مين الأخ؟ عايز إيه؟ فتحت الباب شابة في أوائل العشرينات، لابسة خمار على بنطلون بجامة، وفي إيدها عصاية كأنها كانت بتأدّب بيها الأطفال من شوية. وقف أمامها شاب وسيم الملامح، في عينيه نظرة هدوء غريبة رغم التعب الواضح عليه. قال بابتسامة مهذبة: –أنا لسه مأجر شقة في الدور الخامس، وكنت حابب أسأل عن بصمة الأسانسير والإنتركم، من وين ممكن نجيبهم؟ رفعت حاجبها باستغراب وقالت: –هو حضرتكوا فلسطينيين؟ ابتسم وقال بفخر بسيط:
–إيوا، إحنا من فلسطين. تبدلت ملامحها على طول، وشّها بقى أهدى وابتسمت بلُطف: –نورتوا مصر والله. لمحت أمه قاعدة على كرسي متحرك، فوسّعت الباب وقالت بسرعة: –اتفضلوا استريحوا لحد ما أشوف البصمة الزيادة اللي عندنا. آدم رفع إيده باعتذار: –لا والله ما في داعي، بنستنا هون. لكنها ما استنّتوش، سحبت كرسي الأم المتحرك وقالت بابتسامة تلقائية: –احنا أهل، مافيش بينا الكلام دا، ادخلوا بيتكم ومطرحكم. دخلوا الشقة، وقعدوا على الأنتريه.
في الوقت دا كانت شمس اختفت جوا الأوضة، بينما طفلين قاعدين على الكنبة، ساكتين ومربعين إيديهم كأنهم في امتحان مصيري. آدم حاول يكسر الصمت وقال بلُطف: –أهلًا يا حلوين، كيفكم؟ ما فيش رد. ابتسم وسأل: –ليه ساكتين؟ ردّ واحد منهم بصوت واطي جدًا: –شششش، ماما شمس لو سمعتنا بنتكلم، هتتحول لغول وتبلعنا! ضحك آدم وقال ساخرًا: –واضح إن مامتكم عنيفة. في اللحظة دي خرجت شمس وهي بتقول: –أخيرًا لقيته! وقدّمت له البصمة بابتسامة خفيفة.
أخدها وقال: –متشكر. ولما جمع عيلته علشان يمشوا، قالت بسرعة: –تمشوا إيه بس؟ استنوا تشربوا حاجة. قال بلُطف: –والله كفيتي ووفيتي، مرة تانية إن شاء الله. ولما كان داخل الأسانسير، نادت عليه من ورا الباب: –بقولك يا كابتن! التفت مبتسمًا: –معك الدكتور آدم. ردّت وهي بتضحك: –لو احتجت أي حاجة يا دكتور آدم، ابعتلي حد. قال بخفة دم: –ماشي يا أستاذة. ابتسمت بخفة وقالت: –اسمي شمس. -بعد ساعات، اجتمع آدم مع عيلته بعد ما اطمأن عليهم،
لكنه كان مخطط يرجع لفلسطين لوحده ليساعد أهل بلده في المستشفى الميداني هناك. لكن فجأة خبط الباب. فتحت ياسمين، أخته الصغيرة، وكانت المفاجأة… شمس بنفسها، داخلة بصينية أكل. –دي حاجة بسيطة تروي عضمكم، قالتها بابتسامة خفيفة وهي بتحط الصينية. آدم قال وهو بيحاول يرد اللطافة: –ليه كدا تعبتي حالك؟ إحنا كنا شبعانين. ردت بلا مبالاة واضحة: –بالهنا والشفا. ياسمين قربت منها وقالت بودّ: –بقولك يا شمس… –قولي يا قلبي،
ردّت شمس بخفة دم. –كنت عايزة أشتري شوية هدوم، زي ما انتي شايفة، طلعنا من الحرب فاضين. –طبعًا يا حبيبتي، شوفي عايزة تروحي إمتى وأنا بنزل معاكي. آدم قال بسرعة، وكأنه خايف يسببلها مشقة: –لا، مالوش لزوم تنزلي، خليكي مع أطفالك. تنهدت وقالت وهي تبص بعيد: –أبوهم هيخرج بيهم النهارده. قال بهدوء: –ما كنتش عايز أتعبك. ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: –لا تعب ولا حاجة، أهو بنتمشى. نزلوا السوق، واشتروا اللي عايزينه. لكن وسط الزحمة،
فجأة شمس وقعت من طولها. صرخ آدم باسمها وجري عليها، حاول يفوقها، بس مفيش فايدة. ما استناش إسعاف، شالها بسرعة وركب تاكسي ووداها المستشفى. بعد الفحص، خرج الدكتور وقال بجدية: –البنت دي متعرضة لآثار تعذيب شديدة جدًا، وهبلغ الشرطة بالواقعة. دخل آدم الأوضة عليها، سألها وهو مذهول: –مين اللي عامل فيكي هيك يا شمس؟ ما ردتش. قال بصوت هادي لكن فيه قلق: –على العموم، الدكتور راح يبلّغ الشرطة، وهنيجوا يحققوا معك. انتفضت شمس فجأة،
وجريت ناحية الدكتور تصرخ: –أنت هتبلغ الشرطة ليه!؟ –علشانك، قالها الطبيب بهدوء. لكنها شالت مشرط من الطاولة وقالت وهي مرعوبة: –لو بلغت الشرطة، هقتل نفسي! مالكش دعوة! دخل آدم بسرعة، سحب منها المشرط بحذر، وحضنها وهو بيهمس: –خلاص، خلاص، اهدي… محدش هيعمل شي مش بدّك. انهارت في حضنه وقالت بصوت مبحوح: –يالا نرجع البيت. -رجعوا البيت، وآدم نام على ضهره في الظلام، أفكاره كلها مشتعلة… الحرب، الشهداء، وطنه، أمه، وشمس.
مين اللي ممكن يعذب بنت بالشكل دا؟ وليه رفضت الشرطة؟ وفجأة سمع صوت صريخ عالي… صوت بنت بتستغيث من الأدوار اللي تحت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!