في إحدى المقاهي الهادئة، جلست حنين في إحدى الأركان الجانبية مبتعدة عن الزحام، بعينين حزينتين، يملؤها الصراع من داخلها، يداها ترتجف وتحاول أن تسيطر عليها. دخل شادي، عيناه مليئة بالغضب الممزوج بالحزن. سحب كرسي وجلس أمامها، يحاول أن يسيطر على انفعاله. صمت قليلاً، نظر إلى عينيها بإنكار وهتف: بجد؟ وافقتي؟ هربت بعينيها عنه، وحركت رأسها بإيجاب دون أن تنطق بكلمة. ضحك بسخرية وقال وهو يقترب منها: وأنا؟ ..... نسيتي أنك بتحبيني؟
رمشت بعينيها بتوتر تحاول أن تمنع دمعة كادت تفر منها. أطرقت برأسها بخزي وقالت بصوت بالكاد مسموع: غصب عني يا شادي.... الضغط عليا كان كبير، هو اتقدملي وأهلي وافقوا... مكنش ليا قرار. تغيرت نبرة صوته وأصبحت أضعف وقال: حنين أنا بحاول.... كل اللي محتاجة شوية وقت. رفعت عينيها لتتلاقى مع عينيه أخيرًا، تجمدت الدموع داخل مقلتيها وقالت بصوت بالكاد مسموع: افهمني يا شادي.... أنا مليش قرار. ارتفع صوته فجأة وقال: يعني خلاص؟
كل اللي بينا ضاع؟ نظرت له بعينين بلا حياة وقالت: شادي أنا مستعدة أقف قصاد أهلي، بس تعالي اخطبني. صرخ شادي بعصبية: حنين.... أعتقد اتكلمنا كتير في الموضوع ده، أروح أقول لباباكي إيه؟ جوزني بنتك بس أنا مش معايا فلوس، ومش هاقدر أصرف عليها لأني بأصرف على أهلي؟ دمعت عيناها وقالت بصوت مهزوز: أنا بحبك، ولو جيت أنا هقول لبابا إني موافقة ومش عايزة عمر. صمتوا لدقائق مضت وكأنها الدهر. بعينين حمراء من الغضب وقف شادي وهتف:
كنت فاكرك ليا، كنت فاكر هتستني، بس انتي اللي اخترتي تبعدي يا حنين. وضع حساب قهوتها على الطاولة وأدار ظهره لها وانصرف. شاهدته حنين يمضي مبتعدًا وشعرت كأن جزء من روحها يخرج خلفه. وضعت وجهها بين كفيها وانفجرت في البكاء. قامت حنين من مكانها، خطواتها بطيئة وكأن قدماها لا تقوى على حملها، كان كل خطوة تبعدها عن شادي تبعدها عن حلمها، عن حبها، عن قلبها المعلق بشادي.
عادت إلى المنزل، دخلت إلى غرفتها، أضاء هاتفها بتنبيه رسالة جديدة، أمسكت الهاتف، رسالة جديدة من شادي "كنت فاكرك هتفضلي... كنت فاكرك هتستحملي". ألقت بالهاتف على السرير بارتباك، وقفت أمام المرآة تنظر إلى عينيها الخاوية من الحياة وهمست لنفسها: لازم تجمدي يا حنين.... انتي اخترتي الصح.... قرار العقل أهم من القلب. *** شعرت بيديه الباردتين تتحسس جسدها... أنفاسه اللاهثة تكاد تحرق جلدها الناعم.... يداه تتحسسان يديها...
جسدها.... ملامح وجهها.... ثم تستقر اليدين الباردتين كالثلج فوق عنقها.... يضغط على عنقها الأبيض أكثر فأكثر.... تشعر بالاختناق من حرارة أنفاسه ويديه المطبقتين على عنقها... تحاول أن تبعده لكنها تفشل.... تحاول أن تصرخ لكن يخذلها صوتها فلا يخرج... الهواء يقل من حولها تدريجيًا.... تلهث لتأخذ أنفاسها، بينما يزداد ضغط يديه حول عنقها، لا أنه يعتصر قلبها داخل صدرها بيديه الباردتين..... تختنق تحت يديه بالبطيء..... تقاوم...
تدفعه بكل ما أوتيت من قوة، يداها مربوطتان، لكنه يهمس في أذنها بصوت كالفحيح: بحبك يا حنين...... يزداد الضغط أكثر فيتحشرج الهواء داخل حلقها.... أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت يديه..... ثم فجأة........ تستيقظ من نومها فزعة. تنظر حولها وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها كمن أنهى لتوه ماراثون، يتساقط العرق من جبينها. تحاول أن تتمالك أعصابها وتهدأ من روعها. اهدئي حنين.... لم يكن سوى كابوس أخر....
كابوس من الكوابيس المتكررة في الأشهر الأخيرة. تتناول كوب المياه المستقر بجوارها بيد مرتعشة. ترتشف رشفة صغيرة. تحاول أن تعود للنوم مرة أخرى. لكن لازالت تشعر بتلك الغصة في صدرها. ترمي بجسد مرتخي على فراشها وعينيها مفتوحتان تنظر في اللا شيء متمنية أن يرسل الصباح أولى أشعته في أسرع وقت. ***
دخل يوسف إلى حجرة والده في تردد، يقدم قدم ويؤخر الأخرى. وجد والده يجلس خلف مكتبه يرتدي نظاراته الطبية ويمسك بين راحتيه كتاب منهمك في قراءته. جلس يوسف أمامه تنحنح ثم همس: بابا... ممكن أتكلم مع حضرتك شوية؟ نظر له والده من خلف نظاراته الطبية باستنكار: غريبة أول مرة أشوفك متردد كده إنك تيجي تتكلم معايا في حاجة يا يوسف. قال يوسف بنبرة متوترة: بابا.... انت عارف إني بشتغل بقالي حوالي سنة ومرتبى الحمد لله كويس.. و.....
قاطعه والده: ادخل في الموضوع يا يوسف من غير لف ودوران. قال يوسف بجدية وكأنه يتلو كلمات كان يحفظها عن ظهر قلب: بابا أنا بحب واحدة كانت زميلتي في الجامعة وعايز أتجوزها. ضحك والده: وهو الموضوع محتاج كل المقدمات دي... والله لو البنت وأهلها كويسين انت عارف أنا مش هعارض أبدا في سعادتك. أضاءت عيني يوسف وقال: والله يا بابا لارا بنت كويسة أوي... وبالنسبة لأهلها فأنت عارفهم كويس أوي. رد عليه في استغراب واضح: أعرفهم منين؟
أكيد مش عاوز تتجوز بنت طارق دي متزوجة. ضحك يوسف: لأ يا بابا.... لارا تبقى بنت طنط سارة بنت خالتك. تجهمت ملامح والده فجأة وتحولت للعبوس وقال بحدة: أنت مش ممكن تتجوز بنت سارة أبدا..... ومتتكلمش في الموضوع ده تاني وبالأخص قدام مامتك. هتف يوسف: بابا أنا من حقي أفهم. أردف والده في حزم: قولتلك الموضوع ده انتهى ومتتكلمش فيه تاني. دخلت والدته عليهم في المكتب فهتفت في قلق: في إيه يا زياد صوتك عالي ليه؟ قال زياد بنبرة حنونة:
مفيش يا حبيبتي. جلست على المقعد المقابل ليوسف ونقلت عينيها بين يوسف وزياد وقالت: لأ شكلك مضايق... يوسف انت زعلت بابا في إيه؟ لازالت ملامح يوسف في تجهم وهتف: بابا مش موافق يا ماما. بدفء قلب أم هتفت: ليه يا زياد مش موافق إنه يخطب البنت اللي بيحبها؟ تغيرت ملامح زياد ونظر لها باستغراب: هو انتي موافقة يا نور؟ اقتربت منه وجلست إلى جواره: وماله يا حبيبي لو بيقول البنت كويسة ومتربية نروح نشوف أهلها. نظر لها زياد في تعجب:
هو يوسف قالك مين أهلها؟ هتفت نور: قالي إن باباها متوفي من سنة وإن مفيش غيرها هي ومامتها وإخواتها الصغيرين. نظر زياد في عينيها بخزي: وهو قالك مين تبقى مامتها؟ نطق يوسف أخيرًا وصاح: طنط سارة قريبة بابا يا ماما.... أنا عارف إنك مش بتحبيها عشان كده مقولتلكيش هي مين... أنا أصلا مش قادر أفهم ليه مش بتحبيها كده. تعلق عيني نور بعين زياد وهمست كمن يحدث نفسها: ابني أنا عايز يتجوز بنت سارة!!!
ابتعد بعينيه عنها وانتفض زياد من مكانه وهم بالخروج من الغرفة: يوسف أنا قلت اللي عندي... مش هتتجوزها لو آخر بنت في الدنيا. نظر يوسف إلى والدته في استجداء وهمس: ماما من فضلك اتكلمي معاه. قالت نور في حدة: ملقيتش غير بنت سارة يا يوسف.... عايز تكسر قلبي انت كمان! هتف يوسف بعصبية: أنا مش قادر أفهم يا ماما إيه مشكلتها إنها بنت سارة أو بنت غيرها... انتوا حتى مشوفتهاش أدوني سبب مقنع لرفضكم ده. قالت نور في حزم:
سبب مقنع إني أنا وبابا مش موافقين وبس كده. خرج يوسف من غرفة المكتب في غضب وتوجه إلى غرفته وهو يحمل بداخله أطنان من الألم. أخرج هاتفه من جيبه فوجد رسالة من لارا. أمسك الهاتف واتصل بها. هتخرج معانا بالليل؟ مين هييجي؟ كل صحابنا. لأ... أنا مش عايز أشوف حد. مالك يا يوسف في إيه؟ انتي فاضية يا لارا ...... ممكن نتقابل؟ ماشي يا يوسف. قابليني في نفس الكافيه اللي هتتقابلوا فيه بالليل كمان نص ساعة.
أغلق يوسف الهاتف واستعد للخروج. وبالفعل أقل من نصف ساعة وأقبلت عليه لارا بوجهها البشوش وعينيها البنيتين وشعرها الأسود القصير الناعم منسدل خلف ظهرها بخفة، وضحكتها التي تنير دربه. استقبلها يوسف بابتسامة باهتة. جلست وبدأ يقص عليها ما حدث. أنا مش قادر أفهم فيه إيه بين أهلي وأهلك؟ أنا كمان مش عارفة... ماما طول عمرها بتتحاشى إن سيرة باباك تيجي وخصوصا قدام بابا الله يرحمه... بس أنا عمري ما فهمت ليه...
حتى أصلا مشوفتش أونكل زياد غير في فرح قريبهم ده اللي كان من سنتين وحتى سلموا على بعض من بعيد كده تحس إن فيه حاجة غريبة بينهم فعلا... بس مكنتش متخيلة الموضوع يوصل لكده. طيب ما تحاولي تسألي مامتك يا لارا... يمكن تقولك. سألتها قبل كده كانت بتتهرب من السؤال... بس أنا هحاول أسألها تاني. صمت يوسف قليلاً. ثم مد يده عبر الطاولة وأمسك بيد لارا في حنان: لارا أنا بحبك ومش هاتخلي عنك أبدا...
محتاجين بس نفهم إيه المشكلة اللي بين أهالينا وأنا هحاول أحلها. نظرت إلي عينيه في يأس: طيب ولو متحلتش؟ ابتسم وهو يضغط على يدها: مفيش حاجة ملهاش حل..... وأكيد ربنا مش هيسيبنا. إن شاء الله يا حبيبي. هو انت مش عايز تيجي بالليل ليه؟ متضايق يا لارا... مش عايز أشوف حد. تنهدت وقالت: بس أنت لو مجيتش بالليل أنا مش هاجي.... ولو أنا مروحتش جميلة هتزعل... إزاي يعني محضرش عيد ميلادها وأنا أقرب صاحبة ليها. عايزة إيه يا لارا؟
قالت في دلال طفولي: عايزة إك تيجي معايا نروح عيد الميلاد بالليل.... أنا عارفة إنك متضايق وأنا كمان... وأنا من دلوقتي لحد بالليل هاشغل الزن على ماما لحد أما أعرف إيه السبب. ماشي يا لارا هاجي معاك بالليل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!