اهتز جسدها بصيحته دون إرادتها، كما ازداد جزعها وهي تنظر إليه بعدم فهم، تردد وكأنها تتحدث إلى رجل فاقدًا لعقله. -مممالهوش صفة والله، دا دا زميلي وبس، يعني مش خطيبي ولا جوزي عشان يبقالوا صفة. ضيق عينيه متحدثًا بنبرة منخفضة مثيرة للشك: -ولما هو مش جوزك ولا خطيبك ولا ليه أي صفة غير إنه زميلك وبس، بيتكلم ويهزر معاكي ليه؟ وانتِ تتقبلي هزاره وتتجاوبي معاه ليه؟
توسعت عيناها تنظر إليه بصدمة لما وصل إلى ذهنها من فحوى كلماته إليها، فردت بأعين غائمة تأبى السكوت عن اتهامه: -حضرتك أنا كنت واقفة باحترامي مستنية الكمبيوتر بتاعي يصلحه زميلي في العمل، وإن كان على ابتسامة ولا حتى ضحكة صدرت مني فده شيء عادي بيحصل بين الزملة، وعماد شخص في منتهى الاحترام. قاطعها بحدة هادرًا: -وإيه كمان ياأستاذة؟ ماتقولي فيه شعر أحسن.
انعقد لسانها عن الرد تمامًا، وهي تجزم بداخلها أن هذا الرجل فاقدًا لعقله حقًا وليس تخمين، فما فائدة الجدال مع رجلٍ كهذا؛ لا تجد لأفعاله معها تفسير.
حل الصمت بينهم وهو ينظر إليها بأعين مشتعلة وملامح وجهه المعقدة بغموض، تنبئُها بحجم تطرفه، وهي تبادله النظر بخوف على أمل أن يتزحزح من أمامها ويتركها تُدخل نفسًا طبيعيًا داخل صدرها، وقد شعرت بانسحاب الهواء من حولها في قلب الغرفة بحضوره، ولم يضل سوى الرائحة الطاغية لعطره فيها. -في حاجة ياجاسر بيه؟
دوت قريبًا من ناحية باب الغرفة الخاصة بمديرها الذي استمعت لسؤاله وكأنه النجدة التي أتت إليها من السماء. التف جاسر يبعد أنظاره عنها ويستدير ببطء نحو الرجل ليجيبه وكأن شيئًا لم يحدث منذ قليل، واضعًا يديه بجيبي بنطاله بهدوء: -كنت عايز حسابات الشركة عن السنة اللي فاتت كلها يامرتضى. قطب الرجل قليلًا بدهشة قبل أن يرد مرحبًا به رغم غرابة الموقف، يشير إليه بيديه:
-أنت تؤمر يافندم، تعالى جوا شرف مكتبي المتواضع وأنا أجهزهم حالًا قدامك. -لا أنا مش داخل، أنا جاي أبلغك وبس. أردف بها وانسحب مغادرًا على الفور دون استئذان، جعل الرجل ينظر في أثره لفترة مندهشًا قبل أن يعود بنظره إلى زهرة التي تسمرت محلها بوجهٍ مخطوف وأعين جاحظة، وهي مازالت لا تستوعب ماحدث. -بيضطهدني وحياة النعمة الشريفة بيضطهدني.
تمتمت بها زهرة وقد تمالكت نفسها أخيرًا وهي واقفة بجوار كاميليا في الطرقة المؤدية إلى حمام النساء، في انتظار غادة التي كالعادة تعيد الاهتمام بزينتها قبل أن تغادر معهن الشركة. ردت كاميليا مستنكرة رغم تعجبها هي الأخرى: -اضطهاد وكلام فارغ إيه بس اللي بتقوليه ده يازهرة؟ هو إحنا في عهد العبودية يابنتي؟ رفعت إليها عينيها قائلة بغضب:
-لا ماهو جاسر الريان هايرجعه تاني ياكاميليا ماتقلقيش، الراجل مش طايقلي كلمة، وكل مايشوفني يطلعلي بتهمة شكل، طب تقدري تفسريلي كدة اللي قولتهولك أنا من شوية ده معناه إيه؟ كاميليا وقد انتابها الشك هي الأخرى ولكنها حاولت أن تصرف هذه الأفكار عن رأسها والعودة لتحليل الأحداث بمنطقية كعادتها: -بصراحة أنا معرفش تفسيره إيه؟
بس هو أكيد اتعصب يعني من عماد وافتكره بيهزر في شغله، وده واحد دايمًا وقته زي السيف وما يقتنعش بهزار ولا ضحك أثناء العمل. -طب وأنا إيه دخلي يابنتي؟ بيشخط فيا وبيوقف قلبي ليه؟ ده بني آدم غريب، كتر خير أهله عليه في البيت ويكون في عون الست اللي هاتتجوزه ده هايطلع عليها عقدة ويكرهها في نفسها. تبسمت كاميليا قائلة: -لا من الناحية دي اطمني، أصله متجوز بنت خالته اللي أبوها يبقى الوزير، وعلى فكرة هي عايشة حياتها بالطول والعرض.
-حقها تعيش وتضربها بالجزمة كمان، وده راجل يتعاشر ده؟ بقولك إيه ياكاميليا البت غادة جاية علينا أهي، أوعي تبلغيها والنبي بالكلام اللي بقولهولك ده، دي بت خفيفة وأنا مضمنش أي رد فعل منها. قالت زهرة وهي تومئ بعينيها بذكاء نحو غادة التي خرجت إليهم تتمختر بخطواتها. تمتمت كاميليا بصوتٍ خفيض قبل أن تصل إليهم: -مش محتاجة وصاية يازهرة، أنا أكتر واحدة عارفة غادة والظن اللي هاتظنه في الكلام ده. -هاي اتأخرت عليكم.
قالت غادة بزهو فور أن وصلت إليهم. ردت زهرة ترمقها بدهشة: -إنتي عيدتي على وشك بالمكياج من تاني وغرقتي نفسك بالريحة على مشوار المواصلات؟ مطت غادة بشفتيها قائلة: -ولو خارجة من باب البيت عالشارع بس، لازم برضوا أتمكيج وألبس نضيف، ده اسمه اهتمام بالنفس ياماما؛ انت أكيد متعرفوش. أومأت لها زهرة تتجاهل سخريتها بعدم الرد، أما كاميليا فقالت لها بيأس:
-ماشي ياست البرنسيسة إنتِ، ممكن بقى نمشي في يومنا ده ولا لسه هاتعيدي تاني على ميكاجك ولبسك؟ -لا ياقلبي أنا كده فل خالص، بينا يابنات. قالت غادة وتقدمت تسبقهم في الخطوات. تبادلت زهرة وكاميليا النظر فيما بينهم بيأس كالعادة ثم لحقنها بالسير. *** وفي مكانٍ آخر بداخل دكان محروس الذي عاد العمل فيه مرة أخرى بشكل جدي، بعد أن توفرت المتطلبات الأساسية لإنجاز الأعمال المتراكمة من مواد خام وغيرها من الأشياء. -نننعم!
سمعني تاني كده يامحروس بتقول إيه؟ تفوه بها فهمي بحدة أربكت محروس فجعلته يردف بتلعثم: -اايه دا مش كلامي أنا يافهمي، ده كلام البت وستها، إنما لو عليا أنا أجوزهالك من الليلة، ما إنت عارف معزتك عندي. رد فهمي رافعًا حاجبه المقطوع بنصفه: -وأنا مالي بمعزتي عندك ولا حتى موافقتك، مدام إنت راجل ملكش كلمة على بنتك. هتف محروس غاضبًا وقد أصابته الكلمات السامة في كرامته: -ماتقولش الكلام ده يافهمي أنا مش راجل هفية عشان أقبل بيه.
أكمل فهمي في بخ سمّه: -لا هفية، مدام جاي بالفم المليان كده تقولي إن البنت هي اللي رافضة وإنت ملكش حكم عليها. استشاط محروس غاضبًا فقال بأعين تقدح شررًا: -أنا مش عايز أغلط فيك يافهمي عشان إنت هنا في منطقتي وفي دكاني، إنما والنعمة الشريفة لو كررتها تاني لأكون شاقق بطنك نصين وملكش عندي دية، طب ماهي البت مكدبتش لما قالت عليك بتاع نسوان وبتبيع برشام، ده غير إنك أكبر منها بـ 11 سنة على الأقل، في إيه يابا إنت هتعيش عليا.
ضغط فهمي بأسنانه على شفته يكبح خروج الكلمات النابية من فمه، بعد أن شعر بفقد سيطرته على محروس. صمت، يخرج سيجارة من جيبه ويشعلها لينفخ منها قليلًا أمام محروس الذي ينتظر رده بتحفز. أجفله فهمي بعطيه السيجارة التي في يده، وأخرج هو واحدة أخرى لنفسه، ثم قال بهدوء: -أنا مقدر إن كلامي وجعك يامحروس بس أنا مش عايز أخسرك. سأله باستفسار: -يعني إيه مش فاهم؟ أومأ له فهمي بصوت خبيث:
-قصدي إن هابلع تهديدك ولخبطتك في الكلام كأني ماسمعتش الحوار كله من بدايته، يعني عشان ماتتعبش نفسك في التفكير، تعمل قرد وتجوزني البت يامحروس، يا أما من غير حلفان هاتشوف مني الوش الوحش اللي إنت أكيد عارفه، عشان أنا ماهسكتش عن حقي في الفلوس اللي شغلت بيها الدكان ولا الكيف اللي بتبلبع فيه بقالك سبوع ببلاش. ***
بعد قليل وحينما عادت زهرة وهي تحمل أكياس الخضروات والفاكهة التي ابتاعتها في طريق عودتها للمنزل، تسمرت واقفة فور دلوفها لمدخل البناية التي تقطنها حينما وجدت من يقف أمامها في وسطه. تبسم بسماجة يلقي إليها التحية: -حمد الله السلامة، أخيرًا وصلتي ياعروسة. تنهدت قانطة تستغفر ربها قبل أن تهم لتتجاهله وتتخطيه، ولكنه تصدر أمامها يمنع تقدمها: -طب حتى ردي السلام، ولا إنتِ مكسوفة مني. دفعته بيدها الحرة على صدره قائلة بعنف:
-ابعد عن طريقي ياجدع إنت، لأحسن وديني ألم عليك أهل الحارة وأفضحك هنا في العمارة. رد بتشدق: -تفضحيني ليه بقى؟ واحد و جاي يقابل عروسته فيها حاجة دي؟ رفعت شفتها قائلة بازدراء: -عروسة مين يا برشامجي يا خرفان إنت؟ في إيه يافهمي؟ هو إنت فاكرني بقيت لقمة سهلة بعد خالي ماسافر؟ لأ فوق لنفسك يابابا، خالي اللي سففك التراب زمان لما حاولت تتعرضلي، أقدر في دقيقة أخليه يرجعلك من تاني. انشق ثغره بابتسامة مردفًا بمكر:
-طبعًا فاكر العلقة يازهرة، بس فاكر اللي قبلها أكتر، إنتِ بقى فاكرة؟ ارتدت أقدامها للخلف بفزع وهو يتقدم نحوها يلوح لها بأبشع ذكرياتها، فتابع يشير بإبهامه: -فاكرة يازهرة هنا تحت بير السلم، لما كنتي جاية من الدرس بلبس المدرسة اللي كان هاياكل منك حتة وإنت لسه خراط البنات خارطك جديد، بشعرك اللي كان مغطي ضهرك وجسم... -إنت راجل مش محترم.
قاطعته صارخة تتخطاه صاعدة الدرج بسرعة، غير قادرة على تحمل سماع الباقي. ولكنه لم ييأس، جذبها من مرفقها لتلتف بجذعها إليه، فاردف متابعًا بفحيح: -بتجري ليه مش إنتِ اللي فكرتيني بالعلقة؟ شكلك إنت كمان لسه مانستيش. الحضن ولا الب... -أوعى سيبني ياحيوان.
صرخت تنتزع ذراعها منه وتصعد بسرعة من أمامه وكأنها تهرب من الموت، حتى إذا وصلت أخيرًا لشقتهم، فتحت الباب بخفة ثم وضعت أكياس الخضروات والفاكهة على الأرض بحذر حتى لا تشعر بها جدتها الجالسة في الصالة تشاهد التلفاز ومعها صفية. تحركت زهرة على أطراف أصابعها حتى دلفت لغرفتها، تغلق الباب عليها جيدًا قبل أن ترتمي على التخت وتشقق أخيرًا باكية، ترتجف وقد أعاد إليها هذا الرجل الكريه الذكرى التي خلفت بداخلها ندبة مازالت تؤلمها حتى
اليوم، حينما كان عمرها لا يتعدى الخامسة عشر وكان هذا الرجل صديقًا جديدًا لأباها، في كل مرة رأته فيها لم تريحها أبدًا نظراته المريبة لها، ولكن صغر سنها لم يمكنها من تفهمها، حتى جاء هذا اليوم حينما كانت عائدة من دراستها التي استمرت لبعد صلاة العشاء بفضل مجموعات التقوية التي حضرتها أيضًا، رأته بالصدفة على الدرج أمامها كان هو نازلًا
وهي صاعدة: -ازيك يازهرة عاملة إيه؟ خاطبها وهو متصدر بجسده أمامها، اضطرت لرد التحية له على مضض، حتى تتخطاه وتصعد لجدتها وخالها. -اهلًا ياعمي، أنا كويسة والحمد لله. قال مداعبًا: -إيه يازهرة؟ هو إنتِ شايفاني قد أبوكي عشان تندهيلي بعمي، بصيلي كويس كده أنا لسة في بداية شبابي ده أنا مجيش قد خالك حتى. رفعت عينيها إليه مندهشة من كلماته، فتقابلت بعينيه وهذا الوميض الغريب بها، أومأت له برأسها دون اقتناع.
-حاضر تمام، عن إذنك بقى. تخطته لتصعد ولكنها تفاجأت بصرخته فور أن أعطته ظهرها، استدارت إليه فوجدته ملقى على الأرض ممسكًا بقدمه: -اااه، الحقيني يازهرة، أنا رجلي باينها اتكسرت من سلمكم المكسور. ردت بخوف: -طب أنا هاعملك إيه؟ هاروح أندهلك خالي. صرخ بصوت أعلى: -قبل ماتندهي خالك تعالي بس ساعديني أقوم بجسمي من عليها الأول، بدل الكسر مايتضاعف معايا، اااه، بسرعة يازهرة.
همت لتتجاهله وتصعد ولكن مع ازدياد أنينه وتألمه اضطرت لتنزل إليه. وقبل أن تقترب هتفت: -طب أروح لندهلك حد من الشارع. صرخ ضاربًا بقبضته على عتبة الدرج: -إنت لسة هاتدوري وتندهي، يازهرة بقولك عايز أزيح تقل جسمي بس، مش طالب منك حاجة تاني. أذعنت تقترب منه على حذر وهو يقبض على ذراعها بقوة حتى نهض متصنعًا الألم يتأوه: -ااه يارجلي ااه. تململت لتنزع قبضته من ذراعها: -طب ثواني كده وأنا هاروح أندهلك خالي.
رفع رأسه إليها بنظرة لن تنساها أبدًا، وفاجأها بوقفه القدمين السليمة والتي ظنت أنها مصابة أيضًا، وقبل أن يخرج السؤال من فمها وجدته يحط بذراعها على خصرها والأخرى كممت فاهها فسحبها بسرعة البرق في الزاوية المظلمة أسفل الدرج، صرخت بصوت مكتوم وقاومت بكل قوتها الجسد الضخم، فما كان منه إلا أن زاد بضغطه يمرر شفتيه على وجنتيها ويتلمسها بوقاحة.
حينها ظهر خالها من العدم، وفلته عنها بلكمة أطارت سن من مقدمة فمه، ممطره بوابل من الشتائم والألفاظ النابية وهو يسحبه كالبهيمة في وسط الشارع يوسعه ضربًا حتى كاد أن يزهق روحه. لن تنسى أبدًا رائحته الكريهة، أنفاسه الساخنة التي كانت تحرق بشرتها، قوة كفه التي كانت تقبض على فمها حتى كادت أن تشعر بانسحاب روحها، في بضع لحظات لا تتعدى الدقائق القليلة، لكنها كانت كافية لتضع الخوف بقلب زهرة مهما مر من السنوات ومهما تطورت بحياتها.
*** في المساء وبعد أن استرخى قليلًا في حمام من الماء الدافئ ليصفي ذهنه ويزيح عن جسده قليلًا من إرهاق اليوم، خرج من حمامه بالسروال التحتي فقط يجفف شعر رأسه بالمنشفة الصغيرة، ولكنه انتبه يرفع رأسه على صوت صفير من الخلف، فتفاجأ بانعكاس صورتها أمامه في المرآة، جالسة بميل على طرف تخته مرددة بإعجاب: -واوو جسم رياضي فعلًا زي ما قال الكتاب. التف إليها برأسه ورمقها من تحت أجنحته قبل أن يعود ليصفف شعره قائلًا من تحت أسنانه:
-هي بقت عادة ولا إيه؟ أنا مش منبه عليكي، الأوضة دي ماتعتبيهاش تاني. استقامت تنهض عن جلستها فوق التخت لتُظهر طول منامتها القصيرة وفتحاتها التي كشفت عن معظم جسدها، تتمايل بخطواتها أمام نظراته الثاقبة في المرآة، حتى اقتربت لتجفله بوضع كفيها على عضلات ظهره من الخلف تتلمسها ببطء وهي تردف بصوت ناعم: -ممكن تسيبني ألمسهم؟ أصلي بصراحة عندي رغبة غير طبيعية إني أشوف قوتهم.
تركها تفعل دون أن يرفض، فاعتبرته استجابة لتكمل بكفيها حتى ذراعه ثم استقرت على العضلات الأمامية بتركيز. خرج عن سكوته يسألها باقتضاب وعيناه نحو انعكاسها في المرآة: -عجبتك؟ همست بأعين تملؤها الرغبة: -أوي، أصل آخر مرة لمستهم فيها مكانوش بالقوة دي. ضيق عينيه ليلتف نحوها يسألها بتفكير: -هي إمتى كانت آخر مرة بالظبط؟ أجابته بصوت يحمل في طياته العتاب: -من كتير، كتير أوي يا جاسر، تقريبًا يجي أكتر من سنة. -اممم.
زم بفمه الذي أطبقه واخفض عينيه عنها بتأثر شجعها لتردف سائلة: -طول الفترة اللي عدت دي كلها ياجاسر، ماوحشتكش فيها ولا يوم؟ ارتفعت عيناه إليها، تتحرك شفتاه وكأنه يبحث عن إجابته ثم مالبث أن يجيبها بكل بساطة: -لأ. وكأن دلوًا من الماء البارد سقط فوق رأسها وأفاقها من غفوتها، رددت بعدم تصديق: -إنت بتقول إيه؟ -بقولك لأ. أردف بها مرة أخرى واستدار ليكمل تصفيف شعره بكل برود ليجعل نيران الغضب تشتعل داخلها، فقالت بشراسة:
-هو إنت فاكر نفسك إيه؟ لتكون فاكرني دايبة في دلال حضرتك وهاتعيش الدور عليا، لأ فوق ياجاسر، أنا ميرا. قالت وهي تلوح له بسبابتها جعلته يعود إليها مردفًا بابتسامة اعتلت فمه: -أيوه بقى يابرنسيس ميرا، طب أنا برفض كل محاولاتك معايا من ييجي أكتر من سنة، باقية ليه إنتِ عليا ورافضة الطلاق؟ قالت جازة على أسنانها: -عشان أنا عاقلة كويس قوي، ومقدرة حجم الكوارث اللي هاتوقع فوق راسك وراس والدك لو انفصلت المجموعة. رد غامزًا بعينيه:
-أنا متقبل وراضي بالكوارث، بس إنتِ وافقي ومايهمكيش. زفرت تخرج من أنفها أنفاسًا حارة كالدخان وهي تنظر إليه تود لو إحراقه حيًا، ثم مالبثت أن تذهب ضاربة الأرض بقدميها من الغيظ، التف هو ينظر للمرآة يكمل ما يفعله بلا اكتراث. *** في اليوم التالي بداخل الشركة وفي وقت استراحة الموظفين التقت زهرة في طريق ذهابها إلى الكافتيريا الخاصة بالشركة، بعماد الذي كان عائدًا منها ممسكًا بيده فنجانان من القهوة الساخنة.
قال بابتسامته المعهودة: -صباح الورد ورائحة الزهورة، رايحة فين؟ بادلته ابتسامته قائلة: -صباح الفل ياسيدي، أنا رايحة الكافتيريا أشربلي حاجة سخنة. -والحاجة السخنة دي بقى، تبقى قهوة باللبن. قال وهو يناولها أحدى الفناجين التي بيده. تناولته منه ضاحكة: -أيوه بس كده اللي كان طالبه منك هايزعل لما يلاقيك راجع من غير طلبه. -وإنتِ مين قالك إني جايبه لحد غيرك؟ أنا جايبهولك إنتِ أساسًا. رد ببساطة أثارت دهشتها، فسألته غير مصدقة:
-أيوه إزاي يعني؟ ارتشف من فنجانه قليلًا ثم أجابها بابتسامة: -أصل أنا بقى عارف كويس أوي إن ده طلبك في كل مرة بتدخلي فيها الكافتيريا، فقولت في نفسي بقى أوفر عليكي المشوار وبالمرة أبقى خدت الثواب. بابتسامة واسعة أنارت وجهها بادلته مزاحه: -لا بصراحة كتر خيرك يااستاذ عماد، حضرتك وفرت عليا مشوار كنت هاتعب فيه قوي. أكمل بمزاحه: -لا داعي للشكر يازهرة، الحاجات البسيطة إحنا بنعملها عشان ربنا يبارك في صحتنا. -كمان!
أردفت بها وضحكت من قلبها معه. *** وعند كاميليا التي كانت مندمجة في عملها بتركيز كالعادة، شعرت بظل طويل بالقرب منها، رفعت رأسها فوجدت أمامها رجل وسيم بابتسامة أنيقة خاطبها: -صباح الخير، جاسر موجود جوا. خلعت نظارتها تعتدل في جلستها وردت بعملية: -صباح الفل يافندم، جاسر باشا موجود فعلًا بس حضرتك يعني بتسأل في ميعاد مسبق؟ نفى بتحريك رأسه قائلًا بابتسامة: -لا بصراحة مافيش، بس أنا هقابله برضوا.
خبئت ابتسامتها من رده الغريب فتابع قائلًا: -إيه يا آنسة اتخضيتي كده ليه؟ اتصلي وبلغيه باسمي وريحي نفسك. ردت بغيظ وهي تتناول هاتف المكتب تسأله: -تمام يافندم، اسم حضرتك إيه بقى عشان أبلغه بحضورك؟ رد متسليًا لرد فعلها: -قولي له طارق، طارق وبس. أردفت من تحت أسنانها: -وبس! ردد خلفها بابتسامة مرحة: -وبس! ***
وفي الداخل وأمام الشاشة الكبيرة التي تأتي بصور الكاميرات لمعظم أنحاء الشركة، تركزت أنظاره نحو الصورة التي أتت بصورتها وهي تبتسم بمرح مع الشخص الواقف أمامها، وقد علمه هو من وقفته، كان مستندًا بوجنته على أطراف أصابعه متابعًا بتركيز، والكف الأخرى تطرق بالقلم الذهبي على سطح المكتب، حينها آتاه اتصال كاميليا بحضور صديقه، أمرها بإدخاله على الفور. -جاسر باشا. أردف بها صديقه وهو يفتح باب المكتب على مصراعيه،
نهض جاسر يستقبله بحفاوة: -طارق الوكيل، اتفضل ياعم إنت محتاج عزومة. دلف صديقه مهللًا: -مش حكاية عزومة ياكبير، بس إنت راجل مهم والواحد لازم يستأذن قبل مايدخل عندك. تصافح الاثنان بحرارة قبل أن يُجلسه أمامه. واردف طارق مازحًا: -دي مديرة مكتبك كان هاين عليها تاكلني أكل عشان بس نطقت جاسر حاف من غير باشا. رد جاسر بدعابة: -تاكلك إيه بس ياعم بحجمك ده؟ هو إنت مش شايف نفسك؟ أطلق طارق ضحكة مجلجلة بمرح:
-هههههه يخرب عقلك ياجاسر، لما تفك شوية كده بيطلع منك درر. حينما هدأت ضحكات طارق سأله جاسر بجدية: -وإيه أخبار المشروع الجديد بقى معاك؟ كويس كده ولا لسة فيه عقبات بتواجهك. -لا ياسيدي الحمد لله المشروع تمام، بس بقى مهلك جدًا، ده أنا بالعافية فضيت نفسي النهارده عشان بس أزورك بعد مازهقت. رد جاسر وهو مستند بمرفقيه على سطح المكتب يفرك بالقلم بين كفيه بتفكير وعيناه تتنقل كل ثانية نحو الشاشة:
-الله يكون في عونك وإنت فعلًا مش متعود على الشغل الكتير والمسؤولية، تحب أجيبلك حد يساعدك؟ *** -أنا يافندم معقول الكلام ده؟ تفوهت بها كاميليا بفرحة لا تصدق ما سمعته. أردف لها بتأكيد وهو يمضي على بعض الأوراق: -أيوه إنتِ ياكاميليا، مش مصدقة ليه؟ إنتِ مجتهدة وتستاهلي كل خير. -أيوه يافندم بس إنت بتمسكني مسؤولية كبيرة قوي. رفع رأسه إليها مردفًا بعملية: -يابنتي صدقي بقى إنت قدها، أنا خلاص مضيت القرار.
-بالسرعة دي كمان مضيت القرار؟ طب إحنا هنلاقي إمتى حد ياخد مكاني في الشغل هنا دلوقتي؟ اعتدل في كرسيه يجيبها بهدوء: -لا ما أنا مش هجيب مديرة للمكتب، أنا عندي كارم المدير بتاع المجموعة بيسد معايا في كل حاجة، أنا بس هحتاج لسكرتيرة. ردت كاميليا بلهفة: -كويس أوي يافندم، أنا مستعدة أعمل مسابقة وحضرتك تختار بقى السكرتيرة اللي تعجبك وتريحك قبل أنا ما أسيب مكاني. أجفلها برده الهادئ وهو يهتز بكرسيه:
-لا ما أنا مش هعمل مسابقة لسة وأوجع دماغي، أنا سألت رؤساء الأقسام هنا ورسيت على اسم سكرتيرة لواحد فيهم، وخلاص بقى أصدرت قراري الإداري. لوح بالورقة الكبيرة أمامها على سطح المكتب فتناولتها بسرعة ولهفة قائلة: -يارب أكون أعرفها. قطعت جملتها حينما صعقت من رؤية الاسم، زاغت عيناها في النظر نحو الورقة ونحوه بصدمة بعدم تصديق، شفتيها تتحرك باضطراب، وهو ينظر إليها بتحدي، حتى غمغمت مع نفسها: -يانهار أسود، دي كان عندها حق بقى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!