على مكتبه بداخل الشركة التي تولى إدراتها خلفًا لرئيسه الغائب كان يمارس نشاطه اليومي في العمل الدؤوب بكل همة وجدية كعادته حتى تفاجأ بالاتصال على هاتفه. ضيق عينيه قليلًا وهو ينظر للرقم الغريب، قبل أن يجيب وقد بدأ يخمن هوية المتصل من الرقم المميز. "آلووو...... مين معايا؟ "آلوو يا كارم، دا أنا ولا يكونش كمان نسيت صوتي؟ استغرب قليلًا من نبرتها الحادة ثم تدارك يرد بدبلوماسية كعادته. "إزاي الكلام دا يافندم وهل يخفى القمر؟
أهلًا بيكِ يا ميري هانم." "يا أهلًا." قالتها بعنجهية وتابعت. "بقولك إيه، أنا عايزة أسألك دلوقت حالًا وتجاوبني على طول، جاسر فين؟ أجابها على الفور بنبرة عادية وكأنها كان على استعداد تام لها. "جاسر باشا ياهانم سافر بلاروسيا يوقع عقد الشراكة لمصنعه الجديد." صمتت قليلًا ثم سألته بتصميم. "إنت متأكد من كلامك دا يا كارم؟
عشان عارف لو كنت بتكدب هاتشوف اللي يحصلك بجد، وافتكر كويس إن منصب والدي يمكني أتأكد بمتهى السهولة من المطار، إن كان سافر ولا دي لعبة." رد بهدوئه المعتاد. "طبعًا متأكد ياهانم، هو أنا أجرؤ برضوا للكدب عليكِ. وعلى العموم هو سافر بالطيارة الخاصة بوالده، يعني مسافرش بالمطار." استمع قليلًا لصوت أنفاسها الحانقة قبل أن تقول.
"ماشي يا كارم سيبنا من جاسر دلوقتي، أنا كنت عايزة أسألك بقى على البنت السكرتيرة بتاعته دي كمان، هي مش قاعدة على مكتبها ليه تراعي مصالح جاسر في غيابه؟ أجابها عن سؤالها الآخر أيضًا بحنكة قائلًا. "تقصدي زهرة السكرتيرة؟ البنت حصل معاها ظرف طارئ ياهانم واضطرت تاخد إجازة كام يوم، ما انتِ عارفة نظام الشركات في المجموعة، معندناش تعسف ولا تضيق على الموظفين." ***
أنهت المكالمة لترمي الهاتف بطول ذراعها على التخت أمامها قبل أن تلتف للناحية الأخرى وتجلس مقابل صديقتها بجوار الشرفة، تتناول سيجارة من العلبة وتشعلها بالقداحة قبل أن ترميها هي الأخرى على المنضدة بعصبية. "شكله هو كمان مريحكيش." نفثت ميري دخانًا كثيفًا قبل أن ترد عليها. "قال نفس الكلام اللي قالوا عامر، بس برضوا أنا مش مطمنة وحاسة إن فيه حاجة." سألتها مرفت. "قالك إيه طيب عن البنت السكرتيرة؟ أجابتها ميري بتهكم.
"بيقولي قال إن حصل عندها ظرف طارئ، وقال إيه الشركة بتاعتهم شركة محترمة مابتضيقش على الموظفين ولا تتعسف معاهم." مطت مرفت بشفتيها ولم تعقب، فهتفت عليها ميريهان. "سكتي ليه يا انتِ كمان؟ ماتقولي إيه رأيك في الكلام اللي اتقال ده؟ ردت مرفت بلهجة هادئة. "يعني عايزاني أقولك إيه يعني؟ مش يمكن يكون كلامه صح والبنت فعلًا عندها ظرف طارئ." "في نفس الوقت اللي مسافر فيه جاسر؟ قالت ميري بتشكك. "حد عارف بقى، يمكن صدفة."
صاحت الأخرى بانفعال. "هي إيه اللي صدفة يابت انتِ؟ هو انت عايزة تحرقي دمي بكلامك وبعدها تقولي يمكن ومش يمكن." ردت مرفت حانقة. "الله ياميري، هي دي جازاتي يعني إن بقولك على اللي بشوفه عشان تاخدي بالك وتحرسي." هتفت ميري بعدم سيطرة. "أحرُس فين ولا آخد بالي من إيه؟ هو مديني فرصة لأي حاجة، جاسر باع واتوقع منه أي فعل." *** بداخل سيارته والتي كانت تقطع المدينة الساحلية كان يتحدث في الهاتف مع والده.
"يعني هي اتصلت بيك النهاردة وسألتك؟ طب وانت قولتلها إيه بقى؟ أجابه عامر عبر الهاتف. "أيوه يا جاسر زي ما بقولك كده يابني، وحمد لله إن والدتك مكانتش موجودة وإلا ماكنتش هاخلص من تحقيقها معايا دي كمان، على العموم أنا رديت عليها وقولت إنك مسافر، بس بصراحة أنا استغربت قوي." رد جاسر بابتسامة ساخرة. "وانت استغربت من إيه بقى يا والدي؟ على السرعة ولا إن الهانم افتكرت إن ليها جوز؟ وصله صوت أبيه القلق.
"من الاتنين يا جاسر، واضح كده إنها متابعة وليها عيون في الشركة ودي نفسها حاجة تقلق." رد جاسر باستخفاف. "لا يا والدي ماتقلقش، أنا عارف مين اللي متابع معاها أساسًا، وعلى العموم أنا كنت عامل حسابي." "عامل حسابك! طيب ياسيدي ربنا يهنيك بعروستك، إلا قولي هي فين صحيح عشان أبارك لها بنفسي؟ تزينت زوايا فمه بابتسامة سعيدة وهو يلتف لها ليعطيها الهاتف فوجدها غفت بجواره في الكنبة الخلفية للسيارة. هدهدها بصوت خفيض. "زهرة يا زهرة."
انتفضت مستفيقة تردد له. "آيوة جاسر، معلش خدتني نومة بس أنا بصراحة مش متعودة على السهر." رد بابتسامة مستترة وعيناه انتقلت نحو السائق وحارسه الشخصي في الأمام بحرج. "خلي بالك من كلامك يا زهرة وفوقي كويس عشان تكلمي والدي." "بتقول والدك؟! أردفت بها وهي تتناول الهاتف بعد أن أومأ لها برأسه، فخرج صوتها برهبة. "آلوو.... عامر بيه؟ وصلها صوت ضحكة كبيرة من الرجل مرددًا. "بيه إيه بس يازهرة، ما خلاص بقى؟ ألف مبروك يابنتي."
شعرت بالدفء في صوت الرجل الذي جعلها تكمل المكالمة معه بارتياح. *** بعد قليل توقفت السيارة أمام مبنى رائع بتصميمه المميز والذي لفت نظرها من غرابته، فالجزء الأمامي والذي بدا كالسور كان مبني من الحجارة والجزء الآخر ظهر أمامها وهي تدلف معه للداخل بشكل هندسي كالمثلثات. كانت كالتائهة وهو تخطو معه ويدها الصغيرة تضمها كفه الكبيرة نحو مدخل المبنى وأقدامها تدب في الأسفل على الأرض المرتصفة بأحجار دقيقة وصغيرة.
انتبهت على مسبح عملاق وحوله عدة شمسيات تبدو وكأنها صنعت من سعف النخل أو شيء آخر يشبهه بالإضافة إلى الطاولات البلاستيكية والمقاعد. دارت رأسها لتسأله بحيرة. "هو انتوا عاملين هنا حوض سباحة والبحر قدامكم على طول." التفت رأسها إليها بابتسامة رائعة قائلًا بتفكه. "عشان لما نزهق من البحر نغطس في البسين ولو زهقنا من البسين نروح للبحر، إيه رأيك بقى مش لعبة حلوة؟ ختم جملته بغمزة بوجنته أربكتها ثم تمتمت بداخلها. "ناس فاضية."
حينما ولجت للداخل افتغر فاهاها وتوسعت عيناها بانبهار على الرغم من بساطة الأثاث إلا أنه كان رائع مع الأشكال الغريبة في الديكور، عكس منزله بالقاهرة الذي يتميز بالفخامة والكلاسيكية بشكل عصري. انتابها الخوف من هذا العالم الغريب عنها والتي لم تطمح ولا حتى حلمت في القرب منهم، لتجد نفسها الآن بينهم ولا تعلم إن كانت ستظل بموقعها هذا أم أنها سترتد بالخلف للعودة لبيئتها التي أتت منها.
شهقت فجأة حينما وجدته يرفعها بغتة بذراع واحدة سائلًا. "سرحانة في إيه؟ هتفت بجزع. "إيه اللي بتعملوا ده يا جاسر؟ مش خايف لحد يشوفنا؟ ضحك متسليًا. "لا ماهو مافيش حد معانا يا عيون جاسر، الشاليه والمنطقة كلها خاصة، يعني حتى الخدم هايجوا في وقت محدد وينصرفوا ويروحوا." قالت بعدم فهم. "إزاي يعني خاصة؟ طب والبحر القريب ده كمان تبعكم برضوا؟ "آه." قهقه مرددًا بتأوه حارق وهو يضغط بأسنه على شفته السفلى ضاحكًا بسعادة.
"هاتعملي فيا إيه تاني يابنت محروس؟ *** خرجت من عملها متأففة وهي تدب بكعبها ذا الصوت العالي بعدم اكتراث لانتباه المارة حولها والتي تتلفت إليها بدهشة، حتى التقت عيناها به واقفًا تحت ظل شجرة قريبة منها. تقدمت بخطواتها حتى وصلت إليه فخاطبته. "انت واقف عندك بتعمل إيه يا عماد؟ صافحها بالتحية أولًا قبل أن يجيبها وعيناه تتلفت خلفها. "أنا واقف ياستي مستني واحد صاحبي، بس انتِ إيه أخبارك؟ قالت رافعة حاجبها الرفيع بمكر.
"واحد صاحبك برضوا؟ وبتتهرب مني بسؤالك عن أخباري يا عماد؟ أومأ برأسه قائلًا باستسلام. "امال يعني عايزاني أقولك إيه بس وأنا شايفك خارجة لوحدك، هي زهرة مخرجتش معاكي ليه؟ ردت بابتسامة جانبية. "لا ياسيدي مخرجتش معايا زهرة عشان هي مجاتش النهاردة الشغل أساسًا." قطب يسألها بقلق. "ليه مجاتش بقى؟ دا حتى امبارح انتظرتها كتير وبرضوا مجاتش، هي تعبانة ولا حاجة؟ تنهدت مطولًا قبل أن تقول بخبث.
"آه ياعماد دا انت باينك طيب قوي وعلى نياتك، هو انت ماتعرفش إيه آخر أخبارها؟ ازداد قلقه فردد يجيبها. "أخبار إيه يا غادة؟ أنا لسة شايف كاميليا امبارح وكلمتها على زهرة عشان تفاتحها في موضوعي، وهي سمعت مني ومقالتش أي أخبار عنها." مصمصت بشفتيها تدعي التأثر لتزيد من حيرته ثم قالت. "والنبي انت صعبان عليا يا عماد، شوف انت يامسكين بتعمل إيه عشانها وهي ياسبحان الله اتجوزت امبارح." هتفت متسع العينين ومجعد الجبين بصدمة.
"بتقولي إيه؟ اتجوزت كده على طول وبالسرعة دي؟ طب هي كاميليا مقالتليش ليه امبارح وأنا بكلمها، يعني هي تسمع مني وتسيبني على عمايا كده، طب ليه؟ ردت غادة بخبث. "تلاقيها خافت منك لتبوظ الجوازة ولا حاجة." أظلم وجهه فقال بحريق اشتعل بصدره.
"أنا فعلًا كنت هابوظ الجوازة لو كنت عرفت، أنا بس كنت عايز فرصة أتواصل معاها بيها، يمكن كنت لقيت حل، لكن كده اتغفل وأنام بحلم بيها عشان أصحى تاني يوم على كابوس إنها اتجوزت من امبارح وبقت ملك واحد تاني، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل." ظل يردد بها وهو يسير مبتعدًا عنها مكسور الخاطر، وهي تتبعه بعينيها بامتعاض. ***
حتى تفاجأت بصرير سيارة توقفت بالقرب منها ليطل منها هذا الحارس ثقيل الظل برأسه إليها يتطلع إليها من نافذة السيارة التي يقودها بنفسه هذه المرة ويخاطبها بتفكه. "واقف في الشمس ليه يا جميل؟ مش خايف منها لتحرقك؟ زفرت تشيح بوجهها عنه حتى التفت تقول له من تحت أسنانها. "هو أنا مش هاخلص منك يا جدع انت؟ ماتحل عني بقى وشوف وراك إيه؟ قال بسماجة اعتادت عليها منه.
"كده برضو تكسري بنفسي وأنا معدي على الشركة مخصوص دلوقتي عشان أشوفك في ميعاد انصرافك، رغم إن حيلي مهدود والنعمة بعد سفر رايح جاي مع البيه بتاعنا وحرمه الجديدة، الله يسامحك يا غدغود." "غد غود! تمتمت الاسم الذي نطق به بقرف قبل أن تنتبه على باقي كلماته. "انت بتقول إنك سافرت مع البيه وحرمه الجديدة! قصدك مين؟ زهرة؟ هتف متفكهًا. "امال هايكون مين غيرها بس؟ دول حتى رايحين يقضوا شهر العسل يا عسل."
أغمضت عيناها وقد أصابتها كلماته في صدرها المحتقن لتفاجأ بمزاحه الثقيل. "عقبالنا يارب، دا أنا من ساعة ماشوفتك امبارح بالفستان العرياني ده وأنا عايز أتوزجك النهاردة مش بكرة." هتفت بعدم السيطرة وقد بلغ حنقها من هذا الشخص مداه. "يا خي ان شاء الله تتجوزك عقربة تلوشك يا بعيد، دا إيه المصيبة دي." قابل انفعالها متبسمًا ببرود فهمت تتحرك لتذهب وتتركه ولكن الفضول داخلها جعلها تتوقف لتسأله ببعض اللطف.
"طب على كده بقى انت عارف المكان اللي راحوا فيه؟ هتف يرد بحماس. "آه امال إيه، دا أنا ممكن كمان أوصفهولك بالملي بس بقى لو قبلتي تركبي معايا أوصلك." فتحت فاهاها لتمطره بالسباب ولكنها تماسكت وهي تذكر نفسها بالغاية التي ستحصل عليها من وراء توصيله لها. رفعت بذقنها ترد باستعلاء. "هاركب معاك بس عشان أنا واثقة من نفسي."
تغاضى إمام عن لهجتها المستعلية بل وتوسعت ابتسامته باستخفاف يتابعها حتى انضمت بجواره في الأمام، وسألته غادة على الفور. "امال فين السواق نفسه عشان تسوق انت؟ رد إمام وهو يدير المحرك ويتحرك بالسيارة. "عبده روح ياستي مفرهد من المشوارين وأنا بقى هاوصلك وأرجع بالعربية على فيلا جاسر بيه، المهم بقى، احنا كنا بنقول إيه؟ ***
كانت تقف بشرفتها إحسان تلملم الملابس التي جفت من الشمس بعد غسيلها لتطويها وتضعها في السبت البلاستيكي، حينما لمحت السيارة الفارهة التي اقتحمت الحارة الضيقة لتفاجأ بتوقفها أمام منزلها. عصرت رأسها لتتذكر أين رأت هذه السيارة حتى صعقت برؤية ابنتها وهي تترجل منها تشير بطرف كفها للسائق قبل أن تدلف لداخل البناية. انتظرت قليلًا إحسان حتى سمعت بصوت الباب الخارجي وابنتها تدلف منه، خرجت إليها من الشرفة بوجه حائر لتسألها.
"عربية مين دي يا غادة اللي وصلتك لحد باب البيت؟ غمغمت غادة بحنق وهي تخلع عن قدميها الحذاء ذو الكعب العالي. "يعني هايكون عربية مين بقى؟ خطيبي مثلًا بلا حسرة؟ دي عربية الباشا جوز الهانم بنت أخوكي." "بنت أخويا؟! أردفت بها بحيرة لتضع سبت الغسيل على الأرض بعد أن استرعت انتباهها لتلحقها بغرفتها وتسألها على الفور. "انتِ ماشية على طول يابت من غير ما تفهميني، إيه اللي ركبك عربية جاسر الريان يامنيلة؟
هتفت غادة بضيق وهي تخلع ملابسها. "ركبت مع الزفت الحارس بتاعه ياما، عشان أعرف منه أخبار بنت أخوكي اللي هايصة مع جوزها في الساحل الشمالي في العز والهنا اللي هي فيه." قالت الأخيرة بصرخة قبل أن تسقط على التخت بأنفاس متهدجة. جلست بجوارها إحسان تخاطبها بهدوء. "طب مضايقة نفسك ليه؟ ماهو دا الطبيعي يا غادة بعد ما ربنا فتح في وشها طاقة القدر." ردت غادة من تحت أسنانها.
"مقهورة ياما بعد ما سمعت بالتفاصيل اللي قالهالي إمام عن المكان اللي خدها فيه جاسر الريان، دي حاجات إحنا بنشوفها في التليفزيون ونستعجب عليها لكن محدش جرب ولا قرب حتى منها لكن بنت أخوكي بقى، حظها ناااار." صمتت إحسان قليلًا بتفكير ثم قالت. "واضح كده إن اللي اسمه إمام بيعزك يا غادة عشان يحكيلك ده كله." التوى ثغرها لترد بتهكم. "الزفت عايز يتجوزني ياما، شوفتي الهنا اللي أنا فيه، أنا غادة عايز يتجوزني حارس أمن!
ردت إحسان بهدوء وابتسامة جانبية. "وتاخدي على أعصابك ليه يا هبلة؟ هو لزق فيكِ يعني، خدي منه مصلحتك وبعدها اديله صابونة." قطبت غادة تسألها. "قصدك إيه ياما؟ "ما قولنا خدي منه مصلحتك وزحلقيه هي غنوه." أردفت بها إحسان وهي تنهض من جوارها لتترك غادة تعيد الكلمات برأسها بتفكير عميق. ***
على الشاطئ الذي خلا إلا منهم كانت جالسة على الكرسي ومستندة بمرفقها على المنضدة الصغيرة تراقبه وهو يسبح وحده بعد أن رفضت النزول معه إلى البحر لعدم معرفتها بالسباحة.
مازالت تكتم غيظها منه من وقت أن أصر على ارتدائها لهذه القطعة الخفيفة، مدعيًا أنها ملابس الشاطئ. وعلى الرغم من استمتاعها به وهو يتطاير مع الهواء في اندماج واضح مع هذا الجو الساحر، ولكنها لم تنسى مقلبه معها حينما خدعها وترك حقيبتها ليأتي بحقيبة ملابس انتقاها هو من خزانتها لهذه الملابس الغريبة عنها في تصميم واضح لارتدائها ما ينتقيه بنفسه لها حتى الأشياء الخاصة.
لا تصدق أن جاسر الريان بجلالة قدره وهيبته ووقاره ووجهه المتجهم دائمًا، يصغر بعقله لهذه الأمور التافهة والصغيرة؛ ولكنها لا تنكر في قرارة نفسها أنها تسعد بما يفعله لإرضائها، حتى لو كانت رفاهية الأشياء بالنسبة لها شيء عادي بالنسبة له، لكن يكفي أنه يفعل وأنه يسعى لإسعادها. استفاقت من شرودها على صوت هاتفها الوارد بمكالمة، فتحت ترد بلهفة بمجرد رؤيتها للرقم. "آلوو.... أيوه يا خالي وحشتني ياحبيبي." وصلها صوته المرح.
"وحشتك فين يابكاشة؟ هو أنا لو وحشتك صحيح كنت سافرت على طول كده يابت من غير ما تستنيني أشوفك؟ ردت بحرج. "طب أعمل إيه بس يا خالي مع جاسر واخد إجازة لنفسه يومين بس ومش عايز يقعدهم في البيت، بس بصراحة بقى انت وجدتي وحشتوني قوي." قال خالد بسعادة. "ي حبيبة خالك انتِ، يابت أنا ملحقتش أشبع منك وغراب البين ده طار بيكِ، حاولي بقى ماتتأخروش عايز أقعد معاكي ونحكي في تفاصيل حياتك من وقت ما سافرت أنا وطول فترة غيابي."
ردت هي بتأكيد. "طبعًا يا خالي، دا أنا واحشني الرغي والهزار معاك قوي، يمكن أكتر منك كمان."
تابعت زهرة حديثها الممتع مع خالد ورقية التي كانت تناكشها ببعض الكلمات الجريئة التي كانت تجعل زهرة تغضب حرجًا منها وبنفس تتحدث بابتسامة مستترة تصل إليهم رغم عدم رؤيتهم لها، حتى أثارت انتباه جاسر فخرج لها من البحر بجسده العضلي وقطعة السباحة يرتديها والتي جعلتها تشيح بوجهها خجلًا منه حتى وصل إليها يدنو بجذعه يتطلع إليها بجرأة أربكتها فنهت المكالمة معهم بتوتر. قال متسليًا بصوته الأجش. "كنتِ بتكلمي مين؟
رمقته بعينيها سريعًا قبل تجيبه على وضعها بارتباك. "كنت بكلم خالي وجدتي طبعًا أصلهم اتصلوا عشان يطمنوا عليا." مال إليها قائلًا بابتسامة عبثية. "هاا بقى وطمنتيهم؟ ضيقت عيناها قليلًا حتى فهمت مغزى سؤاله ثم التوى ثغرها بحنق. "على فكرة بقى هما سألوا عليك وأنا قولتلهم إنك بتعوم في البحر ومش فاضي تكلمهم." مط بشفتيه قائلًا بتنهيدة.
"على كده بقى قولتلهم إن بعوم وحيد في بحر طويل عريض وعروستي مش معبراني ولا هاين عليها حتى تشاركني العوم." التفت إليه قائلة بحدة. "فيه إيه يا جاسر؟ يعني عايزني أعوم إزاي بس وأنا أساسًا مبعرفش؟ "أعلمك! أردف بها سريعًا قبل أن يجفلها بحمله لها بين ذراعيه لتصرخ زهرة بخوف. "واخدني ورايح بيا فين؟ بقولك معرفش." قهقه ضاحكًا يردد. "وأنا قولتلك هاعرفك يبقى لزوم إيه بقى الخوف؟
أخذت تصرخ معترضة وهي ترفس بأقدامها حتى أدخلها معه وهي تصرخ تناجيه بتركها، فما كان منه إلا أنه فلت أقدامها فقط واحتفظت ذراعيه بضمها من الخصر بقوة وهو يقول لها بمرح. "سيبي نفسك معايا وماتخافيش، أنا لسه مادخلتش بيكِ في الغويط، استمتعي يا زهرة وخلي عندك ثقة فيا." قالت مرتجفة بخوف وقد غطتها المياه إلى أسفل كتفيها. "يا جاسر ماتستهونش بخوفي، ده ممكن يغرقني بجد." "بقولك ثقي فيا، بقولك ثقي فيا."
هتف بها حازمًا وهو يميل بها لتغطيها المياه حتى رأسها وشعرها فشاهقت مجفلة بلهث بعد أن أعادها سريعًا. "حرام عليك يا جاسر والله بجد حرام اللي بتعمله فيا ده." "حرام على مين بس يا زهرة بحلاوتك دي؟ ردد بها بعدم تركيز وهو ينظر لهيئتها الشهية بعد أن ابتل جميع شعرها وسقطت خصلاته الطويلة السوداء على وجهها فكان يزيحها بكفه من وجنتيها التي تخضبت بالحمرة مع انفعالها، أهدابها الكثيفة والتي أسبلتها مع لهاثها خوفًا من المياه.
انتبهت هي على اشتعال عينيه فقالت بتوتر. "طب كفاية النهارده و خلينا......... قطع جملتها بقبلة مباغتة اعترضت عليها تدفعه عنها حتى نزع نفسه عنها ينظر إليها باستغراب فهتف غاضبة. "مش تخلي بالك لحد يشوفنا." رد بانفعال. "أخلي بالي من إيه يابنتي؟ بقولك دي منطقة خاصة ومحدش يجرؤ يقرب منها عشان دي ملك العيلة أساسًا." هتفت متشدقة.
"وافرض إن ماحدش يقدر يقرب، ماهو ممكن حد يشوفنا من عمارة بعيدة ولا عيل طايش يبص علينا بالميكروسكوب واحنا مش واخدين بالنا." "ميكروسكوب إيه؟ سأل بعدم استيعاب فقالت هي بحنق. "عدسة مكبرة يا جاسر بتقرب البعيد وتكبره، هو أنا هافهمك برضوا يعني إيه ميكروسكوب؟ سهم من مقولتها الغريبة فجعلته يلتفت بعينيه للبعيد، استغلت هي ارتخاء ذراعيه لتفلت نفسها منها وتخرج من البحر هاربة. انتبه هو فقال متوعدًا وهو يخرج للحاق بها.
"يامجنونة، طب وديني ما أنا سايبك النهاردة يا زهرة." *** في المساء.
كانت ترتدي فستانًا آخر من التشكيلة التي أتى بها من سفرته، يناسب لخروجها معه إلى أشهر المطاعم في هذه المنطقة الساحلية. الفستان كان طويل حتى الكاحل، منتفش في أكمامه ليتنهي عند الرسغ بحلقة صغيرة وضعت عليه أسورته لتبرز جمالها، الصدر كان مغطى بالتطريزات الخفيفة والتي تنتهي عند الخصر بحزام التف حول جسدها وحذاء في الأسفل ناسب لونه الأرجواني وحجابها في الأعلى لفته على رأسها بشكل عصري أشعرها بالرضا عن نفسها وقد نال إعجابها حقًا، لم تكن تظن أنه يملك خبرة أيضًا في ملابس النساء؟
أجلسها على طاولتهم بعد أن رحب بهم النادل ودلهم عليها، أشار له جاسر على عدة مأكولات بحرية من القائمة يتميز بها المطعم هنا قبل أن يصرفه، ثم التفت إليها سائلًا. "إيه رأيك بقى يا زهرتي، عجبك المطعم؟ ردت بابتسامة منبهرة. "طبعًا عجبني، دا شكله فخم ومشهور قوي." "ولسه كمان لما تجربي أكلهم هاتنبهري بجد، عليهم طريقة تخليكِ تشتاقي للمكان وتزوريه في السنة كذا مرة." ابتسمت بحرج وعيناها تلتف حولها.
"بس شكله غالي قوي بدليل الناس اللي حوالينا كلهم بهوات وهوانم." "ما إحنا بهوات وهوانم برضوا، ولا انتِ نسيتي يا زهرة هانم ياحرم جاسر بيه؟ قال ببساطة أجفلتها لتعود برأسها بتفكير بما يذكرها به، إنها بالفعل أصبحت منهم بانتمائها إليه، وهل هذا حقًا؟!! تناول كفها يخرجها من شرودها قائلًا. "الجميل سرحان في إيه؟ انتبهت إليه نظراته المحدقة بها بتفحص لتقول.
"لا عادي يعني بس انت عارف بقى، إني لسه باخد على الجو وبحاول أستوعب النقلة الغريبة دي." رفع كفها يقبلها بحنان. "استوعبي ياقلبي براحتك، بس ياريت بقى في وقت تاني، عشان طول ما انتِ معايا عايز تركيزك وعقلك وتفكيرك كله معايا أنا لوحدي، ماشي ياروح جاسر." أومأت برأسها بتشتت فكيف تنفذ ما يقوله لها وعقلها مازال لا يستوعبه هو نفسه بأفعاله معها وهذه الشخصية المعاكسة لهيئته الأولى على الإطلاق. استطرد متابعًا لها.
"عارفة يا زهرة، أنا طول عمري ما فرحتش أوي كده، على قد ما سافرت وروحت وحققت إنجازات وفرحت بيها، لكن كل ده جمب فرحتي بيكِ لا يسوى شيء، بجد بجد أول مرة أعرف يعني إيه سعادة." "طب وف جوازاتك الأولى ما فرحتش بعروستك؟
تمتمت به بداخلها تود لو تستطيع البوح بهذا السؤال لتعرف الإجابة منه ولكنه لم يعطها فرصة وهو يشرح لها عن المطعم وتاريخ إنشائه ومعرفته به وهو عائلته، حتى انتبه الاثنان على وقوف طفلة رائعة الجمال بالقرب منهم، تتطلع بابتسامة شقية إليهم. اقتربت برأسها منها تسألها زهرة. "إنت مين ياقمر واسمك إيه؟ أجابتها الفتاة. "أنا تاليا." "الله اسمك حلو أوي يا تاليا."
رددت بها يازهرة وتدخل جاسر بسؤاله للصغيرة والتي تبدو في الرابعة من عمرها. "انتِ حلوة أوي يا تاليا في حد كبير بقى معاكي؟ أسبلت عيناها الصغيرة بانتشاء وقد أعجبها ثناؤه لها فمالت برأسها تتلاعب في خصلات شعرها قائلة بغنج أثار الضحك لدى الإثنين. "جيت مع والدي ووالدتي." "ياروحي أنا يابنتي إيه الحلاوة دي؟
أردفت بها زهرة بقلب يقفز بالفرح لهذه الطفلة الرائعة والتي أثارت الحنين بقلب جاسر أيضًا في الحصول على طفلة مثلها من محبوبته وقد نبت بداخله الأمل بعد زواجه منها. "مساء الخير، إحنا أسفين يا جماعة." انتبه لها فجأة الاثنان من امرأة شديدة الجاذبية والجمال وهي تتناول الصغيرة وترفعها إليها، قالت زهرة وهي تنهض لترحب بالمرأة. "مساء النور، بتعتذري ليه طيب وتاخديها؟ دي زي القمر وما أزعجتناش خالص والله."
ردت المرأة بابتسامة رائعة كطفلتها. "يا حبيبتي ربنا يرزقكم بواحدة زيها بس تبقى أهدى شوية عشان دي مطلعة عيني." "انتوا هنا وأنا بدور عليكم." صدرت بالقرب منهم بصوت رجولي انتبه على صاحبه جاسر فنهض مرحبًا بالرجل بتهليل. "رؤوف الصيرفي! انت فين يا عم؟ "جاسر." أردف بها الرجل قبل أن يجفله جاسر بعناق أخوي وهو يبادله الترحيب بحرارة هو الآخر مع بعض كلمات العتاب والمزاح أيضًا. خاطبت زهرة المرأة.
"طب ما تتفضلي حضرتك اقعدوا معانا مدام طلعوا أصحاب وبيعرفوا بعض." ردت المرأة بمودة. "ياريت كنت أقدر والله بس إحنا مستعجلين وعندنا مشوار ضروري ومتأخرين عنه بسبب العفريتة دي." انتبهت زهرة على لكنة المرأة المختلطة ببعض الكلمات الصعيدية قبل ترد بمزاح للطفلة. "قصدك العفريتة اللي اسمها تاليا؟ أجابتها المرأة بضحكة. "أيوه هي اللي جايبالنا الكلام على طول." "بس اسمها حلو قوي، مين سبب التسمية انتِ ولا والدها؟
سألتها زهرة فاأجابت المرأة. "لا أنا ولا والدها جدها أصلًا فنان وشاعر وحكاية الأسامي عنده لازم تبقى بمعنى وحكاية من وراه... "سمرا." قطعت جملتها لتلتف لزوجها الذي ألقى بالتحية لزهرة برأسه قبل أن يلتفت لزوجته ويشير لها بالانصراف فااستأذنت منها مودعة لتغادر ويعود جاسر لمقعده بعد أن أنهى لقاءه الصغير مع صديقه وعادت زهرة هي الأخرى لمقعدها تسأله. "ما مسكتش فيهم ليه عشان يكملوا السهرة معانا مدام طلع صاحبك ومراته؟ رد جاسر.
"مسكت فيه والله بالجامد كمان بس المجنون ده بيقولي إن وراهم مشوار مهم والعفريتة بنته هي اللي غفلته ساعة ما راح يشتريلها آيس كريم، وحشني بجد ابن الذين بقالي زمن ماشوفتهوش." انتبهت على نبرته السعيدة في الحديث عن صديقه ليستطرد قائلًا. "عارفة بقى يا زهرة، أهي مراته دي كانت شغالة في البداية عندهم جليسة لجدته قبل ما يحبها ويتجوزها وقتها أنا كنت مستغرب قوي لكن دلوقتي بس قدرت موقفه لما جربت." "هو عرف إني مراتك؟
أجفلته زهرة بسؤالها فقال هو باستدراك. "تصدقي أخدنا الكلام ونسيت أقوله، بس هو لو سألني كنت أكيد هاجاوب على طول، ده صاحبي وغالي عندي قوي." أومأت برأسها لتخفي ما انضمر بصدرها من إجابته والتفت برأسها لتتابع ذهاب الرجل وامرأته مستغلة اندماج جاسر مع النادل الذي أتى بالطعام.
لفت نظرها رعاية الرجل لزوجته بتناوله للطفلة ليحملها عنها ثم نظرته الولهة لها وكأنه لا يرى من النساء غيرها، متأبطة ذراعه الحرة بثقة في جمالها وعشق زوجها الذي يبدو للأعمى كم هو فخور بها وهي تستحق، كما لفت نظرها أيضًا هذا الرجل الذي يتابعهم بعينيه ورأسه مغطى بالكاب من ناحية غير مرئية لهم مع الإضاءة الخفية!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!