نعم! غمغمت بها بعدم تصديق وهي واقفة أمامه. أردف هو بتأكيد وتشديد على كل حرف يخرج من فمه، وملامح وجهه الصارمة تخبرها بكل وضوح عن مدى جديته: ـ خوديها قاعدة من دلوقتي يازهرة، أنا مبعدتش كلامي مرتين، وأنتِ سمعتِ كويس أوي أنا قولت إيه؟ فاستوعبي بقى براحتك. هتفت متوخية الحذر في نبرة صوتها رغم الغضب الذي عصف برأسها وجعل الدماء على الفور تغلي بداخلها:
ـ يافندم أنا مش فاهمة يعني، حضرتك لو تقصد عن غيابي اليومين اللي فاتوا، فا أنا قولتك السبب هو مرض جدتي. أما عن حكاية الهزار ولا الضحك، فا أظن حضرتك يعني قبل ما ترقيني عندك، بالتأكيد طبعًا عرفت نبذة عن أخلاقي وشطارتي في الشغل، ولا أنا هنا على أساس إيه بالظبط؟ اعتلت شفته ابتسامة غير مفهومة وهو يلتفت مائلًا بجذعه نحوها مرددًا: ـ طبعًا عشان شطارتك يازهرة، أمال هايكون عشان إيه تاني كمان!
توقفت قليلًا تنظر إليه بعدم فهم، وهو يبادلها النظرة بغموض. تود الجدال معه ولكن لا تملك الحيلة أو الطريقة أمام تحكمه وسيطرته. ثم مالبثت أن تتحرك لتجر أحباطها معها، وتستأذنه مغادرة: ـ طب عن إذنك يافندم. ذهبت من أمامه وهي تجزم بداخلها أن نظراته القوية نحوها تخترق ظهرها من الخلف. حينما خرجت ولم تجد الفتيات سقطت على كرسيها الجديد تنفخ بعنف مرددة: ـ أووووف ياساتر، دا إيه ابني آدم ده؟
استغفرت قليلًا قبل أن تستدرك عدم وجود الفتيات، فالتفت برأسها تبحث في أنحاء المكتب مغمغة: ـ ودول راحوا فين كمان؟ *** ـ خاينة، ونعمة ربنا طلعتي خاينة. هتفت بها غادة نحو كاميليا بالغرفة الكبيرة الخاصة بحمام النساء، بعد أن أغلقنه عليهن. زفرت كاميليا ترد على اتهامها متحلية بضبط النفس:
ـ بلاش كلامك المستفز ده ياغادة، يابنت الناس أنا مش عايزة أخسرك. ساعة دلوقتي بحايل فيكي عشان أفهمك وأنتِ البعيدة دماغك فيها جزمة قديمة، بتهلفطي في الكلام، ومش مدياني فرصة آخد نفسي حتى. هتفت غادة ببكاء تنتحب أمامها: ـ يعني حتى الكلام اللي طالع من قهري مش متحملاه مني ياكاميليا؟
لدرجادي أنا تقيلة عليكم، تطبخوها مع بعض، أنتِ تترقي وتسحبيها هي مكانك وأنا زي الأطرش في الزفة تخبوا عليا عشان أعرف زيي زي الغريب، وبعد دا كله أطلع أنا برضوا الوحشة. هزت برأسها كاميليا تستوعب رد فعل غادة الغريب فقالت بدهشة: ـ أطرش إيه وزفة إيه اللي بتتكلمي عنهم؟ وليه البكا من الأساس؟ بنت خالك صدر قرار ترقيتها مع قرار ترقيتي، في وقت واحد، يعني محدش فينا اتدخل مع رئيس الشركة وهو بيمضي على القرار. اقتربت
برأسها منها تردف بتشكك: ـ ياسلااام، وأنتِ بقى عايزاني أصدق الكلام ده؟ طيب ترقيتك أنتِ ومعروفة، عادي يعني وبتحصل. لكن ترقية زهرة في إنها تتحط مكانك، تيجي إزاي دي بقى؟ يعرفها منين هو؟ حتة موظفة صغيرة مكملتش أربع شهور في الشركة. ـ معرفش! اردفت بها كاميليا وتابعت بقوة نحو غادة: ـ صغيرة ولا كبيرة حتة، دي كلها حاجات تخص رئيس الشركة، وأنتِ مش من حقك على فكرة إنك تزعلي في حاجة زي دي، لأنها ماخدتش مكانك ولا جارت حقك.
ـ لا حقي ياكاميليا. صاحت بها غادة مقاطعة بحدة وأكملت: ـ حقي عشان أنا اللي أستحق، أنا شغالة في العلاقات العامة يعني أنفع واجهة، أنا زكية ولبقة مع الكل، مش خيبة وبتكسف من خيالي زي صاحبتنا دي اللي بتتكعبل في هدومها لو حد كلمها. أجفلت كاميليا وهي تعود برأسها للخلف تنظر إليها جيدًا بتمعن، مصدومة من ملامح وجهها التي أظلمت أمامها وتغيرت، وكأنها واحدة أخرى. سألتها غادة بنفس الحدة: ـ إيه؟
بتبصيلي كده ليه وكأني واحدة مجنونة قدامك؟ صمتت كاميليا قليلًا ثم ردت بهدوء مع ابتسامة مستخفة: ـ بصراحة مستغربة، أنتِ معصبة نفسك وقالبة الدنيا، على وظيفة زهرة كانت رافضها بكل قوتها، وقبلت بيها بالعافية في الآخر بعد ضغط. ـ ننننعم! صدرت من غادة رافعة طرف شفتها بازدراء أثار التسلية لدى كاميليا. ـ والله زي ما بقولك كده ياقلبي، أنا عن نفسي بقالي يومين بحايل فيها عشان تقبل وأقدر أنا بعدها أمشي بقى وأستلم وظيفتي الجديدة!
اردفت بها كاميليا مستمتعة بمشهد غادة التي توسعت عيناها بشدة وهي تنظر إليها بذهول مع تجمد ملامح وجهها بشكل يثير الضحك. أجفلن الاثنتان على طرقة خفيفة قبل أن يندفع الباب وتدلف زهرة إليهم. قالت مخاطبة إياهم رغم اندهاشها من هيئتهم: ـ إيه الأخبار؟ كل دا قافلين عليكم الباب وبتتخانقوا؟ أومأت لها كاميليا بتعب وقبل أن ترد سبقتها غادة وهي تسأل زهرة رافعة حاجبها المرسوم بدقة: ـ أنتِ فعلًا يابت كنتِ رافضة الشغل مع جاسر الريان؟
أجابتها زهرة غير مبالية: ـ أه ياختي، وكان عندي استعداد كمان أسيب الشغل، بس أعمل إيه بقى؟ قبلت عشان ما يتقطعش عيشي في المخروبة دي. صرخت غادة بحريق اشتعل بداخلها نحوهم: ـ ولما هو كده والبرنسيسة بتدلع عالشغل، محدش قال اسمي أنا ليه؟ خبيتوا انتوا الاتنين عليا لييييه؟ انتفضت زهرة تلتصق بالباب خلفها واقتربت كاميليا منها تهتف بنفاذ صبر: ـ وطي صوتك الله يخرب بيتك هاتفضحينا، أنتِ إيه يابنت أنتِ مجنونة؟
ارسي على حيلك بقى وليكي عليا في أقرب فرصة ححاول أنا بنفسي أتوسطلك على ترقية كويسة، حلو كده؟ صمتت غادة تكتم غيظها مع استمرار تلاحق أنفاسها الغاضبة وهي تحدق بهم. أجفلن فجأة على دوي صوت هاتف زهرة والتي فتحت بسرعة هروبًا من غادة على الرغم من عدم معرفتها بصاحب الرقم. ـ الوو... مين معايا؟ ـ الوو.. يازهرة انتِ فين؟ فغرت فاهاها بصمت وهي تشير بسبابتها لكاميليا بدهشة نحو الرقم، وقد علمت صاحبه من صوته الأجش.
أجفلها مرة أخرى بصيحته: ـ بقولك انتِ فين يازهرة ما تردي؟ انتفضت ترد سريعًا بتعلثم: ـ أنا في حمام السيدات يافندم، انت عايز حاجة؟ ـ لا تمام، بس حاولي متتأخريش. أنهى المكالمة بعد أن ختمها بجملته الهادئة. فالتفتت زهرة قائلة بحدة: ـ ودي عرف رقمي منين ده؟ هو أنا لحقت أغيب دقيقتين عشان يتصل بيا يندهلي؟ لوحت لها كاميليا بكفها قائلة:
ـ دا شيء عادي يازهرة، رقمك بيبقى عنده في الملف بتاعك ولا أنتِ ناسيه، واحنا كده كده لازم نخرج بقى ونمشي، أنا أساسًا متأخرة على الوظيفة الجديدة. تحركن للخروج ثلاثتهم فغمغمت من خلفهم غادة بحنق: ـ اتحركي ياختي أنتِ وهي على وظايفكم الجديدة، الله يسهل لعبيده. التفت إليها كاميليا برأسها ناظرة بيأس من طريقتها. أما زهرة فهتفت مرددة لها: ـ خديها ياختي الوظيفة الجديدة مش عايزاها، قال اللي خدوا القرعة ياخدوا أم الشعور بلا هم.
*** في طريق عودة الفتيات نحو المقر الجديد لعمل زهرة، بعد تفرق غادة عنهن وعودتها لمحلها في العمل، توقفن على هتاف عماد الذي هلل أمامهن بمرح: ـ ياهلا ياهلا بالناس اللي اترقت وهاتتكبر علينا ياهلا. تبسمت زهرة تكتم ضحكها أمامه، وصدر الرد من كاميليا التي قالت بمزاح: ـ آه نتكبر عليكم ونشوف نفسنا كمان، حقنا ياأخي مش اترقينا. رد هو الآخر على مزاحها يلوح بسبابته لزهرة نحو الأخرى:
ـ شوفتي بقى يازهرة، أنا كان قلبي حاسس من الأول إن البت دي مستنية بس فرصة، واخدة بالك؛ فرصة بس عشان تنزع بقى الوش الناعم ويظهر وشها الحقيقي. قالتها كاميليا ردًا على مزاحه: ـ أنا برضوا ياعماد، ولا أنت اللي السواد بقى مالي قلبك ياجدع. ـ أنا برضوا اللي السواد مالي قلبي؟ ولا أنتِ اللي طلعتي صفرا واحنا مكناش واخدين بالنا ولا إيه بس.
أصبح هو وهي يتبادلان المزاح، وزهرة تضحك بينهم بخجل كالعادة، غير قادرة بحيائها الدائم على مجاراتهم في الحديث المرح، حتى انتفضت على دوي هاتفها برقمه مرة أخرى، فهتفت على كاميليا قبل أن تهرول إليه: ـ دا بيتصل بيا يستعجلني من تاني، أنا ماشية بقى وانتِ ابقي حصليني. نظر عماد في أثر زهرة يغمغم سائلًا لكاميليا: ـ مين ده اللي بيتصل يتسعجلها من تاني؟ ـ قصدها على رئيسها الجديد جاسر بيه طبعًا، أمال هايكون مين يعني؟
قالت كاميليا قبل أن تستأذن هي الأخرى لتلحق بها قبل أن تغادر الشركة، وتذهب لمحل عملها الجديد. *** ـ اتأخرتي ليه؟ هتف بها بأعين حمراء من الغضب، فور أن دلفت إليه. خرج هي صوتها بارتعاش من هيئته: ـ أنا كنت في الحمام، يعني شيء عادي لو حصل واتأخرت يافندم. ضرب بكفه على سطح المكتب هادرًا بقوة جعلها تنتفض مجفلة: ـ متأكدة يا زهرة إن تأخيرك كان في الحمام وبس؟ يعني ما وقفتيش تضحكي ولا تهزري مع حد مثلًا؟ قطبت جبينها تسأله بدهشة:
ـ قصدك إيه يافندم؟ أنا مش فاهمة. ضغط يجز على أسنانه وهو يتناول في الملفات يرميها نحوها على سطح المكتب بغيظ: ـ أقصد ولا مقصدتش، اتفضلي الملفات دي كلها تراجعيها وتعملي تقارير مفصلة عنها فاهمة. أومأت برأسها بقهر وهي تتناولهم بفزع من حجمهم وعلمها الأكيد بالساعات المرهقة التي ستقضيها في العمل حتى الانتهاء منهم. فور أن استدارت سمعته يهتف من خلفها: ـ ومافيش بريك النهاردة يازهرة. أومأت برأسها مرة ثانية، تحتجز الدموع بعينيها.
تابع خروجها الحزين دون أسف، فور تذكره رؤيته لها بالشاشة وضحكاتها مع كاميليا وهذا الفتى ثقيل الظل وهو يتباسط في حديثه معهم، لدرجة جعلته يتمنى التخلي عن وقاره، ليذهب إليهم فارضًا الخصومات والجزءات عليهم، حتى لا يلتقوا مرة أخرى. تمتم فور خروجها بغيظ: ـ ماشي يازهرة، ماشي ياعماد ال... ***
في الخارج كانت كاميليا تلملم في متعلقاتها وأشيائها الخاصة من فوق سطح المكتب والأدراج، قبل مغادرتها الشركة نهائيًا، لاستلام وظيفتها الجديدة. أجفلت على خروج زهرة بوجهها العابس وهذا الكم الهائل من الملفات التي أسقطتهم على سطح المكتب بعنف. ـ إيه ده؟ سألتها كاميليا قاطعة وهي تشير بعينيها نحوهم. أجابتها زهرة بابتسامة صفراء:
ـ دا الهم التقيل اللي أمرني الباشا أشتغل فيهم بعيد عنك، أنا قولتلك الراجل ده مشغلني عنده عشان يطفشني ويطلع عليا عقدة مصدقتنيش. مطت شفتاها واهتزت كتفاها كاميليا بعدم معرفة تجيبها: ـ مش حكاية مصدقتكيش، بس هو أساسًا نظام الشغل هنا بالشكل ده، دول عددهم كبير، امتى بس هاتلحقي تخلصيهم؟ سقطت زهرة على مكتبها تردد بغيظ: ـ لما هو بيعمل معايا كده من أول يوم، أمال بقية الأيام هايعمل إيه بس؟
أنا مش عارفة إيه طبيعة الراجل ده بصراحة؟ دا كل اللي عليه، بتضحكي وتهزري، بتضحكي وتهزري، فيه إيه هو هايكتم نفسي ولا إيه؟ تسمرت كاميليا وتوقفت عما تفعل وهي تنظر إليها مضيقة عينيها بتفكير مرددة: ـ تضحكي ولا تهزري! وهو ماله أساسًا؟ رفعت زهرة إليها أنظارها تهتف حانقة: ـ أنا الدنيا اسودت في عنيا يا كاميليا وبقيت حاسة نفسي هاطرد قريب بسببه، تصدقي بالله دا منع عني حتى البريك العادي بتاع الموظفين هنا في الشركة.
هتفت كاميليا مرددة خلفها: ـ كماااان! ***
وفي الناحية الأخرى، على مكتبها كانت تتلاعب بقلمها، مطبقة شفتاها، وعيناها تنظر في الفراغ بشرود، من وقت أن تركت الفتيات، ونيران صدرها مازالت مشتعلة ولم تهدأ بعد. عقلها يدور بلا هوادة نحو خيانتهم لها، وخططهم التي يدبرونها من خلف ظهرها، وهي التي كانت تظن أنها أذكى من الاثنتين في التدبير والتخطيط؛ تستفيق الآن على هذه الحقيقة المرة، أنها كانت مغيبة في اللعب مع نفسها دون مساعدة، في مقابل اتفاق كاميليا مع زهرة من خلف ظهرها، ليصبحن أعلى منها في التدرج، بالإضافة إلى راتبهم والذي سوف يزداد لضِعف راتبها هي، بالإضافة لزيادة فرصهم في العثور على العريس الذي تحلم أو "اللقطة" كما تتخيل. جزت على أسنانها وهي
تردف لنفسها بصوت مسموع: ـ لا وبيشقوطني لبعض ويقولولي إن البرنسيسة كانت رافضة كمان! ماشي، بقى أنا أفضل موظفة كحاينة في مكاني هنا، وهما يسبقوني بمراحل في كله، ماشي ياكاميليا، ماشي يازهرة. ـ غادة. التفت رأسها بحدة نحو زميلتها في الغرفة التي هتفت باسمها تنظر لها بصمت فتابعت الفتاة: ـ أنتِ بتكلمي نفسك ياغادة؟ ـ أكلم نفسي ولا أتجنن حتى، أنتِ مالك أنتِ؟ بها في وجه الفتاة جعلتها تتركها بخوف قائلة:
ـ خلاص ياأختي، اعملي أنتِ عايزاه وأنا مالي. عادت غادة لنفسها وخططها توعد داخلها بالتقدم عليهم وسبقهم، مهما حدث ومهما كان الثمن. ***
في مكتب الرئيس الجديد كانت واقفة مكانها برهبة في انتظاره، تنظر من النافذة الزجاجية الكبيرة نحو المناطق الصناعية حولها، وحركة المارة من العمال والموظفين؛ وهم يبدون كالنمل أسفل المبني الشاهق الارتفاع. التفت رأسها فجأة على صوت الباب الجانبي الذي فُتح على آخره ليدلف إليها هذا الرجل الذي رأته قريبًا يطول جسده الغريب، بالإضافة إلى وسامة وجهه الغريبة. ـ مساء الفل، اتأخرت عليكي صح. أردفت خلفه ترد التحية:
ـ مساء الخير يافندم، عادي ولا يهمك. جلس بحماس على كرسيه يردد وهو يشير لها لتجلس أمامه: ـ أعملك إيه بقى؟ ما أنت لو جيتي من أول يوم، كان زمانك حاضرة معانا الاجتماع دلوقتي. أومأت بابتسامة مجاملة: ـ تتعوض يافندم، الجيات أكتر من الرايحات. المهم أنا كنت عايزة أعرف فين مكتبي عشان أحاول أفهم النظام من دلوقتي. أطلق ضحكة مدوية أجفلت من غرابتها قبل أن يردف لها:
ـ كده على الحامي على طول، دا صدق بقى جاسر لما قال إنك زي القطر في الشغل. لم تستجب لدعابته وقد ارتسمت الحيرة على ملامحها وجهها وهي لا تدري إن كان هذا مدح أو سخرية. انتبه هو فقال مصححًا: ـ على فكرة أنا مش بتريق، أنا قصدي إنك بيرفكت يعني ودي حاجة ممتازة طبعًا ولا إيه؟ أومأ غامزًا بعينيه الجريئة بنظرتها، وابتسامة ماكرة جعلتها تتوتر في حضوره. حركت هي رأسها بموافقة مدعية الجدية كعادتها وقالت:
ـ تمام يافندم ممكن بقى أعرف مكتبي فين؟ ـ تاني برضوا. أردف بها مطقًا ضحكة أخرى يردد معها ٦٦: ـ طب خدي نفسك حتى وقدريني شوية؛ تشربي معايا حاجة ساقعة أو سخنة، مش إحنا ها نبقى معظم الشغل بينا الأيام اللي جاية برضوا. أومأت بالموافقة وقد أربكها بكلماته للمرة الثانية. ***
وعودة إلى زهرة التي كانت منكفئة على الملفات المكدسة أمامها بتركيزٍ قد أوشك على النفاذ منها؛ بعد قضاءها عدة ساعات في العمل بها، وهي لم تنهي نصفها بعد حتى. رفعت رأسها عنهم بتأفف وقد اشتد الألم في رقبتها وظهرها. ـ روح ياجاسر ياريان الهي ما توعى تبربش بعينيك ياشيخ. تمتمت بها بغيظ وهي تتناول هاتفها تتصل على جدتها: ـ الوو... أيوه ياستي عاملة إيه دلوقتي؟ ـ ... البت صفية مرعياكي ولا سابتك؟ ـ ...
طب كويس أوي، اتغدّيتي بقى ولا لسة؟ ـ .... ليه بس ياستي ما أنا قايلالك من الأول إني هاتأخر. ـ .... والنبي ياشيخة ماتتعبي قلبي، أنا قولتلك إني هاتأخر يبقى خلاص بقى. ـ .... لا ما أضمنش هرجع الساعة كام؟ ـ .... تمام ياقلبي ولا يهمك بس ماتنسيش تدعيلي والنبي. ـ ... ياروح قلبي، حاضر من عيوني هاجيبلك بسبوسة تحلي بقك بيها، أنتِ تؤمري ياقمر.
أنهت المكالمة بابتسامة كالعادة، تدخلها عليها رقية بخفة ظلها الدائمة، ولكنها اختفت فور أن اصطدمت عيناها به، واقفًا بجوار باب مكتبه المفتوح، واضعًا كفيه بجيبي بنطاله، وكأنه يراقبها! قطبت تنهض عن كرسيها بامتعاض وقالت على مضض: ـ حضرتك عايز حاجة يافندم؟ تقدم بخطواته ليصل إليها قبل أن يرد بسؤال: ـ كنتِ بتكلمي مين؟ ـ نعم! قالتها باستنكار، فقال مبررًا: ـ أنا أقصد طبعًا، عشان الشغل اللي سيباه وراكي متكوم ده.
قال وهو يومئ بعينيه نحو الملفات، ردت هي تجاهد للتحكم في غضبها: ـ يافندم ما أنا شغالة أهو وما بطلتش دقيقة، جات يعني على اتصال صغير أطمن بيه على ستي؟ دا أنا حتى ما أخدتش البريك بتاعي، ولا ريحت نهائي. ـ صمت يحدق بها قليلًا بملامحه الصارمة ثم أومأ بعينيه نحو المكتب قائلًا: ـ ماهي السندوتشات قدامك أهي، ما أكلتيش ليه أنتِ بقى؟
رمقت زهرة الشطائر التي وضعها عامل الكافتيريا أمامها على سطح المكتب منذ ساعات في خطوة غريبة، جعلتها تسأل العامل عنها فاأجابها، بأنه أتى بأمر مباشر من رئيسها؛ رئيس الشركة. ـ ما بترديش ليه؟ أنا بكلمك. سألها بصوته الأجش، ردت زهرة كاذبة: ـ متشكرة يافندم، أنا مش باكل حاجة برة البيت. مال برأسه ساخرًا يقول: ـ غريبة يعني، مع إن أول مرة شوفتك فيها هنا في المكتب؛ وكان السندوتش في إيدك ساعتها!
احتلت عيناها وازداد توترها، لتذكيرها بها اللقاء الكارثي مع تذكره لتفصيلة صغيرة كهذه، فقالت باعتزاز: ـ بتحصل يافندم، بس لما أبقى جعانة بقى؛ لكن أنا دلوقتي مش جعانة ولا ليا نفس نهائي. صمت مرة أخرى يعاود التحديق بها وهي واقفة بتملل، من سهام نظراته المصوبة نحوها. ثم مالبث أن يرد بلهجة غامضة: ـ تمام يازهرة، روحي أنتِ دلوقتي وكملي بقى بكرة. رفعت عيناها إليه تسأله بعدم تصديق: ـ صح يافندم، يعني أنا ممكن أروح دلوقتي؟
انتظرته قليلًا قبل أن يجيبها بتمهل وهو يضغط على كلماته: ـ كام مرة هأقولك إني مبركررش كلامي يازهرة. ـ تمااام. أردفت بها مقتضبة وهي تومي برأسها بتفهم وعيناها تخفضها عن النظر نحوه. أجفلها بسؤاله: ـ هاتروحي مع مين دلوقتي وكاميليا مش موجودة؟ ـ هاتروح معايا أنا ياجاسر باشا. صدرت بغتة من الخلف جعلتهم ينتبهون على دلوفها إليهم، وتابعت: ـ أنا غادة بنت عمتها ياجاسر ياباشا، هو أنت مش فاكرني؟
اكتفى بأن يلوح لها بكفه وهو يرتد عائدًا إلى مكتبه دون أن يرد عليها. تسمرت غادة قليلًا تتابعه حتى اختفى داخل مكتبه، تغمغم بانبهار: ـ القميص الأبيض هاياكل منه حتة وهو متقسم مظبوط على العضلات والجسم المفرود، يخرررب بيت حلاوتك. بعد انتهائها التفت لزهرة وجدتها جالسة ووجنتها مستريحة على قبضتها المستندة بها على سطح المكتب، تحدق بها مضيقة عينيها. ـ ننعم!! بتبصيلي كده ليه بقى؟ تجاهلت زهرة السؤال وردت بسؤال من عندها:
ـ أنتِ برضوا لحقتي تظبطي مكياجك؟ لا وتغيريه بالكامل كمان، لهو أنتِ بتقضي يومك كله في الحمام يابنتي؟ تبسمت غادة باستخفاف وهي تجلس أمامها: ـ مافيش داعي إني أشرحلك وأتعب نفسي، عشان دي حاجات صعب عليكي تتعلميها ياروحي، يللا بقى خلصينا عشان نعرف نروح، عشان كمان تعرفي إني بعمل بأصلي رغم خستك وندالتك معايا، أنتِ والمحروسة كاميليا، لكني جيتلك اهو عشان آخدك تروحي معايا. ردت زهرة بابتسامة ساخرة:
ـ كتر خيرك ياست غادة، اخجلتيني بتواضعك حقيقي يعني، على العموم أنا خمس دقايق كده وهاخلص الملف اللي في إيدي، مش هاخليكي تتأخري أكتر كتير يعني. مطت شفتيها وهي تومئ لها بعينيها بعدم اكتراث، ومن داخلها تمتم: ـ أصبر نفسي معلش وماله، مش يمكن يطلع من وراها المصلحة ولا الشبكة تلقط بسببها! ويجي الخير اللي بحلم بيه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!