كانت الموسيقى تعلو في القاعة، نغمات صاخبة تشبه ذلك الصخب بداخلها. الزغاريد تدوي في كل مكان، عدسات الكاميرات موجهة عليهما. تقف حنين في منتصف القاعة ترتدي فستانًا أبيض ضخم، بجوارها يقف عمر، يبتسم للجميع بثبات، يحيي المهنئين بابتسامة ودودة وكأنه اليوم الذي يحلم به من سنين. أمسك يدها برفق، يضغط على أصابعها محاولًا طمأنتها، لكنها لا تنظر إليه حتى.
كانت نظراتها شاردة، متعلقة بالفراغ، تفكر بالألم الذي يحيط بقلبها، بجزء من روحها فقدته ذات ليلة ولن يعود إليها أبدًا. اقتربت منها جميلة وهمست في أذنها: مبروك يا حنين. أومأت حنين برأسها ولم تعقب. ربتت جميلة على كتفها وانصرفت. اقتربت إحدى أقاربهم وصاحت بفرح: مبروك يا عروسة.. أخيرًا فرحنا بيكوا. ابتسمت حنين ابتسامة مجاملة: الله يبارك فيكي. نظر لها عمر ثم همس قرب أذنها: تعبانة؟ أومأت رأسها: شوية.
كان يدرك عمر جيدًا أن ألمها لم يكن جسديًا، بل شيئًا هناك ينهش في روحها، حتى هو يصيبه بعض من وجع القلب الذي يصيبها. ربت عمر على كفها بحنان: أنا معاكي ومن دلوقتي مش هاسيبك ثانية. أغلقت حنين عينيها بألم وهي تعلم أنها لم تعد تملك في حياتها رفاهية الاختيار. وبرغم يقينها من أن ذلك اليوم الذي ستوهب فيه حياتها وروحها لعمر سيأتي، لكنها لم تكن تعرف أن ذلك اليوم سيأتي وروحها خاوية من الحياة.
فتحت عينيها ونظرت إلى عمر والطمأنينة التي تطل من عينيه وقالت لنفسها: أنا اخترت عمر من الأول. بعد الحفل، أول ما أغلق عمر الباب وصارت حنين وحيدة معه في شقتهما، نظر إليها بعينين يخرج منهما الشرار، حدة لم تعهدها عليه من قبل. أمسك يديها بعنف وصرخ بها: قوليلي مين اللي عمل فيكي كده. بكت حنين، لكن هذه المرة لم يضعفه بكاؤها، بل صرخ من جديد: قوليلي اسمه بس، وأنا مش هاسكت غير لما أجيب لك حقك. ابتعدت عنه في هدوء تتحاشى غضبه.
جلس عمر على أول مقعد بجواره، دافنًا رأسه بين راحتيه وهمس بضعف: مش هاعرف أعيش معاكي غير لما آخد حقك، لو سيبته يبقى أنا مش راجل قدام نفسي وقدامك. اقتربت منه حنين، جثت على ركبتيها أمامه رغم فستانها الأبيض الكبير. أمسكت يديه تبعدها عن وجهه لتنظر إلى عينيه وهمست من بين دموعها: أنت أرجَل واحد أنا شفته في الدنيا... ولو على حقي يا عمر ربنا جابهولي... شادي مات بعد ما عمل فيا كده بيومين.
نظر إليها بعين كلها ألم، حمراء من الغضب، ثم قام من مكانه في عنف وعصبية وانطلق كالثور الهائج: إزاي... مات إزاي... أمسك معصمها يرفعها من على الأرض بعنف واقترب من وجهها وصرخ: أنتي فاكرة إنك بتحميه مني لما تقولي إنه مات؟ بتدافعي عنه بعد اللي عمله؟ ترجته حنين من بين دموعها مجددًا، وهي تتألم من ضغط أصابعه على معصمها: والله يا عمر مات. لاحظ يديها التي تحول لونها إلى الأحمر، وتركت أصابعه علامات حول معصمها.
تركها وهو يبتعد عنها، أمسك بمزهرية قريبة وألقى بها أرضًا، فتهشمت وتناثرت أجزاؤها في أرجاء الغرفة. انتفضت حنين رعبًا من صوت ارتطام المزهرية بالأرض. اقترب عمر منها مجددًا، حاول أن يتمالك أعصابه وهمس بألم: احكيلي اللي حصل يا حنين. اتسعت عيناها وأومأت رأسها بنفي. لكنه عاد وأمسك معصمها من جديد وصرخ بها: احكي... عايز أعرف كل حاجة.
لم تجد حنين بدًا من ثورته غير أن تقص عليه ما حدث، كيف تعرفت على شادي، كيف أحبته، وعن اليوم الذي قتل روحها فيه. لم تحكي له عن تفاصيل ذلك اليوم، كل ما ذكرته أنها قاومت وحاولت أن تدافع عن شرفها بكل ما أوتيت من قوة. كان عمر يسمعها بقلب محطم. وحين انتهت نظر إليها نفس النظرة النارية وسألها بصوت يملؤه الألم: وإنتي لسه بتحبيه يا حنين؟ قالت من بين دموعها وبقلب محطم:
أنا من يوم ما لبست دبلتك وأنا ماتت كل حاجة في قلبي ناحيته، ومن يومها أنا كرهته من اليوم ده. كان عمر يسمعها باهتمام وهو ينظر إلى عينيها الصادقتين. لكنه اقترب منها من جديد وصرخ: أنا عايز عنوانه دلوقتي. قالت من بين دموعها: أنا معرفش بيته فين. أخرج هاتفها من جيبه وألقاه إليها: اتصرفي. أمسكت حنين الهاتف بيد مرتعشة واتصلت بمالك. أشار لها عمر أن تفتح مكبر الصوت. لحظات ورد مالك بقلق: حنين انتي كويسة؟ حاولت أن تتماسك وتكف
عن البكاء وهمست بصوت ضعيف: مالك... معاك عنوان بيت شادي؟ توتر صوت مالك أكثر وهتف: الله يرحمه... عايزاه ليه؟ انتي كويسة يا حنين؟ سالت دموعها على خديها وتمتمت: من فضلك العنوان يا مالك. فهم مالك أن عمر بجوارها، فرد بحزم: هابعتهولك في رسالة دلوقتي. أغلقت حنين الهاتف وجذبه عمر منها في عنف ووضع الهاتف في جيبه، وانطلق نحو الباب خارجًا وتركها خلفه تبكي بلا توقف.
عاد عمر إلى المنزل مع أول خيوط الفجر، وجد حنين قد غفت على إحدى المقاعد بفستانها الأبيض وطرحتها الطويلة ملتفة حولها. اقترب منها عمر وربت على كتفها بحنان وهو يهمس باسمها. فتحت حنين عينيها وانتفضت حين رأته وهتفت: عمر انت كويس؟ اقترب منها عمر بحنان وحملها حتى غرفة نومهما. أنزلها أرضًا واقترب منها وهمس برقة: أنا آسف يا حبيبتي... مكنش المفروض تقضي ليلة فرحك كده... حقك عليا، بس كان غصب عني. ضمها إلى صدره بحنان وقبل رأسها.
انتفضت حنين بين ذراعيه، لكنه ابتعد عنها بهدوء: أنا هاسيبك ترتاحي وتنامي براحتك وهااروح أنام في الأوضة التانية... لو احتجت حاجة اندهي عليا. قال كلماته وخرج من الغرفة دون انتظار رد منها، تركها خلفه تقف في دهشة بفستانها الأبيض. في الصباح، استيقظت حنين على طرقات خفيفة على الباب. فتحت عينيها تنظر إلى كل ما حولها في دهشة. لحظات حتى استوعبت أنها الآن في بيت عمر، وبدأت أحداث الليلة السابقة تعود إليها بالبطيء.
اعتدلت في السرير بكسل وهمست بصوت ضعيف: اتفضل يا عمر. دخل عمر بابتسامة واسعة، رغم ملامحه الجامدة إلا أنها تلين مع ابتسامته. جلس عمر بهدوء على طرف السرير ينظر إلى حنين التي تنظر إليه بخوف وقلق. لحظات من الصمت بينهما مضت كسرها عمر حين قال بصوت هادئ: يا رب تكوني نمتي كويس. أومأت رأسها بالإيجاب وهي تشد طرف الغطاء عليها أكثر. ضحك عمر وقال بمرح: طبعًا نمتي كويس... إحنا بقينا الضهر... يلا بلاش كسل أنا حضرت الفطار...
بس اعملي حسابك ده النهاردة بس. خرج عمر من الغرفة وبقيت حنين جامدة في مكانها. لحظات وعاد يقف على باب الغرفة مرة أخرى وهتف: يلا... أنا جعان على فكرة. قامت حنين تتبعه في شرود. نظرت إلى طاولة الطعام المعدة بأشهى الأصناف ونظرت إلى عمر في دهشة. لم تستطع أن تمنع شبح ابتسامة صغيرة ظهرت على شفتيها وهمست: أنت اللي عملت كل الأكل ده؟ سحب مقعدًا لها لتجلس بجواره: بقالي سنين عايش في الغربة لوحدي... طبيعي اتعلمت أعمل أكل كويس.
وضع لها قطعة من البيض في طبقها ونظر لها بابتسامة: أنا أحسن واحد يعمل أومليت على فكرة... بس خلي بالك ده هيصعب موقفك أوي. كانت حنين ترقبه في صمت. أخيرًا تكلمت بصوت ضعيف هادئ: هيصعب موقفي إزاي؟ ضحك عمر بوجه بشوش: حبيبتي... أنا باطبخ حلو، بس برضه ناقد جبااار... يعني لازم أكلك يكون حلو عشان يعجبني. رفعت حنين حاجبيها وهتفت بمشاكسة: أنت مجربتش أكلي... أنا باعرف أطبخ برضه. ربت عمر على كفيها الممدودة على الطاولة:
خلاص يا حبيبتي ورينا مواهبك في الغدا إن شاء الله... ولو حابة أني أساعدك أنا ممكن أتكرم وأساعد بس متاخديش على كده. ضحكت حنين أخيرًا: لأ شكرًا مش محتاجة مساعدة. وضعت حنين الطعام في فمها ثم قالت: أنا كنت فاكراك بتقول أي كلام يعني عشان تبهرني... بس الأكل حلو فعلاً يا عمر تسلم إيدك. بتلقائية أمسك عمر كفها التي أرختها على الطاولة ووضع قبلة عليها: بالهنا يا حبيبتي. ارتبكت حنين من فعلته لكنها لم تعقب. لكن عمر نظر
لها بعينيه القويتين وقال: حنين أنا جوزك انتي لازم تفهمي ده... مش لازم ترتبكي كل ما المسك... اللي أقدر أوعدك بيه إني مش هالمسك غير لما تبقي انتي جاهزة... وأنا مش مستعجل... بس خلينا نتعامل عادي على الأقل. أومأت حنين رأسها بتوتر ملحوظ، فأردف: إحنا هنسافر كمان أسبوع متنسيش تبقي تحضري شنطتك... أنا شايف إننا محتاجين نبعد عن هنا بكل حاجة وحشة حصلت، خلينا نبتدي مع بعض من جديد. نظر لها عمر بحنان وهو يربت على كتفها وأردف:
حنين... أنا عايزك تنسي أي حاجة وحشة أنتي مريتي بيها... اعتبري حياتك معايا بداية جديدة... وأنا هاعمل كل اللي أقدر عليه عشان أسعدك. ابتسمت حنين بألم وقالت بصوت بالكاد مسموع: حاضر يا عمر. انتهيا من الفطور، ودخلت حنين إلى غرفتها. لكنها فوجئت بعمر يقف على باب غرفتها يهتف: قومي غيري هدومك هننزل. نظرت له حنين باستغراب وهي تتصفح هاتفها المحمول باهمال: هنروح فين؟ دخل عمر إلى الغرفة، بدأ يخرج ملابسه من خزانة الملابس وهتف:
هنتفسح شوية، بس بسرعة لو سمحتي أنا مبحبش التأخير، قدامك 10 دقايق وتلاقيني جاهزة. حمل عمر ملابسه وخرج من الغرفة، وبقيت حنين شاردة. أخذت تتحسس ملابسها بتردد، حتى استقرت أخيرًا، ارتدت ملابسها سريعًا. وقبل أن تضع اللمسات النهائية، وجدت طرقًا خفيفًا على الباب وصوت عمر يأتي من خلفه: الـ 10 دقايق خلصوا على فكرة. فتحت حنين الباب وهي تهتف: خلاص والله فاضل حاجات بسيطة في الميكاب وننزل. وقف عمر يتأملها بعينين لامعتين بالحب.
ثم اقترب منها وهو يأخذ قطعة قطنية مخصصة للتجميل موضوعة أمامها، وبدأ يمررها على وجهها في حنان. تسمرت حنين مكانها وكأن أنفاسها قد توقفت منذ أن اقترب منها عمر. تحسس بشرتها بالقطعة القطنية وهو يقول بصوت هادئ: أنتي مش محتاجة تحطي ميكاج يا حنين... أنتي حلوة من غيره... بعدين واحنا سوا مش بتحطي ميكاج، تحطيه وانتي خارجة والناس تتفرج عليكي. أخيرًا ناولها القطعة القطنية في يديها، وهو يميل عليها بنفس النبرة الهادئة:
لو عايزة تحطي ميكاب يبقي ليا أنا وبس... امسحي وشك وأنا مستنيكي بره.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!