الفصل 1 | من 34 فصل

رواية نار وهدان الفصل الأول 1 - بقلم ام فاطمة

المشاهدات
24
كلمة
3,786
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

خيم ظلام الليل على إحدى قرى نجع الصوامعة بمحافظة سوهاج. احتدَم الظلام الدامس مع قسوة الصقيع وهطول الأمطار التي تغسل الوجوه قبل القلوب. تخلل هدوء الليل صرخات بدور التي باغتتها آلام المخاض، فأخذت تصرخ: "ألحقوني يا خلق، هموت يا ناس خلاص، حرام عليكم." ولجت إليها نعيمة، خادمة في دوار العمدة كما يطلقون عليه في فترة السبعينيات. وهو بيت توالت عليه العصور ويتوارثه تابع عن تابع، لذا هو قديم يتكون من ثلاث طوابق.

يزين أغلب حجراته بنقوش بعدة ألوان مختلفة، وكذلك تلك النقوش على نوافذ الشرفات. وكان الطابق الأخير مخصصًا للعمدة سالم الصوامعي وزوجته نچية بنت عمه (زهران الصوامعي) وبناته الثلاث (زهرة وزينة وزينب) سالم الصوامعي (العمدة) ، رجل في بداية الأربعينيات، طويل القامة، ذو جسد ممتلئ، خمري اللون، يهابه الجميع لسلطته ونفوذه. وعلى الرغم من ذلك، تراه مثل الحمل الوديع بين يدي زوجته وحبيبته (نچية)

التي تستغل دائمًا حبه لها فتفرض سيطرتها عليه وعلى كل من في البيت. فلسانها لاذع وقلبها أسود قاسٍ، لا تشفع لأحد قط. لذا يكرهها الجميع، ولكن أمامها يمتثلون طاعة لها خوفًا من بطشها. وقفت نعيمة، خادمة نچية وكاتمة أسرارها، أمام بدور واضعة كلتا يديها على خصرها. وبنظرة تهكم ونبرة حادة، قالت: "إيه يا غراب البين أنتِ؟ هتصرخي ليه إكده وسط الليل؟ أكتُمي، كتك حش وسطك يا بعيدة. خلينا نعرف ننام في ليلتك المجندلة دي."

تأوهت بدور ألماً من المخاض، قائلة بتعب جلّى على وجهها: "حرام عليكِ يا نعيمة، ده أنا هروح فيها وأنتِ السبب في ده كله. عشمتيني بالنعيم أتاريكِ رميتيني في جهنم، حسبي الله ونعم الوكيل." قالت نعيمة ببرود: "ما أنتِ مصونتيش النعمة وكنتِ عايزة تعملي فيها صاحبة الدار، ونسيتي نفسك يا بت أنتِ مين وبنت مين؟ وتابعت نعيمة إهانتها بقولها: "أنتِ بت إسماعيل حارس المواشي، وكنتِ أنتِ هتشيلي بيدك الجَـلّة من تحتيهم (فضلات البهائم)

تقوس ظهر بدور من شدة تفاقم الألم عليها، فأمسكت ببطنها مردفة: "يا ريتني كنت فضلت إكده بدل العذاب اللي شفته عندكم ده." ثم ازدادت صرخاتها حتى زلزلت البيت كله ووصلت عند مسامع سالم ونچية، ففزعوا من النوم على صوتها. قال سالم فزعًا: "إيه؟ هو فيه إيه؟ مين هيصرخ إكده في نص الليالي؟ ثم قام سريعًا من فراشه ليضع جلبابه على جسده. وعندما اقترب من الباب، صاحت به نچية: "على وين العزم إن شاء الله؟ توقف سالم في مكانه قائلًا

بدون النظر إليها: "هروح فين يعني؟ هروح أشوف إيه اللي حوصل ومين اللي هتسوط دي؟ فقامت نچية من فراشها وتقدمت إليه بخطوات ثابتة، ثم وضعت يدها على كتفه وهتفت بسخرية: "لا ريح نفسك أنت إكده ومدد على السرير، وأنا اللي هنزل هشوف مين هتسوط دلوك وهعرفها مجامها." تلون وجه سالم وابتلع ريقه، قائلًا بصعوبة: "إكده! طيب، روحي أنتِ." فابتسمت نچية بمكر، ثم وضعت الشال على رأسها واتجهت للدرج.

لتجد خادمة تركض مسرعة أمامها بدون أن تلاحظ وقوفها، فصرخت عليها مردفة: "هو فيه إيه تحت يلي متسمى أنتِ؟ مين مجصوفة الرجبة اللي هتصرخ إكده دلوك؟ ارتجفت الخادمة من سؤالها، ولكنها سارعت في الرد خوفًا من بطشها: "دي البت بدور يا ست هانم، شكلها هتولد الليلة. وكنت لسانى هقول لحضرتك، عشان عايزين نشيع لها أم محروس الداية." اغتظت نچية وضمت شفتيها بغيظ، وتملكها الغضب، وتمنت لو أنها ماتت هي ومن في أحشائها حتى يرتاح قلبها.

لأنها تخشى أن تأتي بالولد الذي تمناه سالم فيسلب له عقله من شدة حبه له، ويشتد عوده وتصعب السيطرة عليه، ولن يكون لها حينئذ دور أو رأي. وربما تأخذ مكانها بدور. فرددت متوعدة لها:

"لا لا، ده أنا آخد روحها ومتعتبش نحيتي. ولا تاخد مكاني ولا تجدر تاخد جلب سالم، أنا اللي في چلبه وعچله بس. آه يا ناري يارتني ما فجأت على اللي چولته يا بوي. أنت اللي چولت أچوزه بنت غلبانة تچبله الولد عشان خلفتي بنات عشان العومدية متروحش منينا. لا تروح العمودية بس چلبي يرتاح. آه يا چلبي آه." قالت الخادمة:

"ها يا ست هانم، أروح أچبلها الداية عشان دي شكلها هتفطس خلاص من عِزم الألم. ولو لا قدر الله ملحجناهاش العيل اللي في بطنها ممكن ينزل ميت." تنبهت نچية لقول الخادمة، فتمتمت في نفسها: "ياريت كنت خلصت من الهم اللي هتچيبه ده." ولكنها خافت من بطش سالم، فآثرت أن تبعث لها بالقابلة حتى لا يتهمها أحد بالتقصير. قالت نچية بنبرة تحمل الغيظ والتهكم: "روحي يا بت، هاتي لها الداية، خلينا نخلص من الليلة المجندلة دي ونعرف نتخمد ننام."

فأسرعت الخادمة لاستقطاب القابلة أم محروس. انتبهت القابلة أم محروس على صوت طرقات على الباب كثيرة وعالية، فردت بنعاس وتثاؤب: "منك لله يلي طيرت النوم من عيني. أمري للّه، هجوم أفتح، يمكن حالة مستعجلة، أهو ثواب بردك." فقامت أم محروس بخطوات متثاقلة نحو الباب وفتحت لترى الخادمة هنية أمامها، وعلى وجهها الخوف والتوتر، وصدرها يعلو وينخفض من أثر الركض. ضربت أم محروس بيدها على صدرها هاتفة: "إيه يا بت؟ مالك إكده؟

زي ما يكون كان هيجري وراكِ عفريت." حاولت هنية التقاط أنفاسها بصعوبة هاتفة: "إلحجي بدور مرت العمدة التانية هتولد وجَطعة النفس. فبسرعة يا أم محروس، دي بت غلبانة وصعبانة عليّ جوي." فزعت أم محروس من حديثها خوفًا على بدور وخوفًا أيضًا من بطش نچية. فوضعت يدها على صدرها مردفة: "يا حبيبتي يا بتي. هروح أهو جوام أحط الشال عليه وأجيب حاجتي وأجي." فأسرعت أم محروس لارتداء ملابسها، ثم ذهبت معها لبيت العمدة.

ولجت نچية إلى حجرة بدور والشر يتطاير من عينيها، حتى تلون وجهها بالحمرة نتيجة الغيظ والقهر، هاتفة بإستهزاء: "إيه يا ولية أنتِ المغاغة اللي عملاها دي؟ هو أنتِ أول وحدة تولد ولا إيه؟ مهتولد الحريم في الغيط وتجوم تشتغل عادي، ولا هو دلع وخلاص." نظرت لها بدور بعين الحسرة والندم الممزوج بالقهر، وتحاملت الألم بقدر الإمكان حتى لا يمتد إليها بطشها، لعلها في النهاية تخرج بولدها من هذا البيت الذي يشبه الجحيم. ليحترق آخر أمل لها

في الحياة عند قول نچية: "يكون في علمك، اللي چي دي ولد أو كان بنت، هيكون ولدنا إحنا." استنكرت بدور قولها مردفة: "كيف يعني ولدكم؟ عقدت نچية حاجبيها مرددة: "يعني أنتِ إكده مهمتك انتهت؟ هتولدي وهناخد الولد وتمشي على بيتك أبوكِ، بعد ما يرمي عليكِ سالم اليمين كيف ما اتفچت معاه." لتصرخ بدور صرخة ألم زلزلت الجدران: "لا، ده ميرضيش ربنا أبدًا اللي هتچوليه ده. أنتِ أم وعارفة كيف غلاوة الضنا؟

ثم حاولت رغم آلامها أن تقبل يدها مستغيثة بأي ذرة رحمة بها، أن لا تحرمها من فلذة كبدها. ولكن الطاغية نچية سحبت يدها سريعًا، ثم باغتتها بركلة أسقطتها على ظهرها قائلة: "إياكِ تكرريها، ما عزاش يدي تتوسخ يا بتاعة البهايم." أصابت ركلة نچية بدور بالإغماء، ولم يطرف لنچية رمش، بل بصقت عليها هاتفة: "كفياكِ دلع بچا." ثم هتفت بزمجرة لـ نعيمة:

"أنا خلاص معدتش قادرة استحمل البت دي. أنا طالعة عاد أوضتي أريح شوي، ولما تتهبب تولد، شيعيلي أجي من سكات إكده ومتعليش صوتك عشان سيدك سالم ميصحاش." ابتسمت نعيمة بمكر مرددة: "حاضر يا ست الستات. إطلعي إنتِ مددي إكده ولا يهمك حاجة واصل، وأنا هتصرف." قالت نچية بامتنان: "تعيشي يا نعيمة." غادرت نچية للأعلى، فوجدت سالم ما زال مستيقظًا. والرغبة في معرفة ما يدور بالأسفل ظاهرة بقوة على ملامحه بدون أن ينبس بكلمة.

شعرت نچية بما يدور في عقله، فأرادت بذكائها أن تنفض عن عقله أي غبار حتى تعلم ما أنجبت بدور. فتغنجت بجسدها أمامه بعد أن ألقت الشال الذي كانت تخفي به جسدها من الأعلى. ثم عبثت بخصلات شعرها ونظرت له بهيام وعشق مصطنع، لتنثر على جسدها عطرها المفضل، ثم جلست بجواره على الفراش. لتهمس في أذنيه بدلال تقصده، لتطفئ نار اشتياقه لمعرفة ما يحدث وتقيد نار أخرى لا يطفئها سوى قربه منها:

"يا عيني عليكي يا چلبي، لساك عينيك مشافت النوم، أكيد اتوحشتني مس إكده؟ قال سالم وقد ابتلع الطعم: "چوي چوي يا عيون سالم." أطلقت نچية ضحكاتها النارية وكأنها تسكب البنزين على النار لتوقدها أكثر. ليطوقها هو بذراعيه لينعم من دفئها، ثم يغوص مرة أخرى في نوم عميق متناسيًا ما حدث. لتتنهد نچية بقهر بعد نومه، ثم أزاحت يده التي تحيط صدرها ببطء. وأخذت تتأمل وجهه وهو نائم، زافرة بضيق:

"والله يا ابن عمي، كنت أحب الناس ليك. لكن بعد چوازك من اللي متسمى دي، والنار اللي جادت في جَلبي من يومها، بچيت إنسان عادي وراح الحب اللي حبتهولك كله. ثم انهمرت دموع التماسيح من عينيها مردفة بنحيب: "دي لو جابت الولد صوح!

ممكن تخليه ينسى الدنيا واللي فيها، وممكن ينساني أنا كمان، حب عمره نچية، وممكن كمان الواد ده ياخد كل حاجة، تعبنا وشقينا العمر كله أبًا عن جد، ويمنع كومًا بناتي منه. لا ده أنا أشرب من دمها ودم ولدها ده. لا وأنا لسه هستنى يعيش ويعمل إكده. أنا أخلص منه من دلوقتي. بس كيف؟ أموته؟ لا أنا قلبي بردك ضعيف، مش هقدر بيدي. هخلي البت نعيمة تعملها، هي جلبه جاسي عرفاها زين، وهتدر عليها."

ذُكر ما سبق من ذاكرة وهدان بطل الرواية، فهو يحكي قصته منذ الصغر لزميل له في السجن. وقد ولج للسجن بسبب أفعاله التي تربى عليها في الجبل. فردد وهدان أثناء نومه بدون أن يشعر: "كانت عايزة تموتني وأنا كنت لساني حتة لحمة حمرا أنا وأختي، بس لحقني زهرة وجوزها وخدوني عنديهم في الجبل وحصل اللي حصل. مش كانت موتتني أحسن ما كنت أشوف العذاب اللي شفته ده في دنيتي وأنا مليش ذنب." ثم ردد اسم زوجته وردة أيضًا في الحلم:

"آه يا حبة جلبي يا وردة، وحشتيني جوي جوي. وردة، وردة، وردة." استيقظ همام زميله في السجن على صوت وهدان وهو يحلم. فحرك رأسه في أسى حزينًا على صديقه وهدان، فهتف قائلًا: "مفيش فايدة فيك يا صاحبي، كل ليلة بردك، هتحلم وهتخطرف باسم مرتك وردة. مش عارف كيف راجل يحب وحدة ست الحب ده كله؟ أمّال أنا ولا بتيجي في دماغي خالص البهيمة اللي اتجوزتها ليه؟

بالعكس، أنا حاسس إن السجن ده أهون من عشرتها اللي تغم النفس دي. يا وعدي عليكم. ياما نفسي أخرج أشوف لي وردة حلوة أنا كمان، أهيس وأعيش حياتي اللي راحت بين بوز النكد اللي جوزتها والسجن." استيقظ أيضًا على صوت وهدان سجين آخر يدعى سيد الشحات، يشتهر بسوء أخلاقه. فصاح قائلًا مصوبًا نظره نحو همام: "خلي صاحبك يتكتّم ويجصر الشر أحسن له. بدل ما أجوم أكتمه أنا بيدي، عشان نخلص من تخاريفه كل ليلة."

تملك الخوف همام من نظرات سيد المنذرة بعواقب وخيمة. فمال على جسد وهدان ونغزه بيده ليستفيق قائلًا: "چوم يا وهدان، چوم، وبطل تخاريفك دي، يأما هتكمل نومتك في المستشفى ومش بعيد المشرحة، لو زاد غضب اللي ميمسى سيد عليه لعنة الله. إمتى ربنا يريحنا منه ومن أذاه؟ اضطرب وهدان في نومته فاعتدل فجأة صائحًا بغير وعي: "إيه؟ حصل إيه؟ أنتِ بخير يا وردة؟ فضحك همام، ثم رخم صوته ليظهر بصوت أنثوي بعض الشيء:

"بخير طول ما أنت بخير يا بغلي، ههههه." قال همام: "والله تعبتني يا وهدان، وإن شاء الله لو فضلت على إكده، مش بعيد تجضي الشوية اللي فضلك دول في مستشفى المجانين." انتبه وهدان لصوت همام وأدرك أنه كان يحلم، فتنهد بألم: "ميتى بس الحلم يكون حقيقة؟ السنين هتمر وخايف أموت قبل ما أطلع من هنا." أشفق همام على صديقه وهدان بقوله:

"يا راجل، چول كلام غير ده، هتطلع من هنا إن شاء الله صاغ سليم. وهتطلع لوردتك وتچبلنا چوز فل وياسمين إكده عال العال." رفع وهدان بصره للسماء ودعا بقلب واثق: "يارب، يارب. أنت عالم بحالي وعالم إني توبت عن كل حاجة عفشة عملتها، وده بفضل نعمتك عليّ، ثم بفضل أحن الناس عليّ وأحبهم وردة. فيا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، اِجمعني بيها عن قريب، أنا مشتاق ليها جوي جوي." نغزه همام في ذراعه بدردعة مردفًا:

"مفيش دعوة لأخويا همام هو كمان، كله وردة، وردة." فضحك وهدان واتبع دعاءه: "ويارب تتوب على أخويا همام ويبطل سرقة ويهدي جلبه." أصدر همام صوتًا: "إيـــه! ولما أبطل سرقة، هأكل العيال وأمهم منين؟ وهجيب طلباتها اللي ملهاش آخر دي منين؟ ويا ريتني هتمتع بيهم؟ إلا أنا هتحبس هنا كل شوية، وهي هتصرف هي والعيال اللطخ اللي أنا مخلفهم دول." قال وهدان:

"يا همام يا خويا، اللي خلقك عمره مهينساك واصل. والحرام عمره ما كان فيه بركة، وأديك عو زي مجولت هنا، وهما هيعيشوا حياتهم، ويا ريت حد هيسأل فيك." طأطأ همام رأسه بحزن هامسا: "أيوه عندك حق. مهو عيال الفجرية فوزية، لازم يكونوا إكده. عشان هي ربتهم إن الواحد عنده مصلحته ونفسه فوق الكل، غير كتر الفلوس بوظهم وأخلاقهم بچت عفشة وطلباتهم مبتخلصش." ربت وهدان على كتفه بحنو هاتفا:

"شوفت، وفي الآخر هتتحاسب جدام ربنا لوحدك. أما الرزق فده يجي يجي، بس ليه شرط واحد." فتح همام عينيه بإندهاش مرددًا: "إيه هو الشرط ده؟ ليمني عليه؟ قال وهدان بابتسامة: "في قوله تعالى: ‏{‏‏وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}." اغرورقت عينا همام بالدموع وأردف: "والله كلامك حلو جوي جوي ويدخل الجلب يا صاحبي، بس نصيبي إكده بچا."

ثم تابع: "بجولك يا واد عمي، متحكيلي حكايتك. وإزاي وأنت راجل طيب إكده وتعرف ربنا، چيت السجن وكيف بتحب مرتك جوي إكده؟ أول مرة أشوف صعيدي إكده صراحة." ابتسم وهدان ثم تساءل: "وه، كيف يعني الصعايدة بيحبوش، إياك؟ ملهمش جلب زي باقي الخلق." قال همام:

"إيه والله، ليهم جلب هيغرد كمان، بس للأسف، هيخبوا ويكتموا في نفسهم يا واد عمي. عشان الحرمة لو أدلجت عليها إكده، هتركبك، وهتشوف نفسها عليك وهتمشي موطي راسك جدام الناس. عشان إكده عنحب من سكات، وهنعيش عليهم من ورا قلوبنا ونسكهم في راسهم العوجة دي عشان ميقدرش يتحدتوا معانا نص كلمة، ويسمعوا الكلام من سكات." تغير وجه وهدان ثم حرك رأسه برفض قائلًا: "إيه حديثك الماسخ ده؟ كيف يعني نديها فوق راسها وإحنا عنحبها؟ تركب كيف دي؟

وليه؟ كده يا صعيدي يا خايب، أنت هتخليها تكرهك مع الوقت، وجيمتك اللي هتچول عليها دي، هتنزل من نظرها. ولو يعني عاشت معاك، هتعيش مجبورة وغصب عشان العيال وبس. وبالعكس، كل ما تدي الست حب، هتشيلك فوق دماغها وهترتاح وهتديك أضعاف الحب ده كمان يا همام، وسيبك من الكلام اللي لا يودي ولا يجيب ده." وضع همام يده فوق رأسه وضيق عينيه مهمهمًا: "عع، يابوي." فضحك وهدان: "شكلك فهمت يا نصة." ثم استيقظ سيد الشحات مرة أخرى، ليقف أمامهم.

وكان طويلًا كالحائط، شديد الصلابة، ويخافه الجميع. فارتعد همام، أما وهدان فظل يردد (اللهم اكفنيه بما شئت وكيف شئت) فكأنه لم ير وهدان وإنما يرى فقط همام. فنهره قائلًا: "طيب جدامي يا عسل، بدل ما أنا جيلك نوم، هريحك أنا على الآخر." ارتعدت أوصال همام واستنجدت عيناه وهدان الذي لم يفهم مقصد سيد الشحات. وباغته سيد بمسكه من تلابيب ملابسه، ولم يتح له فرصة أن يخرج أي صوت استغاثة. هامسًا: "جوم معايا من غير شوشرة."

ثم ترك سيد ملابسه، ودفعه أمامه إلى دورة المياه، ليفعل معه الفاحشة. ليبكي بعدها همام كالأطفال، ولم يستطع أن ينبس بأي كلمة لأحد خوفًا من بطش سيد وحرجًا أيضًا. ولكن عقاب الله شديد.

قال تعالى: { وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِيْنَ * إِنَّكُم لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسآءِ بَلْ أَنْتُم قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ * وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الغَابِرِيْنَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِيْنَ}

(الأعراف: 80 -84) عاد وهدان للنوم مرة أخرى لتصارعه أحلامه من جديد على ما حدث له قبيل ولادته. حيث تذكر في أحلامه ما يلي: حين ولجت أم محروس القابلة على بدور لتجدها تصارع الموت ووجهها يتصبب عرقًا بعد أن استفاقت من الإغماءة بعد أن حاصرتها من جديد آلام المخاض. فأسرعت إليها وانحنت بجذعها إليها وقد امتلئت عينيها بالدموع قائلة بتودد: "يا عيني عليكِ يا بتي وعلى اللي صابك." فحركت نعيمة فمها يمينًا ويسارًا باستنكار قائلة:

"جرا إيه يا ولية أنتِ، أخلصي ولديها ولا چاية تطبطي عليها بحديثك الماسخ ده." فأغمضت أم محروس عينيها بحسرة على ما آل إليه وضع بدور التي كانت من أجمل فتيات القرية. ثم قالت لـ هنية: "هاتيلي يا بنتي بسرعة المية السخنة ومقص إكده حامي وقطع قماش كتير وبطانية صغيرة نلف بيها العيل." أومأت هنية برأسها في عجالة مردفة: "حاضر، حاضر." ثم دعت لها سرًا: "يارب چومها بالسلامة دي بت غلبانة جوي." وما أن خرجت حتى سمعت صوت بكاء الطفل.

فابتسمت هاتفة: "الحمد لله." لتسرع بعدها لتأتي بما طلبته منها القابلة أم محروس. ثم ولجت إليهم مرة أخرى لتتفاجأ... يا ترى شافت إيه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...