها بس، خليكِ انتِ واركبي معايا في عربيتي. صكت غادة على فكها وهي تلتفت لزهرة تنتظر منها رد فعل ولكن الأخرى تجاهلتها كي تظبط حجابها أمام المرآة، مما جعلها تغادر وهي تدب بأقدامها على الأرض بغيظ. ...................................
بداخل السيارة كانت تتابع من النافذة الطرق الغريبة عنها في هذه المنطقة الراقية والتي تظن أنها دخلتها سابقًا، حينما خرجت من منزله ليلاً، بعد حادثة السمسار.
لكن هذه المرة الرؤية تختلف تمامًا في وضح النهار عما سبق، ترى المنازل المصطفة بتباعد، يجعل كل أسرة تسكن وكأنها في مدينة وحدها، المجتمع المخملي والتي لم تطمح بحياتها باقتحامه أو حتى الاقتراب منه، سوف تصبح الآن جزءًا منه. أم أنها ستكون فقرة في حياتها وتنتهي حينما ينتهي منها الباشا الكبير كما قالت لها غادة. قبل يومين.
كانت زهرة جالسة بشرفتها تتأمل المغيب، وقد جفت دموعها بعد انهيارها في الهاتف برسالة سجلتها لخالها، علّ قلبه يرق ويسمعها، ويرحمها من جفاءه معها. تريده سندها وسدها المنيع في الأيام القادمة، وقد أصابها الخوف من عودة جاسر لهيئته القديمة، وإصراره على إتمام الزواج بهذه السرعة في الوقت القليل متحديًا رغبتها في الانتظار. تفاجأت بمن تقتحم عليها الشرفة هاتفة:
-ها يازهرة، دا أنا سمعت إن جاسر باشا حدد ميعاد كتب كتابه عليكِ خلال يومين؟ ردت زهرة بسأم: -مش سمعتي من أبويا يبقى صح. -اممم. زمرت قليلًا بتفكير قبل أن تسألها: -طب وعلى كده بقى حددتي هاتعملي معاه إيه بعد الجواز؟ هزت رأسها تسألها باستفسار: -قصدك إيه يعني مش فاهمة؟ شهقت غادة مستنكرة تردد: -ياعبيطة، بقى مش تحددي انتِ عايزة منه إيه؟
دا فرصة ولازم تعرفي تستفيدي منها كويس، أو تهبشي منه على قد ما تقدري بعد ما تتجوزيه، انتِ ماتضمنيش ياحبيبتي، إمتى يزهق منك أو فجأة يطلقك ويرميكي بعد ما تعرف مراته، دي جوازة على كف عفريت يا ماما. ردت بصدمة وعدم تصديق وكأن هذا ينقصها: -معقول دا ممكن يحصل صح؟ تنهدت غادة قائلة بسأم: -وما يحصلش ليه بس يا بنت الناس؟ أنا بوعيكِ يازهرة، عشان ماتجيش بكرة تتصدمي لما تطلعي من المولد بلا حمص، طب استني كده ثواني.
قالت الأخيرة قبل أن تبحث في الهاتف قليلًا، ثم تضعها أمامها لتتناوله قائلة: -طب بصي كده وشوفي بنفسك وانتِ تتأكدي. ردت زهرة وهي تنظر في صور امرأة جميلة بعدة أوضاع في أماكن مختلفة وترتدي ملابس متحررة تشبه النجمات: -مين دي؟ أجابتها وهي تراقب تغير ملامحها: -دي مراته ياحبيبتي بنت الوزير ودي صفحتها يا أختي عالفيس، كل يومين تنزل صور من الفسح والسفريات بتاعتها، شوفتي بقى هي عايشة حياتها وحلوة إزاي؟
مش بقولك يا بنتِ، لازم تاخدي بالك وتعملي حساب اللي جاي. -وصلنا خلاص. فاقت من شرودها على الصوت الغليظ لإمام وهو ينبهها. أخرجت رأسها من النافذة لتجده أمامها، واقفًا أعلى الدرج الرخامي أمام الباب الداخلي للمنزل في انتظارهم. وبمجرد توقف السيارة بالقرب منه، هبط درجاته حتى فتح لها باب سيارتها يستقبلها بابتسامة رائعة وهو يتناول كفها ويساعدها في الترجل من السيارة، يهمس بجوار أذنها: -نورتي بيتك يازهرة.
التقطت عيناه بخاصتيه لتفاجأ بهذا البريق الوامض بقوة داخل مقلتيه، يعتلي فمه ابتسامة جانبية، قبل أن يتركها ملتفًا حول السيارة ليستقبل رقية التي ساعدها إمام في الترجل على الكرسي المتحرك. -عاملة إيه حاجة؟ أنا جاسر. اشتدت ملامحها قليلاً رقية قبل أن تلين إليه قائلة: -أهلًا ياباشا، مش انت العريس برضوا. دنا إليها بجذعه يرد بابتسامة: -أيوه يا أنا يا حاجة، نورتيني. تنهدت رقية قائلة بلطف: -دا نورك يا بني، ربنا يتمم بخير.
-إن شاء الله يا حاجة، تعالي بقى معايا. قال الأخيرة ليمسك بالكرسي ويصعد به الدرج أمام أنظار زهرة التي تسمرت محلها. وهتف هو ينبهها: -يالا يازهرة، انتِ هاتفضلي واقفة مكانك ولا إيه؟ بداخل المنزل الكبير كان في استقبالهم امرأة خمسينية جميلة الهيئة بابتسامة أنيقة اقتربت منهم، فقال جاسر يقدمها لهم: -دي عمتي علية يازهرة، دي اعتبريها صاحبتي مش عمتي. أومأت لها زهرة بابتسامة رقيقة فاقتربت المرأة ترحب بها وبجدتها.
-أهلًا يا حاجة نورتينا. -دا نورك يا حبيبتي. كان رد رقية والتفتت المرأة تخاطب زهرة: -وانتِ يا قمر، دا جاسر كان عنده حق بقى. شعرت زهرة بدفء ومودة نحو هذه المرأة مليحة الملامح مع صوتها الذي ينبض بالحنان فردت بابتسامة متسعة إليها وصوتٍ خفيض: -تسلمي انتِ ربنا يخليكِ. قال جاسر: -طب يا جماعة أسيبكم تتعرفوا أكتر على بعض وأنا هاخد زهرة أعرفها على المكان على بال ما توصل الميكب أرتست. سألته زهرة بعدم تركيز:
-والميكب أرتست ليه بقى؟ تناول كفها يسحبها معه وهو يجيبها بابتسامة متلاعبة: -عشان كتب الكتاب يازهرة، هو انتِ نسيتي ولا إيه؟ ................................... كأنها في دوامة، مستسلمة لسحبه لها؛ تسير بآلية وهو يعرفها بغرف المنزل الشاسع الفسيح، مع رفاهية لم ترها مثلها حتى في أقصى خيالاتها، لا تصدق ولا تعترض ولا تشعر بشيء من هذه الفرحة التي تشعر بها العروس في يومٍ كهذا.
وصل بها إلى غرفة أخرى كباقي الغرف، ولكن يبدو أن هذه كانت مميزة. سحبها لتلج معه داخلها: -دي بقى هتبقى أوضتنا يازهرة. -أوضة إيه؟ للمرة الثانية تجاوبه ببلاهة وعدم تركيز. أثارت ابتسامة عبثية على وجهه وهو يرد: -في إيه يابنتي؟ انتِ النهاردة فاقدة التركيز تمامًا، بس أنا عاذرك برضوا، تعالي بقى شوف الهدوم اللي أنا جبتها ونقيتها بنفسي. قال الأخيرة وهو يفتح الضلفة الوسطى في خزانة الملابس الضخمة، أشار لها بيده قائلًا:
-دي بقى هدومك للخروج، دريسات وهدوم واسعة كلها على نفس النظام اللي انتِ ماشية عليه، حتى شوفي كده. قال وهو يناولها إحدى القطع المعلقة بشماعتها، أومأت له قائلة بذوق: -حلو وجميل. -حلو وجميل! ردد خلفها باستغراب وهو يفتح ضلفة أخرى للبيجامات والملابس البيتية المريحة وهي تهز برأسها التي ذهب منها التركيز إلى غير رجعة وحل مكانه صداع غير عادي، حتى فاجأها بقطعة......
غريبة جعلتها تفوق من غفوتها، فشدتها منه سريعًا تعيدها مكانها وتقفل عليها باب الضلفة بغضب. ردد هو بعبث: -إيه يابنتي، بتشديه كده ليه؟ هو حاجة غريبة يعني؟ هتفت غاضبة: -لأ مش غريبة، بس انت ماينفعش تخليني أشوف حاجة زي دي؟ -ليه بقى؟ دا اللي منقيهم ومشتريهم بنفسي؟ قال بتسلية واستمتاع مما أثار غيظها أكثر، فهتفت وهي تدب بأقدامها مغادرة: -أنا أساسًا اللي غلطانة عشان جيت معاك، وانت جررني كده من إيدي زي البهيمة. أوقفها مقاطعًا
قبل أن تخرج من الغرفة: -ماتقوليش على نفسك كده يازهرة، أنا مش عيل مراهق عشان أعمل معاكي الحركات القرعة دي. توقفت محلها متكتفة الذراعين، تستمع إليه على مضض، واستطرد هو: -أنا عارف إنك زعلانة وجواكي إحساس إني غصبتك على جوازك مني من غير رضا خالك، بس أنا مكانش ينفع أتأخر أكتر من كده بعد اللي حصل من الأستاذ عماد في الشركة. -ماينفعش ليه؟ سألته باقتضاب وكان جوابه:
-مش لازم تعرفي دلوقتي يازهرة، خلي كل حاجة في وقتها، المهم بقى تعالي شوفي أنا جايبك هنا ليه أساسًا. تحرك بأقدامه حتى اقترب من التخت، فتناول من فوق الفراش، فستان سهرة باللون العسلي. التمست نعومته من مكانها بدون أن تلمسه، بقصة بسيطة صممت بيد خبيرة، تُظهر جمال الفستان دون تكلف. -إيه رأيك بقى؟ -ماهانش عليك تخليه أبيض. غمغمت بها بداخلها قبل أن تجيبه مطبقة على شفتيها: -كويس وجميل، جميل جدًا. رد جاسر وهو يلقي نظرة
أخرى على الفستان وعليها: -حاسس إنه ها يطلع يجنن عليكِ، رغم إني معرفش مقاساتك بالظبط، بس أنا نقيته بإحساسي. احتدت عيناها قبل تلتف مغادرة من أمامه تعض على شفتها بغيظ منه، أطلق ضحكة مجلجلة وهو يعيد الفستان لمكانه كي يلحق بها: -طب استني طيب، بلاش الظن السوء دا، أنا بتكلم بنية صافية. .............................
في المساء وقد حضر العدد المحدود من المدعوين من عائلتها، ترحب بهم عمته الوحيدة ومعها طارق صديقه ومدير أعماله كارم بالإضافة إلى الخدم الموثوق بهم. حضر المأذون ينتظر بالبهو، وهي مازالت في غرفتها مع الميكب أرتست، ومعهم كاميليا التي جهزت نفسها معها بالداخل. أما غادة فاختارت أن تذهب إلى أقرب بيوتي سنتر في المنطقة، مضحية بمبلغ هائل من مال أبيها كي تبهر الجميع بإطلالتها.
وهذا ما حدث حينما اقتحمت المنزل بفستان عاري من الكتفين، وضعت عليه شال خفيف، يخفي ولا يخفي؟ لفتت أنظار الجميع إليها وأولهم كان إمام، الذي شاكسها بنظراته المتفحصة لها كعادته. تجاهلته هي وارتكزت أنظارها على جاسر الذي لم يلتفت أساسًا فقد كانت عيناه مرتكزة نحو الردهة المؤدية لغرفة عروسه.
ألقى نحوها طارق نظرة جريئة كعادته أسعدتها قبل أن تنضم لوالدتها في جلستها مع الجميع في انتظار العروس التي خرجت أخيرًا بفستانها العسلي بصحبة كاميليا التي ارتدت فستان من اللون النبيتي طويل حتى الكاحل، أظهر رشاقتها وأناقتها الدائمة وشعرها المصفف بعناية، يتراقص مع خطواتها.
بجوار زهرة التي فاجأت الجميع بجمالها، فستانها الذي انسدل عليها بنعومة أظهر لأول مرة جمال جسدها الملفوف، وجهها الذي لم تطئه فرشاة التجميل سابقًا، كان اليوم يصرخ بجمالها. أمام الجميع الذين فغروا أفواههم بذهول نحوها، كاد قلبه هو أن يتوقف، ظل متسمرًا محله وعيناه تلتهم تفاصيلها حتى أجفله طارق بنكزة بمرفقه، يهمس إليه: -فوق يابني مش كده فضحتنا، روح هات عروستك مش كفاية أبوها الراجل المبلم ده.
أومأ برأسه بعدم تركيز، فتحرك بخطواته السريعة نحوها، حتى إذا اقترب، ألقى التحية لكاميليا التي بادلته بابتسامة ثم همس بجوار أذنها بصوتٍ متحشرج من فرط ما يشعر به: -قمر يازهرة، مهما أوصف مش هاقدر أوفي جمالك حقه. أومأت بخجل وعيناها الجميلة التي رسمت بحرفية تخفضها عن عيناه المتصيدة. تنفس بعمق وهو يتناول كفها التي اندهش من برودتها قائلًا وهو يسحبها معه: -إيه يابنتِ؟ إيديكِ ساقعة أوي كده ليه؟
لم ترد واستسلمت للسير معه رغم العواصف الدائرة برأسها دون توقف، حتى أجلسها بجوار جدتها التي قبلتها بحنان على رأسها بفرحة حتى كادت توشك على البكاء. كاميليا والتي وقفت تراقب من محلها وهاتفها بيدها، تفاجأت بطارق الذي أتى إليها يلقي التحية: -مساء الخير، اللي يشوفك يقول عليكِ انتِ كمان عروسة. ردت بابتسامة رائعة: -مرسي، وانت كمان اللي يشوفك يقول عليك عريس. رد بمغزى: -يااارب، يسمع منك قريب، وتحن اللي قلبي هايموت عليها.
رفعت أنظارها إليه بتساؤل قبل أن تلتفت إلى الهاتف الذي صدح بيدها، فاستأذنت منه قائلة: -طب معلش عن إذنك يا طارق، عشان عندي حاجة مهمة. -حاجة إيه؟ تفوه بها باستغراب وهي تغادر من أمامه نحو باب الخروج، هم أن يلحقها ولكنه تذكر المأذون وشهادته على عقد زواج صديقه، فعاد للجلوس أمام كارم الذي كان ينظر إليه بملامح مغلفة، بعد أن تابع حديثه مع كاميليا. وعند جاسر الذي كان يستعد لعقد قرانه تفاجأ بزهرة وهي تشير إليه بتردد.
نهض من مقعده ليجلس بجوارها سائلًا: -نعم ياقلبي، عايزة إيه؟ قالت مستجمعة شجاعتها: -كنت عايزة أطلب منك قبل مانتجوز يا جاسر. رد بابتسامة مشجعة: -قصدك شروط يعني، قولي ياحبيبتي. أراحها أسلوبها فقالت: -اوعى تحرمني من زيارة ستي أبدًا ولا في أي وقت يا جاسر. -عيوني. أردف بها مشيرًا بسبابته نحوهم، فتابعت هي: -والشغل، أرجوك يعني مهما حصل مابينا، ماتبعدنيش عنه، أنا مصدقت لقيت نفسي فيه. نظر إليها بحنان صادق قائلًا:
-مش هاحرمك من الشغل يازهرة. أكملت بعفويتها: -وعلى العموم يعني أنا ممكن أشتغل مع الأستاذ مرتضى لو حصل أي حاجة مابينا و...... -مافيش شغل مع حد تاني غيري يازهرة. أردف بها مقاطعًا قبل أن يعود لمجلسه وقد انقلب وجهه في أقل من ثانية. عم الهدوء المكان ورجل الدين يبدأ في أول مراسم العقد، قبل أن ينتبه الجميع فجأة على صيحة رجولية خشنة من المدخل: -استنى يا عم، مافيش كتب كتاب من غيري.
ارتفعت أنظار الجميع نحوه ثم انتبهوا على صرخة من زهرة التي تناست كل شيء ونهضت مهرولة إلى الرجل، غير عابئة بشكلها كعروس مرددة: -خالي...... تلقفها هو من وسط المسافة يحتضنها بشوق رافعًا أقدامها على الأرض بمسافة مرددًا بمرح مع ضحكاته المجلجلة بقلب البهو الفسيح: -كبرتي يابنت فهمية وبقيتي عروسة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!