كتمثال من الشمع تجمدت محلها لا تتحرك ولا حتى ترمش بعينيها. لا تصدق أو تستوعب أن ما تراه إن كان حقًا أم أنه محض وهم في خيالها وقد تشوشت الرؤية أمامها. حتى عندما وصل إليها أبوها ليقبلها من وجنتيها أمامه في عرض رخيص، أثار حنقها منه أضعاف. قبل أن يسحبها من ذراعها لتجلس بجواره قريبًا من جاسر، الذي كان يجلس مقابلهم بمسافة قريبة جدًا على الأريكة البيضاء الضخمة بالغرفة الواسعة والتي تليق بجلوس جاسر مع كبار الزوار؛ وليس أبوها
الذي كان يهتف بسعادة: -تعالي ياقلب أبوكِ تعالي، تعالي يا وش السعد أنتِ. يكون في علمك يا جاسر بيه، زهرة دي جوهرة نادرة وما يعرفش قيمتها غير جواهرجي. واخد بالك يا باشا؟ أومأ له بابتسامة عريضة جاسر: -واخد بالي طبعًا يا عم محروس، أمال أنا اخترتها دونًا عن كل اللي أعرفهم ليه. خرج صوتها أخيرًا بتساؤل لكليهما: -هو في إيه بالظبط؟ أنا مش فاهمة حاجة.
-فيه الهنا وتحقيق الأماني يا حبيبة قلب أبوكِ. ياريت أمك الغالية كانت عايشة دلوقتي، دي كانت هاتطير من الفرحة. إهئ...... أردف محروس وقطع جملته يمسح بمنديله الدموع التي لم تراها زهرة، ليكمل لجاسر الذي ظهر على وجهه التأثر: -والله يا جاسر يا ابني.... غمغمت الكلمة مع نفسها بعدم تصديق، تحدجه بنظرة نارية وهو يستطرد أمام جاسر الريان:
-مش أنا بعز مراتي اللي هي على ذمتي دلوقتي، لكن وربنا ما حبيت ولا هانسى أبدًا حبي لوالدة زهرة ربنا يرحمها يا رب. إهئ..... قال جاسر أمام نظرات الذهول التي اكتنفت زهرة من الأفعال الغريبة لهذا الرجل المدعو أباها: -ربنا يرحمها يا رب ويصبرك يا عم محروس، بس خلينا دلوقتي بقى في المهم. -إيه هو المهم؟ سألت زهرة بنفاذ صبر، فجاء الرد من جاسر: -المهم يا زهرة هو إني خطبتك من والدك ووافق. ردت زهرة بتهكم وهي تنقل عينيها بين الاثنين:
-وافق على إيه بقى؟ على جوازي منك في السر؟ -سر إيه يابنتِ؟ هو إحنا بتوع سر برضوا؟ إيه اللي أنتِ بتقوليه دا يازهرة؟ قال محروس بتشنج لم تصدقه زهرة، والتي مالت إليه برقبتها ترمقه بنظرة ساخرة قبل أن تلتفت على قول جاسر:
-أنا فهمت والدك يا زهرة ظروفي. إحنا هانتجوز بمعرفة والدك وخالك وأهلك اللي بتثقي فيهم، بس هايتم في دايرة محدودة عشان الخبر مايوصلش للإعلام. ودا طبعًا هايكون شيء مؤقت على ما أخلص أنا من مشاكلي مع بنت خالتي، اللي هي مراتي حاليًا. -وأهلك؟ خرج سؤالها بحدة، فجاء الرد من جاسر بثقة: -هاقول لوالدي. أما والدتي فدي هاتتأجل شوية عشان بنت اختها، لكن طبعًا هاعرفها بعدين على ما تهدى الدنيا والأمر يبقى واقع. ها، في حاجة تاني؟
تدخل محروس بقوله: -هايكون في إيه تاني بس يا باشا؟ ما أنت ضبطت الدنيا وكل حاجة تمام أهو. بنظرة حانقة رمقت والدها قبل أن تلتفت إلى جاسر تسأله: -أيوه بس أنت بتقول دايرة محدودة عشان مايوصلش الخبر للإعلام، يبقى هاعرف إزاي أنا بقى أهل حتتي وكل اللي أعرفهم؟ أجاب بنظرة مسيطرة وهو يلوح أمامها بسبابته: -أنا قلت الناس الثقة من أهلك، يعني مش أي حد وخلاص. وإن كان على أهل حتتك؛ هما لازم يعني يشوفوني ويعرفوا أنا مين يعني؟
ما كفاية عليهم يعرفوا إنك اتجوزتي راجل مهم وخلاص. -عندك حق يا باشا، دا أنا ممكن حتى أقول إن اللي اتجوزها شيخ ولا أمير من الخليج، حد له عندنا حاجة؟ قال محروس وهو يدخل في الحديث مرة أخرى وأكمل على قوله جاسر بنظرة متحدية: -أنا كده يبقى عملت كل اللي أنتِ طلبتيه يا زهرة، ولا عندك سبب تاني للرفض؟ أجفلها بسؤاله فانعقد لسانها عن الرد بكلمة مفيدة، فكيف ترد على شيء هي لم تفكر فيه من الأساس؟
فرفضها من البداية كان بناءً على أمر يستحيل حدوثه مع عدم قبولها لدور الزوجة السرية، أما الآن فهو قرب المسافة بأسلوبٍ غريب جعله يرضي الطرفين، ولكن هي لم تحسب نفسها أبدًا طرفًا في قضيته!! -ها يا زهرة ساكتة ليه ماتردي؟ أجفلها جاسر بسؤاله الملح، فجاء الرد من أباها: -ودي عايزة مفهومية يا جاسر باشا، دا حتى بيقولوا في الأمثال إن السكوت علامة الرضا، ولا أنت عايزني أفهمك؟ أنشق ثغره بابتسامة فرحة ليقول بلهفة:
-خلاص يبقى نقرا الفاتحة يا عم محروس وخير البر عاجله. -طبعًا يا باشا. أردف بها سريعًا محروس قبل أن يرفع كفيه يقرأ بينهم سورة الفاتحة مع جاسر الذي أنهاها سريعًا ليرمق زهرة بنظرة ظفر وانتصار لقرب حصوله عليها، أما هي فكانت كالتائهة أو مخطوفة مما يحدث معها الآن وهي لا تدري إن كان خطأ أو صواب.
بعد قليل كانت جالسة على مكتبها تخطو بالقلم خطوطًا كالدوائر على الورقة البيضاء أمامها، مستندة بمرفق يدها الأخرى على سطح المكتب والتي استراحت عليها وجنتها وقد لف برأسها الشرود، بعد أن تركت جلستهم هاربة من شيء لازالت لا تصدقه، تسأل نفسها عما حدث، وعقلها لا يستوعب السرعة أو الطريقة التي تم بها خطبتها؛ يا إلهي هي فعلًا أصبحت الآن خطيبته؟ -سرحانة في إيه؟
انتفضت عائدة برأسها للخلف وقد فاجأها بظهوره، مقربًا وجهه منها وقد دنا برأسه نحوها، تلعثمت في ردها مع هذا الوضع الغريب: -ااا عادي يعني. ردد خلفها بابتسامة بعرض وجهه: -عادي؟ طب قومي يلا وحصليني على المكتب. قال وذهب من أمامها على الفور. بربرشت بعينيها خلفه تنظر في أثره باستغراب مرددة: -هو إيه اللي بيحصل؟
في طرقة الطابق الأول للشركة كانت خارجة من إحدى الغرف التي سملت بها إحدى المهام الموكلة بها، تتغنج بخطواتها كالعادة لتجذب أنظار الجميع إليها. انتبهت على أحد الرجال من العملاء الذي التفت رأسه إليها وتركزت أنظاره عليها يشملها بنظرة إعجاب نثرت السعادة بداخلها، قبل أن يعود ليكمل طريقه دون الالتفات مرة أخرى أو التوقف وكأنه استكفى بالنظرة. زفرت داخلها بإحباط لعدم تحقيقها هدف حتى الآن بهذه الشركة، قبل أن تنتبه فجأة على رؤية
خالها محروس وهو خارج من المصعد مع كارم مدير مكتب جاسر ريان في كل مجموعته وفي طريق خروجهم من الباب الرئيسي، هرولت بخطواتها كي تلحقه ولكن المسافة كانت شاسعة. ودت لو تخلع حذائها ذو الكعب العالي ولكنها تذكرت شكلها أمام عمال وموظفي الشركة، فتحرك فمها بالهتاف باسمه
مع الحذر في نبرة صوتها: -يا خالي استنى يا خالي، يا خالي.
وصلت إلى مخرج الشركة لتصعق برؤية خالها وهو يعتلي لداخل السيارة بجوار كارم؛ الذي انطلق على الفور. دبّت بقدمها على الأرض وقد أصابها الإحباط لعدم إشباع فضولها في معرفة ما يحدث، قبل أن تلتقي أنظارها بهذا الغليظ الذي كان يتابعها وهو ينظر لها بابتسامته السمجة المعهودة. همت لتتجاهله أو ترمقه بنظرة حانقة كالعادة ولكن عقلها أبى هذه المرة إلا أن يعلم بالذي يحدث من خلف ظهرها، فردت وجهها تتصنع الابتسام وهي تخرج من المخرج الرئيسي لتهبط الدرجات الرخامية القليلة حتى تذهب إليه. انتبه هو فخطا مقربًا
المسافة إليها: -صباحنا نادي النهاردة، إيه يا قمر؟ أردف فور أن اقترب منها، ردت هي تتصنع اللطف: -صباح الخير يا... ، مرسي أوي على ذوقك. أطلق ضحكة ساخرة مرددًا: -مرسي!! أخرابي ياما ههخخخ. عضت شفتها غيظًا من هذا الرجل، والذي دائمًا ما يشعرها بأنه يكشف ما بداخل عقلها، تماسكت لتسأله: -معلش يعني لو هاقطع عليك وصلة الضحك بتاعتك، بس أنا كنت عايزة أسألك عن الراجل اللي ركب العربية مع كارم دلوقتي. رد إمام على الفور:
-قصدك على عم محروس أبو الآنسة زهرة؟ برقت عيناها باللهفة بعد سماع كلماته فتشجعت تسأله: -أيوه هو، كنت عايزة أعرف منك بقى، إيه اللي جابه هنا؟ وراكب مع كارم في عربيته كده إزاي؟ صمت قليلًا يدعي التفكير ثم انفغر فاهه بابتسامة مرحة يجيبها: -ااا بصراحة معرفش. ردت وهي تجز على أسنانها: -يعني عرفت إن اسمه محروس وأبو زهرة، ومعرفتش السبب اللي جابه هنا؟ -آه.
قالها مقتضبة مع تساع ابتسامته، مما أثار ازدياد حنقها منه، وبدون كلمة استدارت وهي تتفتت من الغيظ منه، تطرق بكعبها العالي على الأرض الرخامية عائدة بعد أن فقدت الأمل باستدراجه في الحديث. فتحت باب مكتبه لتفاجأ بجلسته على طرف المكتب بابتسامة تنبؤها أنه كان في انتظارها، استدارت لتغلق الباب خلفها وهي تتمتم داخلها: -دا أنا بايني هاشوف العجب في الأيام اللي جاية.
عادت لتخطو نحوه بتردد، وهي تموت خجلًا من نظراته المتفحصة لها، حتى اقتربت منه تمُد يدها ببعض المستندات: -اا دول عايزين إمضة. تناولهم سريعًا ليُلقيهم بإهمال خلفه على سطح المكتب مرددًا: -ودا وقت شغل دلوقتي، تعالي الأول اقعدي هنا قصادي عشان أكلمك. برقت عيناها وهي تراه يمسك بكفها كأنه أمر عادي ليسحبها كي تجلس على الكرسي المقابل له أمام المكتب. -إيه بقى وشك مخطوف كده ليه؟ صمتت قليلًا قبل أن تُجاوب على سؤاله:
-لا يعني، بس أنا مستغربة قوي اللي بيحصل، لأنه بصراحة مكنتش أتوقعه. اعتلى شفتيه ابتسامة رائعة وهو يرد: -لا صدقي وصدقي أوي كمان. أنا طيارتي كمان ساعة أو أقل، هاسافر أطمن على بابا وأقوله بالمرة، وبعد ما أرجع بقى كل حاجة هتبقى رسمي. إن كان يظن أن بكلماته طمأنها فهو واهم، بربشت بعينيها وقد عاد دوار رأسها من جديد وهي تردد داخلها: -رسمي! انتبهت عليه ينهض فجأة يتناول حقيبته يلملم بها أشياءه ويهتف عليها:
-قومي يلا عشان أوصلك معايا في طريقي. -توصلني فين؟ سألت بعدم تركيز، جعلته يضحك مرددًا لها: -هاوصلك على بيتكم يا زهرة، أو بمعنى أصح السواق هو اللي هايوصلك بعد ما يوصلني أنا على المطار. قومي عشان تريحي في بيتكم، أنتِ شكلك تعبان. لم تجادل معه ونهضت على الفور تنفذ أمره، فأقصى ما تتمناه الآن، هو الاستلقاء على سريرها أو أن ترتمي داخل حضن رقية ملجأ أمانها.
كانت غادة تسرع بخطواتها كي تصل إلى زهرة بعد أن وصلت إلى طابقها، لتسألها عن حضور أبوها للشركة، ربما وجدت عندها المعلومة التي ترضي فضولها. التصقت بالحائط فجأة حينما رأتها تسير بجانب جاسر، والذي تراه لأول مرة لا يسرع بخطوته كالعادة، بل ويتحدث بإريحية مع زهرة، واضعًا كفهِ بجيب بنطاله. تسمرت محلها تراقبهم حتى دلفوا لداخل المصعد فاشتعل رأسها. -لااا أنا قلبي كده مش مطمن وحاسة إن فيه حاجة مش مظبوطة وبتحصل من ورا ضهري.
غمغمت بها قبل أن ترفع هاتفها لتتصل بوالدتها والتي أجابت على الفور: -الوو... أيوه يا غادة بتتصلي ليه؟ ردت على الفور: -أيوه يا ماما، فيه حاجات حصلت النهاردة في الشركة مجنناني وهاتخلي برج من نفوخي يطير. -حاجات إيه يابت؟ ترجل محروس من سيارة كارم أمام بناية منزله يردد بصوت عالٍ: -اتفضل يا باشا اشرب شاي ولا خد واجبك. أومأ له كارم بكفه وهو يتحرك بسيارته والاَخر يكرر بصوت عالٍ: -طب يا باشا مع ألف سلامة، مع السلامة.
ظل متابع السيارة حتى خرجت من الحارة ثم التفت على الجيران والبشر التي انتابها الفضول نحوه، تنهد بصوت عالٍ وهو يسير بقلب الحارة منتفخ الصدر بزهو حتى وصل إلى القهوة مرددًا بصوت عالٍ أمام نظرات فهمي الذي كان يدخن الشيشة بجوار رجاله: -واد يا حمامة فرق شربات على الحارة كلها، حلاوة خطوبة بنتي ست البنات كلهم، زهرة محروس. صدرت الهمهمات مع ألأصوات المباركة وبعض الأسئلة الفضولية: -ألف مبروك يا محروس، عريسها يبقى مين؟
ياترى العريس من الحارة؟ أومأ يرد بتفاخر: -عريسها يبقى باشا كبير أوي من دولة عربية شقيقة. ألقى جملته الغريبة فازدادت الأسئلة مع المباركات والتهنئة، وهو يجيب بزهو ويختلق قصص من وحي خياله، حتى أجفله فهمي الغاضب ينكزه بكفه: -هي مين اللي اتخطبت من الدول العربية، أنت بتتكلم بجد يا راجل أنت ولا جاي تصيع علينا؟ نفض كفه محروس يقول بشراسة: -وأنت مالك إن كنت بألف ولا اخترع حتى من دماغي؟
فلوسك وخدتها عالجزمة القديمة، لك إيه تاني بقى عندنا؟ توقف فهمي مزهولًا، من فعل محروس الذي تجرأ عليه أمام البشر، بوقاحة تأتي من ثقة بداخله. تجاهله محروس وهو يبتعد عنه يردد بصوت عالٍ مرة أخرى: -فرق يا ابني فرق وما تسيبش حد من الحارة نهائي، خلي الكل يعرف بالنسب اللي يشرف مش يعر؟ قال الأخيرة وهو يرمق فهمي بنظرة معبرة، زادت من غضب الآخر، والذي كان صدره يعلو ويهبط بتنفسه حاد.
وفي الأعلى صفية كانت متابعة ما يحدث من الشرفة، التي تركتها لتذهب لرقية بالداخل هاتفة: -الحقي يا ستي، دا أبويا بيفرق شربات في الحارة ويقول إن زهرة اتخطبت لراجل مهم من دولة عربية. رددت خلفها رقية بعدم فهم: -دولة عربية إيه يابت؟ وكلام فارغ إيه اللي بتهلفطي فيه؟ هو أبوكي اتجنن ولا اتلحس في عقله؟ ردت صفية: -والله ما أعرف يا ستي، أنا بقولك على اللي شوفته وأنا باصة من البلكونة حالًا دلوقتي عالشارع تحت. صاحت عليها رقية بغضب:
-شارع! لهو كمان نشرها في الشارع، انزلي يابت روحي اندهيله بسرعة، ولا هي حصلت كمان يخطبها من غير مانعرف، ناقص بقى يجوزها من غير علمي عشان أطين عيشته إن شاء الله بالمرة.
بجوار مطار القاهرة الدولي، توقفت السيارة التي تقلها معه، وهي مازالت على حالتها من الصمت والشرود، تومئ برأسها وهي تستمع إلى حديثه وحكاياته القديمة في السفر، وسرده بعض العادات والطقوس الغريبة لبعض الشعوب، حتى إذا سألها عن شيء ليسمع صوتها تجيبه باقتضاب، وعدم تركيز، فعقلها لا يستوعب حتى الآن الشخصية الجديدة له، مازالت تبحث عن الرجل المخيف به. -إيه بقى؟ إحنا خلاص وصلنا كده، يعني أنا حالًا هانزل وأسافر.
أومأت برأسها تقوله له: -تسافر وترجع بالسلامة إن شاء الله. ردد بفرح: -الله يا زهرة حلوة الدعوة دي منك، كده هاتخلي الواحد يسافر وهو مبسوط مرتين، مرة عشان الدعوة اللي تجنن دي، ومرة تانية عشان مجيتك معايا قبل ما أسافر. ثواني كده. أردف الأخيرة وهو يخرج من جيب سترته هاتفه ليفاجأها بالتقاط عدة صور لها، ثم قال متغزلًا وهو ينظر للصورة: -قمر، رغم إن الأصل أحلى برضوا.
ردت بشبه ابتسامة صامتة وقد توقف عقلها من كثرة الصدمات، حتى أجفلها بالقاضية حينما التقط كفها وقبلها مودعًا قبل أن يترجل من السيارة ليلحق بطائرته. ظلت لعدة دقائق تنظر لكفها التي قبلها منذ قليل بذهول، لا تصدق أن هذا هو بنفسه جاسر الريان.
حينما وصلت أخيرًا وتوقفت السيارة أمام بنايتها، ترجلت بصعوبة من هذا الدوار الذي أصاب رأسها بفضل الصدمات التي تلقتها اليوم، شكرت السائق من قلبها أنه توقف أمام مدخل البناية تمامًا، فقدرتها على السير أصبحت بالكاد تكفيها لتصعد الدرج وتصل إلى سريرها الحبيب. انتبهت على بعض الهتافات من خلفها فالتفت برأسها وهي تلج لداخل العمارة: -ألف مبروك يا زهرة، ألف مبروك يا ست العرايس.
أومأت برأسها إلى الجيران دون صوت رغم دهشتها، لتعود بضعفها تكمل الطريق وهي تغمغم داخلها: -هو لحق أبويا ينشر الخبر والناس تصدقه؟ دا أنا نفسي مش مصدقة. حينما وصلت أخيرًا للمنزل وجدت رقية في انتظارها متخصرة بتحفز وتقول: -أهلًا بالسنورة، اللي بتتخطب من برا برا ولا اكن ليها بيت ولا أهل ربوها؟ -قرا فاتحتك وبقيتي خطيبته بجد؟ هتفت بالسؤال كاميليا بعدم تصديق، أكملت على قولها زهرة:
-وأخدني في عربيته اللي وصلتوا للمطار وباس على إيدي دي كمان وهو بيودعني. قالت الأخيرة وهي تلوح بكفها أمامها، سألتها كاميليا بدهشة: -طب ومالك طيب بتهرشي فيها كده ليه؟ -مش عارفة، بس هي بتاكلني من ساعتها. سمعت الجملة كاميليا وانفجرت في الضحك على صديقتها التي مازالت تهرش بأظافر يدها الأخرى على كفها، تردد مابين ضحكاتها: -على النعمة أنتِ التوتر بتاعك ده هايجننك ويخلص عليكِ.
زفرت زهرة غير مستجيبة للضحك مع كاميليا وهي تشعر بصواب جملتها رغم مزاحها، فقالت: -ما أنا حاسة فعلًا إني هاتجنن في الآخر على فكرة. توقفت كاميليا فجأة عن الضحك تسألها بتخوف: -أعوذ بالله، ليه بس يابنتِ بتقولي الكلام ده؟ تنهدت زهرة واضعة كفها على جبهتها وهي ترفع رأسها للأعلى قبل أن تعود بأنظارها لكاميليا قائلة بتعب:
-طيب أعمل إيه ما أنا تعبت، دماغي متشوشة؛ كل ما افتكر الكروته اللي تم بيها الموضوع، بحس إن اتعمل عليا كماشة، خصوصًا كمان لما نبهتني رقية إنه كان لازم يجي هنا البيت ويطلبني منها، بس دا هايجي إزاي بس في بيتنا ده، دا ممكن يخاف ما يدخله ليقع عليه. أنا كان مالي أنا بالجواز أساسًا ووجع القلب ده كله، لا وكمان لما يحصل، أتجوز واحد زي جاسر الريان، الفرق بيني وبينه، فرق السما من الأرض مابيني وبينه! اقتربت كاميليا
تهدهدها بلطف كي تخفف عنها: -طب خلاص إهدي طيب، مش مستاهلة النكد ده كله، أعوذ بالله أنتِ اتحسدتي ولا إيه؟ دا الحارة كلها هنا قايمة على سيرتك، من ساعة ما وصلت ودخلت عندكم بعربيتي. أردفت زهرة: -مش موضوع حسد يا كاميليا، أنا الشعور ده حسيته من ساعة ماشوفت أبويا وهو قاعد قصاد جاسر في المكان ده اللي مخصصه لكبار الزوار عنده في الشركة، حاجة كده في منتهى الروعة، وأبويا زي ما أنتِ عارفه لا شكله ولا لبسه يناسب القعدة وو...
-يابنتِ مش كده هاتعقدي نفسك. قاطعتها كاميليا بحزم تُوقفها وتابعت: -اتعلمي تفرحي بقى كده شوية وزيحي الفكر الوحش ده من دماغك، اللي أنتِ فيه ده حاجة كبيرة أوي، غيرك هايموت على نصها. طب أنتِ مش عاجبك جاسر؟ أو حاسة ناحيته بأي إحساس؟ صمتت قليلًا تفكر قبل أن تجيبها:
-هو بغض النظر عن إني دايمًا بخاف منه ومن هيبته كده وشخصيته القوية أوي دي، بس أنا أبقى عمياء ومعنديش نظر لو قلت عليه وحش، دا عامل زي نجوم السيما، دا غير كمان نبرة صوته التخينة دي تحسي كده كلها رجولة و.... قاطعتها كاميليا تهتف بمرح: -وإيه تاني يابنتِ؟ ما أنتِ حلوة أهو وعندك نظر كمان وبتفهمي، أمال إيه لزوم بقى التعب ووجع القلب ده كله؟ ابتسمت لها زهرة بخفة قبل أن تتذكر: -طب أنا هاعمل إيه بقى مع رقية؟
دي قالبة وشها مني ومش راضية تكلمني، ولا خالي ده كمان هاقنعه إزاي بقى بالموضوع ده، وأنا أساسًا مقلقة. هتفت كاميليا وهي تنهض عن التخت وتجذبها من يداها لتنهض معها: -بس بقى بلا مقلقة بلا زفت، تعالي معايا وأنا هاقنع رقية إن شاء الله وبعدها نشوف صرفة لخالك. اخلصي يلا. وعند إحسان التي عادت من زيارة شقيقها لتعلم بالحقيقة الكاملة منه، بعد سماعها للأخبار التي تواترت في الحارة بالإضافة إلى ما سمعته من غادة صباحًا والتي
استقبلتها بلهفة سائلة: -ها يا ماما إيه الأخبار؟ رمقتها إحسان بنظرة غامضة قبل أن تكمل طريقها حتى تجلس على أقرب المقاعد الذي وجدته أمامها، تخلع شالها لتجفف به عرقها. -فيه إيه يا ماما؟ هاقعد ساعة مستنياكي، ماتجاوبيني بقى وتريحيني. هتفت بها غادة بنفاذ صبر، ردت والدتها من تحت أسنانها: -عايزاني أقولك إيه يابت الهبلة؟
أقولك بقى إن العريس اللي بيقول عليه خالك من دولة عربية، طلع هو نفسه البيه بتاعكم وإن زهرة اللي كنتِ بتتريقي عليها عرفت توقعه وتجيبه على بوظه. وكأنها صعقت بماس كهربائي، نهضت بجسد مهتز، جاحظة العينان، فاغرة فاهاها بقوة، لعدة لحظات قبل أن تتمكن من الهمس أخيرًا: -جاسر يا ماما؟ أنتِ تقصدي جاسر ولا حد غيره؟ ردت إحسان بامتعاض وهي واضعة سبابتها على وجنتها: -وانتوا عندكوا كام بيه بقى يابت الهبلة؟
صرخت تندب وتضرب بكفيها على قدميها وقد أخرجتها الصدمة عن شعورها: -اهو دا اللي أنا قلبي حس بيه من الصبح وكدبت نفسي، اهو دا اللي كنت خايفة منه واهو حصل يا ماما. هتفت إحسان بخوف عليها: -براحة شوية لا تتلبسي ولا تأذي نفسك، ساعتها هاتخسري وتخيبي أكتر ما أنتِ خايبة. توقفت تبكي بحرقة مرددة: -طب أعمل يا ماما في حظي المايل؟ دا أنا مخلتش حاجة، مكياج، لبس، شياكة، حلاوة زي ما أنتِ شايفة كده، ناقصني إيه بقى عشان هي تسبقني؟
دي مابتتعبش في حاجة خالص، يعني ممكن تطلع كده غاسلة وشها بس على الحجاب الكبير ده، حتى من غير ما تظبطه على الموضة، هي بتسحر يعني للرجالة ولا إيه بس؟ ثم إنه هو دا كمان إزاي يرضى بيها؟ وهو بيشوف الستات أشكال وألوان ولا مراته، آه صحيح مراته، مراته يا ماما عارفة ولا لأ؟ صرخت بالأخيرة بإدراك، فكان رد والدتها بهدوء:
-لا يا أختي مش عارفة، عشان المحروس مش ناوي يقولها ولا يقول لأمه كمان، يعني هايخلي الجوازة عالضيق، حتى أهل الحارة ماهيعرفوش بيه، امال خالك النهاردة شاع في الحارة إن العريس باشا من دولة عربية ليه؟ ردت غادة بغل: -حلو قوي، يبقى أنا بقى هاقول لمراته وأوقف الجوازة من أولها. -عشان أكتم نفسك بإيدي وأخلص عليكِ بالمرة. تفوهت بها إحسان بقوة أجفلت غادة التي توقفت على قولها مندهشة وتابعت إحسان:
-يا خيبة ياهبلة، سوا قولتي لمراته أو ما قولتيش الجوازة هاتمشي، عشان شكل البيه بتاعك ده واقع في البت أو عايز يطولها مش فارقة، المهم إحنا فايدتنا فين؟ ولا أنتِ فاكرة يعني لما تقولي لمراته إنها هاتديكِ جايزة مثلًا ولا تجوزهولك أنتِ؟ -قصدك إيه يا ماما مش فاهمة؟ سألتها غادة بتشتت، أجابت إحسان بمكر: -هاقولك ياختي، ماهو المثل بيقول إيه؟ من جاور السعيد يسعد، ومين عارف؟ مش يمكن اللي خلاه يبص لزهرة، يخليه برضوا يبصلك أنتِ؟
انطلقت غادة مهللة بلهفة: -بجد يا ماما، طب ماتفهمني والنبي، ينوبك فيا ثواب يا شيخة. أومأت لها إحسان بخبرة وحنكة تقول: -هاقولك! في جوف الليل وهي في ثبات نومها العميق صدح الهاتف بجوارها بدوي صوت ورود مكالمة، ظلت للحظات تقاوم الاستيقاظ، ولكن مع استمرار الصوت رفعت رأسها عن الوسادة بنصف وعي تتناول الهاتف من أعلى الكمود بجوارها لترد بصوت ناعس دون أن تنظر لرقم المتصل: -الوو... أيوه مين؟ -أنتِ لحقتي تنامي؟
على الفور انفتح جفناها بإدراك بعد سماعها لنبرة صوته الأجش، ابتلعت ريقها لتسأل بريبة رغم علمها الأكيد بصوته وقد ذهب النوم بلا رجعة: -مين معايا؟ جاسر بيه؟ وصلها صوت ضحكة مسترخية منه قبل أن يرد: -يعني عرفتيني أهو، طب إيه لزوم السؤال بقى؟ صمتت تعض على شفتها السفلى من الحرج، واستطرد هو: -عاملة إيه؟ قطبت مندهشة من سؤاله الغريب في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ثم أجابت برسمية: -الحمد لله كويسة حضرتك. -إيه حضرتك دي؟
أردف بالسؤال وتابع لها: -هو إحنا لسة في بينا رسميات ولا إيه؟ إيه يا زهرة؟ -أيوه يا جاسر بيه. أجابت بسجيتها لتفاجأ برده: -اسمي جاسر بس يا زهرة، تعرفي تقولي جاسر بس؟ عايز أسمعه منك دلوقتي. -هو إيه؟ -اسمي يا زهرة، هو أنتِ سرحتي مني ولا إيه؟ عضت على شفتها تكاد أن تدميها مع شعورها بالنبرة المتسلية في صوته، ليصلها هتافه باسمها مرة أخرى: -زهرة! -أيييوة. خرجت من فرط توترها بنفاذ صبر، رد هو بهدوء يغيظ:
-يلا بقى اندهيني باسمي من غير حضرتك ولا بيه. جزت على أسنانه وهي ترفض قول شيء تشعر بثقله على لسانها. -زهرررة. -اممم. هذه المرة وصلها صوت ضحكته قبل أن يردف بتصميم: -ماليش دعوة أنا عايز أسمع اسمي حالًا منك دلوقتي. قالت بمرواغة: -طب ماتخليها بكرة بقى عشان أنا تعبانة قوي ونفسي أكمل نومي؟ -تكملي إيه يابنتي؟ أنت لحقتي امتى تنامي أصلًا؟ دي الساعة بتوقيت مصر يدوبك تجيب ١١ الليل. -عادي طبعًا، أنا أصلًا دايمًا بنام بدري.
قالت بعفوية التقطها هو يرد بمكر: -والله، طب جهزي نفسك بقى عشان أنا من دلوقتي ورايح هاعلمك السهر. وصله صوت شهقتها فجلجل بضحكة مقهقًا، جعلها تضرب برأسها على الوسادة مرددة مع نفسها بغيظ: -دا إيه الوقعة اللي أنا وقعت نفسي فيها دي بس ياربي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!