الفصل 5 | من 160 فصل

رواية نعيمي وجحيمها الفصل الخامس 5 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"

المشاهدات
26
كلمة
4,198
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

برقت عيناها التي أشاحتها عنه بارتباك فور أن دلف المصعد معها. تكاد أن تلتصق بمرآة المصعد كي تبتعد بقدر الإمكان عنه في هذه المساحة الضيقة التي جمعتها به. تشعر بانسحاب الهواء من حولها وقد شلت المفاجأة تفكيرها. تذكر جيدًا أنها كانت تقف وحدها في انتظار المصعد. إذن متى أتى لينحشر معها في مصعد الموظفين ويترك المصعد الخاص به كرئيس الشركة؟

قلبها يضرب بصدرها كالطبول بين أضلعها. تنظر للوحة الإلكترونية وكأن حياتها تعلقت بالأرقام الحمراء. "طالعة الدور الكام؟ هاتفت بها إليه بعدم تركيز. اعتلت ابتسامة ساخرة بزاوية فمه وهو يردد: "بسألك أنتِ طالعة الدور الكام، إيه مافيش تركيز؟ ازدردت ريقها وهي تحاول أن تبتلع توترها في وجود هذا الرجل المخيف. رغم تعجبها من السؤال، جاهدت حتى يخرج صوتها ببعض الثبات: "ا الملفات اللي في إيدي دي هاطلعها للإدارة فوق في الدور السادس."

"طب وخايفة وانتِ بتكلميني ليه؟ حد قالك إني هاخطفك مثلًا؟ يسألها بتسلية وعيناه المتفحصة تلاحق كل تفصيلة بوجهها دون حياء. تقسم بداخلها أن هذا الرجل سيقتلها رعبًا بأفعاله معها. وبكذبة مفضوحة، نفت برأسها تنكر: "لا حضرتك أنا مش خايفة." "بجد!

تفوه بها وانفرج ثغره بابتسامة شيطانية حينما تحركت أقدامه نحوها بخطوة واحدة جعلتها ترتد للخلف شاهقة برعب. دوت ضحكة رجولية صاخبة منه في قلب المساحة الضيقة، مستمتعًا برد فعلها والرعب الذي ارتسم على ملامح وجهها. ثم من دون كلمة أخرى التف ليخرج مغادرًا المصعد حينما انفتح الباب الإلكتروني على الطابق الذي يقصده. تسمرت زهرة محلها فاغرة فاهها بأعين متوسعة بجزع، تراقب خروجه بهيبته المعتادة وكأن شيئًا لم يكن. حتى انغلق الباب أوتوماتيكيًا حاجبًا رؤيته أمامها. مصدومة مذهولة، لا تجد تفسيرًا لفعل هذا الرجل معها؟

هل هذه كانت مشاكسة لموظفة عادية تعمل بشركته؟ كرئيس يتمتع بروح الفكاهة وليس أنه رجل كشري ومقلوب الحاجبين دائمًا كما تصفه كاميليا؟ أم يكون متعاطيًا لإحدى المخدرات ولا يعي ما يفعل؟ كأبيها الذي يصبح يوميًا متقلب الأحوال حسب الصنف الذي يتجرعه؟! رفعت هاتفها الذي بيدها لتضغط على الرقم الذي تعرفه جيدًا وتتصل. أتتها الإجابة على الفور. "الو... أيوه يا زهرة عايزة إيه يا قلبي؟ "نعم بتقولي إيه؟ تفوهت بها كاميليا وهي تحدث زهرة

في الهاتف والتي أردفت: "زي ما بقولك كده والله يا كاميليا. لا قدمت حرف ولا أخرت حرف، ده فكرني بالعيال الصيع في حارتنا لما يحبوا يغلسوا على بنت معدية في الشارع." شهقت كاميليا التي انتزعت النظارة من فوق عينيها وهي تضحك بدهشة أثارت استياء زهرة التي صاحت عليها في الهاتف غاضبة: "إنتِ بتضحكي على كلامي يا كاميليا، هو إنتِ سمعاني بقول نكتة مثلًا؟ حاولت كاميليا كبت ضحكها وهي ترد بأسف:

"أنا آسفة يا زهرة، بس التشبيه بتاعك ضحكني من قلبي فعلًا وأنا بتخيل جاسر الريان بجلالة قدره يعمل زي ما قولتي كده، دي حاجة كده ولا الخيال. بس هو بيعمل معاكي كده ليه؟ وصلها الصوت الساخط: "هو انتِ بتسأليني يا كاميليا؟ أشحال إن ما كنت أنا بنفسي سألاكي السؤال ده امبارح. ده راجل غريب والله."

مطت كاميليا بشفتيها واهتزت كتفاها لا تستوعب فعل ما تذكره زهرة عن جاسر الريان وهي بنفس الوقت لا تكذبها. انتفضت في جلستها بعد سماعها تردد اسمه من قريب لتنهي المكالمة على عجالة: "زهرة اقفلي دلوقتي وهابقى أكلمك بعدين أنا، ماشي." انتصبت واقفة حينما رأته على الفور أمامها آتيًا وخلفه كارم مدير أعماله ويده اليمنى في مجموعة شركاته. "صباح الخير يا جاسر بيه."

أومأ برأسه لها كتحية بوجهه المتجهم كالعادة. راقبته حتى دلف لداخل المكتب وأغلق كارم الباب. فتمتمت بصوت خفيض تتساءل مع نفسها: "أيوه كده صح، هو ده جاسر الريان؛ أمّال اللي بتتكلم عليه زهرة ده يبقى مين؟

عاد محروس لمنزله ليلاً، يتبختر بخطواته منتشيًا أمام زوجته التي كانت تشاهد باهتمام إحدى حلقات المسلسل الهندي. فسرق انتباهها عنه حينما التفت على الغناء بصوته لمطرب شعبي مشهور. وضع اللفة التي بيده على الطاولة التي توسطت المنزل ثم تقدم حتى يجلس بجوارها على الكنبة المنجدة بيده سابقًا. خاطبها وهو ينحني ليخلع عنه حذائه: "مساء الخير يا أم البنات." رددت خلفه بدهشة:

"مساء الخير يا محروس، مش بعادة يعني ترجع بدري كده والغزالة تبقى رايقة؟ انفرج فاهه بابتسامة متوسعة أظهرت خلوه من بعض الأسنان: "لا ما أنا روقت بدري على نفسي النهاردة، يعني مش محتاج أروح لغرزة الواد يماني وخمرته المضروبة." صمت قليلًا يجوب بعينيه في أرجاء المنزل، وتابع سائلًا: "هما البنات راحوا فين؟ مش شايفهم يعني." أجابته بريبة:

"سلمى ومنى ناموا بدري عشان ميعاد المدرسة، وصفية بقى بتذاكر فوق عند أختها وجدتها، ما أنت عارفها بتقضي معظم الوقت معاهم دلوقتي، من ساعة ما خالد خال زهرة سافر الخليج." أومأ بابتسامة غير مفهومة: "طب كويس أوي، عشان الجو يخلالنا أنا وانتِ، وناكل كيلو الكباب اللي هناك ده لوحدنا أنا وانتِ." قطبت تنظر نحو اللفة الموضوعة على الطاولة ذات الرائحة النفاذة وعادت مرددة خلفه بدهشة: "سمسمتي! وكمان جايب كباب! هو إيه اللي حصل؟

وجبت تمن الكباب منين يا محروس؟ ارتفع طرف شفته وذهب عن وجهه العبث، ينكزها بقبضة يده: "وإنتِ مالك جبته ولا زفت منين؟ ده بدل ما تفرحي إني بدلعك يا بوز الفقر إنتِ." "طب خلاص خف إيدك دي شوية يا محروس، أنا جسمي لسه موجوع من العلقة اللي فاتت." قالت سمية وهي ترتد بجذعها تبتعد عنه. توقف يأمرها بصوت حازم: "طب اخلصي قومي يلا حضريهم والبسي إنتِ هدوم كويسة بدل المقرحة اللي إنتِ لبساها." نهضت تنفذ أمره على مضض وهي تمتم بقهر:

"ربنا ياخدني يا شيخ، عشان أخلص منك ومن خلقتك العكرة دي." في اليوم التالي وكالعادة بكل يوم جمعة، استيقظت زهرة مبكرًا بكل نشاط لتنهي كل أعمال المنزل سريعًا حتى تجد الوقت الكافي كي تحمم جدتها قبل صلاة الجمعة، حتى لا تحرم رقية من عادة لم تقصر فيها طوال السنوات التي كانت فيها بصحتها.

بعد أن ساعدتها شقيقتها صفية وأجلسن رقية بوسط الصالة متلفحة ببشكير صغير فوق رأسها بعد الاستحمام، كانت صفية تقلم لها أظافرها في انتظار زهرة التي كانت تنشف الأرضية بعد أن قامت بغسل الملابس التي خلعتها عن جدتها. "براحة يا بت، القصافة هاتأكل صباعي." صاحت بها رقية على صفية التي ردت لها مبتسمة: "بطلي إنتِ دلع وتحريك في إيديكي طيب عشان القصافة ما تفوتش عن الضفر." "أنا برضه اللي بتدلع يا مقصوفة الرقبة، أنا برضه."

قهقهت صفية تبتعد عن مرمى كف رقية الحرة وهي تمتد لتضربها على كتفها. ثم جذبتها من تلباب بلوزتها تسألها رافعة حاجبها: "خدي هنا يا بت، وديتي فين المنوكير اللي كنتِ حطاه على ضوافرك امبارح؟ ردت صفية بتوجس: "شيلته يا ستي عشان أعرف أصلي، بس إنتِ بتسألي ليه؟ ضيقت رقية عينيها تسألها بتركيز: "لا إنتِ بتحطي المنوكير وتطلعيه وقت الصلاة كده عادي." أومأت لها برأسها:

"أيوه يا ستي ده بينشال على طول عشان إسلامي، أنا بحطه بس وأنا خارجة كده تفاريح يعني." تركتها وهي تأمرها: "طب قومي هاتي وحطيلي على ضوافري." "أحطلك على إيدك بس إزاي يا ستي؟ هتفت بها صفية قبل أن تضربها رقية على كتفها: "هو أنا ها علمك يا مقصوفة الرقبة، زي ما بتحطي لنفسك يا أختي حطيلي، قومي يلا." نهضت عنها صفية مبتعدة تردد بعدم تصديق: "يا ستي ماينفعش، ده لونه أحمر فاقع."

قالت رقية وهي تعبر بيدها بما جعل صفية تطلق ضحكتها بصوت عالٍ: "وماهو يا بت لما يبقى أحمر فاقع، لهو أنا هارقص بيه. ولا يكونش هارقص بيه؟ "حطيلها يا صفية وأنا أبقى أشيلهولها وقت الصلاة." تفوهت بها زهرة وهي تقطع الصالة أمامهم وتحمل على يدها كوم الملابس المغسولة على طبق بلاستيكي صغير، كي تنشرها على منشر الشرفة. انتبهت عليها صفية وهي تتابع سيرها: "حاسبي يا صفية، شعرك كله خارج من الحجاب."

ارتدت زهرة فور سماعها الملحوظة كي تلملم شعرها جيدًا قبل أن تضع الحجاب الطويل لتخفيه. تكلمت شقيقتها صفية بأعين يملأها الانبهار: "الله يا زهرة، شعرك طويل وحلو أوي، كان نفسي شعري يبقى زيه، هو إنتِ ليه دايمًا مخبياه؟ تبسمت لها زهرة تجيب سؤالها: "اتعودت بقى يا صفية، من ساعة ما كبرت وخالي خالد قالي إن البنت مدام بلغت يبقى تلتزم بالحجاب، وأنا بقيت بلبسه حتى في البيت."

استفاقت صفية من تركيزها مع كلام شقيقتها وانبهارها لرؤية شعرها على نغزة بالعصا على أسفل قدمها وصوت رقية يصدح بجوارها: "كبري في قلبك يا بت سمية." صرخت صفية متألمة: "براحة يا ستي، هو أنا هأحسدها يعني؟ تجاهلتها رقية وهي تردف لزهرة بجدية: "اتصلي على خالد النهاردة يا زهرة مدام جيتِ سيرته، خليني أطمن عليه." وفي مكان آخر. تقدم عامر بخطواته البطيئة حتى اقترب من حوض السباحة الكبير، يهتف على ابنه الذي استغل يوم إجازته لممارسة

هوايته المفضلة في السباحة: "جاسر باشا، ممكن والنبي دقيقتين من وقتك يعني لو تسمح وتخرج من باب الحمام." ظل على وضعه بداخل الماء، صامتًا للحظات قبل أن يردف باقتضاب: "لازم يعني، ماينفعش تكلمني على كده؟ صاح عليه عامر بحزم: "ما تخرج بقى يا ولد وتعبرني، هي المية هاتطير."

أومأ بعينيه ثم سبح نحو الخروج على مضض، حتى خرج إلى والده يجفف بمنشفة قطنية بيضاء جسده المبتل، قبل أن يجلس أمام والده، الذي أشعل سيجارًا كوبيًا من التبغ الفاخر. تفحصه قليلًا ثم أردف: "ما شاء الله، أنا شايف إن عضلاتك زادوا واتنحتوا أكتر من الأول، شكلك مهتم أوي بمشوار الجيم ولعب الرياضة بانتظام." نزل بعينيه نحو ما يقصده والده ورد: "الحمد لله، أنا فعلًا بقيت منتظم." أومأ برأسه عامر يغمغم بعدم رضا:

"طبعًا أمّال إيه، مش بتوفر الوقت اللي بتفضاه من شغلك للرياضة وبس، شيء طبيعي إن دي تبقى النتيجة." ضيق عينيه سائلًا بتفسير: "تقصد إيه مش فاهم." تنهد عامر يجيبه وهو يقرب رأسه منه: "قصدي إنت فاهمه كويس يا جاسر، بلاش تلف وتدور معايا." أشاح بوجهه عنه يخفي امتعاضه وقد وصل إليه ما يرمي إليه والده. تابع عامر: "بتبعد بوشك عني ليه؟ يا ابني اتكلم معايا، أنا مش حد غريب. هو إنت لدرجادي السكك بقت مسدودة بينك وبين ميرهان؟

عاد بوجهه إليه رافعًا إحدى حاجبيه سائلًا: "حضرتك بتسألني على أساس إنك متعرفش يعني؟ قلب عيناه الرجل الكبير وقال متأففًا: "لا ياسيدي عارف، اتجوزتها عشان ترضي والدتك، وترضيني أنا بمشاركة والدها بسلطته ونفوذه عشان نكبر المجموعة، بس كمان احنا كنا فاكرين إنكم هاتتفاهموا زي أي اتنين متجوزين، خصوصًا وإنت يعني حسب ما أعرف، شوفت قبلها ومشيت مع كتير فشئ طبيعي إنك تهدى وتعقل بالجواز وهي... "هي إيه؟

سأل والده من تحت أسنانه، جاوبه عامر وكلماته خرجت بتعلثم وتفكير: "هي.... مش وحشة على فكرة، أينعم هي متحررة في لبسها وطريقة حياتها، بس ده بقى شيء منتشر كتير في طبقتنا، ولو عايز ممكن أذكرلك أسماء لناس كتير في عائلات أعرفهم... "مش عايز أعرف." قاطعه بحدة وأكمل: "أنا مبقتش طايقها من الأساس، هي بتتجاهلني وتعمل اللي هي عايزاه وأنا مش بعبرها أساسًا، تتفلق."

رجع عامر بظهره للمقعد وارتفعت حاجبيه يستوعب البساطة التي يتكلم بها ابنه عن شيء كهذا، وقال أخيرًا: "هو إنت ليه محسسني إنك بتتكلم عن واحدة غريبة، يا ابني دي مراتك، يعني لازم يبقى فيه مودة مابينكم، أمّال بقى لو حصل وخلفتوا عيل هايعيش مابينكم إزاي بس؟ "عايزني أنا أخلف من ميرا؟ قال وأطلق ضحكة ساخرة أثارت استهجان والده الذي هتف بحزم ليوقفه: "بطل ضحكك المستفز ده وما تحرقش دمي، هو فيه إيه بالظبط؟ رد جاسر بحدة:

"فيه إن جوازي الفعلي من ميرا منتهي من فترة طويلة، أنا عن نفسي مش متذكرها، يعني مابقربلهاش نهائي يبقى هاخلف منها إزاي بقى؟ تعقد لسان عامر عن الرد بعدما أصابته الصدمة من كلمات ابنه الذي تابع: "إيه ياباشا؟ آسف لو كنت صدمتك بكلامي، بس بصراحة أنا كان عندي ظن إنك فاهم لوحدك." "أفهم إيه؟ وهي الحاجات اللي مابين الراجل ومراته الناس هاتعرف ولا تفهمها إزاي بس، طب بالنسبة لها هي ساكتة إزاي عن حاجة زي دي؟

وإنت نفسك عايز تفهمني إنك قاعد كده راهب من غير ست؟ ولا يكونش فيه حد في حياتك يا ولد؟ تساءل عامر بهذه المجموعة من الأسئلة والتي تلقاها جاسر يجيب عنهم بالترتيب:

"أولًا إنها ساكتة إزاي دي حاجة تخصها هي، لأني كذا مرة عرضت عليها الطلاق لكن هي بقى متبتة زي اللزقة، وحكاية إني قاعد من غير ست، فدي أنا كنت بتصرف فيها الأول مع أي واحدة تعجبني، قبل ما نفسي تقفل من الصنف خالص وأتفرغ لشغلي وبس، أما بخصوص وجود ست في حياتي، فاديك فهمت لوحدك."

نهى جملته الأخيرة لوالده الذي شحب وجهه وتسمر كالتمثال أو كأن أصابه الشلل المؤقت يحدق صامتًا نحو جاسر الذي التهى عن حالته وقد طاف بعقله اللون الوردي ورائحة الزهور. كالطفل الصغير الفرح بلعبته الجديدة، كانت رقية تنظر على اللون الأحمر القاني على أظافر يدها الصغيرة. "ههي يا حلاوة يا ولاد، والله وحطيتي منكير يا بت رقية، فاضل بقى أروح الكوافير وأعمل شعري كمان هههيييي."

قبلتها زهرة على رأسها كاتمة ضحكتها وهاتفها على أذنها في انتظار الرد من الجهة الأخرى، فأتى الجواب بعد قليل: "الوو.. أيوه يا زهرة." "الوو... أيوه يا خالي، عامل إيه يا حبيبي؟ "يا قلب خالك إنتِ، الحمد لله يا بنت الغالية، اديني بقاوح مع المعايش وربنا المعين." "آمين يارب، يعينك ويقدرك. طب والعيشة عندك يا خالي، ده أنا بشوف شكل البلد اللي إنت قاعد فيها في التليفزيون، دي تهبل يا خالي."

"أنا في الصحرا يا حبيبة خالك، البلد اللي بتتكلمي عليها دي أنا ما بشوفهاش نهائي، الصحرا هنا صعبة والشغل اللي فيها يحد الحيل." صمتت زهرة متأثرة بالمرارة التي تقطر من صوت خالها العابر عبر الأثير. أردف يسألها: "عامل إيه أبوكي معاكي؟ بيجي يطل عليكم زي أنا ما وصيته ولا لسه على وضعه؟ صمتت رافعة حاجبيها تلوي ثغرها دون رد، فقال خالد: "مدام سكتي يبقى لسه على وضعه، كان قلبي حاسس والله." ردت زهرة مغيرة مجرى الحديث:

"سيبك منه يا خالي وخلينا فيك، المهم بقى، امتى كده هتنزل إجازة عشان تحدد ميعاد مع الأستاذة نوال حبيبة القلب." وصلها صوت خالها الذي تالق بالفرح رغم انكاره: "بس يابت أنا ما فيش في قلبي غيرك، والأستاذة نوال دي مجرد واحدة أنا خطبتها ويعلم الجواز ها يكمل بقى ولا لأ." هتفت عليه بجزع: "ما تقوليش يا خالي وقول إن شاء الله لا حسن وربنا ها أزعل بجد." ردد يراضيها بابتسامة:

"حاضر يا ستي هاقول إن شاء الله، المهم بقى اديني رقية دي وحشتني أوي." "مش أكتر مني يا خالد يا ابن قلبي." هتفت بها رقية وهي تتناول الهاتف، فأتـاها صوته الضاحك: "إيه يا رقية لحقتي تمسكي الفون وتردي بالسرعة دي؟ "ياواد سمعتك عشان زهرة معلية السماعة، وحشتني يا مضروب." "وإنت كمان يا أمي، وحشتيني قوي ووحشني كلامك وضربك على راسي لما أحطها على رجلك." "يخربيتك هو ده اللي وحشك مني، ينيلك يا بعيد براسك الكبيرة دي."

انطلقت منه مجلجلة في الهاتف جعل الاثنتين تضحكان على ضحكته، قبل أن تتذكر زهرة لشئ ما فتناولت الهاتف تردف سريعًا: "آسفة يا خالي سامحني لو ها أقطع ضحكتك، بس أنا بصراحة خايفة لانسى، وماهر بركات مشدد عليا أقولك... "عايز إيه سمسار الزفت؟ سأل بغضب وأجابت زهرة: "بيقولك إننا بالشهر اللي إحنا فيه ده، يبقى هانكمل ٥ شهور على قسط الشقة المتأخر، وإنه يعني مش ها يقدر يصبر أكتر من كده." "يعني ممكن ياخد الشقة؟ تمتم حانقًا يستغفر

ربه قبل أن يردف لزهرة: "كلها شهر بالكتير وأكون باعتلك على البنك كام قسط كده، أنا الشهور اللي فاتت دي كلها كنت بسد ديني عند الراجل اللي طلعني السفرية، بس هانت." "معلش يا خالي ربنا يقدرك ويقويك، بقولك إيه خد بقى رقية خليها تروقك! بعد أن انتهت المكالمة مع خالد نهضت زهرة كي ترتب فراش جدتها بالغرفة وتغير الملاءة القماشية لها، ولكنها توقفت على طرق على باب منزلهم مصاحبًا لصيحة رجولية معروفة لديها. "افتحي يا زهرة الباب."

"مين يا بت؟ سألت رقية وهي توقفها قبل الخروج من الغرفة، وردت زهرة: "ده أبويا يا ستي، ثواني ها أروح أفتحه وأرجعلك تاني هنا." تمتمت رقية بقلق وهي تنظر في أثر حفيدتها التي خرجت لتفتح باب المنزل لوالدها: "ياترى إيه اللي جايبك في الوقت ده يا محروس؟ حق أنا عارفاك ما تطلعش عندي إلا في المصلحة." "أبوكي! ودا إيه اللي جابه عندك؟

"معرفش والله يا ماما، اديله شوية وهو قاعد جوه في أوضة ستي رقية بيتكلم معاها ومع زهرة بصوت واطي، أنا مش سامعة منه كلمة." كانت إجابة صفية على سؤال والدتها في الهاتف وهي واقفة بها على إطار غرفة زهرة تشرئب بأنظارها وتراقب ما يحدث بغرفة رقية في الناحية الأخرى، وتابعت: "تفتكري يا ماما ها يكون عايز منهم إيه؟ أصلي بصراحة يعني أنا عمري ما شفته جاي يطمن وخلاص."

"والله يا بنتي ما عارفة، بس أبوكي من امبارح وأنا حاسة دماغه فيها حاجة، ربنا يستر بقى، اتصلي بيا بعد ما يمشي وطمنيني." شاحبة الوجه مزبهلة تنظر نحو والدها بعدم تصديق وهو يردف بكلماته أمامها وهي لا تستوعب جديته. انتبهت تستفيق من صدمتها على سؤال رقية: "فهمي ده يبقى ابن مين؟ "فهمي ده يبقى صاحبه يا ستي." رددت زهرة تجيب جدتها بحدة أثارت غضب والدها الذي تشدق قائلًا:

"مش قد سني يا بت، ده يدوبك مقفل الـ 36 في يونيو اللي فات، يعني في عز شبابه." سألته رقية متخصرة: "وابو 36 تلاتين ده بقى يا عنيا، اسمه إيه بالكامل عشان أعرفه؟ أجاب محروس: "اسمه بالكامل فهمي متولي الشبراوي." شهقت رقية ضاربة بكفها على صدرها: "ابن متولي الشبراوي يعني أمه شوقية، نهار أسود يا محروس، بقى عايز تجوز بنتك للواد الأهبل ده اللي كان بيمشي في الحارة بالبربور على وشه والعيال تحطله التلج في قفاه!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...