الفصل 23 | من 30 فصل

رواية ندوب الهوى الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ندا حسن

المشاهدات
16
كلمة
6,809
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 77%
حجم الخط: 18

أتدري أن بعد الصبر جبر؟ وبعد الشدة رخاء! هل انتهت الشدة إلى هنا؟ دققت النظر به، عينيها متسعة بقوة وملامحها تحمل صدمة تامة تظهر وكأنها صدمت بموت أحدهم. لقد تغيبت عنها عادتها مرتين ولم تعطي للأمر أهمية، بل لم تفكر من الأساس. ما هذا!؟ وبحديث والدته اليوم جعلتها تتذكر هذا؟ يا لها من مهملة غبية.

عادت ببصرها إلى المرآة تبصر وجهها، ثم دون مقدمات ابتسمت لنفسها بسعادة غامرة وفرحة كبيرة احتلت قلبها الذي يدق عنفاً من الصدمة. تخطى الصدمة الآن وأصبح عنفه فرحاً وسعادة. يا الله ما هذه السعادة! ما هذا الكرم واللطف الكبير الذي يلقى عليها من كل جانب، ما هذه النعم التي لا تعد المتواجدة بحياتها. ابتسمت بسعادة كبيرة وهي تضع يدها الأخرى على بطنها تتحس ما دخلها وعينيها تُدمع بحنان وشغف.

استندت بيدها المُمسكة بالشريط على حوض المياه والآخرى على بطنها وتضحك بسعادة كبيرة غامرة تأخذها الآن لأماكن ليست لها وجود هنا بيننا. لقد كان هذا حلم بعيد المنال بالنسبة إليها بعد تأخره. نعم لم يتأخر كثيرًا ولكن تسرعهم جعله متأخرًا. شعور غريب لا يوصف، فرحة أمومة تكبر بداخلها، يظهر حنانها من الآن وفطرة الأم ظهرت على ملامحها اللينة الرقيقة. "جاد! " أتى على خلدها في لحظة خاطفة، ثم بين نفسها تمتمت بتساؤل

غريب عنها وعن تفكيرها: هل عليها أن تُخبره؟ زوجها وحبيب عمرها، والد الطفل الموجود داخلها، كيف لها ألا تخبره؟ من أين أتت بذلك الحق كي تمنعه عن هذه الفرحة؟ كيف لها أن تتمسك بسعادة أبدية له وتخفيها عنه؟ فقط لأجل ما حدث بينهم؟ إنه انتهى الآن وأصبح كل شيء على ما يرام، اعتذر منها وقدم كامل الحب لها مع الاحترام المتواجد منه دائمًا. ولكن!

ولكن مازالت "كاميليا" متواجدة. مازالت لا تعلم ما الذي يحدث بينهم أو حتى ما الذي تريده للاقتراب كل هذا! هل ستخونه وتخفي الأمر عنه وتبعده عن حلمه فقط لأجل خوفها من امرأة هو لن ينظر إليها أبدًا؟ إنه يريد طفل منها أكثر من أي شيء آخر وصرح بهذا عدة مرات وكم كان يظهر عليه التمني والرجاء كي يتحقق ما يريد.

لأ لن تفعل ذلك مؤكد، فهو حبيب قلبها، نعم مُعذب فؤادها، ولكن رؤية الفرحة والابتسامة على وجهه بمثل هذا الخبر يمكنها أن تعيش عليها إلى المنتهى. فرحته بخبر كهذا ونظرة دامعة منه يمكنها أن تُشفي جميع جروحها وتنسيها كل ما مضى إلى اليوم. إنه كما السحر بالضبط! أي حركة أو فعل صادر منه يُنسيها العالم بما فيه ويجعلها تتأمل ما به هو فقط.

رفعت الإختبار أمام وجهها، ثم بتفكير عقلاني قررت ألا تخبره بأي شيء الآن إلى أن تذهب إلى طبيبة تأكد لها إن كان حمل حقيقي أم لأ، فأحيانًا يخفق هذا الجهاز أيضًا، وهي لن تخاطر بفرحته وسعادة قلبه، بل ستأتي إليه بخبر مؤكد يجعل قلبه يتوقف بسبب روعة الخبر التي ستزفه إليه. بل هذا سيكون تحقيق حلم له.

استمعت إلى صوت باب الشقة يغلق بعنف، أصدر صوت حاد استمعت له. وقع الإختبار من بين يدها على أرضية المرحاض. سريعًا انخفضت تأخذة، ثم تقدمت إلى سلة المهملات في المرحاض والقته بها كي لا يراه "جاد". توجهت إلى حوض الغسيل مرة أخرى، فتحت صنبور المياه وقامت بغسل يديها الإثنين، ثم أغلقته وفتحت باب المرحاض متقدمة إلى الخارج ومازال قلبها يدق بعنف. رأته يدلف إلى الرواق ليذهب إلى غرفة النوم. قابلته وهو يتقدم، فوقف أمامها يبتسم،

فقالت: "حمد الله على السلامة." "الله يسلمك يا حبيبتي." دقق النظر بها وقد شعر بأن هناك خطب ما. وجهها شاحب بشدة ويظهر ذلك بوضوح وكأنها تعاني من نقص ما في جسدها. تساءل بلهفة وهو يقترب منها: "مال وشك أصفر كده؟ وقع قلبها بين قدميها خوفًا من أن يلاحظ شيء، فحاولت قدر الإمكان أن تكون طبيعية حتى لا يشك بها. وضعت يديها الإثنين على وجهها وهتفت باستغراب: "وشي أصفر؟ من إيه ده؟ أردف بجدية ناظرًا إليها بعمق:

"أنا اللي بسألك، شكلك كده متوترة أو بتفكري في حاجة أو مش واكلة." ابتسمت بهدوء لتجعله يطمئن وهي تشير بيدها نافية وتقول: "لأ أبدًا يا جاد، عادي مفيش حاجة." حرك رأسه بخفة وعينيه مثبتة عليها: "يمكن! تساءلت وهي تبصر حركات وجهه وتحاول تخمين ما يفكر به: "أحضرلك عشا؟ خرجت ضحكاته بخفة قائلًا باستنكار وهو يتذكر أنه قد تناول العشاء معها في منزل والده: "هو أنا مش متعشي معاكي ولا إيه؟

أقتربت منه بهدوء ورقة تتحلى بها محاولة أن تلهي عقلها عن توترها وفرحة قلبها العنيفة: "أيوه يا حبيبي بس أنتَ شغال طول الوقت يعني بتعمل مجهود، طبيعي تكون جوعت." عندما وجدها أقتربت منه وتتحدث بكل هذه الرقة والدلال يظهر عليها، أقترب هو أكثر قائلًا بعبث وخبث: "هو أنا بصراحة جعان.. بس حاجة تانية."

وضع يده الإثنين خلف ظهرها على خصرها يقربها منه أكثر، ثم مال عليها بجسده العريض مقتربًا بوجهه منها يضع شفتيه على خاصتها برقة بالغة كعادته معها يقبلها بحنان وهدوء. شعر ببرودها معه وعدم اقترابها منه، بل هي بقيت على وضعها يدها بجانبها ولم تبادله تلك القبلة الشغوفة التي تنازل عنها أكثر الوقت. عاد مرة أخرى إلى الخلف وتركها ينظر إليها للحظة بصمت تام ثم أردف متسائلًا بوجه خالٍ من أي تعابير: "سكتي يعني؟

أبصرت نظرته لها وشعرت بأنه تفهم ما فعلته خطأ، ولكن إن حدث بينهم شيء حقًا هذا سيكون الخطأ الأكبر. ربما كانت تحمل طفل داخل أحشائها؟ هذا لا يجوز، إنها تعلم بعض الأشياء كهذه. "لأ بسمعك يا جاد." لاحظ أنها ليست على عادتها، بل شاردة، قلقة، ومتوترة، وهناك ما تخفيه ربما. أكمل بعدها بثبات وهو يعود للخلف خطوة: "منا خلصت كلامي يا هدير."

فهمت أنه يريدها. نظرت إليه بخجل وعينيها تنظر إليه مرة والأخرى تكون على الأرضية، وودت لو فعلت ما يريد ولكنها تخاف أن يكون داخلها طفل يتضرر. "طيب معلش اديني وقت." أعتقد "جاد" أنها مازالت منزعجة منه ولا تريد الإقتراب لهذا السبب. ربما مازالت تشعر أنه يكذب عليها! أقترب منها مرة أخرى يمحي الخطوة الذي أبتعدها، ثم أمسك بيدها بقوة قائلًا بصدق وجدية: "أنتِ لسه زعلانه مني ولا إيه؟

هدير كفاية لحد هنا بقى، أنا بحبك والله العظيم واعتذرت وبعتذر تاني." رفع يدها إلى فمه يقبلها كما يفعل وهو يعتذر مرة أخرى لكي تلين معه: "أنا آسف يا حبيبتي بس كفاية بقى." تعمقت بالنظر بعينيه الرمادية وبخجل أكبر قد احتل تفكيرها بعد رؤيته يريد القرب منها هتفت بخفوت: "جاد أنا خلاص عديت اللي حصل بس فعلًا يعني محتاجة وقت.. معلش استحملني شوية."

ترك يدها ونظر إليها بعمق يحاول أن يتفهم ما الذي تريد أن تصل إليه، أو حتى ما الذي تمر به ليجعلها تبتعد عنه رافضة قربه! ولكن بكامل الحب أجابها وهو يحترم رغبتها تاركًا كل ما أراد التفكير به: "حاضر.. اللي أنتِ عايزاه يا هدير هعمله علشان خاطرك." ابتسمت بوجهه شاكرة إياه بحب خالص وهي تبادله نظرات الغرام: "ربنا يخليك ليا يا حبيبي." "اليوم التالي"

في منتصف النهار هبطت "مريم" إلى شقة "هدير" بعد تفكيرها الجاد في ذهابها إلى الطبيبة الآن. لقد كانت مقررة الذهاب مع زوجها لتطمئن وتفهم ما الذي يحدث معها، وهي داخلها تفكر به من الأساس، ولكن سافر زوجها مع والده وقد حضرت برأسها أن تذهب اليوم بل الآن. لأ تطيق الانتظار أكثر من هذا وهي بالأصل مريضة للغاية ودائمًا تشعر بأنه تود بالتقيؤ!

غير حالة إغماء النفس الشديدة التي لا تتركها وقد تطور الأمر أكثر فلا داعي للانتظار. ستأخذ شقيقتها معها وتذهب. دقت "مريم" على باب الشقة بثبات. لحظات وفتحت لها شقيقتها تدعوها بالدخول. دلفت "هدير" سريعًا مرة أخرى متجهة إلى المطبخ وتركت "مريم" عند باب الشقة في الداخل.

نظرت في أثرها باستغراب. ربما تطهو شيئًا على الموقد. أغلقت الباب بهدوء ثم دلفت خلفها إلى الداخل. وهي تدلف استنشقت رائحة البصل وها قد رأته وهي تقف أمام الموقد تقلب البصل بسرعة كي لا يحترق. تحدثت "هدير" بعتاب وهي تعطيها ظهرها ساخرة: "سمير مش موجود طول الوقت خايفة تنزلي تقعدي معايا؟ أجابتها بجدية وهي تدلف إلى الداخل تفتح الثلاجة لتأخذ منها بعض المياه الباردة:

"أنتِ عارفة اللي فيها يا هدير، شوية بطبخ شوية هو يجي شوية أروح عند أهله." وقفت الأخرى تقلب بالملعقة ذلك الطعام الموضوع أمامها وأردفت بسخرية: "قولتيلي." تركت "مريم" الكوب من يدها وقالت بحدة خفيفة وهي ترى تهكم شقيقتها عليها: "أنتِ أصلًا بتتكلمي كأني مش بجيلك خالص." سخرت منها مرة أخرى وهي تجيب: "آه كل فين وفين." استنكرت "مريم" حديثها واتسعت عينيها لأنها تقريبًا كل يومين تكن جالسة هنا معها وهي لم تصعد

إليها ولو مرة واحدة حتى: "يا شيخة؟ لم تجبها "هدير" لأنها تعلم أن معها حق، فقط تعاكس حديثها قليلًا. ابتسمت وهي تستمع إلى سؤالها بعد أن استنشقت الروائح الشهية: "بتطبخي إيه؟ أجابتها ومازالت تقف كما هي تقابلها بظهرها تعمل على الموقد: "كشري مصري.. جاد نفسه فيه." ابتسمت "مريم" باتساع وهي تقترب لتذهب مرة أخرى إلى الثلاجة تأتي بأي شيء منها تأكله وقالت بوقاحة: "ابقي سيبيلي طبق بقى علشان أنا كمان نفسي فيه." "حاضر."

أخذت ثمرة تفاح من الثلاجة وأكلت منها قطعة وتساءلت بعد أن ابتلعت: "طب أنتِ خلصتي ولا لسه قدامك كتير؟ قالت بهدوء وهي تمسح على وجهها بسبب الجو الحار: "لأ أنا هخلص البصل بس." أردفت "مريم" حديثها مرة واحدة بقوة وثبات وكأن الأخرى تعلم لما تريد الذهاب إليها على العكس تمامًا: "أنا عايزة إنك تيجي معايا لدكتورة رشا." تركت "هدير" ما بيدها واستدارت تنظر إليها باستغراب لما تود الذهاب إلى هذه الطبيبة! تساءلت وهي تبصرها جيدًا:

"رشا؟ نسا وتوليد؟ مالكم؟ مطت شفتيها للأمام وقالت ما يحدث معها في الفترة الأخيرة بتبرم واضح: "بقالي فترة مش تمام، ترجيع ونفسي بتبقى غامة عليا كتير وبحس بارهاق وكمان معادها عدى فبقول إنه ممكن يكون حمل أو حاجة." تساءلت مرة أخرى مضيفة ما بين حاجبيها: "طب ما عملتيش اختبار ليه؟ أجابتها "مريم" بلا مبالاة وهي تشير بيدها دليل على أنه لن يكون نافع دون طبيبة: "هحتاج كده كده أكشف بردو فـ مرة واحدة وخلاص.. ها هتيجي معايا؟

أومأت إليها بتأكيد وهي تجيبها متجهة إلى الموقد لتغلق النيران وقد أتى إليها هذا المشوار على طبق من ذهب وليس فضة لكي تتأكد هي الأخرى مما تريد: "آه طبعًا روحي اجهزي على ما أجهز أنا كمان وأكلم جاد أقوله." توجهت "مريم" لتذهب إلى الخارج تفعل كما قالت "هدير" كي يستعدوا للذهاب إلى تلك الطبيبة ولكنها قالت بطريقة فظة: "ماشي.. متنسيش طبق الكشري." نظرت إليها هدير وهي ترحل بمزاح قائلة بسخرية: "همك على بطنك يا معفنة. امشي."

ابتسمت "مريم" باتساع تجيب بلا مبالاة وهي تلوح بيدها: "متشكرة يا مدام أبو الدهب." بطريقة فظة أجابت شقيقتها هي الأخرى مضيفة اسم والد زوجها للحوار وكأنه سيكون اسم ولدها: "شكر على واجب يا أم عطوة." استدارت "مريم" تنظر إليها بحدة وغضب حقيقي بعد الاستماع إلى هذا الاسم الذي نسبته لطفلها: "عطوة! لأ مستحيل.. اسمي ابني عطوة لأ طبعًا."

وجدت شقيقتها تضحك بقوة على تحولها المفاجئ من مجرد ذكر اسم والد زوجها الذي أزعجها لأنه قديم وربما كبير قليلًا. تساءلت بحدة واستنكار وهي تنظر إليها: "بتضحكي على إيه يعني؟ أنتِ لو جبتي ولد ممكن تسميه رشوان؟ ولو بنت حتى تبقى فهيمة؟ للحظة صمتت "هدير" ولكنها بعد ذلك حركت رأسها وأجابت بصدق خالص وحب في حديثها يظهر: "بصراحة مش عارفة. هي آه أسماء قديمة بس لو جاد عايز كده معنديش مشكلة." اتسعت عيني "مريم" بسبب حديثها الأحمق هذا!

واستغربت موافقتها السريعة دون تفكير. الأمر لا يحتاج تفكير من الأساس: "لأ دا أنتِ مخك ضرب. تعقدي ولادك علشان جاد عايز كده؟ أردفت تبرر حديثها وموافقتها قائلة وهي تقترب منها بخطوات جدية: "مش قصدي.. يعني ماهو إحنا ممكن نسميهم اللي عايزينه ونادي عليهم بالأسماء دي." أبصرتها "مريم" بقوة وعينيها متسعة بذهول على تفكيرها الأحمق الغبي، تأتي بعقد لأطفالها بسبب هذه الأسماء القديمة لأجل زوجها أو غيره!

هذا بسبب عدم وجود أسماء تليق بهم أم ماذا! هتفت بقوة وهي ترحل حتى لا تقف تتناقش معها: "هدير أنا رايحة البس."

بعد أن رحلت "مريم" لتذهب إلى الأعلى تتجهز لكي يذهبوا إلى الطبيبة، ذهبت "هدير" تنهي تحضير طعامها حتى إذا تأخرت يجد زوجها ما يأكله، ثم بعد ذلك ذهبت تأخذ هاتفها وقامت بالحديث معه والاستئذان بالذهاب مع شقيقتها إلى الطبيبة وقد سمح لها بفعل هذا. وللحق هي فرحت كثيرًا لوجود حجة ما تخرج بها من المنزل بدون جاد وأيضًا ذاهبة لطبيبة! إن الله يحبها كثيرًا ويسبب لها كثير من الأسباب التي تساعدها.

بذهابها مع مريم قد حلت مشكلتها وستكتشف إن كانت حامل أم لأ، وإن كان كذلك ستقول لزوجها وتجعله يرفرف من الفرحة التي ستطل عليه بسببها وبخبر صغير مقامه كبير منها. وإن كانت شقيقتها "حامل" مثلها يالا فرحة الجميع بهذه الأخبار الرائعة. ستحل فرحة كبيرة على العائلة بأكملها لن يخرجون منها إلا عندما تولد كل منهن ليدخلون في حالة فرحة وسعادة أكبر منها بحلول مولود جديد معهم. بل اثنين!

ذهبت "هدير" ومعها "مريم" إلى الطبيبة النسائية التي تحدثت عنها. الاثنين يجلسون في انتظار دورهم في الولوج إلى الطبيبة وكل منهم في رأسها أشياء عدة تموت فرحًا لو تحققت. ستكون هذه السعادة الكبرى لـ "مريم" عندما تتأكد أن داخلها طفل تحمله من "سمير"! زوجها وحبيب السنوات الماضية والحاضرة. أروع زوج على الإطلاق وأفضل شقيق وصديق وكل شيء تريده يقدمه إليها دون مجهود يذكر منها.

وكأنه وجد في هذه الحياة ليكون المارد المحقق لأحلامها. إن اكتشفت أنها تحمل طفل منها ومنه داخلها ستكون السعادة الأكبر له، ستأتي إليه بشيء يريده ويهواه. الجميع يريده ويهواه ولكن معه مختلف للغاية. سترد له شيء جميل مما يفعله لها.

ابتسمت وهي تفكر كيف سيكون رد فعله عندما تخبره بأنها حامل وداخلها أفضل شيء بينهم شهور قليلة ويأتي ليظهر للنور ويكون سبب آخر يجمع حبهم ويعظمه أكثر. لقد فكرت في كثير من الأشياء اعتقادًا أنها حامل وقد وقع الأمر. حتى أنها قررت تأجيل هذه السنة الدراسية لتكون متفرغة أكثر لهم، حتى لا تهمله وتهمل زوجها! ولأنها لن تستطيع أن توفق في عملين معًا كيف إن كانوا أكثر. كل هذه قرارات بُنيت على أساس أن الحمل موجود وكأنها تأكدت منه!

بينما شقيقتها الكبرى كانت تفكر في غير ذلك تمامًا. لا اهتمامات ولا مسؤوليات. كانت تفكر في زوجها الحبيب، معذب فؤادها، هذا اللقب الأقرب إليها منه حقًا. تتوق لرؤيته عندما يعرف بحملها لطفله. تتوق لسماع صوته ورؤية وجهه وهو يتلقى الخبر. تحقيق حلم مثل هذا له يعتبر أكبر شيء ممكن أن تحققه.

حبها له غريب ومريب بنفس الوقت. هي شخصية عنيدة وتريد تفسير لكل شيء ولكن لأجل أن تكون سعيدة معه تحاول محو كل ما يأتي بخلدها لينعم بالراحة والهدوء ولتقترب منه أكثر وتبعد كل صعب من أمامهم. ترى حبه لها، بل عشق وغرام أبدي، هوى وما بعد الهوى ولكن يصعب الأمور عليها. يجعلها مُشتتة طوال الوقت غير قادرة على التحديد كيف يكون هو وكيف تكون حياتهم. حتى أنه أحيانًا يصعب الأمر عليها بمعرفة نفسها!

ليس هناك مثل "جاد أبو الدهب" شجاع، شهم، صالح، رجل وما يعرف برجل يوصف به، حنون وما به من حنان يغدقها به يفيض للعالم أجمع. ومع كل ذلك تخاف من بعده أو سرقته. على يقين بحبه وإيمانه ولكن تخاف من غيره يأخذه لطريق آخر لا تكون هي من أساسه. ستحاول جاهدة أن تمحي كل هذا من رأسها وتنعم بالراحة والسعادة معه ومن المؤكد أنه لن يجعلها تشعر بكل هذه الرهبة والخوف لأجل امرأة لا تخصه!

نعم هذا هو زوجها "جاد". تعلم أنه مهما حدث بينهم فلن يهون عليه حزن قلبها وتشتت عقلها المستمر. هي على يقين أنه سيجعل كل شيء على ما يرام وبالأخص عندما يعلم أن هناك من سيأتي لهم ويكمل عائلتهم الجميلة! وقفت "هدير" على قدميها وتقدمت إلى الفتاة الجالسة تعمل سكرتارية لدى الطبيبة. قامت بدفع مقابلة لها هي الأخرى معها لتدلف مع شقيقتها في نفس الوقت وعادت مرة أخرى تحت أنظار "مريم" المستغربة ما فعلته.

جلست مرة أخرى جوارها وهذه المرة أبصرتها لأنها تعلم ما الذي ستتحدث به وتساءلت بالفعل قائلة: "إحنا مش دفعنا يا بنتي. بتدفعي تاني ليه؟ ابتسمت "هدير" بعمق وأجابت قائلة بجدية وثبات وكأنها تتحدث مع أحد يعلم القصة منذ بدايتها: "لأ دا كشف ليا.. أنا كمان هكشف معاك." استنكرت "مريم" فعلتها وحديثها فهي لم تتحدث من الأساس ولم تقول إنها تريد ذلك، هكذا فجأة! "فجأة كده؟

استدارت لتنظر إليها وتكن في مواجهتها لتتحدث بأريحية وتروي لها ما حدث ولكن قبل ذلك عليها أن تتأكد أنها لن تخبر أحد: "لأ هو بصراحة مش فجأة ولا حاجة.. قبل ما أقولك احلفيلي إنك مش هتجيبي سيرة لحد ولا حتى سمير. لازم أول حد يعرف يبقى جاد." شعرت "مريم" بالضيق وكأن هناك سر خطير يجب ألا يعرفه أحد لذلك لم تتحدث إلا الآن: "ياستي ماشي مش هقول لحد والله." عادت "هدير" برأسها للخلف وهي تستند إلى ظهر المقعد ثم

هتفت بنبرة خافتة مبتسمة: "أنا جبت امبارح اختبار حمل وطلع إيجابي." دُهشَت "مريم" وفتحت عينيها على وسعهما، لم تكن تتوقع أن ذلك قد يكون حدث بالأخص أن شقيقتها لم تتحدث وهم بالمنزل بل لم يظهر عليها أي شيء. أبصرتها "مريم" طويلًا ثم خرجت من هذه الصدمة مبتسمة ببلاهة ظاهرة: "بتهزري؟ لأ بجد، إيه ده ألف مبروك يا دودو.. يا قلبي إيه ده بجد مبروك أنا فرحانة أوي. معقول إحنا الاتنين فجأة كده؟

توقفت عن حماسها الذي خرج دفعة واحدة على حين غرة وقالت متسائلة بعتاب رافعة أحد حاجبيها باستغراب: "وبعدين استني أنتِ ليه مقولتليش؟ أجابتها ببساطة وهدوء وملامح وجهها ساكنة وكأن هذا الذي كان في خلدها بالفعل: "علشان ببساطة كنت مستنية إني أقول لجاد الأول وهو يجي معايا ونتأكد بس بما إني هنا خلاص بالمرة بقى." وضعت "مريم" يدها فوق يدي شقيقتها والحماس يظهر عليها ووجهها بالكامل يبتسم بجميع ملامحه لتصيح قائلة:

"أنا مبسوطة أوي بجد يا هدير. معقولة نطلع إحنا الاتنين حوامل؟ ابتسمت "هدير" مبادلة إياها وهي تهتف بسخرية مضحكة لأجل خبر مثل هذا لهم هم الاثنين في آن واحد: "يارب بجد دا هيبقى خبر الموس." صمتت "مريم" للحظات وعقلها يشغله شيء ثم تحدثت عن "جاد" وهي تتذكر كيف كان يتحدث عن وجود الأطفال وكيف كان يتمنى طفل له: "متخيلة فرحة جاد أكتر واحد! دا هيموت على طفل يا هدير.. فاكرة آخر مرة لما اتكلمنا على الولاد كان عامل إزاي؟

اتسعت ابتسامة زوجته بطريقة غير عادية وهي تفكر به وبما سيحدث عندما يعلم، وكيف ستسير الأمور معه بعد خبر كهذا: "جاد! أنا مش عايزة حد يعرف غيرة أصلًا علشان أشوف رد فعله." نظرت "مريم" أمامها وهي تعتدل على المقعد وحماسها يأخذها بالكامل لذلك الأمر والفرحة سيطرت عليها أكثر بعد أن استمعت لشقيقتها: "لأ أنا خلاص بنيت أحلامي إننا حوامل.. تخيلي كده جبنا ولاد عم وخالة؟ ضحكت الأخرى بخفوت وهي تتذكر أنها متزوجة قبل "مريم"

بأشهر من الأساس: "الموضوع مضحك أصلًا.. أنا متجوزة قبلك يا مريم تحصل مع بعض! نظرت إليها "مريم" وكأنها الآن بالتحديد وجهت عقلها على هذه النقطة فقد كانت متناسية إياها تمامًا ولكن مع ذلك كل شيء بيدي الله: "تصدقي! بس هو كل شيء بأوانه."

أومأت "هدير" برأسها وابتسمت بسعادة فهي محقة. هناك من تزوج منذ أعوام وإلى الآن لم يرزق بهذا الرزق الكبير من الله وهناك من تزوج منذ شهر واحد فقط والآن يبتسم فرحًا وسعادة لأجل معرفة بخبر حمل زوجته. هناك هذا وذاك والله يعطي من يشاء. "أكيد ما شيء بأوانه." فرحة عارمة! قلوب تطير بين السحاب لكثرة هبوط السعادة عليها فقررت الإنحراف قليلًا باتجاه السماء لتنعم بالسعادة الأكثر مما حصلت عليه.

عيون تدمع لأجل ما استشعرته من فرحة كبيرة تنتظرها في الأيام القادمة، الشفاه ترتجف من كثرة الابتسامات التي توزعها على الجميع بسبب وبدون سبب. ما هذا! ما هذا الشعور الفظيع الذي يكاد يوقف قلوبهم القابعة في السماء الآن. أتدري أن هذه الفرحة الأكبر في حياتهم! أتدري أن عوض الله بعد صبر جبر!

تحملت كل منهن لحظات سيئة بدأت منذ أن توفى والدهم إلى أن تزوجوا من أولاد عائلة "أبو الدهب". كم أن تدبير الله رائع واختياره لا يوجد أفضل منه. أسباب وراء أسباب كادت أن تجعلهم يموتون حزنًا ثم في لحظة خاطفة يأتي القرار الذي يعترف للجميع أن السبب هذا ما كان إلا من حوادث القدر وتدبير الله ليكون هو الخلاص لما يريدون.

ما فعله "مسعد" مع "هدير" إلى اليوم كان له حد وإن لم يكن حدث ذلك لما كان والد جاد قد لان ناحيته ليدافع عن شرف فتاة أصبحت في مقام ابنته وهو أمام الجميع الوصي عليها من بعد والدها بالأخص أنها هي من كانت الوصي على شقيقها الأكبر. و "مريم" ألم تكن تحب ابن عائلة "أبو الدهب"؟

ما جعل ابن هذه العائلة يتحرك هو ظهور ذلك المجرم الطامع في جمالها ورقتها، وما دفعه ناحيتها هو شعوره بضياعها من بين يديه ورؤية كم هي صعبة المنال. ألم تكن كل هذه أسباب تعيسة تحزن الجميع في وجودها! ولكن الآن كم هي أسباب جابرة، رائعة مقدمة من الله عز وجل لأجل اخلاصهم وصبرهم وقلوبهم النقية الطاهرة ليست هي وشقيقتها فقط بل و "جاد" ومعه ابن عمه وشقيقه "سمير". أتدري أن بعد الصبر جبر! وبعد الشدة رخاء! هل انتهت الشدة إلى هنا؟

تأكدت كل منهن أنها تحمل داخل أحشائها طفل صغير مشترك بينها وبين زوجها الحبيب، تأكدت كل منهن أنهن داخلهن نتيجة حب طاهر نقي اجتمعوا به في حلال الله ورضاه عليهم. كم هي فرحة كبيرة ورائعة، كم هو إحساس لا مثيل له وشعور لا يوصف لا أستطيع ببضع كلمات أعبر عنه.

خرجت كل منهن وداخلها كلمات وأفكار ولحظات تود أن تتعايش بها مع النصف الآخر بعد خبر كهذا وفرحة كهذه والقلب لا يهوى سوى قليل من الكلام المعسول وأفعال مرضية تقول أن ليس هناك غير الحبيبة الأولى والزوجة الأخيرة وما بين هذه وتلك أنتِ فقط حبيبتي الموجودة على حبال أفكاري وشرايين قلبي.

وعدت "مريم" "هدير" أنها لن تقول لأي شخص ما الذي حدث معها ولن تتحدث لأي شخص وتبوح بحملها إلا عندما يعلم زوجها "جاد" أولًا وتبادلت الوعد معها أنها لن تخبر أي أحد إلا عندما "سمير" يعود من سفره ويعلم ولكن ستخبر "جاد" من المؤكد لتجعل فرحته أكثر وأكثر ولترى السعادة بعينيه وكامل جسده بسببها وبسبب نطق هذه الكلمات من فمها وبين شفتيها. "في المساء"

تناست كل شيء تعيس وحزين مرت به معه وإن أتت لتتحدث عن الحب فالحزن معه كان قليل. تذكرت الفرح والسعادة، تذكرت كل لحظة رضا وحنان أتت منه وتركت كل ما مضى والآن هي تبدأ بداية جديدة لهم هم الاثنين وثالثهم. ارتدت قميص وردي من القطن يصل إلى بعد ركبتيها بقليل، يلتصق على جسدها وعليه رسمة كرتونية شهيرة، فتحة صدره دائرية متسعة وحمالاته عريضة للغاية تغطي أكتافها.

فعلت ذلك وحضرت نفسها لتكون في مقابلته بأفضل ما عندها ولتجعله يفعل ما يريد بعد أن امتنعت عنه أمس فهي الآن قد اطمئنت من الطبيبة على وضع الطفل داخلها والذي بعمر الشهرين وقد بدأ في الشهر الثالث هذا الأسبوع. حضرت طعام العشاء الذي كانت أنهت تحضيره قبل رحيلها إلى الخارج مع شقيقتها ووضعت كل شيء على السفرة في غرفة الطعام وكان "جاد" يقوم بغسل يديه بعد أن استقبلته بأروع ابتسامة لديها والحماس داخلها وكأنه بركان يثور أمامه.

جلست على السفرة متنتظرة أن يأتي والابتسامة مازالت مستمرة في الظهور على شفتيها وقلبها يرفرف من الفرحة والتوتر أيضًا. أعادت خصلاتها المتطايرة إلى الخلف لتستقر خلف ظهرها في لحظة دلوفه إلى الغرفة مبتسمًا وهو يراها قد تحولت مئة وثمانون درجة بل وقبلته قبلة مطولة على شفتيه عندما أتى وكأنها تمحي ما فعلته أمس والآن تقول أنها لن تمانع اقترابه! جلس "جاد" في مكانه على سفرة الطعام ونظر إلى الطعام الذي أعدته أمامه فتحدث قائلًا

وهو يجذب شوكة: "الكشري ده شكله يفتح النفس يا وَحش." ابتسمت وهي تقدم الطبق إليه ليأكل كما يحب وترفرف داخلها لأجل عودة لقب الوَحش الذي أطلقه عليها قائلة برقة وحنان: "بالهنا والشفا يا حبيب الوَحش." نظر إليها بعمق وداخله يدعو الله ألا يحدث بينهم مشاكل بعد الآن فهي أطيب قلب قد رآه وبعد كل ما حدث سامحته وتؤدي واجبها أمامه بكل حب: "إيه الرضا ده كله يا ست هدير.. هتعود على كده؟ رفعت عينيها عليه ومحت ابتسامتها ثم قالت

بجدية وعمق صادق داخلها: "من امتى وأنا مش معوداك على كده يا جاد! إلا لما تكون أنتَ اللي مش عايز وواخد جنب لوحدك." ترك الشوكة من يده وأقترب بوجهه منها يحاول محو هذه اللحظة الجدية التي وضعتها بينهم لتتذكر أشياء يعملون على محوها وقال بوضوح ومرح: "طب تعرفي بأمانة أنا مش بفهم.. آه والله بأمانة مهو اللي ياخد جنب بعيد عن القمر ده يبقى مش بيفهم." ابتسمت وهي تعاود وضع الشوكة بيده ليأكل وقالت بتهكم ليفهم حديثها جديًا وقد

أوصلت له ما تريد بالفعل: "طب يا سيدي أفهم من يوم ورايح بقى." "حاضر يا وَحش." أكل طبقه بالكامل بشراهة وظهر جوعه أثناء تناوله الطعام لأنه لم يصعد لتناول الغداء بل من الصباح إلى الآن لم يأكل شيء سوى وجبة الإفطار. وضعت له "هدير" مزيد من أصناف المعكرونة في طبقه وأضافت له كثير من الأشياء ليبدأ يتناول مرة أخرى فهتف هو قائلًا: "لأ بجد الكشري ده مفيش منه.. شكلي طول عمري باكل أونطة." ضربته في يده بخفة قائلة بحدة:

"متقولش كده على أكل ماما فهيمة أحسن والله أقولهالك." غطت عينيه الرمادية بطريقة درامية للغاية وهو يبتلع ما بحلقه قائلًا بعتاب زائف: "تبيعي جوزك لحماتك! أهون عليك؟ تعلم أنه يمزح ليس إلا ولكن نظرته وعتابه لها بهذه الطريقة جعلها كـ الأم عندما يعاتبها طفلها بطريقة لطيفة لتركها له. كرمشت ملامحها بلطف وقالت بنبرة خافتة: "لأ طبعًا متهونش."

ابتسم باتساع وهو ينظر إليها بحب خالص وبادلته الابتسامة والحب كمثل وداخلها تتوق لتجعله يعلم أن هناك زائر يود أن يأتي ليكون معهم إلى الأبد. فقط ينتهي من طعامه ثم ستخبره كل شيء. أخرج "جاد" هاتفه أثناء تناول طعامه ووضعه أمامه على السفرة جوارها لأنه ضايقه في جلسته وجعلها غير مريحة. أكمل طعامه بهدوء معها بين مرح وضحك وسعادة كبيرة احتلت الجلسة مرة واحدة وقد راقه هذا وبشدة.

دق جرس الباب فجأة فنظرت إليه تتسائل بعينيها من قد يأتي إليهم الآن. وقف على قدميه وقال بجدية: "خليكي هنا وأنا هشوف مين." أبتعد عن مقعده واتجه ليفتح باب الشقة ولكنه استدار عندما وقف على أعتاب باب الغرفة قائلًا مرة أخرى بنبرة رجولية جادة: "متطلعيش برا الأوضة علشان لو حد جاي من الجماعة."

أومأت إليه برأسها مؤكدة أنها ستفعل هكذا وخرج هو ليرى من الطارق. أكملت تناول طعامها بهدوء وداخل رأسها أمور كثيرة وعدة تحاول أن تبعدها عنها سواء كانت سعيدة أو حزينة فهي فقط تود أن تعيش هذه اللحظة وتخبره أنه سيكون والد عن قريب. رنة بسيطة وإضاءة خافتة يخرجون من هاتف "جاد" أمامها. لم تكن تريد أن تعرف ما هذا ولكن عينيها هي من وقعت على الشاشة عندما أضاءت ليس أكثر من هذا فظهرت أمامها رسالة عبر الواتساب تأتي باسم "كاميليا"!!؟

مرة أخرى "كاميليا" بحياتهم! هل مازالت كما هي؟ هل هو يتحدث معها بعد كل هذا؟ هل هي أهم من زوجته وعائلته ليبقى على تواصل معها؟ نظرت إلى الهاتف بعمق وحزن شديد احتل مجلسها وكيانها بالكامل! تركت الشوكة من يدها وعادت بظهرها إلى الخلف وملامحها قد تحولت إلى شخص آخر من الأساس. انطفئ واسودت شاشته وبقى على وضعه ولكنها لن تكون كذلك بالمرة.

امتدت يدها إلى الهاتف وأخذته بين يديها لتفتحه بسهولة حيث أنه لا يضع له كلمة مرور مما أدى إلى ظهور اسم "كاميليا" على الشاشة. فتحت الواتساب الخاص به لترى آخر رسالة أتت له من تلك المرأة. نظرت إلى الرسالة بدقة من الخارج ولم تفتحها حتى لا يظهر له أن هناك من رآها قبله وستكون هي من المؤكد. "ده اللوكيشن يا جاد." هذه كانت رسالتها له أو هذا ما ظهر منها. ترى ما الذي يوجد خلف هذه الرسالة وهذه المحادثة ما بها من الداخل!

لم يأتي بخلدها بيوم من الأيام أن تبحث خلفه أو تشكك به. لم تفكر بأنه قد يفعل هذا بها وقالت أنه رجل صالح آمين لا يفعل بها هذا ويغضب الله عليه! رسالة أخرى قد بعثت والهاتف بيدها تهتف باسمه وبجانبه علامة استفهام تدل على أنها تريده أن يجيب عليها؟ أو لما لا يجيب عليها! خرجت من هذا التطبيق ثم ذهبت إلى سجل المكالمات لتراه متحدث معها بالأمس! بعدما هبط من عندها من هنا!

بعدما قام بمصالحتها والحديث معها بكامل اللين ووعدها أنه لن يزعجها بهذه المرأة وسيضع لها حد لأن علاقتهم ووجودها معه أهم شيء. خرجت من كل هذا ثم محت آثار دلوفها إليهم وتركت الهاتف كما هو في مكانه وداخلها دوامة تكاد تبتلعها والأفكار تداهمها بشراسة وعقلها لا يرحمها وحزن قلبها ازداد أضعاف أي موقف حزن قد عليهم فهو يخفي عنها شيء كبير، يفضل عنها امرأة أخرى، يكذب عليها ويتحدث معها، يخونها؟

خرجت دمعة من عينيها في لحظة وهي غير منتبه لتفكيرها ودموعها الذي خرجت خلف واحدة فقط وأعلنت الحداد على كل شيء. مسحت دمعاتها سريعًا لأنه سيدلف في أي لحظة، لن تبكي. مستحيل أن تبكي ولن تعطيه فرصة في فعل ذلك فيكفي بكاء بسببه إلى الآن فهي ستتبع مبدأ البادي أظلم يا "جاد الله". عاد "جاد" مرة أخرى وجلس على السفرة بهدوء كما كان وأبعد طبق الطعام من أمامه لأنه بالفعل قد امتلأت معدته بالطعام. أبصرها بهدوء وقال دون أن تسأله:

"دي أمي بعتالنا فاكهة مع الواد ياسر ابن عبد الله." دخل المطبخ. لم يستمع منها ردًا بل بقيت تنظر إليه نظرة غريبة لم يفهمها وكانت أقرب للحزن لو فسرها جيدًا. ابتسم بغرابة وهو يقول: "مالك؟ أجابته بصوت خافت ساخر بذات الوقت، ساخر من نفسها وذلك الموقف الذي وضعت به معه: "ماليش." شعر أن هناك خطب ما بالأخص بعد إجابتها بتلك النبرة وهذه النظرة. ما الذي حدث في لحظات ليجعلها هكذا. استمع إلى سؤالها الواضح تقول:

"هي الست اللي اسمها كاميليا لسه على تواصل معاك ولا بعدت؟ لا يدري ما الذي جعل هذا الأمر يعود على خلدها من جديد. لقد كانت لحظات سعيدة الآن يا زوجتي الحبيبة لما تودين ضياعها! ابتسم بسخرية كاذبة يود أن يوضحها لها ولكن ليته لم يفعل: "تواصل! بعد اللي عملتيه ما ظنش." ابتسمت هي الأخرى تبادله بنفس السخرية وودت وبشدة لو تبكي الآن وتفرغ عينيها من الدموع الذي داخلها بالكامل ولكن لن تفعل يا "جاد". "أحسن بردوا."

عاد جاد بظهره إلى ظهر المقعد وأردف بعد أن تذكر بجدية يتساءل عن حال شقيقتها: "صحيح مريم طلع مالها؟ "حامل." دون سابق إنذار ودون أي مقدمات ودون رسم أي تعابير على وجهها ألقت هذه الكلمة البسيطة المكونة من أربع أحرف أمام وجهه وعلى مسامعه بقوة ووضوح تام والحدة ظاهرة في نبرتها ولكنه تغاضى عنها.

تغاضى عنها عندما استغرب إجابتها السريعة ولكن سريعًا هو الآخر فهم ما الذي ألقته عليه فتقدم إلى الأمام مرة أخرى بلهفة وحماس كبير ظهر على عينيه الرمادية الذي ظهر بريقها: "بتتكلمي جد! مريم حامل! أومأت إليه بقوة وهي تنظر إلى فرحته وحماسه الظاهر لأجل ابن عمه من المؤكد. أبصرت جسده بالكامل وهو يتحرك بعنف غير متزن من فرط السعادة التي وقعت عليه. ماذا كان سيفعل لو علم أنها هي الأخرى تحمل طفل داخلها!

هو من بدأ، هو من منع هذه النعمة عنه بكذبه وخداعه لها. "الواد سمير هيبقى أب.. عقبالنا." نظر إليها بعمق وشغف خالص والحماس تأكله فرحة لابن عمه وله لأن هذا الطفل سيكون ابنه هو الآخر. نظر إلى عينيها الجامدة متغاضيًا عن ذلك والحب داخله يتضاخم مع صدره وهو يقترب منها ليمسك يدها قائلًا بشغف وعينيه تلمع بغرابة: "عقبالنا يا هدير.. عقبالنا يا وَحش."

ابتسمت بجفاء ونظرتها إليه ليست كما السابق وهو لاحظ هذا أكثر من مرة ولكنه يقول داخله أنه يفهم نظراتها وحديثها خطأ لأنها من قابلته بكل ما هو رائع. أجابته بجدية مميتة: "إن شاء الله." تذكرت ذلك اليوم الذي أعترف لها به عن ما الذي يريده وكأنه حلم وهي من ستحققه. تذكرت نبرة صوته ولهفته وتمنيه لما قاله، تذكرت الكلمات بالحرف الواحد تلو الآخر وترددت داخل أذنيها وهي تنظر إليه الآن.

-نفسي في ولد.. ولد حتة مننا إحنا الاتنين، أنا عارف إن لسه بدري وعارف إن لو ده حصل هيبقى كتير عليكي وأنتِ لسه مخلصة كلية بس مع ذلك كل يوم بتمنى من ربنا إن ده يحصل.. أناني أنا مش كده."

ترتكب جريمة الآن وهي تحرمه من أسعد لحظة بحياته ولكنه من بدأ في ذلك وهو من اضطرها لفعل ذلك وهي بحسن نية تناست ما مضى ووثقت به وقالت أنه لن يجعلها تحزن لأجل امرأة لا تخصه ولا تكن له أي شيء. ولكن اتضح لها أن "جاد الله" يكذب ويخفي وينكر وكثير من الأشياء فعلها في الفترة الماضية تدل على أنه لم يعد ذلك الشخص الخائف من الله البار بها وبأهله. لم يعد ذلك الحنون الذي يخاف عليها من الهواء المار جوارها. أصبح الآن يحزنها وهو يعلم أنه يحزنها ولكن يتغاضى عن علمه أو يتغاضى عن حزنها لا تدري أي جانب يمحيه من ذاكرته.

ولكن الذي تعرفه الآن أنه لم يعد جاد زوجها، ولن يعود إلا عندما يعترف بكل شيء يحدث معه وبينه وبين تلك المرأة. لم يعد به أي شيء تعرفه سوى أنه مازال معذب فؤادها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...