تحميل رواية نجمة في سمائي بقلم دعاء احمد pdf
بقلم دعاء احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خدااامة؟! عايزة تشتغلي خدامة، يلهوي يلهوي، دي أمك لو عرفت هتروح فيها. قالتها هدير وهي بتصرخ في شمس اللي بسرعة حطت إيديها على بوقها بتحاول تكتم صوتها، وبتتكلم بغضب. اخرسي يا بهيمة.. أمك هتصحى إيه ماصدقتي، وبعدين إيه خدامة دي. أنا هبقى بهتم بالست الكبيرة وخلاص وماليش دعوة بالخدمة في البيت، هم عندهم خدم كتير وأنا ههتم بيها وبمواعيد الدواء وكل حاجة تخصها، وبعدين انتي مش شايفة المرتب كام.. وبعدين إحنا لسه بنتناقش. يعني لا أنا اتقبلت ولا حتى لقيت شغل في أي مكان تاني. هدير مسكت إيد أختها وشالها من على...
رواية نجمة في سمائي الفصل الأول 1 - بقلم دعاء احمد
خدااامة؟! عايزة تشتغلي خدامة، يلهوي يلهوي، دي أمك لو عرفت هتروح فيها.
قالتها هدير وهي بتصرخ في شمس اللي بسرعة حطت إيديها على بوقها بتحاول تكتم صوتها، وبتتكلم بغضب.
اخرسي يا بهيمة.. أمك هتصحى إيه ماصدقتي، وبعدين إيه خدامة دي. أنا هبقى بهتم بالست الكبيرة وخلاص وماليش دعوة بالخدمة في البيت، هم عندهم خدم كتير وأنا ههتم بيها وبمواعيد الدواء وكل حاجة تخصها، وبعدين انتي مش شايفة المرتب كام.. وبعدين إحنا لسه بنتناقش. يعني لا أنا اتقبلت ولا حتى لقيت شغل في أي مكان تاني.
هدير مسكت إيد أختها وشالها من على بوقها بحزن:
بس يا شمس الشغلانة دي انتي تستاهلي أحسن منها ألف مرة، كفاية إنك في كلية صيدلة.
ابتسمت شمس بسخرية وهي بترد:
يعني زيك زي أي واحدة هتقف في صيدلية، أي واحدة حتى لو مش خريجة كلية صيدلة، إلا لو فتحت صيدلية بتاعتي أنا، هجيب مبلغ زي ده منين، ما انتي عارفة الدنيا ماشية إزاي. وخالص يا هدير أنا لازم ألاقي شغل كويس ومرتب يكفي مصارفنا، وبعدين أنا هبقى في مصر كدا كدا وكليتي هناك مع الشغل.
هدير اتنهدت بحزن وهي بتربت على كتف أختها الكبيرة:
ربنا معاكي يا شمس، والله أنا كمان بفكر أدور على شغل، بس طول ما أنا هنا في البحيرة مش هعرف أشتغل.
شمس بجدية:
إنتي هبلة يا بنت، لا طبعًا مفيش شغل، انتي لسه صغيرة وبعدين دراستك، لا يا حبيبتي أنا اللي هدور على شغل، بس دا هيفضل سر بينا يا هدير، ماما مينفعش تعرف عنه حاجة، ماشي؟
هدير:
حاضر أنا مش هقولها حاجة، بس لازم كل يوم تكلميني وتقوليلي عملتي إيه؟
ابتسمت شمس بسعادة وهي بتحضنها:
حاضر يا ديرو، بس خلينا ننام دلوقتي لأني هلكانة. وكمان خلاص إجازتي خلصت ولازم أسافر الصبح بدري.
هدير بابتسامة:
ماشي يا ست البنات، يالا بينا ننام، أنا هطفي النور.
شمس هزت رأسها وهي بتتابع أختها الصغيرة اللي قامت تطفي نور الأوضة ورجعت تاني تنام جنبها على السرير وهي بتسألها:
هو مين صحيح يا شمس اللي قالك على موضوع إعلان الممرضة ده؟
صافية صاحبتي، هي عارفة إني بدور على شغل من بدري ولما شافت الإعلان قالتلي عليه، والمفروض هروح بعد بكرة في المعاد اللي هما محددينه، بس ادعي ربنا إني أتقبل لأن أكيد في بنات كتير هيكونوا هناك، ربنا يستر، لأن لو اتقبلت ساعتها المرتب ده هيفرق معانا أوي.
هدير اتنهدت بنعاس وهي بتحضنها:
إن شاء الله هتتقبلي بدون مشاكل، ويا رب يكونوا ناس كويسين.
يارب يا هدير يارب.
غمضت عينيها وهي بتنام بإرهاق وبتدعي إنها تتقبل في الشغل ده عشانها هي وأختها وأمهم.
***
في صباح يوم جديد.
شمس كانت واقفة قدام المراية بتعدل هدومها وبتجهز عشان تسافر بالقطار وترجع للكلية في القاهرة.
بتحط الدبوس الطرحة في نفس وقت دخول أمها بوشها المبتسم.
صباح الخير يا شمس.
ابتسمت شمس وهي بتحضنها بمرح:
صباح النور يا جميل، ها عاملة إيه النهاردة؟
أنا بخير الحمد لله، جهزتي حاجتك؟
آه جهزتها من شوية، وهدير كمان جهزتها معايا بس دخلت تغير هدومها عشان تلحق المدرسة.
ربنا يسعدكم يا حبايب قلبي، خدي يا شمس خلي دول معاكي.
قالتها بحنان وهي بتطلع الفلوس من البوك بتاعها وبتحطهم في إيد شمس.
بس يا ماما...
إيه مش هيكفوا، بصي فترة بس يجيلي فلوس والله و....
شمس بمقاطعة:
والله ما ده قصدي يا ماما، أنا أقصد إن الفلوس دي كتير، وبعدين دول كل الفلوس اللي معاكي، وأنا والله مش محتاجها، بصي أنا هاخد بس اللي هحتاجه في وقت الضرورة وخلي انتي الباقي، عشان أنا عارفة هدير مصاريفها كتير، يالا بقى هاتي حضن كبير أوي.
ابتسمت مريم بحنان وهي بتحضنها.
مريم:
على فكرة أنا عملتلك الفطار اللي بتحبيه، يالا نادي لأختك وتعالوا نفطر. أنا خبزت فطير امبارح صحيح وعبتلك كام حاجة عشان تستخدميهم في السكن.
شمس هزت رأسها مع ابتسامة جميلة وهي بتنادي على هدير.
بعد مدة.
ودعت والدتها ومشيت مع أختها وهي شايلة شنطة الضهر بتاعتها وفي إيديها شنطة صغيرة فيها هدومها. وصلوا الاتنين لطريق المدرسة الثانوي بتاع هدير ووقفت تودعها.
هدير:
أول ما توصلي كلميني يا شمس.
شمس:
والله هكلمك وأطمنكم عليا، هي أول مرة أسافر يعني، يالا ادخلي مدرستك وذاكري كويس.
ابتسمت هدير وهي بتدخل المدرسة وشمس بتكمل في طريقها.
***
كانت قاعدة في القطار وهي بتقرا في كتاب، كانت حاسة الوقت بيعدي ببطء.
لحد ما نزلت في المحطة بتاعتها، نزلت وأخدت الأتوبيس لحد ما وصلت السكن الجامعي.
بعد نص ساعة.
في أوضة صافية وشمس.
شمس كانت قاعدة على السرير وهي بتسرح شعرها الأسود وجانبها صافية قاعدة بتاكل في الأكل اللي مريم كانت مجهزة لشمس.
صافية بحماس:
أمك نفسها حلو قوي في الأكل يا بت، أنا لو مكانك مكنتش سبتها خالص.
شمس بضحك:
طب بطلي بقى وتعالي نذاكر، لأن دكتور عبد الرحمن مستحلف للدفعة السنة دي.
زفرت صافية بضيق وغضب:
يا أختي الدكتور ده تحسي مراته كل يوم تنكد عليه، فبيجي هنا عشان ينكد علينا، ربنا يتوب علينا. هو انتي مبتزهقيش من المذاكرة يا شمس؟
شمس بضيق من صاحبتها:
لا مبزهقش، أنا أصلاً جاية من البحيرة للقاهرة عشان أدرس وأمي الصراحة بتتعب أوي يا صافية لحد، نفسي أتعين في الكلية وعشان كدا لازم أذاكر.
صافية بلامبالاة:
أنا مش فارق معايا الامتياز أوي كدا، لأن بابا خلاص قرر يفتحلي الصيدلية.
شمس:
ربنا يخليهولك يا صافية يارب ويطول في عمره.
صافية بود:
طب انتي عملتي إيه، قلتي لوالدتك إنك ناوية تشتغلي.
شمس لمّت شعرها ديل حصان وهي بتبصلها بجدية:
الصراحة لا، حسيت إنها هترفض، بس قلت لهدير ومعنديش استعداد إني آجل الموضوع، لازم أشتغل، ومدة كدة لو ظبط الموضوع هقعد مع ماما وأقولها.
صافية بابتسامة:
إن شاء الله خير يا حبيبتي، انتي والله تستاهلي كل خير يا شمس.
يالا خلينا نذاكر يا صافية، بطلي كسل.
مر اليوم بأحداث قليلة لا تذكر.
***
في بداية اليوم.
شمس صحيت بدري لكن لما بصت جنبها كانت صافية لسه نايمة على سريرها، قامت وراحت ناحية الحمام، اتوضت وطلعت أدت فرضها وبدأت تجهز.
صافية بكسل:
إنتي صاحية بدري كدا ليه يا بنتي، لسه بدري أوي.
شمس:
لا دا بدري من عمرك انتي، أنا لازم أنزل دلوقتي، العنوان لسه مشواره بعيد وأنا عايزة أوصل بدري، ومحاضرات النهاردة ابقي سجليهالي وهاخدها منك.
صافية بنوم:
ماشي يا شمس، هكلمك وأنا في الكلية.
شمس بصتلها بيأس حقيقي لأنها عارفة إن صاحبتها شخصية كسولة جدًا.
بصت لنفسها في المراية برضا وابتسمت بإعجاب من شكلها، وبعدها أخدت شنطتها ومشيت.
***
في مكان آخر وبالتحديد فيلا دويدار.
حمزة كان واقف قدام المراية بيزرر قميصه الأسود، أول زرارين مفتوحين.
أخد ساعته الفخمة.
حط بدلته على دراعه وهو خارج من الأوضة.
كان نازل على السلالم.
رفع عينيه الخضراء القاتمة للأمام، كان شايف الزحمة في الصالون، العمال في كل مكان والكل بيشتغل بجدية بيجهزوا المكان لحفل خطبته.
بعد أسبوع هتتم خطبته على هند الحسينى.
كان حاسس بالنفور ناحية الخطوبة دي، لأنه مش عايزها ولا بيحب هند.
هي لا تشبهه أبدًا، دائمًا ما تشغل عقلها الأمور التافهة بالنسبة له.
أجبر نفسه على جوازها عشان جدته أغلى من حد عنده في الحياة، بسبب إصرارها على إنه يتجوز عشان يدخل الفرح للبيت من تاني.
وبسبب مرضها مكنش عايز يزعلها وقرر يحدد معاد خطوبتهم بعد أسبوعين.
جدته (صفاء النوري).
كانت صفاء بتتكلم مع هند بجدية.
صفاء سيدة من سيدات المجتمع الراقي، بيميزها صلابة معاملتها قدام الكل وأوامرها دائمًا حازمة معهم، وأهم شيء عندها مكانة العائلة واسمها، ولكن عندها قلب أم بيحب حفيدها.
صفاء:
هند اسمعيني كويس، حمزة دلوقتي هيبقى جوزك، حاولي تتكلمي معاه وتفتحي مواضيع لأن انتي مش بتتكلمي معاه نهائي، أفرّدي وشك، اضحكي قدامه بلاش تحسسيه إنك نكدية.
اتنهدت هند بيأس وهي بتلوي شفتيها وهي بتلعب في الموبايل بضيق.
هند:
أنا مش عارفة أعمل إيه يا تيته، آدم طول الوقت مديني الوش الخشب، وكأني زيي زي أي خدامة في القصر ده تقريبًا، مبيعرفش يضحك ولا يبتسم. والله يا تيتة مهما اتكلمت أو عملت بتفضل ملامحه باردة ومفيش أي حاجة بتأثر فيه.
اتنهدت بضيق لأن الكلام عن شخص هي المفروض هتتجوزه، لكن هو دائمًا جامد وصلب في معاملته معاها.
ولكن رغم كل ده هو نوعها المفضل من الرجال، وسيم جدًا من النوع التقيل وهي بتحب التحدي، وأكيد هتستخدم كل أسلحتها الفتاكة عشان يبقى من حقها.
دخل حمزة بشموخ إلى الصالون الكبير الفخم.
لقى صفاء قاعدة جنب هند اللي قاعدة على حافة الأريكة بتكبر، حاطة رجل على رجل، والتكبر باين في ملامحها الكلاسيكية والعملية.
بنت أنيقة جميلة فارعة الطول ذات جسد نحيف جذاب كعارضات الأزياء، ترفع شعرها الكستنائي في تسريحة أنيقة، ترتدي ثياب عملية وكلاسيكية نوعًا ما، قميص أزرق وتنورة سوداء ضيقة قصيرة، حزام خصر ذهبي رفيع يبرز ساقيها النحيفة اللامعة لتكتمل هيئة الإغراء تلك التي خططت لها مسبقًا لتثير إعجابه، كما تثير إعجاب كل من يراها ليكسبها ذلك ثقة أكثر بنفسها، غير مبالية أنها تبدو كسعلة رخيصة.
سلم حمزة على جدته وانحنى باثًا رأسها بود.
رفع رأسه يبص لهند بنظرات غير مفهومة حادة.
ابتسمت هند بإعجاب بينما تختلس النظر له دون حرج.
سأل صفاء بهدوء وحب:
عاملة إيه دلوقتي يا صافي، إيه اللي نزلّك، الدكتور قال لازم ترتاحي... ولا إنتي حابة تعرفي غلاوتك عندي؟
ردت عليه صفاء بحنان:
بخير يا حبيبي طول ما انت بخير، مينفعش أفضل في السرير، لازم أتابع كل حاجة بتحصل، وبعدين معاد الخطوبة قرب يا حمزة لازم كل حاجة تليق باسم العيلة...
إيماءة بسيطة منه كانت الرد على صفاء.
إزيك يا حمزة؟
حمزة نزل عينيه لقها بتكلمه وابتسامة جميلة تزين ثغرها، شفتيها المغرية مصبوغة باللون الأحمر اللامع.
رد عليها بصوت يكاد يصل لمسامعه ولكن فهمت أنه رد عليها بالحمد.
بصت صفاء لهند وحمزة واتكلمت بنبرة ذات مغزى لهند:
مش يالا يا هند تاخدي حمزة وتفرجيه على الكتالوج عشان تختاروا فستان الخطوبة، إحنا متأخرين جدًا على فكرة ومليش وقت.
حرك حمزة شفتيه في ناحية واحدة دليل على عدم الرضا.
في نفس الوقت قامت هند بحماس وسعادة، على الأقل هتنفرد به ولو قليل.
ليقته بيتكلم بنبرة جامدة قائلًا ببرود:
معلش يا صافي عندي شغل ولازم أسافر المنصورة دلوقتي، أنتي عارفة موضوع الأرض اللي عايزين نشتريها، اختاري الفستان معاها.
سكت للحظات وهو يتأمل ملابس هند الضيقة.
قال ببرود وعينيه تمر بجراءة وقحة على ذلك الثوب القصير:
بعد ما تختاروا فستان الخطوبة لازم أشوفه قبل ما تبعتوا لدار الأزياء.
بصلها بقوة بعيونه الحادتين وكمل ببرود ووقاحة:
متنسيش إن الخطوبة هيحضرها ناس مهمة وأنا مش هتجوزك عشان أفرج جسمك للناس.
رغم أن الأمر محرج، لكن بالنسبة ليها حست بالسعادة العارمة ظنًا منها أنه يغار عليها، لكن لو علمت حقيقة نظرة المشمئزة لكرهته.
انحنى حمزة يطبع قبلة حانية على رأس صفاء قائلًا بطيبة لم يعهدها أحد سوى صفاء:
أنا لازم أمشي دلوقتي، خلي بالك على نفسك، والأفضل تطلعي ترتاحي وكل ده هيخلص.
ابتسمت صفاء بحب وهي تنظر له لتقوم بتمرير يدها برفق على ذقنه النابتة الخفيفة متمتمة بتأثر وهي تتذكر ابنها الراحل:
متقلقش عليا يا حبيبي أنا بخير، المهم انت تخلي بالك على نفسك.
حمزة بجدية:
أكيد هيجي بنات كتير النهاردة عشان الإعلان، أنا كلمت محمد وقلتله يقابلهم وأنا هحاول أخلص بدري وأجي عشان أقابلهم بنفسي، بس ادعيلي.
صفاء بحنان:
ربنا معاك يا حبيبي.
رواية نجمة في سمائي الفصل الثاني 2 - بقلم دعاء احمد
انحنى حمزة يطبع قبلة حانية على رأس جدته صفاء قائلاً بهدوء:
- أنا لازم أمشي دلوقتي، خلي بالك على نفسك والأفضل تطلعي ترتاحي وكل ده هيخلص وبعدين البنت الممرضة أكيد هتيجي النهاردة ومحمد هيعمل معاهم مقابلة.
ابتسمت صفاء بحب وهي تنظر له، لتقوم بتمرير يدها برفق على ذقنه النابتة، متمتمة بتأثر وهي تتذكر ابنها الراحل:
- متقلقش عليا يا حبيبي، أنا بخير الحمد لله وكمان أخدت الدواء، المهم انت تخلي بالك على نفسك.
ابتسامة جميلة تشكلت على ملامحه الحادة قائلاً:
- سلام يا صافي.
أومأت له بابتسامة حنونة. نظر بصلف لتلك القابعة بجوارها ثم توجها للخارج.
كاد أن يخرج من ذلك الباب الضخم حتى أتى صوته من خلفه، لينظر لها ببرود غير متأثر بمظهرها المتأنق ببداية اليوم:
- خير يا هند جيتي ورايا ليه؟
تغنجت في سيرها نحوه بدلال حتى وصلت إليه، فمالت عليه طابعة قبلة على وجنته.
أغمض عينيه بضيق وشتمها في سره بغضب.
لكن ولأنها ابنة شخصية مرموقة في المجتمع، تقدم لخطبتها في حين واقف والدها على الفور وتم تحديد الخطبة بعد أسبوع، ولكن لسوء حالة جدته صفاء، تم تحديد مكان حفل الخطبة في فيلته ووافق والدها مرتضى الحسيني على ذلك.
فزواج حمزة من ابنته يعتبر صفقة كبيرة ومكسب ضخم بالنسبة له، وخصوصاً أنه يدير مجموعة ضخمة تحمل اسم العائلة.
شخصية قوية يهابه الجميع، تتهاتف عليه الكثير من الفاتنات، مُسلط عليه الضوء من قبل الصحافة، تحسده عليها الكثير من الفتيات، هو صفقة رابحة بكل المقاييس، بل هو أهم صفقة في حياتها كما أخبرها والدها.
يجب أن تفعل المستحيل ليكون لها وحدها، لذلك تستغل صفاء وطيبة قلبها في الضغط على حمزة في أمر الزواج.
قالت بصوتها الناعم وهي تتقرب منه وتعبث برابطة عنقه:
- وحشتني على فكرة.
مدت يديها تعبث بخصلات شعره الأسود الطويل.
سحب يديها بسرعة وهو يدفعها بعيداً عنه قائلاً بخشونة:
- هند اتعدلي، انتي عارفة إني مبحبش الطريقة دي وإن فيه حدود بينا ولازم انتي اللي تحطيها مش أنا يا هند، ده حتى لسه معملناش الخطوبة وأنا مبحبش إن واحدة هتبقى على اسمي تتعامل بالشكل ده.
و حاجة تانية يمكن هتقولي إني مش من حقي أتكلم فيها، لكن بصي لـ لبسك وشكلك، بصي يا بنت الناس أنا لما اتقدمتلك كان عندي طلب واحد بس إن البنت اللي هتكون على اسمي تحترم مكانتها وتحترم إنها متجوزة راجل شرقي والجو ده مينفعش معايا، أظن واضح.
مطت شفتيها بدلال وهي تقرب يديها من لحيته قائلة بحزن زائف:
- بس أنا هبقى مراتك يا حمزة وأنا يعني مش بمشي أتدلع مع أي حد وبعدين أنا اتعودت على اللبس والحرية دي.
ابتسم بسخرية وهو يرفع عينيه عنها قائلاً:
- يبقى منفعتش لبعض يا هند، أنا دلوقتي بديكي فرصة تفكري في كلامي.
ترجل بقوة وهو يبتعد عن تلك الحية قبل أن تلدغه بسمها المميت.
توسعت عينيها وهي تراه يبتعد عن المكان، ينزل على أدراج السلم الرخام الأنيق مغادراً القصر بأكمله.
وبدون كلمة وداع تركها واقفة مكانها تنظر للفراغ بوجوم وإحباط بعد كلماته القاسية المهنية وعدم اهتمامه أو تأثره بقربها الذي يتمناه الكثيرون.
عضت على شفتيها بحنق وقلة صبر.
انفجر الغضب بداخلها وهي تشعر بالإهانة من كلماته لها، لا تفهم شخصيته الشرقية كما تسميه "رجعي" لكن تشعر بالنفور من تحكماته، ترغب في فرض سيطرتها، كيف له ألا يخضع لها، لماذا هو لا يريد التقرب منها رغم أنها ستكون زوجته.
خرجت إلى بهو الفيلا تراه يغادر المكان في سيارته متجهاً نحو سيارته.
رفعت هاتفها لتجري اتصال مع والدتها التي ردت عليها على الفور.
- صباح الخير.
- صباح النور يا مامي، أنا زهقانة أوي وحاسة إني مخنوقة.
- مالك يا هند؟
- حمزة، هو إزاي بيفكر بالرجعية دي، هو فيه حد كده؟ بقى أنا هند الحسيني اللي مفيش حد بيرفضني، حمزة يقف ويديني محاضرة في طريقتي وطريقة لبسي، بجد أوفر أوي.
قالت والدتها بطمع:
- هند أنا مش عايزة مشاكل يا حبيبتي، وبعدين خطوبتك انتي وحمزة لازم تتم، انتي فاهمة مش مهم أي حاجة.
وبعدين مش مشكلة إنك تتنازلي شوية وتعملي اللي هو عايزه.
انتي عارفة باباكِ محتاج حمزة قد إيه في الشغل، عشان خاطري بلاش تبوظي الدنيا.
وأهم حاجة جدته، انتي عارفة هو بيحبها قد إيه يا هند، لازم تكوني دايما لطيفة معاها.
ردت هند بصلف وضيق:
- اوكي يا مامي، مع إني زهقت من الخناقة دي والصراحة خالص تعبت منها، الست دي لازم تأمر والكل ينفذ كلامها وأنا تعبت منها.
ابتسمت شروق بجدية قائلة:
- يا حبيبتي هي دي صفاء النوري، دايما سيدة مجتمع راقية وتحب أوامرها تتنفذ، حتى رغم مرضها وتعبها إلا إنها بتحب الأصول وهي اللي مربية حمزة بعد وفاة أمه.
زفرت هند بلامبالاة قائلة:
- هحاول يا مامي بس ادعيلي، لإن حقيقي معادش قادرة استحمل تحكماتهم.
مر بضع دقائق وأغلقت الهاتف مع والدتها، ثم عادت للداخل.
***
في صباح نفس اليوم في بيت الطالبات.
ارتدت شمس كنزة طويلة زرقاء وتنورة سوداء وحقيبتها الوحيدة وحذاء بسيط أبيض اللون، وارتدت حجاب أبيض.
وظلت تدعو الله أن يوفقها لما يحب ويرضى.
خرجت من السكن الجامعي بعدما ودعت صديقتها صافية.
كانت في طريقها للعنوان الذي يقع في حي الزمالك الهادئ.
وعندما وصلت للعنوان وجدت نفسها أمام قصر كبير وفخم وكأنه قصر لأمير في حكايات ألف ليلة وليلة.
شمس برجاء: يااااااااااااا رب.
دخلت شمس وهي ترتعش إلى حديقة القصر الممتلئة بالزهور الملونة وأشجار الفواكه، وكلما اقتربت من باب القصر الضخم كلما زادت رائحة زهور الياسمين التي تنتشر حول الباب في شكلها الرقيق والجميل.
وقفت شمس أمام الباب وهي تشعر بالخوف.
قامت بطرق الجرس وبعد مرور دقيقتان مرتا عليها كأنهما يومان، فتح الباب لتجد الخادمة تقف أمامها.
- أي خدمة؟
شمس بتوتر: السلام عليكم، أنا جاية عشان إعلان الوظيفة اللي في المجلة ده.
نظرت الخادمة إلى المجلة في يدها، ثم قالت:
- أيوه.. طيب اتفضلي ادخلي، بس إزاي انتي دخلتي القصر بدون ما الحرس يوقفوكِ؟
ردت شمس بسرعة قائلة:
- مكنش في حد.
أومأت لها الخادمة قائلة بجدية:
- طيب اتفضلي.
دخلت الخادمة إلى القصر وتبعها شمس وهي تنظر إلى الجدران العالية الممتلئة باللوحات الثمينة والتحف التي تملأ القاعة الكبرى، وطاولة الطعام التي تحوي ما يقرب من اثنى عشر كرسي، والستائر التي تنسدل مغطية النوافذ العالية.
وأفاقا من ذهولهما على صوت الخادمة سارة.
سارة: اتفضلي استريحي هنا، ثواني هبلغ صفاء هانم، واستاذ محمد اللي هيعمل معاكي مقابلة.
وأشارت إلى صالون فخم مطلي بالذهب لتدخل شمس بارتباك وهي تجلس على حافة الأريكة وتتابع العمال يعملون في القصر بجدية وكأنهم يحضرون لحفل ما.
بعد دقيقتين.
دلفت الخادمة إلى الصالون وهي تساعد السيدة الكبيرة الجالسة على كرسي متحرك، وبجواره يقف شاب يبدو في بداية العقد الرابع من عمره وهو من يدعي محمد.
وقفت شمس وهي تتابع دخول صفاء التي يبدو عليها الحدة والجدية لكن بشوشة الوجه.
- هي دي يا سارة؟
ردت سارة بلباقة حانية:
- أيوه هي يا هانم.
- طب روحي شوفي شغلك انتي.
غادرت الصالون في حين نظرت صفاء لمحمد قائلة:
- اطلع انت يا محمد للبوابة أنا عايزة أقابلها.
أرد عليها بود قائلاً:
- بس يا هانم انتي تعبانة ممكن أساعد حضرتك تطلعي أوضتك وأنا هقابله.
ردت صفاء بارهاق قائلة:
- لا اطلع انت، أنا كويسة.
غادر الغرفة بهدوء بعد إصرارها، في حين تحرك الكرسي المتحرك نحو شمس.
التي تقدمت منها سريعاً تحاول مساعدتها، وبالفعل ساعدتها في تحريك كرسيها.
صفاء بابتسامة: متشكرة، تقدري تقعدي.
جلست شمس أمامها بهدوء، تبدو في غاية الهدوء والجمال.
- ممكن أعرف إيه الشروط المطلوبة عشان الوظيفة؟
صفاء وهي تتفحصها بعناية: أهم حاجة تكون هادية ومتعلمة وتكون صبورة، وكمان أنا بحب النظام جداً. شوفي يا اسمك إيه؟
شمس: حضرتك أنا اسمي شمس بكرى من البحيرة، بدرس في تالتة صيدلة.
صفاء: ممكن أعرف ليه عايزة تشتغلي وإنتي بتدرسي؟
شمس: ظروف خاصة.
اكتفت شمس بتلك الإجابة المبهمة وظلت تدعو الله أن توافق هذه المرأة على توظيفها.
شمس: ممكن أعرف مواعيد الشغل إيه؟
صفاء: أنا محتاجة واحدة تكون معايا طول اليوم والأفضل إنها تقيم معايا هنا.
شوفي يا شمس أنا مريضة سكر وضغط وزي ما انتي شايفة قاعدة على كرسي متحرك ومحتاجة حد معايا دايماً.
القصر هنا مفيش خدم كتير زي ما ممكن تتوقعي، لإن أنا مبحبش الزحمة.
وكمان أنا عايشة هنا أنا وحفيدي الوحيد وهو هيتجوز قريب، فالأفضل البنت اللي هتكون معايا تقيم هنا وهيُتوفر لها كل حاجة.
شعرت شمس أن إقامتها هنا ستوفر المال الذي تدفعه شهرياً في بيت الطالبات، فأجابت على الفور:
- معنديش مانع أبِيت هنا بس أنا عندي كلية.
صفاء: انتي ممكن تحضري محاضراتك عادي.
شمس غير مصدقة: بجد؟
صفاء: أصل أنا بصحى متأخر وهنا موجود مديرة للبيت، فممكن أيام محاضرتك تحضري.
شعرت شمس بسعادة عارمة حتى أنها ابتسمت ابتسامة واسعة قائلة بود:
- أنا متشكرة جداً لحضرتك.
ردت صفاء بطيبة وود قائلة:
- تقدري تجيبي حاجتك وتبدأي من أول النهاردة.
ابتسمت شمس قبل أن تغادر.
غادرت شمس القصر وهي تكاد تطير من شدة سعادتها بقبولها لهذه الوظيفة بهذا الراتب المرتفع.
واتجهت إلى بيت الطالبات حتى تجمع أغراضها البسيطة وكتبها الدراسية، وقبل أن تغادر نظرت إلى صافية قائلة:
شمس: أشوف وشك بخير يا صافية.
صافية والدموع تملأ عينيها: خلي بالك من نفسك يا شمس وأنا هبقى أكلمك.
شمس: ادعيلي يا صافية بالله عليكي، لإن متوترة جداً.
صافية بإحساس صادق: ربنا يوفقك ويكرمك.
شمس: السلام عليكم.
صافية وهي تحتضنها مودعة: وعليكم السلام.
غادرت شمس بيت الطالبات واتجهت إلى القصر لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها، وكانت تشعر بخوف وقلق، ولكنها دعت الله أن يحميها ويسهل أمورها.
وصلت شمس إلى بوابة القصر وهي تحمل حقيبتها الصغيرة وقرعت الجرس، وفتح الباب لتجد امرأة متوسطة القامة وشعرها به خصلات بيضاء.
شمس: السلام عليكم، أنا شمس الموظفة الجديدة.
السيدة: أهلاً بيكي اتفضلي، أنا مدام سلمى مديرة البيت.
شمس: أهلاً بحضرتك.
سلمى: اتفضلي عشان أوصلك أوضتك.
تبعت شمس السيدة سلمى وهي تصعد السلالم الدائرية، والتي تمتلئ جدرانها بالصور الشخصية لعائلة صفاء النوري.
وقد لفت نظر شمس صورة لسيدة باهرة الجمال بشعرها الأشقر وبياض بشرتها الشديد وعيونها الزرقاء، وظلت تنظر لتلك الصورة وكأنها لا تستطيع إبعاد عينيها.
فأفاقها صوت سلمى من شرودها:
سلمى: وقفت ليه يا شمس؟
نظرت سلمى إلى الصورة ثم قالت:
سلمى: عجبتك الصورة؟
شمس بصوت مبهور بذلك الجمال: أوي، معقول هي دي مدام صفاء بس...
سلمى وهي تبتسم لشمس: ده مش صفاء هانم بس دي بنتها مرام هانم الله يرحمها، والدة حمزة بيه الله يرحمها توفت من زمان في حادثة عربية، وبسبب الحادثة دي مدام صفاء حصل لها مشاكل في العمود الفقري وللأسف قعدت على الكرسي المتحرك وهي اللي ربت حمزة بيه.
شمس بحزن: الله يرحمها، بس دي شبه مدام صفاء جداً.
سلمى: فعلاً، هي وارثة جمالها عن مدام صفاء، ومدام صفاء كانت ملكة جمال في السبعينات.
يلا عشان أوريكي أوضتك.
دخلت سلمى غرفة تقع في نهاية الممر الطويل وتبعها شمس، التي أحست أنها في حلم وليس حقيقة.
سلمى: أنا هسيبك ترتاحي، والساعة أربعة تنزلي عشان تتعرفي على وظيفتك.
أومأت شمس برأسها وتابعت سلمى بعينيها وهي تغلق الباب خلفها.
نظرت شمس إلى غرفتها الأنيقة وسريرها الكبير المحاط بالستائر البيضاء وطاولة الزينة بمرآتها الكبيرة.
واتجهت شمس إلى دولاب الملابس وفتحتة وقامت بتعليق ملابسها البسيطة، ثم توجهت إلى باب مغلق داخل الغرفة وفتحته لتجد حمام خاص بها به حوض استحمام مستدير لونه أبيض وحوله العديد من الرفوف الممتلئة بكل أنواع الشامبوهات والكريمات والعطور الغالية الثمن، وكان هناك دولاب أبيض به العديد من المناشف البيضاء متعددة الأحجام.
ابتسمت شمس وقامت بخلع ملابسها وملأت حوض الاستحمام بالرغوة المنعشة ودخلت لتسترخي في هذا الماء الدافئ وأغمضت عينيها واستمتعت بهذه الفخامة التي لم تجربها من قبل.
ففي قريتها كانت تستحم في حمام بسيط، وفي بيت الطالبات كانت تستحم في دقائق معدودة حتى تدخل زميلاتها.
خرجت شمس ولفت جسدها الجميل بمنشفة بيضاء كبيرة وجلست على الكرسي أمام المرآة لتجفف شعرها بمجفف الشعر، وبعد ذلك وقفت أمام الدولاب لتختار قميصها الوردي اللون وتنورتها الزرقاء وحذائها الوردي وحجاب أزرق.
أخذت هاتفها لتجري اتصال باختها هدى لتطمئنها عليها.
مرت بضع لحظات لترد أختها عليها بسرعة:
- شمس انتي كويسة؟
شمس بتوتر: بخير الحمد لله، في إيه يا بنتي خضتيني.
انتفضت بفزع قائلة:
- ماما كويسة يا هدى، حصل حاجة؟
- لا هي بخير الحمد لله، بس كنت بعتلك رنة من شوية ومردتش عليا.
ابتسمت شمس بود قائلة:
- معلش يا هدى، والله كان صامت، هدى أنا اتقبلت في الشغل.
ردت بسرعة:
- طب وهم ناس كويسين وانتي مرتاحة ولا إيه؟ قوليلي كل حاجة.
قصت شمس على أختها كل شيء عرفته عن هذه العائلة، لتقول بجدية وخوف:
- بس يا شمس إزاي توافقي تقعدي في بيت وفيه شاب أعزب.
صمتت شمس للحظات، لكن خرج صوتها أخيراً قائلة:
- هدى أنا مفكرتش في ده، بس انتي عارفة ظروفنا إيه، أنا محتاجة أوفر فلوس السكن ومحتاجة الشغل ده، وهشوف لو حصل أي تجاوز هسيبه فوراً، بس المهم تخلي بالك على ماما وأنا إن شاء الله في الإجازة الجاية هبقى أحكيلك عن كل حاجة.
وافقتها هدى ثم تحدثت معها في بعض الأمور.
انتظرت إلى أن دقت الساعة الرابعة، ثم خرجت لتبحث عن السيدة سلمى لتقدمها إلى السيدة صفاء والتي ستكون مرافقتها منذ الليلة.
لم تجد شمس السيدة سلمى في القاعة، فقررت البحث عنها.
وجدت باباً اعتقدت أنه ربما يؤدي بها إلى المطبخ، فطرق الباب ثم دخلت.
لتتفاجأ بأنها دخلت إلى غرفة واسعة يوجد بها مكتبة ضخمة من الكتب، ويوجد بجوار النافذة مكتب عليه الكثير من الأوراق وعليه جهاز كمبيوتر حديث.
فأحست شمس أنها ربما تكون غرفة المكتب الخاصة بحفيد صفاء، لأنها أخبرتها أن لا أحد يعيش هنا سواها هي وحفيدها.
فقررت الخروج بسرعة، ولكنها اصطدمت بصدر عريض تفوح منه رائحة عطر فرنسي.
تنظر لعينين عميقتين سوداوين، ولم تستطع أن تنزل عينيها، بل ظلت تحدق في ذلك الشاب الضخم الذي يقف أمامها وعيناه التي سببت خوفاً لا تعرف سببه.
رواية نجمة في سمائي الفصل الثالث 3 - بقلم دعاء احمد
كادت شمس أن تغادر غرفة المكتب سريعا، إلا أنها اصطدمت بصدر عريض. رفعت عينيها بسرعة لتنظر لعينين عميقتين سوداوين، ولم تستطع أن تنزل عينيها بل ظلت تحدق في ذلك الشاب الضخم الذي يقف أمامها، وعيناه التي سببت خوفا لا تعرف سببه.
عاد حمزة خطوة للوراء وما زال يضع يديه في جيب بنطاله الأسود، متحدثا بجدية:
= أنتي مين؟ وإيه اللي دخلك هنا؟
ردت شمس بنبرة خافتة:
= أنا المرافقة الجديدة لصفاء هانم. أنا.. أنا كنت بدور على مدام سلمي لأنها قالت إن لازم أنزل الساعة أربعة أتعرف على شغلي.
نظر لها نظرة شاملة وقد تملكه شعور بالاستغراب من موافقة جدته عليها بهذه السرعة، حتى دون أن تجري معها حديث ومناقشات طويلة كعادتها مع كل فتاة تتقدم للوظيفة. لكن المظهر الخارجي لشمس يعطيها طابعا هادئا وأنيقا.
جلس أمامها خلف مكتبه على كرسيه الجلدي الوثير قائلا:
= اسمك إيه؟ معاكي أي إثبات شخصية؟
حاولت شمس تجاهل النظر إليه وهي تتحدث بتوتر، في حين شعر حمزة بالتسلية وهو يتابع ارتباكها الخجول.
= اسمي شمس بكرى، آه معايا البطاقة... ثواني.
أخرجت البطاقة الشخصية ووضعتها أمامه ليأخذها وهو يدقق النظر لها قائلا بابتسامة:
= تمام يا آنسة شمس، أعرفك بنفسي أنا حمزة دويدار وصفاء هانم تبقى جدتي. شوفي أهم حاجة لازم تكوني عارفة مواعيد الدوا كويس ومواعيد الفطار. صافي بتحب الهدوء جدا والقراءة. أنا هديكي رقم الدكتور المتابع لحالتها ولازم تتواصلي معاه عشان تعرفي أكتر عنها.
أومأت له شمس بالموافقة قائلة بهدوء:
= تمام.
نهض حمزة وعلى وجهه ابتسامة جذابة قائلا:
= وبالنسبة لمدام سلمي هتلاقيها في الأنترية مع جدتي، الباب التاني على الشمال.
حاولت رسم ابتسامة لبقة على شفتيها إلا أنها فشلت من شدة توترها. فانطلقت مسرعة وهي تشعر بضربات قلبها تدق بعنف شديد.
عندما وصلت إلى الباب، طرقته. وقفت أمامه للحظات وهي تضع يديها موضع قلبها تستمع لصوت خفقاتها العالية. أخذت نفسا عميقا وفتحته لتجد نفسها في غرفة جميلة بها العديد من الأرائك والكراسي، وهناك الكثير من الوسائد المطرزة بخيوط ملونة بألوان زاهية للغاية، ورأت السيدة سلمى تجلس وبجوارها صفاء.
قطع الصمت الذي عقب دخول شمس صوت السيدة سلمي.
ما إن دلفت شمس إلى الصالون حتى ابتسمت صفاء ابتسامة حنونة رقيقة.
صفاء بهدوء حانٍ:
= تعالي يا شمس.
جلست أمامها لتسألها صفاء بلباقة:
= شوفي يا شمس، البيت هنا فيه مدام سلمي هي مديرة المنزل، وفيه بنت تانية سارة قابلتيها الصبح، والسفرجي وأنا وحمزة. أول حاجة مش عايزة اختلاط بينك وبين حمزة كتير لأنه مش بيحب التعامل مع أي بنت بتشتغل في الفيلا. انتي قابلتي حمزة؟
ردت شمس بجدية قائلة:
= أيوه يا هانم من دقيقة تقريبا.
= كويس. هو انتي قولتيلي عندك كام سنة؟
شعرت شمس بالخوف من أن ترفض صفاء توظيفها لصغر سنها.
= أنا قربت أكمل واحد وعشرين سنة يا فندم.
صفاء وهي تبتسم وكأنها قد فهمت ما يدور في عقلها:
= بسم الله ما شاء الله. بس باين عليكي إنك ذكية وهادية.
شمس بابتسامة صغيرة:
= يسعدني أكون مع حضرتك من النهارده.
صفاء وهي تشعر بالحزن على نفسها:
= بس يا ريت متزهقيش من القعدة مع ست كبيرة مشلولة.
شمس بسرعة:
= لا ده أنا، والله، حبيت حضرتك من وقت.
صفاء:
= طيب يلا خلينا نخرج في الجنينة شوية.
اقتربت شمس وهي تساعدها في تحريك كرسيها المتحرك، ثم خرجت من الصالون وبعدها خرجت الجنينة.
تنفست شمس الصعداء قائلة بود:
شمس: الجنينة بتاعت حضرتك جميلة جدا، أول ما دخلت شميت ريحة الياسمين.
ابتسمت صفاء وهي تنظر للمكان حولها.
= حمزة هو اللي كان بيراعي الجنينة دي دايما وخصوصا الياسمين لأنه بيحب ريحته جدا.
مشت شمس خلفها وهي صامتة لا تعلم ماذا ينبغي أن تقول.
في حين كان حمزة يتابع شمس من النافذة ليطمئن على صفاء معها.
ردد حمزة بداخله قائلا بارتياح:
= يا رب تحبيها ومتطرديهاش زي اللي قبليها.
***
أحست صفاء بالراحة مع شمس لأنهما لا تتكلمان كثيرا مثل من سبقوها. كان الجو هادئا جدا بينهما والحديث قليلا، إلا عندما سمعت كل منهما صوتا أنثويا مرتفعا يقول:
= طنط، انتي لقيتي شغالة جديدة؟
أدارت شمس رأسها لتجد فتاة شابة جميلة. كانت تنظر إلى شمس باحتقار شديد، فخفضت شمس نظرها وصمتت، بينما أجابت صفاء بحدة:
صفاء: إيه اللي بتقولي ده يا هند؟ إيه شغالة دي؟
هند بسخرية استطاعت إخفاءها بجدارة:
= سوري يا طنط، مش قصدي.
صفاء:
= أعرفك بشمس المرافقة بتاعتي، وعلى فكرة ده في كلية صيدلة.
نظرت هند لشمس بغيظ وغيره بعدما لاحظت اهتمام صفاء بها.
= أهلا.
شمس بصوت حزين:
= أهلا بيكي.
صفاء:
= دي هند يا شمس، خطيبة حمزة.
نظرت شمس لهند بارتياب وهي تشعر بالنفور من الأمر، رغم أنها لا تعرفهما. لكن من حديثها معه شعرت بأنه شخص خلوق. أما بالنسبة لهند، فبمجرد النظر لها لمرة واحدة تعرف أنها مزيفة ومغرورة. إلا أنها لم تهتم بالأمر كثيرا، فما يشغل عقلها هو عملها ودراستها.
خرج حمزة من الداخل مبتسما وهو يرى انسجام جدته مع شمس قائلا بارتياح:
= ليا مكان معاكم ولا إيه يا صافي؟
ابتسمت صفاء بحب قائلة:
= طبعًا يا حبيبي، تعالي.
نظرت هند نحوه بسعادة وهي تقترب منه بتغنج قائلة بطيبة زائفة:
= كويس إنك هنا يا حمزة. صحيح، أنا اخترت فستان الخطوبة وماما صفاء كمان وافقت عليه جدا.
صفاء بحب:
= فعلا يا حمزة، الفستان جميل، ومتقلقش كل اللي أنت طلبته هنجزه.
جلس جوارها وهو يتابع بعينيه السوداوين شمس التي تجلس جوار جدته ويبدو عليها الارتباك من وجودها، لأنها لم تعتد على تواجد شخص غريب عنها معها.
= طب كويس إنكم اخترتوه، وانتِ يا صافي أنا عايزك تكوني أجمل واحدة في الحفلة.
= متقلقش يا حبيبي، كل حاجة هتكون مميزة.
ألقى نظرة خاطفة على شمس دون أن تلاحظ بسبب انشغالها بالتفكير بوالدتها وأختها.
بعد مرور بعض الوقت في المساء، بعد أن ساعدت صافي في أخذ دوائها وظلت بجوارها إلى أن نامت في غرفتها. كادت أن تصعد إلى غرفتها إلا أنها مرت صدفة بجوار مكتب حمزة. كان باب الغرفة مفتوح نسبيا، فكان يجلس على كرسيه خلف المكتب، يعمل على جهازه الحاسوب.
صعدت شمس إلى غرفتها واتجهت نحو حقيبتها مخرجة منها بعض الكتب لتجلس على المكتب الموجود في إحدى الزوايا لتبدأ في مذاكرة محاضرتها. مرت أكثر من ثلاث ساعات وهي تذاكر حتى أنها لم تنتبه لتأخر الوقت. أغلقت الكتاب ووضعته جانبا، ثم دخلت إلى فراشها الوثير وشعرت أنها لم تشعر بمثل هذه الراحة من قبل، فسريرها في بيت الطالبات كان قديما ويصدر أصواتا عالية كلما تحركت. ابتسمت شمس وسرعان ما استسلمت للنوم.
استيقظت شمس في السابعة صباحا وارتدت ملابسها ونزلت إلى القاعة حتى تذهب إلى كليتها، فأستوقفها صوت يقول:
= صباح الخير.
نظرت شمس وهي مفزوعة لتجد حمزة متجها نحو الباب.
= صباح الخير.
حمزة:
= على فين كده الصبح بدري؟
شمس وهي تنظر للأرض:
= عندي محاضرة الساعة 9.
حمزة:
= بس كده بدري قوي.
= أصلي بحب أوصل بدري.
حمزة:
= طيب اتفضلي أوصلك.
شمس:
= لا متشكرة، مفيش داعي تعطل حضرتك.
حمزة بلهجة آمرة:
= يلا يا شمس، انتي أصلا في طريقي.
شمس وهي لا تريد إحراج نفسها بالركوب معه:
= بجد مش عايزة أتعبك.
حمزة:
= يلا بقى كده هنتأخر.
تبعته شمس وهي تشعر بالخجل الشديد، فهي لم تركب سيارة برفقة أي شخص من قبل، فكيف ستكون برفقة شخص لا تعرفه وحدهما. ركبت وأحست بجسدها يغوص في مقعد السيارة الوثير، فقررت الاستمتاع بتلك السيارة وتخيلت نفسها تمتلك مثلها في يوم من الأيام.
بعد مرور وقت.
أخرجها صوت حمزة من أحلامها قائلا:
= هتخلصي الساعة كام يا شمس؟
شمس:
= الساعة 4.
حمزة:
= خلاص هبعتلك السواق يستناكي.
شمس:
= مفيش داعي، أنا هعرف أرجع لوحدي.
حمزة:
= بصي، عشان مش بحب الكلام الكتير، انتي دلوقتي بتشتغلي عندي، يعني لازم أطمن إنك ترجعي في مواعيدك مضبوطة وميبقاش عندك مبررات للتأخير، فالسواق هيرجعك كل يوم.
نظرت شمس بضيق نحوه وهي تشعر بأنه يعاملها كأنها خادمة لديه، فجابته بنبرة حادة ممزوجة بكبرياء يشبه كبرياء والدتها:
= أستاذ حمزة، لو سمحت تتكلم معايا بأسلوب أفضل من كدا. أولا أنا مش خدامة عند حضرتك عشان تكلميني بالأسلوب ده، ثانيا أنا مش محتاجة لمساعدة حضرتك، وفي وقت شغلي هكون موجودة. لأن أنا لما قررت أشتغل مرافقة لمدام صفاء كنت فاهمة إن دي مسئولية وأنا بحترم مسئولياتي جدا. وعلى العموم متشكرة جدا التوصيلة دي، وفي معاد شغلي هكون موجودة.
نظر لها حمزة بابتسامة من ناحية واحدة وإعجابه بكبريائها رغم بساطة حالها الذي جعلها تلجأ للعمل وهي تدرس.
نظرت شمس لزجاج السيارة وهي تلاحظ نظرات البعض عليها. توقفت السيارة أمام الباب الرئيسي. توترت شمس قليلا وهي تخرج من سيارته، وقد رآها بعض زملائها وهي تخرج من السيارة. دخلت إلى الحرم الجامعي فاستقبلها بعضهم ساخرين:
= إيه العربيات الجامدة ده يا شموس، بس مين المز ده؟
= بس عاملة فيها دحيحة، صاحبك ده يا شمس ما تعرفيني عليه؟
نظرت إليهم شمس بكبرياء واتجهت إلى المبنى الذي به محاضرتها الأولى، لكنها شعرت بدموع ساخنة تحرق وجنتيها الرقيقتين، لكنها أخذت نفس عميق وهي تفكر بعملية. الدموع والحزن ما هو إلا عائق يضعه الإنسان أمام نفسه حين يشعر بالضعف، لكن الأفضل في رحلة الحياة مسحت تلك العبرات الرقيقة والاستمرار بكل جهده نحو هدفه.
أنهت شمس محاضراتها وخرجت من الباب الرئيسي للجامعة لتجد السائق الخاص بحمزة منتظرا إياها. كادت أن تبتعد وتذهب وحدها، لكن سرعان ما خرج السائق من السيارة قائلا:
= آنسة شمس، استني. انتي نسيتيني ولا إيه؟ أنا مصطفى، سواق حمزة بيه، هو بعتني ليكي وبعتلك الرسالة دي.
عقدت شمس ما بين حاجبيها بارتياب وهي تأخذ الورقة منه وتفتحها.
= أولا دا مش معناه إنك خدامة عندي، بس بلاش عند وبعدين نتناقش في الموضوع ده.
صعدت إلى السيارة وهي تشعر بالحزن الشديد، فقد ظن زملاؤها بها السوء، وكذلك لم تقابل صديقتها صافية.
بعد مرور نصف ساعة، وصلت شمس إلى فيلا دويدار. ترجلت من السيارة ودلفت إلى داخل الفيلا. صعدت إلى غرفتها وقررت الاستحمام حتى تحاول تهدئة نفسها. وبعد أن انتهت نزلت لتجد السيدة صفاء في انتظارها.
صفاء بابتسامة:
= إزيك يا شمس؟ ها، عملتي إيه النهارده في الكلية؟
شمس بلباقة وود:
= الحمد لله يا صفاء هانم.
صفاء:
= حمزة قالي إن السواق هيوصلك بعد كده.
شمس:
= آه فعلا، بس أنا...
صفاء:
= صوتك ماله؟
نظرت شمس إليها وهي تشعر بالدموع تملأ عينيها:
= لا أبدا مفيش حاجة، بس أنا مش عايزة ده يحصل تاني. أنا ممكن أروح.
في نفس التوقيت، دلف حمزة إلى داخل الصالون بشموخه وثقته بعد أن سمع حديثها. جلس جوار صفاء وهو يقبل يدها بحب قائلا:
= حبيبي عامل إيه دلوقتي؟
ابتسمت صفاء قائلة بحب:
= بخير يا حبيبي طول ما أنت بخير.
ابتسم حمزة ثم دار بسوداويته اللامعتين نحو تلك الواقفة أمامهما ليتمتم بجدية مخيفة:
= ها يا شمس، كملي، سامعك.
ألقت ما بحلقها وهي تتمتم بقوة سريعا:
= كنت بقول إن مش عايزة ده يحصل تاني ومش عايزة السواق يوصلني تاني.
سألتها السيدة صفاء بود قائلة:
= ليه يا شمس؟ هو مصطفى ضايقك في حاجة؟
= لا بس أنا...
قاطعها فجأة وهو ينهض من مكانه جاذبا إياها من ذراعها خلفه قائلا:
= معلش يا صافي، هعقلها وأرجعلك.
خرج من الصالون وهي خلفه بعيون متسعة من الصدمة وقبضته تجذبها خلفه مسلوبة الإرادة، إلا أنها صرخت به بتحذير قائلة:
= حمزة بيه، مينفعش كدا، سيب إيدي لو سمحت. سيب إيدي.
قالتها بانفعال وغضب وهي تحاول سحب يدها، إلا أنه دخل إلى مكتبه وهي خلفه. ترك يدها ثم أغلق الباب. انتفضت شمس بفزع وأفكارها تنحرف بعيدا لتصيح فجأة بحدة:
= انت بتقفل الباب ليه؟
لم تكمل جملتها في حين جذبها نحوه ويداه تضغط على فمها والأخرى تمسك بذراعها بين يديه. زمجر حمزة بحدة من بين أسنانه قائلا:
= بس بقا. انتي إيه مبتعرفيش تتكلمي إلا بصوت عالي.
شعرت بالاضطراب من هذا القرب ومن عينيه الحادة تراقبها بقسوة مخيفة. تركها بعد أن أدرك فعلته، ابتعد خطوة للوراء ثم ترجل نحو مكتبه يجلس خلفه واضعا ساقه على الأخرى بكبرياء قائلا:
= ها يا شمس، مش عايزة مصطفى يوصلك ليه؟ ضايقك في حاجة؟
أخذت نفسا عميقا وردت بتهور قائلة:
= لا مضايقنيش، بس حضرتك اللي بتضايقني، أنت...
صمتت وهي لا تعرف ماذا تقول ليبتسم حمزة قائلا بمراوغة ذكورية وهو يضع عقد التوظيف على المكتب:
= اتفضلي امضي هنا. دا عقد بأنك موظفة عندي فيه التفاصيل اللي اتكلمنا فيها قبل كدا والمرتب.
ظلت تقف أمامه وهي تنظر له، لكنها فكرت بوالدتها وشقيقتها. اتجهت نحوه وهي تمسك القلم لتمضي عليها بتوقيعها بعد أن قرأت البنود الأساسية. أخذ حمزة الورقة منها قائلا بنبرة آمرة:
= دلوقتي اتفضلي يا شمس، معاد الغدا لصفاء هانم والدوا، وأظن دا شغلك مش لازم حد يفكرك بيه زي ما قلتي الصبح.
احمر وجهها وهي تحاول كظم غيظها، إلا أنها قررت الخروج بصمت. ما إن خرجت من المكتب حتى ضحك حمزة بخفة وتسلي.
في غرفة صفاء في الطابق الأول. كانت تجلس على الفراش وهي تشاهد صور ابنتها الراحلة، كم كانت جميلة! أطرقت شمس على باب الغرفة ثم ولجت إلى الداخل بعد أن سمحت صفاء لها بالدخول وهي تمسح عبراتها. وضعت شمس صينية الطعام على الطاولة الصغيرة ثم حملتها نحو الفراش قائلة بابتسامة ساحرة:
= الغداء يا هانم.
اقتربت منها مساعدة إياها في تناول الطعام، لكنها لاحظت حزنها لتردف بقلق وخوف:
= حضرتك كويسة يا هانم؟
صفاء:
= بخير الحمد لله.
ردت شمس بعدم اقتناع قائلة بحب:
= على فكرة أنا بشوف بقلبي، وقلبي بيقول إنك زعلانة. أنا آسفة لو بتدخل، بس أنا مبحبش أبدا إن حضرتك تكوني زعلانة.
صفاء:
= صدقيني مفيش، بس افتكرت مرام الله يرحمها.
شمس بأسف:
= الله يرحمها، أنا آسفة لو ضايقت حضرتك.
صفاء:
= متعتذريش يا شمس، يمكن مرام دلوقتي في مكان أحسن. عارفة كانت نفسها تعيش حياة طويلة عشان ابنها، لكن ربنا اختارلها الأحسن.
شمس بفضول:
= طب هو فين والده؟ يعني أنا من سمعت أي حاجة عنه.
صفاء:
= سالم بعد وفاة مرام بسنتين اتجوز واحدة تانية وهو عايش معاها في بيته، لكن حمزة فضل معايا.
شمس:
= إن شاء الله خير. معاد الدوا.
أومأت لها صفاء في حين أبعدت شمس الطاولة عن الفراش وأعطتها دوائها.
شمس:
= عرفت إن حضرتك بتحبي الروايات الإنجليزية، تحبي أقرأ لك رواية؟
ابتسمت صفاء قائلة بارتياح قائلة:
= تمام يا شمس، هاتي رواية "مكبث" عشان بحبها أوي.
جلست شمس على الكرسي المقابل لها وبدأت تقرأ لها تلك القصة الرومانسية والحزينة في ذات الوقت.
***
في مكان آخر في القاهرة، حيث قصر سالم دويدار (والد حمزة). كانت عديلة هانم (زوجة سالم) تجلس على كرسيها في الجنينة وهي تنظر للصور أمامها وتدقق النظر لصورة شمس تلك المرافقة لصفاء النوري.
في نفس التوقيت، خرجت لي لي ابنتها من داخل القصر قائلة بصراخ حاد:
= ماما، بقى انتي هتسمحي المهزلة دي تحصل؟ انتي موافقة إن حمزة يتجوز هند الحسيني؟ دا مستحيل يحصل على جثتي أم حمزة يتجوز غيري.
رفعت عديلة رأسها تنظر لابنتها الغاضبة قائلة ببرود:
= لما تتكلمي، توطي صوتك، فاهمة؟ وبعدين مالك محموقة أوي كدا ليه؟ ما يتجوز اللي هو عايزها.
انفجر بركان الغضب والغيرة بداخل لي لي قائلة بنفاذ صبر:
= محموقة ليه؟ حضرتك بتسألني محموقة ليه؟ عشان عمي سالم وعدني إن أنا اللي هتجوز حمزة.
ردت عديلة بسخرية قائلة:
= بلاش الأوهام دي يا ملك. انتي فعلا متخيلة إن سالم يقدر يأثر على حمزة ويخليه يتجوزك؟ حمزة من يوم ما والدته توفت وأبوه اتجوزني وسابه علشاني أنا وانتي وعشان يربيكي رغم إنك مش بنته. من اليوم دا وحمزة مبقاش يهتم بوجود سالم لأن صفاء هي اللي ربيته، إنما سالم سابه وتخلى عنه.
ردت لي لي بانفعال قائلة:
= يعني انتي موافقة على اللي بيحصل دا يا ماما وكنتي عارفة إن أونكل سالم بيقولي كدا والسلام؟
عديلة بخبث:
= اهدي يا حبيبتي عشان تعرفي تفكري. شوفي يا ملك، زمان سالم بعد وفاة مرام، أنا قدرت أخليه يحبني والدليل على كدا إنه ساب حمزة عند صفاء واتجوزني رغم إني كنت متجوزة قبله وكمان معايا بنت. لكن المهم دلوقتي إنك انتي تكوني ذكية وتقدري تخلي حمزة يقع في حبك، لأن لو حصل أي حاجة لسالم وقتها أنا وانتي هنطلع من المولد بلا حمص، وخصوصا إن حمزة هو الوريث الوحيد لسالم.
لي لي:
= طب المفروض أعمل إيه يا ماما؟
صمتت عديلة للحظات ثم تابعت بخبث وهي تنظر لصورة شمس قائلة:
= هقولك يا حبيبتي.
========
كانت صفاء تجلس ممدة الساقين فوق فراشها وكأنها في عالم آخر مع صوت شمس العذب وجمال القصة ورومانسيتها. أنهت شمس القصة وعندما نظرت للسيدة صفاء وجدت الدموع تملأ عينيها الجميلتين.
شمس:
= حضرتك بتعيطي؟
صفاء:
= أصل القصة دي بتأثر فيا أوي.
شمس:
= حضرتك رومانسية أوي.
صفاء وهي تبتسم من بين دموعها:
= وهو فيه ست مش رومانسية؟
شمس:
= أصلي بصراحة مش بآمن بالحب.
ضحكت صفاء قائلة:
= عشان لسه محبتيش.
شمس:
= أنا أهم حاجة عندي دراستي وإني أتعين معيدة إن شاء الله وبعدها يبقى عندي شقة كبيرة ليا أنا وأختي وأمي بعيد عن البحيرة.
صفاء:
= انتي لسه صغيرة، بكرة تقابلي حب عمرك.
شمس:
= أنا؟ مظنش.
صفاء:
= افتكري كلامي ده. الإنسان بيقابل الحب الحقيقي مرة واحدة في حياته ليتمسك به، ليروح منه للأبد.
شمس:
= برضه مش بآمن بالحب.
ابتسمت صفاء ولم تجب عليها، فقد كانت صفاء نفسها لا تؤمن بالحب حتى قابلت حبيبها وزوجها الراحل، وقد جذبها إليه منذ النظرة الأولى ووقعت في غرامه وعاشا معا خمس وعشرون عاما كأنهما دقائق معدودة. وتذكرت صفاء كيف كان زوجها يجلس أمامها بالساعات يتحدث إليها ويرسمها في لوحات مختلفة. فقد رسمها يوم زفافهما وقام برسمها وبطنها منتفخ من الحمل ورسمها وهي تحتضن مرام بين ذراعيها. واستمر يرسمها حتى داهمه المرض وتوقفت ريشته عن رسمها بوفاته. نزلت دمعة حزينة من عينها على حبيبها الراحل فقد بكته كثيرا.
***
في البحيرة، في منزل ضخم مكون من ثلاث أدوار واسع جدا. جلس الحج عيسى بشموخ وثقة وهو يرتدي جلباب أسود يستند على عصايته الخشبية وهو يتحدث مع المحامي الخاص به قائلا:
= يعني إيه يا أستاذ جاد؟ إزاي نورث الحريم واحنا من امتى بنورث الحريم في العيلة؟ انت عايز الناس ياكلوا وشي؟ يبقى أنا على آخر الزمن أسلم أرضي لحرمة؟ لا وكمان حتة عيلة.
المحامي بجدية:
= حضرتك بتقول إيه يا حج؟ دا ورثها من أبوها وشرع ربنا إنها تاخده، وبعدين هتاكل عليها حقها. الحج سليمان الكبير الله يرحمه حرم الأستاذ بكرى الله يرحمه من ورثه زمان عشان راح اتجوز ست مريم وخلف منها شمس وهدى، ودا ورثهم من أبوهم.
عيسى بحدة:
= مش هيحصل يا فندي، وأنا مش هفرط في قيراط واحد من أرضي لحرمة زي دي، انت فاهم؟ واتفضل بقا من هنا دلوقتي، داهية لما تاخد انت وأخبار الزفت.
رواية نجمة في سمائي الفصل الرابع 4 - بقلم دعاء احمد
بعد أسبوعين في فيلا دويدار.
استيقظت شمس بنشاط وجدية. فهي تشعر بعد تلك المدة البسيطة التي قضتها برفقة صفاء أنها سيدة حنونة جداً ورقيقة، والأهم من ذلك أنها تعاملها كابنتها وليست كمرافقة.
والأهم من ذلك، تقربها من جميع الخدم بالقصر، السيدة سلمى مدبرة المنزل وتلك الفتاة التي تدعي سارة. تشعر وكأن دعوات أمها استجابت حين رُزقت بتلك الوظيفة.
لكن ما تخاف منه هو خفقات قلبها حين تتابعها سواد عيناه القاتمة، وحين يصوب نظره الحاد عليها، تشعر حينها بارتجاف مخيف. هي ترهب التواجد معه في مكان وحدهما. تشعر أحياناً وكأنه يكرهها، لكن لا تعرف لماذا. نظراته قاسية وحادة نحوها.
هي فقط خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها في استعداد للنزول. أنهت ارتداء ثيابها وحجابها الأنيق، ثم خرجت من الغرفة.
كانت تقف في المطبخ تقوم بتحضير طعام الإفطار للسيدة صفاء، ثم اتجهت نحو غرفتها لتساعدها.
أطرقت على الباب بخفة قائلة بود:
"صباح الخير يا هانم."
ابتسمت صفاء قائلة بحب:
"صباح الورد يا شمس."
ابتسمت شمس وهي تدلف للغرفة، ثم توجهت للشرفة تسحب الستائر ليتغلغل ضوء الشمس يداعب المكان بخفة.
صفاء:
"الجو النهارده جميل جداً."
شمس بحماس:
"فعلاً الجو رائع، تحبي حضرتك تفطري في الجنينة."
ردت صفاء بابتسامة بسيطة:
"تمام يا شمس، خلينا نفطر سوا برا. صحيح، والدتك أخبارها إيه؟"
شمس:
"بخير الحمد لله."
ساعدتها شمس في الجلوس على الكرسي المتحرك، ثم مغادرة الغرفة والخروج إلى الجنينة.
كان يقف أمام المرآة يهندم حلته السوداء الأنيقة. أخذ ساعته الفخمة يرتديها في معصمه. خرج من الغرفة على أمل أن يراها. منذ اليوم الذي قابلها به وهو يشعر بالفوضى العارمة بداخل مشاعره. كلما يلتقيها وتننظر له بتلك العيون البنية المرتبكة والبريئة، تشتعل بداخله رغبة غريبة بالنظر إليها أكثر وتأملها أكثر وأكثر.
لكن في النهاية يعطيها نظرة أكثر قسوة وحدّة، وكأنه ينفر من النظر إليها وينفر من رغبته تلك. ينفر الشعور بأنه يريد شيئاً كهذا. في حين تشعر شمس بالخوف أكثر منه.
ما كل هذا الهراء؟ لماذا يحاكيه قلبه بكل هذه التفاهات؟ لماذا يشعر بكل تلك الفوضى فقط بعد مرور أسبوع واحد من تواجدها معهم؟ وكأن تلك البهية بعثرت روحه التي لم تختبر أي نوع من المشاعر من قبل.
ابتسم حمزة بود وهو يرى جدته تجلس في جنينة القصر بدون مرافقتها. ولكن أين هي؟ حاول الخروج من تشتيت أفكاره ليخرج نحوها قائلاً:
"صباح الورد يا صافي."
"صباح النور يا حبيبي."
جلس جوارها وهو يقبل يديها برفق قائلاً:
"فطرتي؟"
"لا، لسه صاحية. شمس بتجهز الفطار، إيه رأيك نفطر سوا؟"
كاد أن يرفض معلقاً برغبته في الذهاب إلى عمله مبكراً كعادته، إلا أنه صمت عندمدخلت شمس عليهما وألقت التحية بصوتها ذو البحة المميزة. تلاقت أعينهم، وجدته يتطلع لها بنظرة لأول مرة تراها بعينه، وكأنه استباح وحلل لنفسه الآن النظر إليها.
أشاحت شمس بعينيها عنه وهي تنظر لصفاء، وشقت شفتيها ابتسامة حنونة قائلة:
"الفطار يا هانم."
وضعته أمامهما على مضض وهي ترغب في الفرار الآن من ضراوة نظراته تلك والتي باتت تشعرها بالاستياء من نفسها.
صفاء:
"طب يالا، اقعدي افطري معانا."
ردت شمس بامتعاض قائلة:
"أنا فطرت من بدري، بعد إذن حضرتك."
انسحبت سريعاً قبل أن ترفض صفاء. فرت وهي تحمد الله أنها ابتعدت عن مرآي عينيه.
صفاء:
"صحيح يا حمزة، بكرة الخطوبة وخالص كل حاجة جاهزة يعني متشلش هم."
رد عليها على مضض وهو يشعر بالاختناق قائلاً بحدة غريبة لاحظتها صفاء:
"تمام، أنا لازم أمشي دلوقتي لأن عندي اجتماع. معلش خلينا ناجل الفطار سوا النهارده. خلي بالك على نفسك."
ردت صفاء بارتياب قائلة بشك:
"ماشي يا حبيبي، ربنا يحميك."
خرج من الفيلا متجهلاً النظر نحوها مرة أخرى، متجهاً نحو شركته.
جلست شمس في غرفتها وهي تضم ساقيها إلى جسدها وتستند على ركبتيها. أطلقت تنهيدة حارة وهي تفكر بجدية وعقلها يدور به العديد من الأسئلة. هل ارتبكت أي خطأ ليعاملها بتلك الطريقة على مضض واستياء حاد وكأنها عدوته؟
شمس بضيق:
"إيه الغُلب ده يارب، هو أنا ناقصة مشاكل؟ استر يارب، أنت عالم بيا."
في شركة دويدار.
وصل حمزة وترجل من سيارته بشموخ وثقة، لكن اليوم على عكس أي يوم آخر يبدو في غاية الحدة والخشونة مع أي شخص يتحدث إليه، وكأنه يفرغ بهم طاقة الغضب غير المبررة بداخله. على عكس ما هو متوقع أن يكون سعيد، فالغد هو موعد خطبته بهند الحسيني، تلك الفتاة باهرة الجمال.
دلف إلى مكتب رئيس مجلس الإدارة، اتجه نحو مكتبه وجلس خلفه. فك رابطة العنق وهو يشعر بالاختناق يزداد عليه، وكأن الهواء ينخفض من حوله هو فقط. حاول التركيز في عمله، إلا أن صوت الطرقات على الباب جعلته يرفع رأسه. ينظر للطارق فلم يكن إلا يونس ابن عمته.
دلف يونس إلى المكتب وهو يبتسم بود قائلاً بنبرة مزاح:
"مالك يا عريس؟ الموظفين كلهم خايفين منك، عامل مشاكل ليه يا حموزة؟"
ينظر حمزة نحوه باشمئزاز قائلاً بضيق:
"أنجز يا يونس، عايز إيه وبطل غتاته."
"إيه يا جدع؟ اللي يشوفك يقول إنك مش طايق نفسك، إيه كدا على الصبح؟ ولا تكونش البنت إياها عملت مشاكل؟ اسمها إيه؟ شمس؟!"
نهض حمزة بسرعة أفزعت يونس قائلاً بنبرة حادة مخيفة:
"اطلع برا يا يونس، قوم من قدامي بدل ما أربيك وما أعبد هتزعل."
"لا لا، ده الموضوع كدا شكله كبير. إيه يا حمزة؟"
زفر بضيق قائلاً وهو يجلس مرة أخرى:
"مفيش يا يونس، بس شوية ضغط زيادة. سيبني دلوقتي وابعتلي فنجان قهوة سادة."
يونس بجدية:
"تمام يا حمزة، بس حاول تهدأ كدا علشان تعرف تركز في الشغل."
لم يعقب يونس و بداخله رغبة قوية في رؤيتها الآن وتفريغ كل هذا الغضب بها. وما ذنبها هي؟ تلك الفاتنة الجميلة تبدو كاللعنة أصابته. الشعور الأسوأ أنه لن يعترف بتلك العاصفة الهوجاء التي سببتها. فقط ينظر لها بتلك الطريقة التي تجعلها تتمنى بعدها الفرار من أي مكان يجمعهما.
بعد مرور عدة ساعات، وصل حمزة إلى قصر دويدار واصطحب معه يونس للقصر حتى يقابل جدته. وفور أن عبرا البوابة ترجلا من السيارة حتى يسلم على صفاء في الحديقة. وأقترب منها فوجداها تجلس بجوار شمس. وما أن رآها محمد حتى قال لحمزة بإعجاب واضح في عيونه الزيتونية:
يونس:
"إيه القمر اللي قاعد جنب صافي ده؟"
حمزة بضيق:
"احترم نفسك، دي بنت بتقرأ لصافي وتقضي معاها اليوم."
ابتسم يونس باتساع وعيناه تتاكلها من شدة الإعجاب. ضغط حمزة على قبضة يده وهو يدلف معه إلى بهو القصر.
"بس بجد، ده مش ممكن، ده ملكة جمال."
حمزة بعنفوان غاضب:
"امضي الورق وامشي على طول، أنت فاهم؟"
يونس:
"إنت مش كنت عازمني عالغدا ولا رجعت فكلامك؟"
زفر حمزة بضيق قائلاً من بين أسنانه:
"طيب تقعد بأدبك، أنت فاهم؟ البنت دي مش زي البنات الكسر اللي حضرتك بتصيع معاهم، أنت فاهم؟"
ضحك يونس بخفة قائلاً:
"حاضر، هحاول."
كانت شمس تجلس وسط أشجار الياسمين التي باتت تعشق عبيرها الرائع، وكانت تقرأ قصة برفقة السيدة صفاء التي جلست على كرسي مريح وساقاها ممددتان أمامها، وكأنها في عالم آخر مع صوت شمس العذب وجمال القصة ورومانسيتها والتي باتت تحب سماعها بصوت شمس الناعم.
ابتسم يونس وهو يقترب منهما ولم يستطع إخفاء بريق عيناه التي لمعت عندما أقترب منهما ورأى ملامحها عن قرب. لا، هي حقاً مميزة، وبالأخص تلك الابتسامة الرقيقة الناعمة. آآهات من تلك النظرة بداخلهما.
يونس:
"إزيك يا صافي؟ وحشتيني."
غمغمت صفاء بفرح وسعادة:
"يونس حبيبي، عامل إيه؟"
رد محمد وهو يتابع شمس التي أخفضت رأسها بحرج، غافلة عن نظرات ذلك الذي يقف يشتعل من الداخل بمنتهى العنفوان:
"تمام، تمام أوي."
تمتم حمزة بنبرة حادة:
"أنا جيت مع يونس عشان نتغدى معاكي."
يونس:
"أيوه، وكمان عشان توقعي على شوية أوراق مهمة."
صفاء:
"شوفت شمس يا يونس؟"
ابتسم يونس وهو ينظر نحوها قائلاً بنبرة خافتة مرحة:
"شوفتها من أول ما نزلت من العربية. إزيك يا شمس؟"
ابتسمت شمس بلطف قائلة بطيبة:
"الحمد لله."
يونس:
"إنتي خريجة إيه بقا؟"
شمس:
"أنا لسه في الكلية، تالتة صيدلة."
يونس بإعجاب:
"ربنا يوفقك يارب."
شمس:
"شكراً."
زفر حمزة مقاطعاً عليهما ذلك الحوار المليء بالنظرات من ناحية يونس، أحرقته للحظات قائلاً من بين أسنانه:
"مش هنتغدى بقى ولا إيه؟"
صفاء:
"دقايق والغدا يكون جاهز."
دخل الجميع إلى القصر واستأذنت شمس في الصعود إلى غرفتها، لكن صفاء اعترضت:
"لا يا شمس، إنتي هتتغدي معانا."
شمس:
"معلش عشان تبقوا براحتكم."
صفاء:
"إنتي عايزة تزعليني ولا إيه؟"
شمس:
"بس... أنا عندي..."
رد يونس مقاطعاً إياها:
"عشان خاطري يا شمس."
رد باسل وهو على وشك الانفجار:
"أنا طالع أغير هدومي."
رد يونس ممازحاً:
"أيوه، خد راحتك خااااالص."
دخل حمزة إلى غرفته وهو غاضب دون أن يعرف سبباً لذلك، ولما شعر بالضيق من مغازلة يونس لشمس، والغضب الأكبر منها هي على تقبلها لطريقته وكيف لها أن تسمح له بالتحدث معها بتلك الطريقة. وأراد أن ينهرها لكنه تماسك. وقف حمزة تحت المياه الدافئة محاولاً التفكير بهدوء.
نزل حمزة بعد أن بدل ملابسه ليجد الجميع ينتظره على المائدة لتناول الغداء. ووجد يونس قد جلس بجوار شمس وهما يتبادلان الحديث، وكانت شمس تضحك حتى دمعت عيناها.
جلس حمزة بجوار صفاء وهو يحاول كتم غيظه مما يحدث. لكن يونس استمر في إطلاق نكاته وصفاء وشمس تضحكان، بينما باسل لا يشاركهم الضحك.
بعد انتهاء الغداء، توجهوا إلى الصالون لتناول القهوة. واستمر يونس في الحديث الممتع، وكانت شمس مستمتعة بوقتها. فقد كانت هذه هي المرة الأولى في حياتها التي تضحك وتنسى مشاكلها العديدة. وكم أحست بالراحة في وجود يونس واهتمامه بها. لكنها لاحظت وجوم حمزة واستغراقه في التفكير وتساءلت، ترى ما الذي يشغله؟ وفجأة اقتحمت هند المكان وقد جاءت لزيارة السيدة صفاء. وفور أن رأتها هند حتى قالت:
هند بذهول وتعالي:
"إيه ده؟ حضرتك بتعاملي اللي بيشتغلوا عندك بعطف زيادة عن اللزوم يا طنط؟"
صفاء:
"إيه يا هند؟"
هند بحدة:
"هو إحنا المفروض نشرب القهوة مع الخدامين بتوعنا!!!!! وبعدين أنا عايزة أعرف الفلاحة دي بتعمل إيه هنا، مش أظن كفاية عليها كدا أوي."
أحست شمس بالإهانة الشديدة ولم تشعر بنفسها إلا وهي تركض متوجهة إلى غرفتها وأغلقت الباب. شعرت بالضعف والذل وهي تجلس مكانها خلف الباب. ضمت جسدها بضعف ودموعها تنساب بحزن وقهر رغماً عنها. بالطبع، هي مجرد مرافقة... أو خادمة كما تراها هند... ليس لها الحق بالضحك أو الاستمتاع بوقتها.
احتدت نظرات حمزة وانتفض من مكانه بقوة وهو يطرق بيده على الطاولة وهو يشتعل من شدة الغضب بعدما رآها تغادر:
"هند!..... حصليني على المكتب."
نهض يونس محاولاً تلطيف الجو بينهما، لكن صمت عندما رمقه حمزة بنظرة محذرة، متجهاً نحو المكتب بهيبة تليق به جداً.
ارتجف جسد هند من شدة الخوف من مواجهته. فهي تعلم أنها تهورت في الحديث معها دون إدراك وجوده. ولكن من أول لقاء لها بشمس، وهي تشعر بالغيرة منها والغضب كلما نظرت نحوه ووجدته ينظر لها بعمق يفتك بكل ذراته وتملك واضح وغريزي.
دخلت إلى المكتب بارتباك فوجدته يقف أمام الشرفة معطياً لها ظهره، واضعاً يده خلف ظهره. خرج صوتها أخيراً بعد أن حاولت جاهدة في الحديث إليه. اقتربت منه بتغنج لتقف خلفه واضعة يدها على كتفه، لعلها تثير مشاعره نحوها ولو قليلاً.
"أيوه يا حبيبي."
أغمض عينيه وسبها بشدة قبل أن يستدير لها بوجه صخري حاد، مزمجراً من بين أسنانه بشدة وهو يجذبها من ذراعها بعنف هامساً في أذنها بفحيح:
"بمنتهى الهدوء دلوقتي حالاً هتطلع تعتذري لها، إنتي فاهمة."
كادت أن تعترض، لكنه ضغط على يدها بعنف قائلاً بقسوة لتئن بوجع مصدرة بعض الهمهمات:
"ولو فكرتي تعترضي، افتكري أسهم شركة أبوكي اللي بكرة الصبح، ومعها هيعلن إفلاسه. و متنسيش نفسك بعد كدا، لأني لما بفوت وأعدي مواقف ببقى مديكي فرصة تفهمي وتعتذري من نفسك، لكن أنتي مبتحسيش. دلوقتي حالا يا تبتسمي وتطلعي معايا تعتذري لها، يا تمشي من هنا، وساعتها أنا مش آسف على هعمله، وساعتها فعلاً هتتمني لو رجع بيكي الزمن واعتذرتي."
ابتعد عنها بمنتهى اللباقة وهو يحاصرها بين عينيه الخالية من أي ذرة مشاعر.
تأكدت هند من شكوكها التي باتت مؤخراً تحوم بعقلها. وهو الآن أثبت لها بمنتهى الهدوء أنه وقع في فخ تلك الفتاة. لكن لن تسمح بذلك، كبرياؤها يمنعها. هو من حقها هي فقط، حمزة سالم دويدار، حقها هي وحدها. ستعتبر ما يحدث الآن نزوة عابرة في حياته، لأنها لن تسمح بخسارتها. كيف لها أن تترك رجل يتمتع بكل هذه الهيبة، الهيمنة والسلطة. لكن لن تترك شمس تتلاعب به أكثر من ذلك. كفى إلى هذا الحد. لكن عليها أن تكتسبه إلى صفها أولاً، ثم تعليمها درساً قاسياً.
"وأنا موافقة يا حمزة بيه، هعتذر لها بس دا لأني بحبك ومش عايزة أخسرك، مش عايزة أبداً يا حمزة."
نظر لها بسخرية جالية في سوادوات عينيه، لكن لم يتحدث بكلمة أخرى وهو يغادر المكتب وهي خلفه راضخة لأوامره.
نظر يونس لصفاء وهما يتابعان صعود حمزة وهند الدرج، لتقول صفاء بتوتر:
"تفتكر هيحصل إيه؟ أنا أول مرة أشوف حمزة بالحالة دي يا يونس."
صمت يونس ثم أضاف قائلاً بهمس لا يكاد يصل لمسامعها:
"فعلاً يا صافي، حمزة متغير جداً من وقت ما شمس جت القصر. بس عنده حق، دي صاروخ."
صافي بضيق:
"بتقول إيه يا ولد؟ ما تعلى صوتك."
ضحك يونس قائلاً بمزاح:
"لا أنا بقولك سيبك منهم وتعالى بقا ندور على عروسة ليا، ولا أنا هفضل قاعد جنبكم زي برطمان المخلل كدا."
ضحكت صفاء بيأس وهي تنظر للأعلى بارتياب.
وضعت حقيبتها على الفراش ووجهها أحمر من شدة البكاء وشعورها بالإهانة التي لن تتقبله طوال عمرها. جمعت أغراضها ومتعلقاتها البسيطة. كادت أن تبدل ثيابها لتغادر القصر، إلا أنها توقفت عندما استمعت لصوت طرقات قوية وحادة على الباب.
وضعت حجابها بإحكام على شعرها قبل أن تفتح الباب، لكنها تفاجأت بوجوده أمام غرفتها بهيئته الضخمة تلك ويده تحاوط خصر هند بطريقة مصطنعة، لكن كيف لها أن تفهم ذلك.
تحدث حمزة بنبرة جادة قائلاً:
"هند جاية تعتذر لك يا شمس."
أخفضت بصرها تنظر نحو هند التي اشتعل وجهها بحمرة الشر والغضب، وكأنها ستنفجر بوجهها قائلة بخبث ودلال:
"أنا آسفة يا شمس، بس إنتي عارفة أنا بجهز لخطوبتي أنا وحبيبي فكنت مضغوطة جداً. وبعدين أنا متوقعتش إنك تزعلي، حقك عليا."
غمغم الآخر بقوة قائلاً:
"ها يا شمس، قابلة اعتذارها؟"
نظرت له بعمق يفتك بكل ذراته، عمق نابع عن فطرة وبراءة لم يراهم طوال حياته، ولكن الآن أتت لتهشم كل ذلك الجمود دون أن تدرك. ذلك الرجل صاحب الثلاثين عاماً ينهار جليد مشاعره أمام أنثى لا تفقه شيء.
ردت شمس بهدوء بعد أن أسلب جفنيه عنه بحرج من قوة نظراته معلقة:
"أنا محتاجة أفضل لوحدي لو سمحت."
ردت هند بخبث قائلة ببراءة زائفة:
"خالص يا حمزة يا حبيبي، واضح إن شمس زعلانة مني أوي، وأنا ما يرضينيش زعلها. ممكن أنت تنزل وأنا هصالحها بطريقتي."
شعر بشيء غير مريح، مغمغماً بحدة:
"هستناكي تحت، متتأخريش."
أومأت له بابتسامة باهرة الجمال، فألقى نظرة أخيرة على شمس قبل أن ينسحب من بينهما.
انتظرت هند حتى تأكدت من مغادرته فقالت بهدوء:
"إيه يا شمس، إنتي لسه زعلانة يا حبيبتي؟ خالص بقا، بلاش تكبري الموضوع."
ثم اقتربت منها هامسة بخبث:
"شوفي يا بت إنتي واسمعي الكلام دا كويس، بلاش أحلام اليقظة تأخذك لمكان أعلى من سقف الواقع. وبلاش يا حبيبتي شغل السهوكة والنظرات دي، حمزة دا بتاعي أنا، فاهمة يعني إيه بتاعي؟ يعني خط أحمر. وأوعي تفكري إن أمور السهوكة اللي بتعمليها دي هتخلي عليا، فوقي، دا أنا هند الحسيني."
ضيقت شمس ما بين حاجبيها بعدم فهم وهي تستمع لحديث هند التي أضافت بمكر:
"صحيح، بكرة لازم تحضري الخطوبة، بس يا ترى عندك حاجة مناسبة تحضري بيها، ولا هتكوني موجودة بعباية فلاحي."
أنهت جملتها وهي تنظر لها باشمئزاز وتقزز، حتى كادت شمس أن تنقض عليها من شدة الغضب. رأت هند ذلك الشرار المتطاير بعينيها لتبدو وكأنها فتاة أخرى شرسة. غادرت سريعاً قبل أن تهجم عليها.
أغلقت شمس الباب خلفها ثم اتجهت تلك على الفراش. نظرت لحقيبتها بضيق، لكنها في النهاية قررت البقاء، والاتصال بشقيقتها ووالدتها للاطمئنان عليهم.
في اليوم التالي.
استيقظت شمس على أصوات تصدر من الطابق السفلي، فاغتسلت ونزلت لتستطلع الأمر. لتجد السيدة سلمى مديرة المنزل تشرف على جميع الخادمات اللاتي يقمن بتجهيز القصر لحفل الخطوبة. فقالت شمس مستفسرة:
شمس:
"صباح الخير يا مدام سلمى."
سلمى:
"صباح الخير يا شمس."
شمس:
"غريبة، هو كل التجهيزات دي للخطوبة؟"
سلمى بجدية:
"أيوه طبعاً، حمزة بيه عازم ناس مهمين جداً. وبعدين دا ابن سالم دويدار عضو في البرلمان، يبقى لازم تكون حفلة كبيرة أوي."
شمس:
"طيب تحبي أساعدك في حاجة؟ أنا ممكن ألغي الكلية النهاردة."
سلمى:
"ميرسي يا شمس، روحي كليتك إنتي وبعدين لازم تستعدي بقى عشان تحضري الحفلة بالليل."
شمس بتفكير:
"آه إن شاء الله. مدام صفاء صحيت؟"
سلمى:
"لا، هي لسه نايمة. بس متقلقيش، أول ما تفطر أنا هحضر لها الفطار والدواء. حمزة بيه أكد علينا أن يوم الكلية بتاعك نهتم بصفاء هانم عشان دراستك."
ابتسمت شمس بسخرية وللحظة شعرت وكأن أمرها يهمه، لكن نفضت ما بعقلها وهي تخرج من الفيلا متجهة نحو كليتها.
في كلية الصيدلة.
كانت شمس تجلس بجوار صافية وهي تتحدث معها عما يحدث معها في قصر دويدار.
صافية:
"غريبة، طب وهي ليه قالت لك كدا؟"
شمس:
"والله يا بنتي ما عارفة. أنا أصلاً بفكر أدور على شغل تاني، بس أكمل حتى الشهر دا معاهم. بصراحة أنا مش فاهمة إيه؟ يعني أستاذ حمزة أول ما رحت كان بيتعامل معايا بلطف، لكن بعد كدا بقيت أحس إنه عايز يولع فيا لو شافني قدامه. وكملت باللي اسمها هند دي."
صافية:
"هي ممكن تكون غيرانة منك؟!"
نظرت شمس لها بسخرية قائلة:
"ودا من إيه إن شاء الله؟ على العموم، فكك من الموضوع دا واحكيلي إنتي عاملة إيه، بقالنا كتير مش بنتكلم."
اقتربت صافية منها وهي تمسك يدها بقوة قائلة:
"وإنتي كمان وحشاني أوي، بس الحمد لله أنا كويسة جداً. صحيح، إحنا كدا خلصنا محاضرات، إنتي مش هترجعي؟"
صمتت شمس وعبس وجهها مردفة بخفوت:
"بصراحة مش عايزة أرجع النهاردة، كلهم مشغولين في الخطوبة و... أنا مش عايزة أحضر الخطوبة و... يالا نمشي يا صافية، أنا أصلاً عارفة إن اليوم دا مش هيعدي على خير."
وصلت شمس إلى القصر في تمام الساعة الرابعة عصراً. لكنها وجدت الحديقة وقد تغيرت تماماً، فقد ملأت بالأضواء والزينة معلقة في كل مكان والطاولات مغطاة بمفارش لونها ذهبي.
صعدت شمس إلى غرفتها ودعت الله أن لا يتذكرها الجميع، وبالتحديد تلك الحية هند، فهي بالتأكيد سترغب في إذلالها أمام الجميع. فتحت باب الغرفة وزفرت بتعب، لكن ما إن دخلت عقدت ما بين حاجبيها بشك، وهي ترى صندوق أسود متوسط الحجم موضوع على الفراش مغلف بطريقة جميلة. اتجهت نحو الفراش، لكن تملكها شعور بالشك أكثر عندما وجدت اسمها على الصندوق.
وقف حمزة أمام المرآة يهندم حلته السوداء، ارتدى ساعة فخمة واضعاً عطره المميز. وتخيل للحظات كيف ستكون بذلك الثوب. بالطبع ستكون الأجمل والأرق، لكن هل سيتحمل نتيجة أفعاله.
رواية نجمة في سمائي الفصل الخامس 5 - بقلم دعاء احمد
شعرت شمس بارتياب وقلق وهي ترى صندوقًا أسود متوسط الحجم موضوعًا على الفراش، مغلفًا بطريقة أنيقة ومميزة. اتجهت نحو الفراش، لكن تملكها شعور بالشك أكثر عندما وجدت اسمها على الصندوق.
قامت بفك تلك العقدة، ساحبة الغطاء. وجدت غلافًا ورقيًا، فسحبته. ظهرت ابتسامتها تدريجيًا وهي تخرج ذلك الثوب الأسود المتلألئ بخيوط فضية تبدو في غاية الجمال. ثوب مميز، ناعم، وأسفله حجاب نبيتي اللون. شعرت بقلبها يخفق من شدة السعادة.
لوهلة، وهي تتجه نحو المرآة بسرعة، تحاول وضعه على جسدها تتأمل مظهرها به. وكأنه أذهب عقلها من شدة جماله ونعومته. لكنها توقفت فجأة واختفت ابتسامتها وهي تضع الفستان على الفراش، تفكر بعقلانية وهدوء.
شمس: طب إيه ده بقى؟ يا ربي أنا ناقصة توتر. لا لا اصبري، ممكن يكون مقلب من اللي اسمها هند. كلامها معايا آخر مرة بتقول إنها مش هتسكت إلا لما تعمل مصيبة. مفيش حل غير إني أسأل صفاء هانم.
وضعته مرة أخرى في الصندوق، ورتبت وضعه، ثم وضعت عليه الغلاف الورقي وأغلقتها جيدًا.
خرجت من الغرفة وهبطت للدور الأول حيث غرفة صفاء هانم. طرقت على الباب عدة مرات، ثم دلفت إلى الداخل بعد أن سمحت لها السيدة سلمى بالدخول.
ابتسمت بود قائلة بحب:
مساء الخير يا هانم.
صفاء بطيبة:
مساء الورد يا شمس، تعالي.
شمس:
ألف مبروك لحمزة بيه وعقبال يا رب ما تفرحي بأولاده ويملوا البيت فرح وسعادة.
صفاء برجاء:
يارب يا شمس، يارب. ويا رب كمان أحضر فرحك. متعرفيش أنا حبيتك قد إيه وكأنك بنتي.
شمس بابتسامة بريئة:
إن شاء الله. بس كنت عايزة أسأل حضرتك عن الصندوق ده؟ أنا لقيته في أوضتي وكمان عليه اسمي.
سلمى:
بس ده أستاذ...
نظرت صفاء للسيدة سلمى بتحذير وحدة لتصمت مخفضة رأسها. وشمس تبدل النظرات بينهما لتغمغم صفاء بجدية:
ده فستان أنا جبته مخصوص عشان تحضري بيه حفلة الخطوبة، وإن شاء الله يبقى على مقاسك.
شمس:
ليه حضرتك عملتي كده؟
صفاء:
مش عايزة تحضري حفلة خطوبة حمزة ولا إيه؟
شمس:
بس ده كتير أوي.
صفاء:
لا كتير ولا حاجة، أنتِ تستاهلي كل الخير اللي في الدنيا. أنا من أول مرة شفتك وأنا مرتاحة ليكي. صحيح الميكب ارتست هتخلص مع هند كمان شوية وأنا طلبت منها تجهزك، عايزة تكوني زي القمر النهاردة.
ابتسمت شمس بتأثر ووضعت الصندوق جانبًا. لتجثو على ركبتيها بجوار صفاء الجالسة على كرسيها المتحرك. مسكت يدها بين كفوفها:
أنا بجد مش عارفة أشكرك إزاي، بس حقيقي أنا هفضل طول عمري فاكرة حضرتك وإزاي بتعامليني. أنا بجد متشكرة أوي.
ابتسمت صفاء قائلة:
طب سيبك من الشكر والكلام ده. وبعدين كفاية إنك مليتي عليا حياتي من تاني. حمزة كان طول اليوم في الشغل ومفيش حد معايا، وأنتِ تستاهلي كل خير يا شمس. يلا بقى قومي جهزي.
- طب ده معاد الدواء، ثواني هجيبه.
بعد دقائق، غادرت الغرفة وهي تحمل العلبة بسعادة. بينما نظرت سلمي لصفاء بارتياب.
قبل قليل، وصلت لي لي إلى القصر لحضور الحفلة ومرافقة هند طوال الحفل كما وعدتها بالأمس.
سارة:
أهلاً يا لي لي هانم، نورتي القصر. آنسة هند قالت أول ما توصلي لازم أوصلك للجناح بتاعها، هي الميكب ارتست معاها دلوقتي.
ردت لي لي بتعالٍ وهي تخلع نظارتها السوداء قائلة بتكبر واضح:
مدام صفاء في أوضتها؟
- أيوه.
= خالص، روحي شوفي شغلك. أكيد مش هاجي لحد هنا ومأسلمش عليها.
لم تنتظر رد سارة عليها، بل اتجهت نحو غرفة صفاء. لكن وجدت تلك الفاتنة باهرة الجمال تخرج من الغرفة بسعادة وحماس. عقدت ما بين حاجبيها وهي تراها تصعد للدور الثاني.
اقتربت من غرفة صفاء وكادت أن تطرق على الباب، إلا أنها سمعت صوت صفاء تتحدث بنبرة محذرة:
شمس مش لازم تعرف أن حمزة هو اللي اختار أو اشترى الفستان ده ليها يا سلمى.
لحد ما أفهم بيحصل إيه وهو بيفكر في إيه، إزاي يعمل حاجة زي دي! وأنا أعرف بالصدفة من دار الأزياء إن حمزة دويدار بيختار بنفسه فستان للمحجبات! بس لازم يبقى فيه كلام بينا من غير ما شمس تعرف حاجة. فاهمة؟
أومأت لها السيدة قائلة بلباقة:
تمام يا صفاء هانم.
ابتسمت لي لي بشر لتهمس بحماس وسعادة:
حلو أوي ده، اللعبة هتحلو.
انتهت شمس من تجهيز نفسها، فشعرت للحظات بالذهول وهي تدور حول نفسها بنعومة أمام المرآة. كانت في غاية الجمال والرقة بذلك الثوب الذي يعكس جمال بشرتها البيضاء المتشربة قليلًا من أشعة الشمس. كحيلة العينين، لم تضع أدوات التجميل بل اكتفت بوضع كحل لتبدو عيناها ذات لمعة خاصة خاطفة للأنفاس والعقول. رونق ابتسامتها خاص ومميز، وضعت أحمر شفاه خفيف. ابتسمت بثقة وسعادة، فلأول مرة ستحضر حفل كهذا.
نظرت شمس إلى الساعة، وجدتها الثامنة مساءً. بدأ الحفل قبل قليل، نعم، هي سمعت أصوات ضجة كبيرة مع صوت الموسيقى.
على الناحية الأخرى، هبط حمزة الدرج بهيبة تليق به، وبجواره هند التي ارتدت فستان سنييه أزرق طويل، ضيق قليلًا من الخصر ثم يتسع بعد ذلك، مكشوف الذراعين. وارتدت أفخم طقم ألماس لديها، وقد جلبت للمنزل أحسن ميكب ارتست لتبدو في المجمل جميلة لا شك في ذلك أبدًا.
التقطت الصحافة صورة لهم وحمزة يحاوط خصرها. بالتأكيد، هذا زواج الموسم.
خرجت صفاء مع السيدة سلمى من غرفتها وهي تبتسم لحفيدها بسعادة، لكن قلبها مرتجف وكأن اليوم لن يمر على خير أبدًا.
ابتسم سالم، والده، وهو يحتضنه قائلًا:
ألف مبروك يا حبيبي، عقبال لما أفرح بيكم في الفرح.
حمزة بهدوء:
الله يبارك فيك يا بابا.
اقتربت لي لي من سالم وهي تمسك في ذراعه مغمغمة بسعادة:
ألف مبروك يا حمزة بيه.
حمزة:
الله يبارك فيك، عقبالك يا لي لي. أومال فين عديلة هانم؟
ردت لي لي بنعومة وهيام:
مامي تعبانة شوية وبتعتذر إنها مش هتقدر تيجي، وبعدين إيه، هو أنا مكفّيش؟
لم يجيبها حمزة، بل نظر لها بوجه خالٍ من التعبيرات وهو ينظر للدرج، لعل تلك اللعنة التي أصابته تنزل. شعرت لي لي بالإحراج لتضيف بغل خفي:
بس طالعة زي القمر يا هند، ألف مبروك يا حبيبتي.
ابتسمت هند بغرور قائلة بخبث وهي تتشبث بذراع حمزة:
ميرسي يا لي لي، وحقيقي متشكرة جدًا على الهدية اللي قدمتيها لي النهاردة.
نظرت لها لي لي بخبث مماثل لتقول:
مفيش شكر بينا، أنتي زي أختي يا هند.
ابتسم سالم قائلًا:
طب مش يلا يا حمزة تلبسها الشبكة.
زفر حمزة بضيق، في نفس توقيت دخول يونس، وقد لفت انتباه بعض الفتيات بوسامته وكاريزمته المرحة. ابتسم يونس وهو يقترب منه محتضنًا إياه بحب أخوي:
معقول تلبسوا الشبكة وأنا مش موجود؟ ده حتى يبقى فيها زعلة جامدة أوي. ألف مبروك يا حمزة.
ابتسم حمزة بحب وقد شعر ببعض الهدوء بوجود صديقه، احتضنه قائلًا:
الله يبارك فيك، وعقبالك.
ابتسم يونس وغمز له بشقاوة قائلًا:
عن قريب إن شاء الله.
ابتسم حمزة بشك، لكن لم يسأله عن شيء الآن بين كل هؤلاء. مد يده يمسك يد هند متجهًا نحو تلك الأريكة المميزة والمزينة بطريقة أنيقة. جلست وجلس هو إلى جوارها وهو يشعر بالاختناق بالمعنى الحقيقي، وكأن الهواء ينسحب من حوله، وكأنه كان يركض في ماراثون للجري لمدة طويلة جدًا وفجأة توقف، والآن رئتاه غير قادرة على أخذ نفس واحد.
نزلت شمس الدرج بتوتر من كل هذه الترتيبات وكل هؤلاء الأشخاص، والتي شعرت بينهم بعدم الأمان. أخذت نفسًا عميقًا محاولة منها للهدوء. وقعت عيناها عليه، فكان يبدو وسيمًا، بشرته الخمريّة المتشربة، وعيونه السوداء، ذقنه الناعمة، وبذلته السوداء الأنيقة.
رفع حمزة عيناه الضارية، فهي تشبه عيون النمور، حادة ومفترسة، مع اختلاف لونها الأسود. تلاقت أعينهما في نظرة خاطفة، فابتسمت شمس بارتباك كنوع من التهنئة له، بينما هو شعر بالهدوء وبدأ يتنفس بانتظام.
احتدمت عينا حمزة حين رأى يونس يقترب منها، فشعر ببداية نيران تملكه. لاحظت هند نظراته المصوبة عليها، فتملكها الحقد والغضب، وكادت أن تنهض وتضرب تلك الفتاة، بل وتشوه وجهها. بينما ابتسمت لي لي متذكرة حديث والدتها وخطتها في التخلص من هاتين الفتاتين اللتين تقتربان منه دون أن تتدخل.
احتدمت نظراته بغضب عاصف. لأول مرة يشعر به! لم يتوقع أنه من الممكن أن يكون عصبيًا لهذه الدرجة، ولكن نظرات يونس الموجهة لشمس جعلت الدماء تغلي في عروقه.
منذ متى وأنت كذلك يا رجل؟! منذ متى وأنت تشعر بهذا الحد من الجنون؟
يونس:
إزيك يا شمس؟
ردت شمس بابتسامة تزين ثغرها:
بخير الحمد لله.
يونس بابتسامة:
على فكرة، أنتِ زي القمر.
شمس بحدة:
لو سمحت، أنا مبحبش الطريقة دي.
يونس بسرعة:
أنتِ زعلتي ولا إيه؟ أنا أقصد إنك بجد شكلك حلو أوي... الصراحة أوي، هي دي حاجة تزعل؟
شمس بخجل وارتباك:
بس الكلام ده مينفعش... وبعدين أنا مبحبش حد يعدي الحدود المسموحة بيني. لأن لازم دائمًا نحط حدود بينا وبين اللي حوالينا، وإلا هنتأذى.
يونس بإعجاب:
أنتِ عقلانية أوي.
شمس:
الموضوع كله إني مش عايزة أكسر أمي. هي تعبت أوي وبابا الله يرحمه كان دائمًا يقول الإنسان لازم يفكر في أفعاله ويكون قد المسؤولية، وأنا بحترم مسؤوليتي، لأن كل حاجة بنعملها تعتبر مسؤولية.
سارت بجواره وهو يبتسم بود ويتناقش معها.
بعد دقائق، اقتربت شمس من حمزة وهند حتى تبارك لهما، رغم نفورها من زواجهما. فهما لا يشبهان بعضهما أبدًا. أحيانًا تشعر وكأنهما مختلفان وأنه لا يريد ذلك، أحيانًا تشعر وكأنه يفرض على نفسه شخصًا لا يناسبه. رغم ذلك، تشفق على هند من هذا الغرور الذي يتملكها وهي مستسلمة تمامًا لنفسها التي تقودها لطريق مجهول، لكن النهاية ليست جيدة أبدًا.
وقفت أمامهم ثم ابتسمت بلباقة قائلة:
ألف مبروك يا حمزة بيه، ألف مبروك يا آنسة هند.
ردت هند بخبث قائلة:
الله يبارك فيكي يا شمس، عقبالك يا رب.
ضغط حمزة على قبضته وشعر أن أزرار قميصه ستنفجر من شدة غضبه وخفقاته.
متى كنت ذلك؟ منذ متى وأنت كذلك؟! هل وقعت بها عشقًا؟! بل أنك غرقت. ربما ليست أجمل فتاة على الإطلاق، لكنها تملك ما يميزها عن غيرها. ربما أحببت ابتسامتها! ربما أعجبت بكبريائها! ربما، ربما! غيرتك غير المبررة وأفعالك العشوائية التي لم تعتد عليها، كل هذه الأفعال التي باتت حديثه، عليه ستودي بك إلى طريق طويل، طريق تختار فيه السير على حافة الهاوية.
ابتسمت شمس بخفة وذهبت نحو صفاء، التي ابتسمت تلقائيًا ما إن راتها.
بعد مرور وقت، كان حمزة يتحدث مع بعض رجال الأعمال برفقة والده. رغم زواج والده بعد وفاة والدته، لكنه لم يحزن أو يظن أن والده تخلى عنه، بل بالعكس، شعر أنه حقه أن يحيا حياته كما يشاء. وظل سالم بالنسبة لحمزة والده وصديقه.
كانت شمس تجلس على إحدى الطاولات في الحديقة بعيدًا عن الأجواء المتكدسة بالداخل. تنهدت بحزن وقد عادت ذكرياتها إلى الماضي، حيث كانت تعيش مع والدها وأمها وشقيقتها.
شمس بابتسامة جميلة:
الله يرحمك يا بابا، الله يرحمك.
استغلت هند وجود شمس وحدها وبعيدًا عن الجميع. رفعت ثوبها قليلًا بأناقة وهي تسير نحو شمس، وعلى وجهها ابتسامة شر، وخصوصًا عندما أخبرتها لي لي بحديث صفاء عن شراء حمزة ذلك الرداء مخصوصًا لها.
نهضت شمس عن كرسيها بعدما رأت هند تقف أمامها مردفة بعنجهية:
شمس قاعدة لوحدك ليه؟ صحيح شكلك حلو أوي.
ردت شمس بامتعاض وضيق قائلة:
شكرًا يا آنسة هند.
هند بخبث:
بس يا ترى حمزة دويدار خد مقابل إيه حق الفستان الرائع ده؟
شمس بعدم فهم:
أفندم؟!
هند بحدة:
أنتِ هتستعبطي يا بت أنتِ! انطقي، إيه اللي بينكم اللي يخليه يشتريلك فستان زي ده؟
شمس بحدة:
أنتِ إنسانة مش متربية، وأنا ميشرفنيش أتكلم معاكي، ولا حتى فاهمة بتقولي إيه. بعد إذنك.
كادت أن تغادر، لكن انفجر الغضب والغيرة بداخل هند لتجذبها من ذراعها بعنف قائلة:
أنتِ بتستهبلي! فكراني هسيبك كده؟ وبعدين مين دي اللي مش متربية؟ اللي متربتش هي اللي تسمح لواحد غريب عنها إنه يديها حاجة زي دي وهو ميقربلهاش أي حاجة. لا دي تبقى رخيصة أوي وخطافة رجالة!
اقتربت شمس منها بخطوات حذرة وعيون مليئة بالشر جعلت هند ترتد للخلف بخوف. صكت على أسنانها قائلة بغضب وشراسة:
قسماً بالله العلي العظيم لو ما احترمتي نفسك، لكون أنا قليلة الأدب وأعرفك حدودك كويس. أوعى تفكري إنك كده بتقللي مني، بالعكس، أنتِ بتقللي أوي من نفسك لأنك إنسانة فاضية من جوه. بتحاولي تعوضي النقص اللي جواكي وتشبعيه بأنك تهيني اللي حواليك وتذليهم. وبالنسبة لحمزة بيه، فأنا ماليش علاقة بيه، تصدقي أو لا، ده شيء يخصك. لكن سمعتي وكرامتي فوق الكل، خليها حلقة في ودانك.
رغم شعورها بالضعف والقهر بداخلها، ورغم لمعة الدموع بداخل عينيها، إلا أنها لم تسمح لهند بكسرها. تفاقم شعورها بالغضب تجاه حمزة وصفاء لأنهما تسببا في إحراجها. لكن لما يفعل ذلك؟ وبأي صفة سمح لنفسه بفعل ذلك؟
أدرفت إلى الداخل فوجدته يقف مع والده يتحدثان. تمنت لو ذهبت نحوه وأفرغت غضبها بوجهه. دموعها التي هبطت دون أن تدرك جعلتها تشعر بالانكسار.
كانت تقف وتنظر له بدون خوف من نظرات الآخرين نحوها وإعجابهم بها. ابتسم شاب وهو يقترب منها حتى وقف أمامها قائلًا بخبث:
مساء الخير، ممكن نتعرف.. بدر الراوي، رجل أعمال.
ردت شمس بحدة قائلة:
وأنا مش عايزة أتعرف على حد، بعد إذنك.
ابتسم بسماجة وهو يسحب يدها بقوة مع تشغيل الموسيقى محاولًا الرقص معها وسط تذمرها قائلًا بخبث:
واضح إن حمزة بيه مزعلك أوي يا قِطة، بس أنا مش عارف هو بيفكر إزاي. هو في حد يسيب قمر زيك ويزعله؟
وسط تلك الأجواء المزدحمة، لم يلاحظها حمزة المنشغل بالحديث مع يونس. في حين ابتسمت لي لي وهي تتابع الموقف، وخصوصًا محاولة بدر في التقرب أكثر من شمس.
حاولت شمس الابتعاد، لكنه كان يلتصق بها أكثر ويده تكبل خصرها، لتصرخ بوجهه بغضب قائلة:
ابعد عني يا حيوان!
انتبه الجميع لصراخها الغاضب، فاقترب يونس وحمزة من مصدر الصوت، إلا أن الصدمة الأكبر كانت من نصيبه. كان يونس ينظر لبدر شزرًا، فهو شخصية معروفة بعلاقاته المتعددة، ولكنها رجل أعمال ناجح.
في لحظة خافتة، جذبه حمزة من سترته نحوه، ثم انقض عليه في اللحظة التالية يلكمه بكل ما أوتي من قوة، حتى صرعه أرضًا، غير آبهٍ باحتجاجات الضيوف ولا بتجمهر الناس حولهم كي يشاهدوا هذا الصراع الدامي بين حمزة دويدار ومنافسه بدر الراوي، دون تحرك من أحدهم للتدخل لفض هذا الاشتباك.
وضعت شمس يدها على فمها بصدمة ورعب وهي ترى حمزة وكأنه وحش غاضب. أما لي لي، فصرخت برعب على صديقها وابن صديقة والدتها، فقالت بتوسل:
حمزة هيموت في إيدك، سيبه أرجوك!
لكنه لم يستمع لحديثها من الأساس، وعيناه تشتعلان من الغضب والغيرة، وصورة ذلك الرجل وهو يلتصق بها بتلك الطريقة ترتسم أمام عينيه، جاعلة منه جريحًا شرسًا لينقض عليه بقوة. ذلك الشعور يحرقه من الداخل. من هو ليسمح لنفسه بالتقرب منها بتلك الطريقة؟
صفاء بفزع ورعب:
حمزة خالص يا ابني.
حاول يونس إبعاده، لكنه لم يستطع. كانت شمس تصرخ به بقوة متوسلة من بين دموعها المنهارة ليتركه، لكن دون جدوى. فجلست بجواره وهو لا يزال يسدد لكماته لبدر الذي أوشك على فقد الوعي، تتوسله وهي تمسك كفه:
سيبه الله يخليك... هيموت في إيديك... سيبه... عشان خاطري كفاية.
نظر لها بغضب لا يعلم سببه. هي تشفق على ذلك الحقير الذي حاول لمسها. تحرك من فوق بدر الذي كانت الدماء تملأ وجهه وثيابه. اعتدل في وقفته وحاول إصلاح هيئته بهيبة وهيمنة، قبل أن يتحدث محذرًا بعد أن لاحظ وجود بعض الصحفيين:
اللي يدخل بيتي يا إما يحترم أهله، يا إما ميستاهلش وجوده. وأنتِ يا شمس اتفضلي على أوضتك.
كان يضغط على كل حرف يخرج منه، مما جعل شمس ترتجف داخليًا وهي تنظر لذلك الفاقد للوعي، لا تفقه سبب فعلته. لو علمت أنها غيرة، لهربت من حياته على الفور قبل أن تقع هي أيضًا في مصيدة القدر. لكن حتى إن لم تكن غيرة، فهو لن يسمح بحدوث ذلك لأي فتاة في منزله، وأي فتاة أخرى. لكن القادم ليس هينًا أبدًا.
ساعدتها السيدة سلمى في الوقوف وهي ترتعش من شدة الخوف في وسط الأجواء المزدحمة والضيوف كلهم ينظرون اتجاهها. قاطعهم صوت سالم الغاضب من تهوره، ولكن لم يرد إحراج ابنه أو تصغيره أمام الضيوف:
معليش يا جماعة، ده موضوع وهيتحل. أطلب الإسعاف يا يونس، وخلي الحرس ياخده من هنا لحد ما الإسعاف تيجي. مفيش حاجة يا جماعة. حمزة، أنا في مكتبي، يا ريت تحصلني.
نظر حمزة لشمس التي تصعد الدرج برفقة سلمي. زفر بحرارة قبل أن ينسحب من بينهم بلباقة.
أغلق الباب خلفه، فقال سالم بغضب:
إيه اللي أنت عملته ده يا حمزة؟ ممكن أفهم ده معناه إيه؟
حمزة بهدوء:
أنا مش فاهم حضرتك تقصد إيه يا والدي. واحد اتجرأ على حد في بيتي أسيبه عادي كده؟ لا مش أخلاقي. أنا آسف.
سالم بعصبية:
متتلوّعش يا حمزة. في حاجة بينك وبين البنت دي؟ أنا آه مش عايش معاك، بس أنا بعرفك من نظرة واحدة، واللي شوفته في عينيك من شوية ملوش غير معنى واحد. ولو فعلاً هو ده الحقيقة، يبقى أنت نويت على دمار مستقبلك.
حمزة بدهاء:
مش فاهم قصد حضرتك؟
سالم بحدة:
لا أنت فاهم، وفاهم كويس أوي. أنت دلوقتي بتخطب، فاهم يعني إيه بتخطب؟ يعني بتبني حياتك مع إنسانة تانية. بلاش دماغك وقلبك يسحبوك لمكان نهايته وحشة. أنا أبوك وخايف عليك يا حمزة.
رد الآخر قائلًا بهدوء:
مفيش حاجة من اللي حضرتك بتفكر فيها دي. شمس بالنسبة لي مرافقة لجدتي، وأي واحدة غيرها لو في نفس الموقف هعمل اللي عملته.
سالم بقلة حيلة:
ماشي يا حمزة، ماشي. همشي معاك الطريق لآخره.
حمزة بحب:
خلاص بقى يا كبير، فك. ما حصلش حاجة. واحد غلط وعلمت عليه، مش أكتر. وبعدين أنت عارف إن بدر الراوي سمعته مش كويسة، ومع ذلك بعت له دعوة وأنا معترضتش. لكن لما يدخل حتتي ويحاول يقرب من حاجة تخصني، يبقى لازم نعمله شوية في الحساب. قسمة... جمع... ضرب.
أكد على كلمته الأخيرة مزمجرًا بقسوة من بين أسنانه. يهز سالم رأسه بتعب قائلًا:
خلينا نطلع للضيوف الأول، وبعد كده نشوف موضوع الحساب ده.
تجلس على الأرضية الرطبة رغم برودة الجو تزرف دموعها بقهر وانكسار. تتذكر جيدًا نظرة الشر والشماتة في عيون هند وصديقتها المزعومة لي لي، وشفقة الباقين عليها وصدمتهم من فعلة حمزة. لأول مرة ترى الدماء على ثياب بدر ووجهه بالكامل. ضمت جسدها بقوة وهي تجلس خلف الباب. كانت تشعر أن ذلك اليوم لن يمر على خير أبدًا. لكن هل ستبقى في تلك الوظيفة مع كل هذا الإحراج والإهانة؟ لكن قلبها لا يتقبل كل هذا.
نهضت واتجهت نحو خزانة الثياب لتبدل ثوبها، ثم جمعت أغراضها. أخذت نفسًا عميقًا محاولة الهدوء. بعد أن انتهت وارتدت ثيابًا أخرى، جلست على الفراش تنتظر مرور الوقت حتى تغادر دون أن تراه، فهي تقسم بداخلها أنها لو رأت وجهه، ستفرغ به غضبها.
في البحيرة، في منزل عيسى (عم شمس)، كانت شهيرة زوجة عمها تجلس في بهو المنزل وبجوارها ابنها الأكبر سعد.
شهيرة بغضب وخبث:
و أبوك قال إيه يا سعد؟ معقول هيدي لمريم وبناتها ورثهم في الأرض والفلوس؟ ده يبقى خراب على الكل. الأرض لو راحت للبنات، كل واحدة فيهم هتتجوز وساعتها جوازتهم هما اللي هياخدوا الأرض وساعتها هتتقسم. لا... لا.
سعد باحترام:
ده حقهم يا أمي. وبعدين أنتِ مترضيش إنك تاكلي حقهم في الميراث ده. ده شرع ربنا. وبعدين شمس بمية راجل. كفاية إنها تربية عمي بكرى الله يرحمه.
شهيرة بضيق:
بس دي بت يا نن عين أمك. والبت لا هتنزل أرض ولا هتراعي زارعة. ولما تتجوز هيجي الغريب هو اللي يتحكم في الأرض، وأنت عارف مريم وبناتها على نيتهم وأي حد ممكن يضحك عليهم بكلمتين. يبقى مالهمش إنهم ياخدوا في الأرض.
سعد بجدية:
يبقى ساعتها أبويا يديهم فلوس، نشوف تمن الأرض ونديهم حقهم.
شهيرة بسرعة وبدون تفكير:
وأنت فاكرني هسيب مريم تتهنى في العزا ده كله؟ بقا أنا اللي استحملت جدك وتحكماته؟ أتساوى مع مريم الفلاحة بنت الغفير اللي بكرى ساب الدنيا كلها عشانها، حتى وقف قدام أبوه وقال وقتها إنه مش عايز لا فلوس ولا أرض. هو اللي قالها بلسانه. مش عايز.
سعد بجدية:
أماه، أنتِ عايزة توصلي لإيه بالظبط؟ عايزة تاكلي عليهم حقهم؟ وبعدين عمي بكرى الله يرحمه قال كده لأبوه، يعني حاجة كانت بينهم. لكن هما الاتنين دلوقتي ماتوا، وشرع ربنا بيقول إن عمتي مريم وبناتها ليهم حق. وإحنا لازم نجيب مرات عمي وبناتها عشان يعرفوا إن ليهم حق.
شهيرة:
يا حبيبي، أنا بس بقول إن الأرض مش لازم تخرج برانا. وأنا عارفة إنك بتحب بنت عمك، يبقى نعمل إيه بقى؟ نخلي زيتنا في دقيقنا ونطلب شمس ليك، وساعتها الأرض هتبقى ليكم أنتم وعيالكم.
رد سعد بضيق قائلًا:
أماه، اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده، وقلت لك إني عرضت على شمس الجواز قبل كده، لكن هي مش بتشوفني غير أخوها الكبير، وأنا بحبها زي أختي ملك وزيها زي هدى. يمكن زايدة شوية غلاوة لأنها جدعة، لكن موضوع الجواز ده مش هيحصل. لأن مش هجبرها عليا، وأنا بنفسي اللي هسلمها لعريسها بصفتي أخوها وابن عمها. فبلاش يا ماما نتكلم في حاجات ملهاش لازمة. وخلي في علمك إن لما شمس ترجع من كليتها الإجازة الجاية هنروح ليهم ونقعد معاهم عشان يعرفوا هم ليهم إيه. ده أنا ما صدقت أقنعت أبويا. يلا يا ست الكل، أنا هروح أصلي العشاء في المسجد.
شهيرة بغيظ:
ماشي يا ابني.
ثم أضافت لنفسها بغيظ:
بس أنا مش هسيب مريم وبناتها يلهفوا كل حاجة. يا إما تتجوز شمس، يا إما ساعتها أنا هوريك أنا ممكن أعمل إيه. لأن عيسى جاب ورا وناوي يديهم نصيبهم. مش كل مرة مريم تاخد كل حاجة. في الأول بكرى، ودلوقتي الأرض.
في فيلا دويدار، بعد وقت متأخر من الليل. أرتدت شمس حقيبة ظهرها وخرجت من الغرفة بعد أن تأكدت من خروج حمزة وهند إلى أحد الأماكن لاستكمال سهرتهما، وبالتالي مغادرة الضيوف وهدوء القصر تمامًا. لم تستطع حتى توديع صفاء أو سلمي وغادرت القصر.
رواية نجمة في سمائي الفصل السادس 6 - بقلم دعاء احمد
خرجت شمس من فيلا دوريدار بعد أن حزمت أمرها وقررت المغادرة، فهي لن تتحمل إهانة أي شخص لها. رغم لطف السيدة صفاء معها وطيبة قلبها، إلا أنها تشعر بالكثير من الغضب منه ومن تلك المدعوة «هند» التي كلما حاولت التعاطف معها والشفقة عليها، تأتي هند وتفتعل مصيبة جديدة تجعلها تكرهه أكثر.
في وقت متأخر من الليل، تسير فتاة جميلة وحدها في الطرقات تبحث عن وجهتها، وكأن هناك قبضة قوية تعتصر قلبها. شعور الضيق يسيطر عليها.
أخذت شمس نفساً عميقاً وهي تجلس على الرصيف. زفرت بحزن وهي تضع يدها على قلبها. لا تعرف أين ستذهب الآن. المؤكد أن بيت الطالبات تم إغلاقه نظراً لتأخر الوقت، ولا تعرف أي مكان آخر. حتى الأموال التي تملكها لن تكفي للمبيت في أي فندق.
ابتسمت تلقائياً وهي تتذكر وصية أبيها: حين يضيق صدرها ويملأه الحزن، حين تنغلق الأبواب بوجهها، عليها أن تذكر الله.
ظلت تتلو بعض الآيات القرآنية بهدوء وترددها بداخلها كي يطمئن قلبها.
نهضت من مكانها وهي تسير بالطرقات، لكن توقفت فجأة حين رأت سيارة تقترب منها.
ابتلعت ما بحلقها بخوف نهش بقلبها وهي ترى تلك السيارة التي تعرفها جيداً، وما هي إلا ملك لحمزة دويدار.
أسرعت في خطواتها وهي لا تريد رؤيته ولا حتى التحدث معه. لكن كيف عرف بخروجها من القصر؟ لا يهم ذلك ولا يهم أي شيء آخر، فقد حسمت أمرها ولن تعود مجددًا.
كان يجلس في سيارته يقودها بغضب ويزيد من السرعة حتى يلحق بها.
بداخله غضب كبير منها، كيف لها أن تسمح لنفسها بالمغادرة؟ كيف لها أن ترحل دون الالتفات له حتى؟ من سمح لها بالمغادرة؟
يرغب الآن في احتضانها بقوة وتكسير عظامها، فكل عضلة بجسده تئن شوقاً لاحتضانها.
لوهلة، تخيل فكرة أنها تريد المغادرة وتركها دون أن تشفق على قلبه؟ ماذا تقول أنت؟ هل جُننت؟ أنت للتو قمت بخطبة فتاة أخرى، وأمامها... أمام عينيها.
من قال لك أن تغرق بها عشقها؟ من سمح لك بذلك؟ هي نفسها لم تسمح لك بفعل ذلك؟ من صرح لك بالنظر لها وتأملها عن قرب؟ المخطئ الوحيد هو أنت وقلبك الذي لم يتلذذ بتلك المشاعر الغريبة من قبل. وكأنك حفظت كل ذرة من مشاعرك حتى أتت تلك الفتاة وفي لحظة واحدة ملكتك.
توقفت سيارته فجأة أمامها لتصرخ بفزع وهي تسقط أرضًا من شدة الرعب، حتى كادت السيارة أن تصدم بها.
خرج حمزة من سيارته وهو يصفع الباب بقوة خلفه، وعيناه تشتعلان بضراوة.
اقترب منها بينما نظرت نحوه بخوف وهي تحاول النهوض.
أمسكت معصمها بقوة ليرفع جسدها الصغير نحوه بقوة، لتقف فجأة أمامه مباشرتاً. شهقت شمس بارتباك وعدم فهم وهي تحاول الابتعاد.
لكنها اندهشت حين وجدته يصرخ بها وهو يقترب منها، وهي تعود للخلف بخطوات مفزوعة حتى كادت أن تبكي من شدة الخوف.
ليهمس بحدة وتملك:
"بتعملي إيه هنا دلوقتي؟ انتي اتجننتي؟ عارفة الساعة كام؟"
حاصرها بين سوداويات عينيه وخلفها السيارة. لم تدرك متى هبطت دموعها من شدة الخوف، وكأنها ترى شخصًا آخر لا تعرفه أبداً.
حاولت إبعاده قائلة بفزع ودموع:
"أستاذ حمزة، سبني أمشي لو سمحت..."
صرخ بوجهها واحمرت عيناه قائلاً بحدة:
"مين سمحلك تمشي؟ انطقي، مين سمحلك تمشي؟ أخدتي الإذن من مين؟ افرضي حد عملك حاجة دلوقتي وانتي لوحدك في وقت زي ده؟"
صرخت شمس بغضب وذعر، حاولت إبعاده وهي تضع يدها على صدره تحاول دفعه بعيداً:
"انت بتكلمني كده ليه؟ أنت مين عشان تكلمني كده؟ وبعدين احفظ حدودك وابعد عني."
مسك يديها بقوة وهو يضغط عليه، وعيناه تلمعان بالدموع، وكأنه يخشى البعد:
"أوعي تفكري تمشي تاني من غير ما تقوليلي، انتي فاهمة؟"
شمس بخوف ودموع:
"إيدي بتوجعني، وبعدين أنت إزاي تكلمني كده؟ أنت مين عشان تكلمني كده؟ سبني أمشي لو سمحت؟ كفاية أوي اللي حصل لحد هنا، أنا مش عايزة اشتغل. وبالنسبة للعقد اللي بينا، أنا خلاص معادش عايزة اشتغل. سيبي إيدي."
بمنتهى الهدوء، ترك يدها وابتعد خطوة للخلف وهو يضع يده بجيب بنطاله، قائلاً ببرود وخوف عليها، وبداخله بركان من الغضب ينفجر بمنتهى الشراسة يجعله يفتك بكل ذرة بداخله:
"أوكي يا شمس، العقد اللي بينا هيتقطع خالص وهسيبك تمشي. بس ممكن تقوليلي هتروحي فين دلوقتي يا آنسة يا كبيرة؟"
ابتلعت ما بحلقها متمتمة بانزعاج وهي تمسح دموعها:
"ممكن حضرتك متدخلش. هروح مكان ما أروح، إن شاء الله أروح في داهية. مالكش دخل. روح لخطيبتك وجدتك، هي أكيد هتحتاج. بعد إذنك."
كادت أن تغادر إلا أنه جذبها مرة أخرى لتصدم بصدره العريض. شهقت شمس بارتباك وهي ترفع عينيها تنظر لسوداويتاه وهو يصك على أسنانه قائلاً بعنف:
"لما أكون بكلمك تقفي وتكلميني، متدينيش ضهرك، انتي فاهمة؟ اتفضلي اركبي."
شمس بتحدي وهي تنظر لعيناه بحدة:
"مش عايزاه منك حاجة. وبعدين لو سمحت بطل كل شوية تعمل كده. وبعدين أنا وحضرتك مفيش بينا حاجة عشان تمسك إيدي كده. وبعد إذنك بقا سيب إيدي."
زفر حمزة بضيق قائلاً بغضب:
"ارركبي يا شمس أحسن لك، انتي فاهمة؟ بدل ما هتشوفي مني حاجة مش هتعجبك، وساعتها همشيها رسمي بموجب العقد اللي بينا."
عضت على باطن شفتيها محاولة كظم غيظها منه، فابتعدت قليلاً متجهة للسيارة لتصعد بها.
زفر حمزة بحنق ممرراً يديه في خصلات شعره السوداء يشدها بغيظ. صعد للسيارة ليجلس بجوارها يقود السيارة قائلاً بحزم واهتمام:
"اربطي حزام الأمان..."
شمس لنفسها: اللهم طولك يا روح. أنا عارفة طلعلي منين دا كمان؟ وبعدين هو مش كان خرج من خطيبته يكملوا سهرتهم برا؟ إيه؟ عارف إن أنا خرجت؟
بينما يجلس حمزة يقود سيارته وهو يحمد الله أن الحارس الشخصي قام بتبليغه عندما خرجت من المنزل. فخرج مسرعاً من ذلك المطعم الذي ذهب إليه برفقة هند، والتي شعرت بالغضب الشديد، فهي ظنت أنهما سيقضيان الأمسية وحدهما بالخارج طوال الليل. إلا أن الهاتف الذي جاءه من شخص ما جعله يتلهف للخروج على الفوراً دون حتى الاهتمام بأي شيء آخر، متحججاً بأن لديه عمل ضروري.
حمزة:
"عايزة تروحي فين؟"
شمس:
"معرفش. وبعدين أنت مصمم تيجي معايا ليه؟ هو أنت ماسك عليا ذلة ولا أنا ههرب منك؟ نزلني وأنا هتصرف."
زم شفتيه بحنق قائلاً:
"واضح إنك هتعرفي تتصرفي فعلاً...."
بعد مرور وقت، أوقف سيارته أمام قصر دويدار مرة أخرى. زفر بحرارة شاعراً بالضعف أمامها.
لما يشعر بكل تلك المشاعر الهوجاء؟ تمنى لو يصل لجواب واضح وصريح. لماذا يخاف وبشدة من فقدانها؟ لماذا يختنق عندما تبعد ويشعر بالراحة حين ينظر لبندقيتيها الحنونة؟ هل يقع بالعشق؟ دار ذلك السؤال بعقله ليتنفض فجأة وهو ينظر لها. لم يقع بالعشق، بل أنه غرق به وغرق بها. لابد أنه وصل لإحدى مراحل الجنون. ليترك الجواب للأيام، وللتفت الآن إلى تلك النائمة بجواره، تستند برأسها على زجاج السيارة وهي تنكمش على نفسها.
ابتسم حمزة بتسلية وهو ينظر لها بقوة متأملاً هدوءها الحاني والملائكي.
رفع يده واقترب منها وهو يشعر بالسعادة، قدر أكبر مما كان يعتقد. لم يأت بمخيلته يوماً أنه سيشعر بكل هذه السعادة بجوار أي فتاة.
وضع يده على وجنتها الناعمة يلمسها بحنو، إلا أنه سحب يده بسرعة وهو يعنف نفسه ويلومها على كل ما يشعر به.
حمحم بصوته الأجش قائلاً بجدية:
"شمس، شمس....."
فتحت عينيها بكسل قائلة:
"فيه إيه؟ أي دا؟ هو أنا إزاي نمت."
رد بجدية قائلاً:
"يلا وصلنا...."
شمس بحذر:
"مين قالك إني عايزة أرجع المكان ده؟"
ابتسم بمراوغة ذكورية قائلاً:
"اممم، يلا يا شمس بطلي عناد......"
شمس بحنق:
"ومين قالك إني هقبل أقعد في تاني و..."
قاطعها بنفاد صبر قائلاً بنبرة آمرة:
"بس بقا إيه مبتفصليش، اتفضلي ياله، وعلى فكرة ده مش طلب ده أمر، واتفضلي انزلي. عايزة تمشي أمشي الصبح، أنا مش هجبرك تقعدي، بس بلاش تهربي مني."
أخذت نفس عميق مردفة:
"ماشي، وأنا هفضل بس لحد الصبح، وبعد كده هرجع بيت الطالبات، وحضرتك مالكش دعوة بيا...."
حمزة بحدة:
"هنشوف الموضوع ده بعدين، ياله ادخلي."
زفر حمزة باختناق بعد أن تأكد من دخولها، ثم قاد سيارته إلى حيث لا يعرف، فقط ظل يقود سيارته لوقت طويل دون الاهتمام بأي شيء آخر.
***
في صباح اليوم التالي، استيقظت شمس مبكراً وهي تشعر بيأس وحزن لأنها ما زالت في ذلك المكان، لكنها ستغادر بالتأكيد، ستفعل.
اغتسلت ونزلت، لكن وجدت السيدة صفاء تجلس في الحديقة بجوار أشجار الياسمين، وبجانبها السيدة سلمي.
أخذت نفس عميق وهي تخرج للجنينة.
"صباح الخير يا هانم."
صفاء بجدية:
"صباح النور."
شمس بارتياب:
"حضرتك كويسة؟"
صفاء بحدة:
"وهيفرق معاكي في حاجة؟ مش انتي خالص ناوية تمشي، لا وكنتي عايزة تمشي بدون ما تسلمي حتى علينا."
شمس بلباقة حانية:
"حضرتك أنا مينفعش أفضل هنا تاني، وخصوصًا بعد اللي حصل في الخطوبة امبارح. أنا آسفة."
صفاء:
"تقومي تمشي بدون حتى ما تسلمي عليا؟ للدرجة دي؟"
جلست شمس بجانبها وهي تحتضن يديها بين كفوفها:
"أنا بس كنت متضايقة أوي، صدقيني. وكان ضروري أطلع الغضب اللي جوايا. صدقيني لو مكنتش عملت كده كنت هتعب."
صفاء بحب:
"شمس، متمشيش عشان خاطري. أنتي الوحيدة اللي برتاح لها، لأنك بتفكريني بمرام الله يرحمها. حتى لو مش شبه بعض، لكنك بالنسبة ليا مهمة أوي."
شمس:
"بس أنا كده كده همشي، وماما وأختي وحشوني أوي، لازم أرجع البحيرة."
صفاء:
"خلاص استني الأسبوع ده. أنا الأسبوع الجاي هسافر أنا وحمزة نعمل شوية تحاليل ليا، وأنتي تقدري ترجعي البحيرة. عارفة إني يمكن أنانية، بس أنا زي جدتك، وحقيقي بحسك زي بنتي."
ابتسمت شمس بتأثر وتعاطف وهي تقبل يدها برفق قائلة:
"وأنا هفضل معاكي ومش همشي."
صفاء بسعادة وطيبة:
"يبقى خلينا نفطر سوا. أنتي عندك كلية النهاردة؟"
شمس:
"أيوه، بس مش هتأخر، لأنها محاضرة واحدة."
صفاء:
"ربنا ينجحك يارب، أنتي تستاهلي كل خير."
كان حمزة يستمع لحديثهم عن بعض، لكنه ابتسم بسعادة. لكن قاطع تفكيره رنين هاتفه، لتختفي ابتسامته تدريجياً وهو يرى اسم هند.
***
بعد مرور يومان.
كانت شمس، وكعادتها في الأيام السابقة، تستغل فرصة خروج حمزة وعودته متأخراً في استخدام غرفة مكتبه للقراءة. ولم تدرِ سبب شعورها بالراحة بداخلها، ولكنها كانت تفضل المكوث بها عن غرفتها. استأذنت من السيدة صفاء لدخول المكتبة الموجودة بمكتبه.
ربما لأنها تحب القراءة، والفضل يعود للسيدة صفاء ولحبها الشديد للقراءة. جلست فوق الأريكة الوثيرة الموضوعة بعناية في جانب الغرفة، وأشغلت ضوء المصباح الخافت، وسرحت داخل تفاصيل تلك القصة الخيالية التي تتحدث عن شاب يعاني ألم الفراق، وكيف يكون الإنسان بعدها في أشد لحظات احتياجه للشعور بالحب ليحتوي حزنه وضعفه الذي يغلفه الحزم من الخارج.
لا تعلم متى غفت وهي تقرأ ذلك الكتاب.
عاد حمزة في وقت متأخر من الليل وتوجه مباشرة نحو غرفة مكتبه ليضع بخزنته بعض الأوراق الهامة. دلف إلى داخل الغرفة وتفاجأ بنور خفيض يأتي من أحد أركانها. رمش بعينيه عدة مرات بذهول قبل أن يستوعب وجود شمس تنام منكمشة داخل الأريكة وهي تحتضن كتاباً بين ذراعيها. وضع حافظة أوراقه فوق مكتبه بهدوء، ثم توجه نحوها وانحنى بجزعه فوقها ينظر لها عن قرب. كانت مستلقية هناك بهدوء تمثل كل ما لديه من أحلام. عدل من وضعه ثم جلس على ركبتيه حتى يصبح في نفس مستواها. زفر مطولاً وهو يفكر كم يتمنى لو كان بديلاً لذلك الكتاب الذي يقبع هناك قريباً جداً من قلبها ويستمع إلى دقاته. فليس من العدل أن ينعم ذلك الكتاب بدفء جسدها بينما هو يظل وحيداً يعصف به الشوق والغيرة من مجرد جماد. تنهد بألم ثم مد كفه ببطء يتلمس برقة وجنتها، يتحسسها بشغف قبل أن يهتف باسمها هامساً بنبرة حانية وهو يبتعد عنها:
"شمس.."
حركت جفونها ببطء تفتحها وهي تنظر إليه بعدم استيعاب، ثم انتفضت من مقعدها برعب وهي تحتضن جسدها بكلتا ذراعيها وتقف في مواجهته بملامح ناعسة. حاول حمزة طمأنتها فتحدث مسرعاً وهو يرفع كلتا يديه في وجهها باستسلام قائلاً بصوت أجش:
"متخافيش.. أنا بس دخلت الأوضة لقيتك نايمة هنا قلت أصحيِك."
توترت أكثر وهي تعدل من وضع حجابها وهي تبرر له الموقف بارتباك:
"أنا كنت قاعدة هنا بقرا كتاب وبعدين محستش بنفسي ومعرفش إزاي نمت.."
ابتسم حمزة وهز رأسه لها عدة مرات وهو يحرك جسده بتوتر واضعاً يده داخل جيوب بنطاله. تحركت بجسدها بهدوء في اتجاه الباب وخرجت على الفور وهي تشعر بخفقات قوية.
شمس بارتباك وهي تقف خلف الباب مباشرتاً:
"إزاي تنامي في مكتبة، غبية...."
صعدت الدرج سريعاً تحت مرأى إحدى الخادمات الجدد، والتي كانت تتنصت عليهما وتراقبهما منذ يوم الخطبة، وذلك بتعليمات من هند وصديقتها الخبيثة.
لي لي صباح اليوم التالي في إحدى الأماكن العامة.
كانت لي لي تجلس بجوار هند وهي تبتسم بخبث، بينما ترى هند تشتعل من الغيرة والغضب.
هند بحدة:
"أنا مش هفضل قاعدة كده حاطة إيدي على خدي لحد ما ألاقيه بيتجوزها. ده لا يمكن لي."
لي لي ببراءة زائفة:
"طب وناوية تعملي إيه بس يا هند؟ هو انتي تقدري تعملي إيه أصلاً."
هند بغضب:
"لازم أعمل أي حاجة، المهم أخلص منها. انتي فاهمة؟ لازم أخلص منها."
لي لي:
"طب اهدي بس وأنا عندي لك حاجة تخليكي تخلصي منها للأبد."
هند بتسرع:
"إيه؟"
لي لي:
"اممم، نبعدها عنه يعني مثلاً نخلص منها. شوفي اللي زي شمس دي عاملة زي العقربة، بتفضل تحوم حواليه لحد ما بتقدر تسيطر عليه. ولازم تسيب البيت، وده مش هيحصل إلا لما تتلدع وتقرب من الموت."
هند:
"موت؟!"
لي لي:
"بالظبط. بس مش هنوصل له، يعني احنا بس هنديها درس كده صغير عشان تحرم وتسيب القاهرة وتسافر فوراً لبلدها."
هند بابتسامة خبيثة:
"طب وده هنعمل إزاي؟"
لي لي:
"بصي........"
ابتسمت هند بشر فمسكت يد لي لي قائلة بامتنان:
"بجد مش عارفة أقولك إيه يا لي لي، بجد انتي أحسن صاحبة."
لي لي بخبث:
"وانتي أوي يا حبيبي، ومامي كمان بتحبك أوي."
هند:
"خالص، أنا هقوم دلوقتي عشان أنفذ اللي اتفقنا عليه."
لي لي:
"أوكيه."
بعد مرور عدة ساعات في قصر دويدار.
كانت شمس تأخذ حماماً دافئاً بعدما اطمأنت على السيدة صفاء وأجرت اتصالاً بوالدتها لتطمئن عليها وتخبرها أنها ستعود للبحيرة بعد ثلاث أيام.
خرجت من المرحاض وهي تجفف شعرها. ابتسمت بخفة وهي تجلس على الكرسي الناعم أمام المرآة. كانت ترتدي ثوباً طويلاً تجلس وتمشط شعرها بأريحية.
لكن لفت انتباهها باقة من الزهور موضوعة على الفراش.
عقدت شمس ما بين حاجبيها بارتياب وهي تنهض تتجه نحو الفراش.
مسكت تلك الباقة بابتسامة جميلة تستنشق منها بقوة، لكن شعرت بالنفور من الرائحة الغريبة.
أخذت تبحث بداخلها عن أي شيء (كارت أو ما شابه)، لكن شعرت بدوار وكأن قدامها لم تعد تسعفها للوقوف.
تسارعت نبضات قلبها بقوة مخيفة وهي تضع يدها على رأسها من شدة الألم، لتسقط تلك الباقة من يديها، وشعور الاختناق يزداد بقوة.
بكت من شدة الألم وكأن الثواني تمر عليها وكأنها دهر بأكمله.
اتجهت نحو باب الغرفة، فتحته وخرجت.
كان حمزة ينزل الدرج، لكنه استمع لصوت شهقات قوية خلفه. استدار يرفع رأسه.
لم يستوعب حمزة ما يحدث إلا وجسدها ينزلق من بين يديه.
صرخ باسمها برعب، ثم حملها وقد لاحظ بعض الدماء تتساقط من أنفها. تفحص جسدها مسرعاً ليتأكد من عدم وجود أي إصابات خارجية، ثم ركض بها نحو الخارج.
وخلفه ساكنو القصر الذين ذعروا من المشهد.
كان حمزة يصرخ بكل من يقابله وهو يحملها كالأموات بين يديه. صعد بها إلى السيارة وهو لا يزال يحتضنها ويتمتم برعب ويمسح على شعرها ووجهها بحنان وحماية وهو لا يستوعب ما يحدث:
"شمس افتحي عينيك... لو سمحتي أرجوكي... شمس."
حاولت التحدث من بين دموعها ووجهها الذي تلوث من دمائها، إلا أنها أغمضت عينيها بضعف وتعب.
كانت السيارة تسير بأقصى سرعة لها، مخالفاً سائقها كافة الإشارات المرورية للوصول بأسرع وقت ممكن وهو يرى تلك الفتاة مخدومة شبهه منتهية. ورغم ذلك لم يسلم من صرخات حمزة الذي كان يوجهها له بقوة، ولم تخلو نبرته من الرعب.
بعد قليل، وفي وقت قياسي، توقفت السيارة أمام المشفى الخاص الذي كان حمزة ووالده من أكبر مساهميه.
كان كبير الأطباء يقف في انتظاره عند مدخل الطوارئ لاستقبال شمس بعدما هاتفه حمزة في الطريق ليخبره بما حدث. بمجرد رؤيتهم للسيارة، ركض كبير الأطباء ومعه المسعفين لأخذها منه، ثم ركضوا بها مباشرة نحو الداخل.
ربت الطبيب فوق كتف حمزة، الذي كان وجهه يبدو كالأشباح من شدة الذعر، مطمئناً وهو يتمتم له قبل أن يركض هو الآخر مسرعاً نحو الداخل:
"متخافش حضرتك، هعمل كل اللي نقدر عليه وأطمنك لما أخلص.."
ظل حمزة واقفاً مكانه كالجماد يحدق في أثرها وهم يركضون بها إلى الداخل، رافضاً عقله تصديق ما يحدث.
ظل هكذا بدون حراك يقف مصدوماً لمدة لا يعلمها إلا الله، حتى خرج الطبيب من غرفة الاستقبال يركض في اتجاهه قائلاً:
"حالة تسمم.. احنا عملنا اللازم بس حالتها مش مستقرة. هنطلعها على غرفة الأشعة نطمن إن مفيش نزيف داخلي."
فاق حمزة من صدمته وسأله مستفسراً بجمود، وقد عاد عقله للعمل:
"نزيف؟!"
أجابه بأسف قائلاً:
"حمزة بيه، للأسف من التشخيص المبدئي، حالة التسمم دي مقصودة. واضح إنها استنشقت مادة معينة.. هنأكد بالتحليل، بس دلوقتي لازم نطمن إنه ما عملش نزيف داخلي جوه، وخصوصاً بعد نزيف الأنف اللي حصلها. وعمتاً الحمد لله إن الأعراض بانت عليها. ناس بيحصلها نزيف داخلي بصمت من غير أي أعراض. بس من الكشف المبدئي الحمد لله اتلحقت بدري، وإن شاء الله مفيش حاجة خطيرة."
أنهى الطبيب جملته ثم استأذنه في الرجوع للداخل مرة أخرى. حينها رأى الحرس الخاص بالفيلا يأتون في اتجاهه، فركض نحوه بعض، لكن دون سابق إنذار سدد له عدة لكمات قوية. ثم أمسكه من تلابيد قميصه:
"كنت فين!!! عايز أعرف إيه اللي حصل؟"
اخفض الحارس رأسه للأسفل بخنوع، تاركاً لمديره فعل ما يشاء به. ابتعد عنه بعدما امتلأ وجه حارسه بالدماء، ثم قال له بنبرة مهددة وهو يشير إليه بأصبعه:
"لو جرالها حاجة هخليك تحصلها، سامع!!! أقسم بالله لخليكم كلكم تحصلوها."
بعد قليل، خرج الطبيب وبرفقته شمس المستلقية فوق الناقلة الطبية (الترولي) وهي لازالت غائبة عن الوعي.
ركض حمزة نحوها يمسك بيدها ويمسح على رأسها بحنان وهو يمنع جاهداً دموعه من التساقط.
تحدث إليه الطبيب المساعد قائلاً باهتمام بعدما لاحظ حالة الألم والحزن الذي يمر بها:
"لو حضرتك حابب تطلع معانا الأشعة عشان تكون مطمئن، مفيش مشكلة."
هز رأسه موافقاً دون النظر إليه، فهو لم تكن لديه أدنى نية في تركها بعد الآن.
انتهت إجراءات الفحص وطمأنه كبير الأطباء باستقرار حالتها وعدم وجود أي مضاعفات أخرى أو نزيف داخلي، ثم قام بنقلها إلى غرفة خاصة.
دلف حمزة إلى الغرفة بخطوات بطيئة متثاقلة. وقف أمام الفراش بقلبه المنهك يتأمل شحوب وجهها وتلك الإبرة الطبية المنغرسة داخل كفها الرقيق لتتولى مهمة نقل المحلول إلى سائر جسدها. تحرك ببطء نحو مقدمة الفراش ثم انحنى بجزعه فوقها ليضع كفه بحذر فوق رأسها، ثم مسح على شعرها بنعومة وحنان قبل أن تتحرك شفتيه نحو جبهتها. أغمض عينيه بتخدر وهو يطبع قبلة طويلة على جبينها.
طبع قبلة مطولة فوقها صاحبتها دمعة واحدة سقطت عنوة من بين أهدابه، جعلتها تجفل أثناء نومها. شعور الألم الذي أحس به الآن كفيل ليجعله ينهار.
أخذ نفساً عميقاً يهدئ به بركان المشاعر الذي يموج بداخله، ثم دفن رأسه يستنشق عبير شعرها ببطء وشغف.
يعلم أنها ستشن عليه الحرب لو علمت أنه رآها بدون حجابها، وأيضاً سمح لنفسه بالتقرب منها.
اعتدل بعدها في جلسته وجر المقعد الموضوع في إحدى أركان الغرفة الأربعة إلى جانب الفراش ليجلس عليه، واتكأ بذراعيه على طرف الفراش، ثم مد يده يتحسس كفها الآخر بحنو قبل رفعه بحذر أمام وجهه.
تأمله مطولاً، ثم أخذ يتحسس بإصبعه ذلك الشريان النابض عند مقدمة معصمها، كأنه يتأكد من قيامه بمهمته على أكمل وجه.
طبع قبلة حانية فوقه، ثم قام بطبع عدة قبلات رقيقة متتالية داخل كف يدها وهو يتمتم بحزن:
"شمس قومي.... أنا آسف على كل حاجة عملتها وضايقتك مني، بس أنا أول مرة أخاف أوي كده من يوم وفاة أمي. أنا آسف."
أنهى جملته ثم عاد لتقبيل كفها وأصابع يدها كلاً على حدى، وهو يحتضن كفها داخل كفه العريض.
بعد قليل، طرق كبير الأطباء على الباب ليسمح له بالدخول، لكن نهض حمزة سريعاً متجهاً نحو الخارج. لن يسمح لأي شخص غيره برؤيتها هكذا. خرج وأغلق الباب خلفه.
"حمزة بيه.. نتايج التحاليل طلعت وزي ما قلت لحضرتك قبل كده، شكنا طلع في محله. الآنسة استنشقت مادة سامة عن طريق الأنف، ودي مادة سريعة في المفعول. لكن الحمد لله النوع ده مش بيسيب أثر قوي على الرئة أو أي أعضاء حيوية."
جحظت عينا حمزة للخارج وبدأ الاحتقان جلياً على وجهه وعضلات جسده المتصلبة، ولكن لم يعقب. تنحنح الطبيب مرة أخرى مستطرداً حديثه بتوجس:
"احم.. حمزة بيه، الموضوع كده فيه شبهة جنائية وأنا لازم أبلغ.."
انتفض حمزة في وقفته واحتقن وجهه وهو يجيبه بنبرة جامدة، ضاغطاً على حروف كلماته بتحذير قوي:
"وأنا مش عايز حد يعرف حاجة عن اللي حصل.. فاهم؟!"
ارتسمت ملامح الطبيب ثم بادر بحروف متعلثمة يبرر طلبه قائلاً:
"بس أنا لازم أخلي مسئوليتي.. دي مشكلة لوحد..."
قاطعه نبرة حمزة الناهرة قائلاً بحدة:
"ملكش دعوة، أنا هتصرف."
استدار بجسده نحو الطبيب بغضب وشراسة قائلاً ببرود وهو يرفع إحدى حاجبيه في إشارة للتحدي:
"في حاجة تانية يا دكتور؟"
هز الطبيب رأسه نافياً بصمت، ثم تحرك بخطوات مسرعة نحو الباب. أوقفه صوت حمزة يسأله بجمود:
"نقدر نطلع إمتى؟!"
أجابه الطبيب بمهنية شديدة وثبات مفتعل:
"مفيش أي خطورة على حياتها تمنعها من الخروج.. بس يُفضل إنها تستنى معانا اليومين الجايين عشان تستعيد وعيها."
رد حمزة بنفاد صبر قائلاً:
"شوف هتكون محتاجة إيه وأنا هوفره في البيت، مش عايزها تفضل هنا."
أومأ الطبيب برأسه موافقاً، فهو يعلم جيداً عدم جدوى النقاش معه، ثم أردف قائلاً بخنوع:
"مفيش مشكلة، هجهز لحضرتك واحدة من أفضل الممرضات عندي تتابع معاها أمور العلاج. وزي ما قلت لحضرتك الفترة الجاية مهمة. هتلاقي سخونية وهلاوس، كل ده طبيعي جداً، وواحدة واحدة هتستعيد وعيها وترجع أحسن من الأول إن شاء الله."
أومأ له حمزة بجمود طالباً منه الانتهاء من إجراءات الخروج بأسرع وقت ممكن، فهو لا يستطيع تأمينها جيداً وسط هذا الكم الهائل من الأفراد حتى لو كان داخل مشفاه الخاص.
دلف للداخل مرة أخرى ثم جلس إلى جوارها وهو يفكر بحذر فيما يدور من حوله.
رواية نجمة في سمائي الفصل السابع 7 - بقلم دعاء احمد
في قصر دويدار و بعد مرور بعض الوقت
كانت السيدة صفاء تجلس على كرسيها المتحرك و يبدو على وجهها الغضب الشديد و القلق على شمس.
كانت السيدة سلمي تقف بجوارها منكسه الرأس و الحزن يتوغل اكثر في قلبها.
فمنذ رؤيتها لشمس بتلك الحالة و هي تشعر بقبضة قوية تعتصر قلبها.
شمس! تلك الفتاة غريبة. استطاعت بمنتهى البراءة امتلاك قلوبهم جميعاً و كيف لا و هي تتعامل معهم بقلبها.
تمتمت صفاء بعصبية و حدة:
=أنا عايزة أعرف مين عمل كدا، و مين اللي وصل الورد الزفت دا لاوضة شمس؟
و الحرس كانوا فين و لا كانوا نايمين على نفسهم؟
ردت السيدة سلمي بحرج و لباقة:
=و الله ما عارفه يا هانم، أنا اخر مرة شفت شمس لما كانت مع حضرتك و بعد كدا قالت هتطلع تاخد شاور و تذاكر و بعد كدا مشوفتهاش الا لما حمزة بيه كان شايلها و هي بتنزف.
صفاء بحدة:
=سلمي أنتي معايا من زمان و البت دي مسئوليتك فيه أن كل حاجة تمشي مظبوطة و كل اللي شغالين هنا يكونوا تحت إشرافك و مراقبة صارمة منك دي القواعد اللي بيمشي عليها كل الشغالين في قصر دويدار، لو شفتوا مني الطيبة لفترة معينة متنسوش اني صفاء النوري يعني اللي بيغلط يتحاسب، عايزة اعرف مين عمل كدا في أسرع وقت ممكن.... اظن الكلام واضح و مفهوم؟!
السيدة سلمي بلباقة و احترام شديد:
=مفهوم يا هانم، بعد اذن حضرتك.....
صفاء بهدوء:
=استنى، قوليلي حمزة و شمس هيرجعوا انتي من المستشفى؟
سلمي:
=حمزة بيه قال ساعة و هيكونوا موجودين.
صفاء بجدية:
=خالي سارة تجهز أوضة شمس لو فيها حاجة مش مرتبه.
سلمي:
=حاضر يا هانم
في المشفي
قامت الممرضة بتجهيز شمس و تبديل ثيابها لآخر ثم خرجت من الغرفة سامحة لحمزة بالدخول.
حمل حمزة شمس التى مازالت غائبه عن الوعي، رافضاً كل محاولات او عروض حرسه او موظفى الإسعاف فى مساعدته.
صعد بها إلى السياره بحذر وهو لا يزال يحملها ويضمها إلى صدره بقوه، فى الحقيقه هو من كان بحاجه إلى ذلك العناق، بحاجه إلى قربها، إلى ان يشعر بدقات قلبها قريبه من صدره حتى تستكين روحه المرتجفة ويتسلل الهدوء لخلايا جسده المنتفض.
وصل إلى المنزل ووجد فى استقباله سلمي و السيدة صفاء.
صفاء بسرعة:
=حمزة! الدكتور قالك ايه؟ ليه لسه فاقدة الوعي.
حمزة بجدية:
=هطلعها اوضتها الاول يا صافي و بعدها نتكلم، سلمي حصليني على فوق.
أومات له السيدة بلباقة و هي تصعد الدرج خلفه.
انتهى حمزة من وضعها برفق داخل الفراش فى غرفته وطلب من سلمي تبديل ثياب المشفى لها و مساعده الممرضة التى جاءت معه فى الاعتناء بها حتى يعود.
ثم تحرك نحو الخارج بوجهه مكفهر وعرق نابض منتفض من شده الغضب حتى أنه لم يذهب لجدته ليطمئن قلبها و كيف يطمئن قلبها و قلبه هو ملتاع.
دلف الي غرفة الكاميرات الموجودة في المبنى الصغير المجاور للفيلا.
وجد كبير الحرس «ظافر» يجلس أمام شاشة الحاسوب و هو يقوم بتفريغ الكاميرات لعل و عسى يعرف من الفاعل.
الا ان صوت حمزة الحاد قاطعها قائلا بصرامة:
=وصلت لحاجة؟
رد ظافر بهدوء قائلا و هو يشير على شاشة الحاسوب:
=اتفضل حضرتك... المقطع دا سجلته الكاميرات في نفس التوقيت اللي حصل فيه التسمم.
نهض ظافر من مكانه ليجلس حمزة و عيناه تشتعل من الغضب.
وضع يده أسفل ذقنه و هو يتابع بصمت عكس ذلك الانفجار الذي يحدث بداخله.
حمزة بحدة مخيفة:
=مين الست دي مش دي من الخدم الجداد؟
رد ظافر باحترام شديد قائلا:
=ايوة، أسمها خلود عندها 37 سنة ساكنه في حي بولاق، الست دي قبل الحادثة بدقايق قالت لحارس البوابة الخلفية ان في مشكلة في المطبخ بين الخدم و فعل لما دخل لقى بنتين ماسكين في خناق بعض لكن الموضوع كان بسيط جدا و ميستاهلش تدخل اي حد من الحرس علشان كدا رجع تاني البوابة.
في الوقت دا خلود ظهرت هنا في الكاميرا دي و هي واقفة مع الشاب اللي مش ظاهر وشة دا و بعدها اخدت منه الورد و دخلت تاني.
حمزة بصرامة:
=و البت دي فين دلوقتي؟
ظافر:
=في المخزن........ بعد ما شفت الفيديو كانت سابت الشغل و هربت لكن كلفت الحرس انهم يجبوها لحضرتك.
نهض حمزة عن كرسيه و اتجه نحو الخارج دون الالتفات لأي شخص، صعد لسيارته ثم قادها بأقصى سرعة متجها نحو المخزن.
شعر ظافر بالخوف و القلق مما سيفعله لذلك ذهب خلفه.
مر حوالي نصف ساعة.
أوقف سيارته ثم ترجل منها بسرعة مردفا بنبرة حازمة للحارس:
=هي فين؟
ابتلع الاخر ريقه قائلا بجدية:
=جوا.
دلف الي الداخل فكان المخزن عبارة عن مكان لتخزين الآلات القديمة و التالفه الناتجة عن استخدام المصانع لكن مظلم جداً.
كانت خلود ترتجف من شدة الخوف و الذعر التي شعرت بهم في تلك الساعات القليلة الماضية، فكان وجهها ينزف و ملي بالكدمات.
أقترب منها حمزة و هو يكاد يقتنصها بعيونه السوداء الضارية.
جلس أمامها قائلا بحدة:
=شوفي أنا عمري ما مديت ايدي على واحدة لكن و ربي و ما اعبد لو ما نطقتي دلوقتي حالا باللي عندك لهتندمي طول حياتك على اللي هيحصل فيكي، انطقي يا بت ليه عملتي كدا؟
صرخ بنهاية جملته جاعلا منها ترتجف بذعر.
حاولت الرد عليه بصعوبة لكن لم تستطيع.
قام بمسك فكها السفلى و هو يضغط عليه بحدة قائلا و هو يضغط على كل حرف:
=انطقي احسنلك.... علشان مش هتستحملي ف ايدي غلوة.
خرج صوتها اخيراً مردفة بفزع و خبث:
=هتكلم هتكلم...... لي لي بنت عديلة هانم مرات ابو حضرتك.
شعر حمزة بالذهول و الصدمة الحقيقة فلم يكن يتوقع باي شكل من الأشكال ان يكون هناك عداوة بين لي لي و شمس.
لتكمل خلود بطمع و هي تفكر بشئ ماً:
=لي لي هانم هي اللي خلتني اشتغل في القصر اصلا و كانت عايزانى اراقب حضرتك أنت و آنسة شمس و فعلا كنت بعمل كدا لكن لما وصلت ليها الاخبار عرفت ان حضرتك مهتم بيها اوى و قررت تخلص من شمس و بعدها تخلص من هند الحسيني.
حمزة بعدم فهم و حدة:
=لي لي! ليه تعمل كل دا؟
خلود:
=أصلها بتحبك و انا عرفت انها كانت عايزة تكون مراتك و لما حضرتك خطبت هند وقتها كانت ناوية تعمل مشكلة لكن صبرت و بعدها كانت بتفكر ازاي تخلص من هند لكن لاحظت في حفلة الخطوبة اهتمامك بشمس هانم فطلبت مني اشتغل عندك و اراقبكم و لما عرفت ان ممكن تكون بتحبها قررت تخلص منها.
ظافر بهدوء:
=حمزة بيه!
لم يلتفت له حمزة و هو يستقيم واضعا يديه في جيب بنطاله ثم خرج من المخزن قائلا بحدة:
=البت دي عايزاها تعرف ان الله حق، متخرجش من هنا و لا تشوف النور الا باذني.
أمر حراسه بالتحرك معه ثم صعد إلى سيارته وانطلق بها.
كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل عندما وصل حمزة إلى فيلا والده وأطلق زمور سيارته بقوه ليحث الحارس على فتح الباب الرئيسى ليتسنى له الدخول.
انتفض الحارس من مقعده على صوت اْبواق السيارات التى كانت تدوى دون توقف وهرول مسرعاً ينظر فى شاشه المراقبه عن هويه ذلك المتطفل ثم قام بفتح الباب راكضاً بتوجس من مظهر ابن رئيسه الغاضب.
اندفع حمزة بسيارته للداخل بسرعه ساحقه تتبعه سياره حراسته ثم توقف امام الباب الداخلى.
ترجل منها وعيونه ترمى بشرر من شده الغضب ثم تحدث إلى رئيس حراسه يأمره بأقتضاب:
=خليكم هنا لو احتجتكم..
انهى جملته وتحرك يركل بقدمه وبكل ما أوتى من قوه الباب وهو يطرق عليه بكفه فكاد الباب ينكسر تحت وطأه طرقاته وغضبه.
آفاق جميع من فى البيت على خبطات حمزة المتلاحقة وركضت الخادمه برعب تفتح الباب ثم تنحنت جانباً عندما رأت حمزة وهو بتلك الحاله.
وقف فى منتصف البهو يصرخ بصوته الجمهورى هاتفاً:
=يا عديلة هانم !!!! انتى يا عديلة انزليلى هنا..
ركض سالم من فوق الدرج حيث مكان حمزة ابنه الذي و لأول مرة يراه بكل هذا الغضب و الشراسة ثم توقف امامه ينظر له بغضب واضح ثم نهره بقوه قائلاً:
=ايه ده !!! فى ايه !!! انت اتجننت يا حمزة في ايه؟
مد حمزة احدى ذراعيه يزيح والده من امامه بعدما حرك عينيه ينظر إليه بحدة حاول التنازل عنها لكنه لم يستطيع و ذلك المشهد يتكرر أمام عينيه و هو يرى شمس تسقط باحضانه و هي تنزف قائلا بأهتياج:
=انتم لسه شفت جنان !! ..ابتسم بشراسه ثم قال بتهديد وهو يضغط على شفتيه بقوه ثم صاح بوالده قائلاً:
=انا .. هوريكم الجنان اللى على اصوله.. انتى يا لي لي تعاليلى هناا انتي و أمك انزليلي.
انهى جملته بصراخ هز أركان المنزل وجعل والده الواقف بجواره ينتفض و شعور الصدمة يسيطر عليه و كأنه يرى شخص آخر غير ابنه المهذب في التعامل.
هبطت عديلة إلى الاسفل وهى تغلق رداء نومها الحريرى بأحكام وتتسائل:
=ايه ده !! فى ايه ؟!.. ايه الهمجيه دى ؟!..
خرجت لي لي من غرفتها برعب بادي على ملامحها قائلة:
=حمزة؟! في ايه؟
أبتسم حمزة بشراسة و ركض نحوها تحت صدمة سالم و زوجته.
قبض حمزة على ذراعها بقوه وغزر أظافره بذراعها قائلاً بعصبيه شديده:
=عملتى كدا ليه فيها انطقي.
هدر بسؤاله بقوه جعلتها تنتفض من مكانها وتجيبه برعب من بين تأوهاتها قائله:
=معملتش حاجه .. اه سيب ايدى دى قلتلك معملتش حاجه ... و بعدين انت بتتكلم معايا كدا ليها.
جابها حمزة بغضب وهو لايزال يضغط على ذراعها بقوه مستطرداً حديثه وقائلاً بحنق:
=امال مين اللى عمل !!!! مين اللي بعت الخدامة تشتغل في القصر و حطاها السم في الورد !!! انطقي و لا انتي فاكرة اني سالم دويدار هتضحكوا عليه بكلمتين، زمان أمك قدرت تتجوز ابويا علشان ينشلها من الفقر اللي هي فيه و استغلت موت أمي لكن انا مش هو، علشان ابصلك و لو انتي اخر واحدة في الكون، انطقي عملتي كدا ليه؟
حركت رأسها نافيه بيأس وقد بدءت تشهق بصوت مسموع من الم ذراعها وقوه قبضته قائله بتوسل:
=معملتش حاجه .. والله ما عملت حاجه انا معرفش انت بتتكلم عن ايه ..
نفض حمزة ذراعها بقوه تاركها تتلمسه بحذر للتأكد من عدم اصابته ثم اجابها بتحذير قائلاً وهو يرميها بنظرات احتقاريه:
=انا بنفسى هعرف مين اللى عمل كده ولو كان ليكى دخل بالموضوع ده اتشاهدى على روحك .. وأقسم بالله لو عرفت ان ليكى يد فى الموضوع لكون مولع فى البيت ده بكل اللى فيه .. فاهمه !!!!!!!! .
انهى جملته بصراخ قوى وهو ينظر نحوها بشراسه قبل ان يستدير للخارج ويغلق الباب خلفه بعنف رج معه أركان المنزل من شده قوته.
توجه سالم نحوها يسألها بحدة:
=عملتي ايه يا لي لي خليت حمزة بالشكل دا ؟!..
اقتربت لي لي من والدتها و هي تبكي لتحضنها الأخرى قائلة بعصبية:
=بنتي معملتش حاجة يا سالم، إبنك هو اللي شكله اتجنن على الآخر هو دا حمزة اللي بتحلف بيه و بأخلاقه يتهجم علينا كدا لا و يقول اني ضحكت عليك زمان و استغليت موت مرام.
رد سالم قائلا بحزن:
=خدي بنتك و اطلعوا اوضتكم عايز اكون لوحدي "ليكمل بشراسة مشابهاً لابنه=و فكري كويس يا لي لي و شوفي عملتي ايه لان لو غلطتي في حد يخص حمزة يبقى اقري على روحك الفاتحة.
ابتلعت لي لي ما بحلقها بخوف و هي تصعد مع والدتها الي الغرفة.
بعد قليل.
عديلة بعدم فهم و همس:
=انا عايزة افهم دلوقتي ليه حمزة بيقول انك انتي اللي عملتي كدا؟
لي لي بغضب:
=مش عارفه يا ماما انا قولت الفكرة لهند مش اكتر و قولتلها انها لازم تخلص من شمس و تبعدها عن حمزة، يعني المفروض ان لو اللعبة اتعملت صح و انكشفت هند هي اللي هتبقى المسئولة ليه بقا بيقولي انا.
ردت عديلة بتفكير شيطاني:
=اكيد هند اخدت الفكرة و عجبتها لكن خافت تنفذها و تتكشف هي و يمكن تكون فاهمة انك بتعملي كل دا معها علشان عايزة تتجوزي حمزة فتخلصي من شمس و بعدها هند.
لي لي بذهول:
=انتي قصدك ان هند كانت فاهمة اني بلعب عليها علشان اخلص منها فقررت تسايرني و تلعب معايا و في الاخر تدبسني انا في الموضوع.
عديلة بكر"ه:
=مش بعيد هند مش غبية بالعكس دي حية و شغل ابوها مع حمزة مهم جدا بالنسبة ليها و كمان جوازها منه مهم ليها و اكيد لما حست انك بتلعب عليها قررت تحطك في وش المدفع و يمكن كمان اللي هي كلفتها انها تعمل الخطة دي خليتها تقول انك انتي اللي عملتي كدالي.
لي لي:
=يا بنت الشياطين؟!!
ردت عديلة بخبث:
=بس هي كدا خلتني احطها في دماغي يبقى تستحمل بقا اللي هيحصل.....
عاد حمزة إلى منزله ومنه مباشرة إلى غرفته للاطمئنان عليها، طرق على الباب ثم تنحنح لتقوم الممرضة بوضع الحجاب على رأس شمس سامحة له بالدخول.
دلف إلى الغرفه بهدوء فوجد الممرضه تجلس فوق المقعد الموجود بغرفتها فى حاله تأهب.
وقفت تنتظر تعليماته.
سألها بأرهاق مستفسراً عن حالتها وهو لا يحيد بنظره عن الفراش حيث هى مستلقيه:
=فى جديد ؟!..
هزت الممرضه رأسها نافيه فاستطرد حديثه قائلا بهدوء:
=اوضتك جانب الأوضة دي.
أومات له بهدوء ليخرج من الغرفة شاعراً بألم و إرهاق و أيضا يعاتب نفسه على حديثه الفظ مع والده.
دلف حمزة الي غرفته ثم بدأ فى حل آزار قميصه الملطخ ببعض دما'ئها وهو يزفر بتعب ثم التقط احدى ملابسه النظيفه من خزانه الملابس وتوجه نحو المرحاض ليغتسل وياخذ دشاً دافئ ليريح به عضلاته المرهقه.
خرج بعد قليل وهو يرتدى تيشرت ابيض وبنطال رياضى من اللون الاسود.
ثم تحرك فى اتجاه فراشه يتسلقه و لأول مرة يشعر و كأنه شخص اخر، شخص يمكن محاربة الجميع لأجل شخص واحد.
اجل اجل هو سيفعل ذلك أن تاذي اي شخص يخصه اي شخص من عائلته لكن لما هي!
هي ليست فرد من أفراد عائلته لكن همس لنفسه بضياع قائلا:
=وقعت يا إبن دويدار.... و لا حد سمي عليك يارب.
نهض من فوق فراشة ليلتقط سجادة الصلاة ثم شرع في صلاته التي طلت لوقت لا يعلمه احد فقط ظل يدعو الله أن يهدي قلبه و أن يعود لهدوءه و سكينته التي فقدها من ان أقترب من تلك الفتاة.
بعد وقت التقط هاتفه ثم اجري اتصال بوالده الذي رد على الفور و كأنه يتنظر تلك المكالمة ليستكين قلبه.
جلس حمزة على حافة الفراش واضعا يده علي راسه قائلا بنبرة حزينة:
=أنا آسف بس و الله مكنتش اقصد اضايق حضرتك.
رد سالم بابتسامة و لهفة:
=اول مرة احس انك زعلان اني اتجوزت بعد والدتك علي فكرة أنا كنت بحب مرام يا حمزة و الله بس أنا كنت ضايع بعد موتها و لما قبلت عديلة منكرش اني أعجبت بيها...
قاطعه حمزة بهدوء قائلا:
=بابا أنت بتقول ايه أنا عمري ما زعلت منك، ماما الله يرحمها ماتت و أنت من حقك تتجوز و انا عمري ما فكرت فيها كدا صدقني أنا بس الفترة دي حاسس اني مضغوط أوي، أنا بجد آسف.
سالم بحب:
=حمزة أنت مش عايز تحكيلي حاجة احنا طول الوقت صحاب، ليه حاسس انك متغير، احكي لي مالك؟
حمزة:
=خلينا ناجل الكلام دلوقتي انا تعبان و عايز انام لكن ان شاء الله نبقى نتقابل و احكيلك يمكن تفهمني و تقولي اعمل ايه.
سالم:
=و انا موجود في اي وقت.
ابتسم حمزة هدوء و هو ينهي المكالمة مع والده ثم وضع الهاتف جانباً ليستلقي على الفراش.
في صباح اليوم التالي.
خرج من غرفته و هو يهندم بذلته، هبط الدرج ليجد صفاء تجلس برفقة هند التي جاءت منذ قليل و هو تبتسم بمكر فجاءت خطتها كما رتبت لها.
نظر حمزة نحوها ثم تقدم منه قائلا:
=صباح الخير يا صافي. عاملة ايه دلوقتى؟
ردت صفاء بحب قائلة:
=بخير الحمد لله و بقيت أحسن لما أطمئنت على شمس، الممرضة بتقول ان حرارتها ارتفعت بليل لكن الحمد لله دلوقتي نايمة و انا كلمت الدكتور في المستشفى قالي انها هتفوق في اي وقت.
هند بغرور:
=مهتمة بشمس اوي يا صافي؟
صفاء:
=طبعا هي اهتمت بيا لوقت طويل يبقى لازم اهتم بيها و بعدين شمس بنت رقيقة و تستاهل كل خير.
هند:
=فعلا هي كدا....
حمزة بهدوء:
=انا لازم امشي عندي شغل ضروري في الشركة، صحيح يا صافي الدكتور اللي هيعملك العملية كلمني و ان شاء الله هنسافر اليومين الجايين دول.
ردت صفاء بحزن:
=و الله انا زهقت من العمليات دي كلها فات عشر سنين و مفيش اي حاجه جديدة.
جلس أمامها قائلا بحب:
=بس انا المرة دي متفائل يا صافي و ان شاء الله هتقومي و ترجعي تمشي تاني ممكن بقا بلاش إحباط لو سمحتي.
أومات له بحنو ليقبل كف يدها قائلا:
=ايوة كدا يا صافي... أنا همشي دلوقتى.
بعد مرور يومان.
كانت شمس استعادت صحتها، كانت تقف أمام الخزانة ترتب حقيبتها للعودة الي البحيرة و هي تشعر بشئ مختلف.
في الفترة الماضية لاحظت اهتمامه المبالغ فيه نحوها و ذلك بشعرها بالاتباك و التوتر حتى أن قلبها ينفعل كلمت أقترب منها، كلما تحدثا.
شمس لنفسها:
=مالك يا شمس مالك. فوقي يا حبيبتي فوقي.
حملت حقيبتها ثم غادرت الغرفة.
بعد قليلا كانت تقف في الصالون تودعهم.
صفاء بحب:
=خالي بالك على نفسك و ابقى طمنيني عليك.
ردت شمس بحب قائلة:
=ان شاء الله و الله كلكم هتوحشوني اوي بس انا ماما وحشتني اوي فات شهر و عشر ايام و دي اول مرة اتأخر عليها كدا.
ابتسمت صفاء بحب قائلة:
=يبقى سافري و سلميلي عليها.
قبلتها شمس من وجنتها قائلة بود:
=ان شاء الله...
وضعت صفاء ظرف في يدها قائلة بحب:
= و دا مرتبك انتي تعبتي معايا اوي الفترة اللي فاتت.
ابتسمت شمس بسعادة قائلة بحب:
=متشكرة جدا بجد.
دلف حمزة الي الداخل و هو يتحشا النظر نحوها قائلا بابتسامة:
=صباح الخير يا صافي، صباح الخير يا شمس.
ابتسمت شمس تلقائيا ثم هتفت قائلة:
=صباح النور...
صفاء:
= شمس هتسافر خلاص يا حمزة بجد هفتقدها.
جلس حمزة الي جوارها واضعا ساق على الأخرى قائلا:
=كلنا هنفتقدها يا صافي.
تعلق نظره بها لتخفض رأسها بخجل قائلة:
=أنا لازم امشي دلوقتي علشان الحق القطار.
حمزة بجدية:
=تمام خليني اوصلك....
شمس بسرعة:
=بس مش عايزه اتعب حضرتك.
ابتسم حمزة قائلا:
=و لا تعب و لا حاجة خليني اوصلك......
بعد مرور بعض الوقت.
توقفت سيارة حمزة خارج المحطة، ظل صامتا للحظات و هي كذلك.
حمزة:
=شمس..... خالي بالك على نفسك و لو احتاجتي اي حاجة لازم تكلميني فوراً و انا هبقي موجود معاكي في اي وقت احتاجتيني فيه.
شمس:
= ان شاء الله خير، متشكرة جدا لحضرتك.
حمزة بتاكيد:
=خالي بالك على نفسك...
أومات له بجدية قبل أن تترجل من السيارة متجهه نحو محطة القطار.
ظل ينظر لها لثواني معدودة قائلا بخفوت:
=ارجع من السفر و ساعتها مش هسمحلك تبعدي أصلا.......
بعد عدة ساعات في إحدى قرى البحيرة التي تمتاز بطيب هوائها.
كانت شمس تسير بالطرقات و هي تحمل حقيبتها، ابتسمت بسعادة و هي تتذكر والدتها و شقيقتها.
كادت ان تصعد للسيارة الأجرة لتصل للمنزل الا أنها سمعت صوت مألوف يأتي من بعيد.
نظرت خلفها لتبتسم فجأة قائلة بود:
= سعد!
أقترب منها إبن عمها و هو يبتسم بطيبة قائلا:
=أخيراً نزلتي اجازة وحشتينا.
شمس:
=معليش كان حصل شوية ظروف كدا الفترة اللي فاتت، أنت عامل ايه يا سعد و عمي عامل ايه؟
سعد:
=كلهم بخير الحمد لله، ياله هوصل معايا.
ردت شمس بحرج:
=معليش يا سعد مش عايزاه اعملك مشاكل، اكيد مرات عمي لو عرفت انك وصلتني هتضايق...
سعد بجدية:
= ايه اللي انتي بتقوليه دا يا شمس، هو انتي شيفاني عيل صغير و لا ايه و بعدين امي اه عنيدة و بتهب احيانا لكن طيبة.
شمس:
=جايز بس معل....
سعد بجدية:
=بطلي عناد و ياله هوصلك.
ابتسمت شمس بود و هي تسير معه نحو سيارته.
سعد:
= احكيلي بقا يا شمس عاملة ايه في الكُلية بتاعتك.
شمس:
=بص هي فيها حاجات كتير بس ان شاء الله هتعدي على خير.
سعد بود و حب:
=ربنا معاكي يا شمس و تنجحي و تبقى من الأوائل كمان.
تنهدت شمس بتعب و هي تضع راسها على زجاج السيارة و أحداث الشهر الماضي يدور بذاكرتها كشريط الفيديو.......
رواية نجمة في سمائي الفصل الثامن 8 - بقلم دعاء احمد
سعد وصل لبيت شمس بعد حوالي ساعة ونص. بص لشمس اللي كانت نايمة بهدوء وساندة على شباك العربية. ابتسم بحب وقلة حيلة وهو بيفتكر رفضها إنها تتجوزه وعهده لنفسه إنه هيكون أخوها وقت ما تحتاجه.
"شمس، شمس، أصحى وصلنا البيت."
فتحت عينيها بتعب وهي بتبص للمكان حواليها.
"تسلم يا سعد، ومعليش لو آخرتك على حاجة."
"متقوليش كدا، إحنا أخوات. ابقي سلميلي على مرات عمي وبلغيها إننا هنزوركم قريب."
"تشرف في أي وقت. طب ما تيجي تسلم عليها وأهو نتغدا سوا، ولا أكل ماما موحشكش."
"والله وحشني أوي وهي كمان وحشني الكلام معاها، بس معليش مرة تانية إن شاء الله عشان عندي شغل في الأرض والرجالة زمانهم مستنياني."
"خالص، هستناك قريب... ابقى سلملي على عمي."
"حاضر يا شمس. مش عايزة مني أي حاجة؟"
"تسلم ياله، مع السلامة."
نزلت من العربية وأخدت شنطتها. سعد ابتسم وهو بيبصلها بتبعد عن المكان وبتدخل البيت.
"يا أم شمس.... ماما، هدى."
هدى خرجت من الأوضة بسرعة وهي فرحانة. جريت على شمس وحضنتها.
"وحشتيني أوي أوي..."
"وأنتي كمان وحشتيني أوي، وماما وحشتني..."
"شوفي، مش هسيبك إلا لما تحكيلي كل حاجة حصلت في الفيلا اللي اشتغلت فيها من أول ما روحتي."
"وطي صوتك، ماما لسه متعرفش بموضوع الشغل دا وعايزة أمهد ليها الموضوع... هي فين؟"
"خرجت راحت السوق وأنا كنت بذاكر... أنتي وحشتيني أوي وبجد عايزة أتكلم معاكي في حاجات كتير أوي، وأولهم المز اياه اسمه إيه؟ حمزة.... آه حمزة.."
"ماله أستاذ حمزة؟ مش فاهمة."
"عايزة أعرف إيه اللي حصل من أول ما روحتي هناك، وياريت ضايقك ولا إيه الدنيا."
"عادي يا هدى، عادي. هو إنسان محترم والحمد لله مضايقنيش. وكمان جدته ست طيبة أوي، وكفاية إنها بتعاملني زي بنتها. بس ساعات بحس بحاجات غريبة، فاهمة؟ يعني بتوتر من نظراته وطريقته. ساعات بتخوفني وساعات بحس إني مرتحاله... مش عارفة إيه العبط دا أصلاً. وكله كوم والزفت اللي هتجوزه كوم تاني. إنسانة كدا مستفزة.... بقولك، فيه أكل إيه؟ أنا جعانة أوي."
"جعانة إيه بس دلوقتي... أنا مش هسيبك إلا لما تقوليلي إيه حكاية.. بترتاحيله دي."
"هدى، قصدك إيه؟ أنتي عارفة إني مش كدا."
"عارفة... بس شكل كدا فيه حاجة أنا مش عارفاها.... أنتي مخبية عليا حاجة يا شمس؟"
"هخبي عليكي إيه بس يا هدى؟ ما أنتي عارفة أختك مبعرفش أخبي عليكي حاجة. كل الحكاية إني حسيت إني واحدة منهم مش أكتر... فاهمة؟ حسيت إني فرد منهم."
"دا بس من حظك الحلو عشان نيتك كويسة.... ويا أختي، حابة أبهرك بالأكل وأقولك إن أنا اللي عاملة."
"بطني مش ناقصة يا هدى، الله يرضى عليكي..."
"عيب عليكي، دا أنا عاملة فاصوليا ورز وفراخ. إنما إيه، هتاكلي صوابعك وراهم."
شمس قعدت على الأنتريه واتكلمت بهدوء.
"يا ريتني كنت مسكت في سعد يتغدا معانا."
"سعد؟! هو كان معاكي؟"
"اه، ما هو اللي جابني من المحطة لحد هنا."
هدى قعدت قصادها وبصتلها بحيرة وخبث.
"مالك بتبصيلي كدا ليه؟"
"شمس، هو إيه الحكاية؟ هو إحنا مش كنا قفلنا حوار سعد دا ليه فتحتيه تاني؟"
"موضوع إيه؟ الجواز؟! أنتي هبلة صح يا هدى؟ سعد يبقى أخويا وأنا قلتله قبل كدا إني بعتبره أخويا الكبير. وبعدين أنتي عارفة أنا مش عايزاه يبقى فيه أي ارتباط بينا وبين مرات عمي شهيرة، الولية الحيزبونة دي، لكن سعد مش زيها."
"ماشي يا شمس، هعمل نفسي مصدقة. بس خلي في علمك شهيرة وعمي عيسى، الاتنين دول عمرهم ما حبونا. وبالذات عمك شايف إن البنات بيجيبوا العار، وإن لولا بابا الله يرحمه كان زمان عمك متحكم فينا، وكمان قاعدك من المدرسة زمان."
"متفكرنيش يا هدى، متفكرنيش. ساعات بحس إن عمي دا طيب، بس شهيرة هي اللي موسوسة في دماغه. الله يرحمه بابا، لولا كان كل من هب ودب يفرض سيطرته علينا... الله يرحمه. عمل لينا قيمة وعلمنا إن كرامتنا فوق الكل."
في نفس الوقت، الباب اتفتح ودخلت مريم وهي ماسكة شنطة السوق بعد ما اشترت الخضار.
"ماما...."
"شمس... أنتي جيتي إمتى يا حبيبتي."
شمس ابتسمت بسعادة وهي بتحضنها ومريم بتربت على ضهرها بحنان.
"وحشتيني أوي يا ماما... أوي، ووحشني حضنك. أنا لسه واصلة من ربع ساعة."
"اتأخرت السفرية دي يا شمس. قلبي كان وجعني عليكي وكنت حاسة في كل لحظة إن فيه حاجة مش كويسة بتقرب منك. دايما كنت بدعيلك ربنا يسعدك ويوقفلك ولاد الحلال يا حبيبتي."
"والله يا ماما، أنا ماليش بركة غيرك. الحمد لله على كل حاجة حصلت، أنا بخير متقلقيش عليا."
"أنتي وشك أصفر كدا ليه يا شمس؟ هو أنتي مكنتيش بتاكلي كويس في السكن ولا إيه؟"
"والله أنا كويسة، دا بس شوية إرهاق من المذاكرة والسهر. أنا كويسة الحمد لله، بس واقعة من الجوع حرفياً."
"هدى، سخني الغدا ياله يا حبيبتي وحطيه في البلكونة اللي برا. الجو النهاردة حلو. شمس، خلينا نتغدا برا. وأنتي ادخلي غيري وصلي، هنستناكي."
"حاضر يا ست الكل... ياله يا هدى اتفضلي معايا."
"خدي الشنطة دي يا هدى، حطي الخضار في التلاجة."
"حاضر يا ماما..."
بعد دقايق في أوضة شمس وهدى.
شمس حطت المرتب اللي أخدته من صفاء في الدولاب وهي مستغربة إنه زيادة ألفين جنيه عن اللي اتفقت عليه مع صفاء في أول الشغل.
"خمس آلاف إزاي؟ هو مش المرتب تلاتة.... أكيد حصل غلط. لازم أكلم مدام صفاء وأبلغها."
"ياله يا شمس..."
"حاضر جاية أهوه."
قفلت الدولاب وخرجت من الأوضة.
***
في بيت الحج عيسى.
شهيرة كانت قاعدة في مدخل البيت وهي بتتكلم في الموبايل.
"أنت بتقول إيه... يعني بنت بكري مكنتش قاعدة في بيت الطالبات كل الوقت دا وبتتصرمح؟"
"والله يا شهيرة هانم، من وقت ما أنتي طلبتي مني إني أراقبها وأنا وراها خطوة بخطوة. روحت سألت في بيت الطالبات اللي هي كانت فيه، قالولي إنها سابته من يجي شهر وأكتر. ولما سألت عرفت إنها راحت تسكن في بيت فخم أوي بتاع واحد كدا اسمه حمزة دويدار، راجل أعمال."
"والهانم كانت بتعمل إيه هناك؟ أستغفر الله العظيم. هي البنات بقت كدا؟ لا خيش ولا أدب، عيني عينك كدا."
"الله أعلم يا ست شهيرة، بس اللي عرفته إنها بتشتغل مرافقة للست الكبيرة و عايشة معاهم في البيت. وفي كلام بيتقال كدا إن فيه حاجة بينهم. أصل كان يجي أسبوع كدا شمس اتسممت وهو أخدها للمستشفى بتاعته وفضل معاها. الدكتور بيقول إنه كان مهتم بيها أوي أوي."
"بقا كدا؟ لا دا الموضوع شكله كبير. بقولك إيه يا فتحي، عايزك تعرفلي كل حاجة عن اللي اسمه حمزة دا. شكل كدا وراه حكاية. أصل يا خويا أنا خايفة أوي على بنت سلفي الله يرحمه، وأنتي عارفة البت دي يتيمة الأب يعني مفيش حد يحكمها وممكن أي حد يضحك عليها كدا ولا كدا. فإما لازم عيني تكون عليها دايما."
"أصيلة يا ست شهيرة، والله من عنيا. حاضر هعرفلك كل حاجة عنه. أصل هو حد مهم هنا وأبوه عضو في مجلس الشعب."
"كدا كدا... ماشي يا فتحي، هستنى الأخبار بس بالله عليكي متتأخريش عليا. أنا عايزة أطمن عليها، وأنتي عارفة المشاكل اللي بيني وبين مريم أمها، لو حاولت أتكلم معاها في أي حاجة تخص بناتها هتتعصب عليا وتقول إني بتبلي على بناتها."
"حاضر يا هانم، هعرفلك كل حاجة وأبعتلك على طول."
"تسلم يا خويا، ومتقلقش عيالك كلهم أنا خليت الحج عيسى يشغلهم معاه في الأرض."
"الله يعمر بيتك يا ست شهيرة، إحنا برضو ملناش غيرك."
شهيرة قفلت الموبايل وهي بتفكر في الكلام اللي بيتقال.
"آه يا ناري، لو أعرف أمسك عليكي حاجة يا شمس، ساعتها بس أنا هعمل اللي في دماغي ومش هخليكي تطولي فدان واحد من الأرض. بس صبرك عليا يا بنت مريم..."
***
في حي الزمالك.
حمزة رجع البيت بعد ما وصل شمس للمحطة. فضل يلف بالعربية لوقت طويل وهو بيفكر فيها واللي ناوي يعمله مع هند وأبوها.
"حمزة بيه، الغدا جاهز."
"لا، أنا مش جعان. هي صافي فين؟"
"مدام صفاء مع أستاذ يونس، هو جه من شوية قاعد معاها في أوضتها."
"تمام يا سلمى، اتفضلي أنتي."
سلمي مشيت وحمزة راح لأوضة صفاء اللي كانت قاعدة على السرير ويونس قاعد جنبها.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
"تعالي يا حبيبي.... كنت فين؟ ها، وصلتي شمس؟"
"كنت بلف بالعربية شوية. وصلتها لحد المحطة، زمانها رجعت البيت دلوقتي."
"طب كويس إنك جيت. تعالي بقا، دا أنا ويونس كنا بنتكلم عن شمس."
حمزة رفع حاجبه وقرب منهم قعد جنب صافي على السرير.
"بتتكلموا عن إيه إن شاء الله."
"يونس عايز يتقدم لشمس. إيه رأيك؟"
حمزة بص له ببرود غريب وهو بيحاول يستوعب كلام صفاء.
"معلش، مش سامع.... شمس مين اللي أنتي عايزة تتقدميلها."
"هو إحنا نعرف كم شمس يعني... شمس بكري."
"نعم يا روح أمك. شمس مين اللي تتقدميلها؟ أنت اتجننت؟"
"في إيه يا حمزة؟ هو أنت بتتحول ولا إيه؟ وبعدين في إيه؟"
حمزة قام وباين عليه الغضب. مسك يونس من دراعه وهو بيشده وراه.
"معلش يا صافي، هاخد البيه أتكلم معاه."
"حمزة؟!"
"متقلقيش يا صافي، كلمتين كدا في السريع."
"صافي هتسبيني معاه؟ دا عامل زي آكل لحوم البشر."
"ربنا معاك."
"اتفضل قدامي يا بيه."
بعد دقايق في المكتب.
حمزة كان قاعد قدام يونس وحاطط رجل على رجل وهو بيدخن بمنتهى البرود.
"اسمعني بقا يا يونس، عايز تتجوز شمس؟"
"اه."
"وأنت فاكر إن هي هتوافق عليك لما تعرف إن البيه مصاحب كل البنات اللي أنت تعرفهم. وبعدين إيه السبب اللي يخليها توافق على واحد زيك..... اتعميت!"
صرخ في آخر جملته بغضب وغيرة وهو بيحاول يسيطر على نوبة غضبه لأنه مش عايز يأذي ابن عمه.
"وهو مين هيقولها إن كنت أعرف البنات دي، دا أولاً. ثانياً، أنا خلاص معتش بكلم بنات يعني غير اتنين تلاتة بس..."
"وحياة أمك؟!"
"إيه الأسلوب البيئة دا يا حمزة؟ مش ملاحظ إن أسلوبك انحط أوي؟ وبعدين مالك بتكلم كأنك ولي أمرها كدا؟ ويا سيدي، أنت مالك؟ ما تركز مع خطيبتك، مركز معايا أنا ليه؟"
"طب اسمع الخلاصة يا يونس... شمس متخصكش، اوكي؟ وانسى خالص موضوع تتقدم لها دا. أنت فاهم؟ لأن جوازك منها دا على جثتي."
"وأنت مالك محموق كدا يا حبيبي؟ ولا يكونش فيه حاجة مخبيها عليا؟ أوعى يا حمزة."
"متلفش وتدور يا يونس، عشان أنت عارفني كويس. مابقولش كلمة غير ما أكون عايز أقولها، يعني مش هتعرف تطلع مني كلمة."
"حلو، يبقى صافي هي اللي هتعرف. أنا أقولها وهي تعرف بطريقتها."
"حلو أوي. روح قولها، وأنا كمان هكلم نوره وأقولها إنك مصاحب عليها، ولا أكلم زيزي وأقولها... لا لا، استنى. أنا بقول أكلم تالين ولا ريتا."
"حمزة، أنت مش هتعمل كدا صح؟ أنت مش هتبيع أخوك صح."
"لا، عادي جداً يعني. مش حوار."
"يا جدع، أنا بهزر. هو أنا اتجننت عشان أتتجوز؟ فاكرني اتهبلت ولا إيه."
"طب الحمد لله إني عقلك."
"حبيبي يا غالي، تسلملي."
"اتفضل، وبكرة الصبح أشوفك في الشركة."
"حاضر يا حمزة بيه."
يونس مشي وحمزة بص له بحدة.
"اتجنن دا ولا إيه...."
***
في فيلا الحسيني.
هند كانت قاعدة مع والدها.
"بس إيه رأيك بابا؟ بذمتك مش بنتك ذكية؟ لي لي فاكرة إني هبلة وإنها هتقدر تضحك عليا بكلمتين وتعمل إنها صاحبتي."
"هي دي هند الحسيني، بنت أبوكي بصحيح. لي لي فاكرة نفسها ذكية، هي وعديلة هانم. كانت عايزة إني أسمم البنت اللي اسمها شمس، وأنتي تعملي كدا وتخلصي منك ومنها. وأكيد كانت ناوية تعمل حاجة تخلي حمزة يتأكد إنك أنتي اللي بعتي ليها الورد."
"تربيتك يا مراد بيه. وبعدين سيبنا من لي لي دلوقتي. أنا حاسة إن حمزة بيبعد عني من يوم الخطوبة، وأنا وهو مفيش بينا أي تعامل، ولما بنتكلم بيكون الكلام في الشغل بس. أعمل إيه؟"
"لازم تحاولي تقربي منه. متنسيش إن شغلنا كله مرتبط بحمزة ووالده. وجوازك منه صفقة العمر. حمزة بيزنس مان شاطر جداً ويقدر يكتسح السوق بجدارة، فاهم شغله كويس."
"بس أنا خايفة يعرف حاجة عن شغل حضرتك وموضوع الرشاوي اللي بتحصل. أنت عارف حمزة متمسك أوي بالمبادئ."
"متقلقيش من الموضوع دا، أنا بعرف أظبط شغلي كويس."
"اوكي...."
الخدامة خبطت على الباب بلباقة وهند سمحت ليها بالدخول.
"آنسة هند... آنسة لي لي عايزة تقابلك."
هند بصت لأبوها وابتسمت بمكر.
"خليها تدخل."
نرمين خرجت وبعد لحظات دخلت لي لي بتعالي وباين عليها الكره والغضب.
"لي لي، اتفضلي يا حبيبتي."
"حبيبتك..... واضح فعلاً. أنتي إزاي كدا يا هند؟ بقا تعملي المصيبة وتلبسيها ليا؟ بتخلي الزفت الخدامة تقول إن أنا اللي بعت الورد. لزقت الطين اللي اسمها شمس."
"أنا؟! لا لا، ماليش حق يا لي لي. وبعدين أنا هعمل كدا ليه؟ وبعدين أنا ليه أسمم شمس."
"هند، متلفيش وتدوري. أنا مش بسجلك، لأن متأكدة إن حمزة هيعرف الحقيقة بدون حتى ما يحتاج إن حد يساعده. بس الخدامة الطماعة اللي أنتي دفعتي ليها عشان تتهمني أنا... حمزة لبسها في مصيبة ودخلها السجن. وأكيد كانت عارفة دا وأنتي دافعة ليها تمن سكوتها وسجنه. نفس الخدامة دي بعتت ليا وقالت إن أنتي اللي اتفقتي معاها عليا."
"و أنتي كنتي مستنية مني إيه يا لي لي هانم؟ منتظرة لما أنا أخلص من شمس عشان تخلصي مني بعدها ويخلي لك الجو مع حمزة دويدار. ولا أنتي فاكرة إني مش عارفة حاجة من اللي بتخططي ليها أنتي وعديلة هانم؟ لا يا ماما، فوقي. مش هند الحسيني اللي واحدة زيك تضحك عليها."
"يبقى أنتي اللي حكمتي يا هند، وصدقيني هرد لك القلم قلمين. والمرة دي حمزة بنفسه هو اللي هيدخلك السجن. ومتنسيش، أنتي اللي بدأتي بالشر."
"خلصتي كلامك؟ اتفضلي بره."
لي لي بصت لمراد ببرود وخرجت من المكتب ومن القصر كله.
"خلي بالك منها، لي لي مبتتكلمش إلا لما تكون ناوية فعلاً على حاجة."
"متقلقش يا بابا."
***
بعد يومين في قصر دويدار.
حمزة كان بيحرك الكرسي المتحرك بتاع صفاء وهو خارج من القصر. ساعدها تركب العربية وهي بتودع الخدم.
"إن شاء الله ترجعي بالسلامة يا مدام صفاء."
"إن شاء الله. بس لازم تخلي بالك على البيت وعلى الشغالين. أنتي هنا مكاني يا سلمى."
"اطمني يا هانم ومتشليش هم الموضوع أبداً، وإن شاء الله ترجعي من بريطانيا بالسلامة."
"إن شاء الله يا سلمى، مع السلامة."
"مع السلامة."
حمزة ركب العربية جنب صفاء وأمر السواق يتحرك في طريقهم للمطار.... للسفر إلى بريطانيا.
***
في البحيرة.
شمس كانت قاعدة مع هدى وهما بيتكلموا لحد ما جرس الباب رن.
"مين جاي دلوقتي؟ أستر يارب."
"مش عارفة، استنى هشوف."
خرجت من الأوضة وراحت فتحت الباب.
"سعد! احم، نعم يا سعد. ماما مش هنا."
"طب هي هتتأخر؟ كنت عايز أتكلم معاها في موضوع مهم. شمس موجودة؟"
"شمس موجودة، بس مفيش حد معانا وماما ممكن تتأخر برا."
"طب بلغي والدتك إن إن شاء الله أنا وأبويا هنيجي بليل، لأن عايز نتكلم معاها في موضوع مهم."
"حاضر يا سعد. حاجة تاني؟"
"لا يا هدى، مع السلامة."
"الله يسلمك."
هدى قفلت الباب وراه ورجعت لشمس.
"دا سعد بيقول عايز ماما في موضوع مهم وهيجي بليل هو وعمي. تفتكري عايزين إيه مننا؟"
"الله أعلم. بس يا خبر دلوقتي بفلوس، بكرة يبقى ببلاش."
"مش مرتاحة يا شمس، حاسة إن فيه مصيبة كدا بتترتب لها."
"بطلي تشاؤم. إن شاء الله خير. أنا هقوم أشوف ورايا إيه في المطبخ. اقعدي ذاكري."
"حاضر."
رواية نجمة في سمائي الفصل التاسع 9 - بقلم دعاء احمد
في مساء نفس اليوم، كانت شمس جالسة مع والدتها وأختها هدى في الصالون، ينتظرن عمها.
هدى بتفكير: تفتكري يا ماما عمي عايز مننا إيه، دا من زمان أوي وهو نسينا، إيه اللي فاكره بينا دلوقتي؟
مريم بحذر: والله مش عارفة يا هدى. وبعدين حاسة إن الزيارة دي وراها حاجة، ومجي سعد هنا مش مريحاني.
شمس بود: إن شاء الله خير يا ماما. وبعدين حضرتك عارفة إن سعد طيب ويعرف ربنا، أكيد مش هيبقى فيه حاجة وحشة.
مريم بشك: يارب يا شمس. هو آه سعد طيب وابن حلال، لكن أمه متعرفش ربنا، اسأليني عنها دي. ياما عملت مشاكل ليا أنا وأبوكي. حتى لما سبنالها كل حاجة وأبوكي قال إنه متنازل عن ورثه من جدك، لكن برضه شهيرة مسكتش. وفضلت تقوم عمك علينا.
شمس بطيبة: ربنا يهديها. متقلقيش يا حبيبتي، إن شاء الله خير. أنا هقوم أصلي العشاء، ولو جه ابقي قدمي العصير يا هدى.
هدى: حاضر.
شمس دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها. هدى فضلت تبص ناحية أوضتها وهي ساكتة.
مريم باستغراب: مالك يا هدى بتبص لأوضة اختك كده ليه؟
هدى بضيق: مش عارفة يا ماما، بس مش مرتاحة خالص لشهيرة وحاسة إنها بتحضر مصيبة. خايفة على شمس وعليكي.
مريم بحب: حبيبتي اهدي، وإن شاء الله كل حاجة هتعدي على خير.
هدى: يارب يا ماما.
جرس الباب رن. هدى قامت وراحت فتحت الباب، لقيت عمها واقف ومعه سعد وشهيرة، اللي باين عليها الغضب وكأنها مجبرة على الزيارة دي.
هدى بجدية وحدّة: أهلاً يا عمي. نورت بيت بكري الشرقاوي، اتفضل.
ابتسمت بخبث وهي بتبص لشهيرة: اتفضل يا مرات عمي يا غالية.
شهيرة بحنق: كبرتي يا هدى ولسانك طول.
هدى: من بعض ما عندكم. ولا فاكرة إني هفضل طول عمري بالضفاير؟ اتفضلي اتفضلي، دا انتي نورتي.
شهيرة: ما هو واضح.
سعد لاحظ توتر الجو بينهم وحاول يهدي والدته: خالص يا أما. إحنا مش جايين نولعها، إحنا بهدي النفوس.
شهيرة بخبث وطيبة زائفة: طبعًا يا حبيبي.
كلهم دخلوا، وهدى قفلت الباب بغضب: ربنا يصبرني بدل ما أجيب الحية دي من شعرها.
مريم: أهلاً يا حج عيسى، نورت. اتفضل يا سعد. إزيك يا شهيرة، منورة!
شهيرة: دا بنورك يا حبيبتي. أومال فين عروستنا القمر شمس؟
هدى بحدة: وأنتي عايزة إيه من شمس يا شهيرة؟ بكفينا مصايبك. عايزة إيه من أختي؟
عيسى بحدة: خلي بنتك تلم لسانها يا مريم.
مريم بثقة: بنتي مغلطتش يا عيسى. من امتى وإحنا بينا الخير من وراكم إنت أو مراتك؟
عيسى: بس المرة دي غير يا مريم. اقعد خلينا نتكلم، ونادي بنتك شمس، الموضوع يخصكم كلكم.
مريم: ماشي يا حج عيسى، وأنا هسمعك للآخر. اعملي شاي يا هدى وشوفي اختك لو خلصت، ناديلها.
هدى: حاضر يا ماما.
بعد دقايق، خرجت شمس من الأوضة وهي بتعدل حجابها. بصت لهم وابتسمت بود.
شمس بعقلانية: السلام عليكم. نورت بيتك يا عمي.
عيسى بابتسامة: وعليكم السلام. البيت منور بيكي يا بنت الغالي. تعالي يا بنت الغالي اقعدي جانبي، بتفكريني بأبوكي الله يرحمه.
شمس: الله يرحمه. بس يا عمي، أنا ليا عتاب عليك. منين بتقول إننا بنات الغالي ومبتسألش عننا؟ ولا حد قسى قلبك علينا؟
شمس ابتسمت بمكر وهي بتقعد جنبه وتبص لشهيرة.
عيسى حس إنه اتحرج من سؤالها وإنها قدرت تصغره قدام ابنه بطريقتها الهادية.
شهيرة بحدة: قصدك إيه يا شمس؟
شمس: كلامي مش محتاج تفسير يا مرات عمي.
عيسى بحرج: أنتي عارفة. الدنيا مشاغل يا شمس، ومحشنيش عنكم غير الشديد القوي.
شمس: هحاول أصدقك يا عمي، بس معرفناش سر الزيارة الكريم.
عيسى بجدية: شوفي يا شمس، وإنتي يا مريم. أنتم أكيد عارفين إن جدك الله يرحمه ساب أرض كبيرة وفلوس كتير ليا أنا وبكري الله يرحمه. بكري لما جدكم توفي، حاولت أتكلم معاه علشان الورث، لكن هو رفض وقال إنه مش عايز حاجة وإنه عمره ما طمع في فلوس جدكم. لكن دلوقتي بكري الله يرحمه، وإنتوا الورثة الشرعيين له، وحقكم لازم تاخدوه بما يرضي الله.
شمس بجدية: بس أنت قلت إن ملناش حاجة يا عمي، وقلت أبويا كتب تنازل عن كل حاجة ليك، ووريتنا دليل على كده الورق اللي.
عيسى سكت وبص في الأرض، فابتسمت هدى بسخرية.
هدى: ما تتكلم يا عمي. الورق ده كان مزور صح؟ هو أنتم إيه شياطين! كنت عايز تاكل علينا ورثنا. أوعى تكون فاكر إن الفلوس فارقة معانا يا عمي، إحنا بنات بكري متربيين على طباعه. الفلوس دي تفرق مع الجعانين بس. إحنا الحمد لله مش محتاجين منك حاجة.
سعد بهدوء: شوفي يا مرات عمي، مش عيب إن الإنسان يغلط ويعترف بغلطه، وأبويا قرر يديكم حقكم.
مريم: وياريت عيسى الشرقاوي ناوي يسلم أرضه لحريم زي ما بيقول؟
عيسى: ممكن نشوف الأرض تمنها قد إيه، وأنا هكتب لكم شيك. أو في حل تاني علشان الأرض متخرجش من بينا.
شمس: حل إيه يا عمي؟
شهيرة بخبث: بنات العيلة يتجوزوا من رجالة العيلة.
شمس سكتت وبصت لوالدتها بهدوء.
مريم بحدة: عايزة تقولي إيه يا شهيرة؟
شهيرة: يعني ناخد شمس لسعد، وهدى لابن أختي جابر.
سعد بضيق: إيه اللي إنتي بتقوليه ده يا أما. اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده.
هدى بصوت عالي: جابر مين يا عنيا؟ شهيرة لمي عفاريت بعيد عننا. وبعدين إيه، عايزة تكوشي على كل حاجة؟ تاخدي اختي لابنك وأنا اتجوز ابن اختك؟ طب يا شيخة اتقي الله. ده أنا في تانية ثانوي.
شمس بجدية: هدى اقعدي.
هدى: مش سامعاها بتقول إيه يا شمس.
شمس بضيق: اقعدي يا هدى. خلينا نسمع للآخر.
هدى: حاضر، وادي قاعدة.
شمس بابتسامة: عمي، أنت عارف إن أنا وسعد من وإحنا صغيرين زي الأخوات، ومفيش أخوات بيتجوزوا بعض. وأختي صغيرة على موضوع الجواز، ولسه قدامها طريق طويل، دراسة وكلية وحياتها. أبويا الله يرحمه عمره ما جبر واحدة فينا على حاجة، فأكيد مش بعد موته إنت هتعمل كده.
عيسى: وأنا مقدرش أجبركم على حاجة، بس إنتي عارفة عاداتنا يا شمس. الأرض متخرجش برا العيلة.
شمس بحكمة: يبقى أرضك معاك يا عمي. وبعدين إحنا عايشين على حسك في الدنيا. إنت هتجيب المحامي يعرف لنا إيه، وساعتها نجيب حد يحكم بينا بما يرضي الله.
عيسى: ماشي يا بنت الغالي. بس خالص، معدش ينفع تفضلوا في البيت ده. يعني البيت قديم وصغير. إنتوا لازم تيجوا السرايا بتاعة جدكم وتفضلوا معانا.
مريم: بس أنا مقدرش أطلع من بيتي يا حج عيسى.
عيسى: يا مريم، تعالي اقعدي كام يوم مع بناتك. لو مرتاحتش في السرايا، ابقي ارجعي. وبعدين أوضة بكري لسه زي ما هي، محدش دخلها من يوم ما ساب السرايا.
مريم سكتت وعيونها لمعت بالدموع وهي بتفتكر جوزها. شهيرة بصت لعيسى وللكل بشر وغضب وهمست لنفسها: بقا على آخر الزمن بنت الفلاحين دي تدخل بيتي هي وبناتها؟ منك لله يا بكري يا ابن عمي، إنت اللي بلتنا بيها هي وبناتك. اللهي يموتوا. أشوفكم مذلولين يارب. بس صبركم عليا. صبرك عليا يا مريم، أم خليتك تبكي وتتحسر على بناتك، مبقاش شهيرة الشرقاوي.
عيسى: ها يا مريم، قلتي إيه؟ تعالوا كم يوم، ولو مرتاحتوش ارجعوا. وكمان ملك بنتي وإبراهيم جوزها قاعدين معانا في السرايا. خلي البنات يتعرفوا على بعض.
مريم بتفكير: اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا حج عيسى.
عيسى: على بركة الله. نفوتكم بعافية.
شمس: ما لسه بدري يا عمي.
عيسى: بدري من عمرك يا غالية. بس معليش، لازم نمشي دلوقتي.
شمس: مع السلامة.
***
في فيلا سالم دويدار، لي لي كانت قاعدة مع والدتها وهما بيفكروا إزاي يردوا لهند اللي عملته فيها.
عديلة بحدة: هند وأبوها هما اللي اختاروا اللي هيحصل لهم، علشان تبقي تفرجني إزاي تخلي حمزة يشك فينا.
لي لي بضيق: حتى لو حصل يا ماما، حمزة هيفضل شايف إني الشيطا"نة اللي سممت شمس، وساعتها مش هيبقى له لازمة أي حاجة.
عديلة: لا، دا مش هيبقى صعب عليا. المهم نخلص من هند. ركزي معايا. إحنا هنلعب على نفس الحاجة اللي هند لعبت عليها قبل كده.
لي لي: حاجة إيه؟ شمس؟! لا، أكيد مش معقول يا ماما.
شمس خالص سابت الشغل، وحمزة برا مصر مع صفاء.
عديلة بكره: إنتي مشوفتيش حمزة عمل إيه لما شمس اتسممت وكان هيتجنن إزاي. وحتى لو هو سافر، بس أكيد لسه بيفكر فيها. والمصيبة المرة دي هتطول حمزة مع شمس. فاهمني؟
لي لي: بحاول.
عديلة: شوفي، إحنا هنستغل سفر حمزة علشان نخلص من شمس، ولما يرجع هو بنفسه هيخلص على هند. من مدة أنا سألت عن عيلة شمس واكتشفت إنها عايشة مع أختها وأمها. وعلاقتها بباقي عيلتها متوترة جدًا بسبب موضوع ورث أو حاجة زي كده. دلوقتي هنخلي عيلتها هما اللي يخلصوا عليها.
لي لي: طب إزاي وإيه علاقة هند بالموضوع؟
عديلة: إزاي؟! فدا خليه لبعدين، هفهمك كل حاجة. بس عايزاكي تخلي واحدة من خدم هند تحت طوعك، أيا كان المقابل. وساعتها هي هتقوم باللازم.
لي لي: طب اعتبري ده حصل. إيه بعد كده؟
عديلة بخبث: اسمعي بقا وفتحي مخك معايا.
***
في صباح اليوم التالي، شمس كانت بتجهز حاجتها هي وهدى علشان يروحوا سرايا جدها، بعد موافقة والدتها إنهم يروحوا وإصرار هدى إنهم لازم ياخدوا حقهم. لكن شمس مكنتش مرتاحة.
شمس بحيرة: أنا مش مرتاحة يا هدى، وحاسة إن الزيارة دي مش هيجي من وراها خير خالص. ولا حتى موضوع الورث ده. إنتي مشوفتيش شهيرة كانت بتتكلم إزاي يا هدى؟ وبعدين اللي يخلي بابا يتخلى عن ورثه من جدي، يخليني أنا مش عايزاها.
هدى بضيق: شمس يا حبيبتي، فوقي من جو الطيبة ده. إنتي عايزاني أسيب لمرات عمك كل حاجة؟ أنا لو ليا حق، آخده من كرشها. علشان اللي زي دي مينفعش إنك تتساهلي معاها. دي عايزة تجوزك لابنها وأنا لابن اختها علشان تكون على كل حاجة. أنا لو بفكر إني آخد حقي، فأنا هاخده بس علشان أخلي شهيرة تتحسر على الفلوس والأرض.
شمس بجدية: بسم الله ما شاء الله يا بنت بكري. الفلوس عامية عينيكي، وكرهك لشهيرة مخليكي كارهة عمك.
هدى بضيق: أنا مش بكره عمي يا شمس. أنا آه مش بطيق شهيرة، ونفسي أخليها تقهر وتتحسر على كل جنية ممكن ناخده منها. إنتي معقول مسامحة في اللي إحنا عشناه ده كله؟ أمك اللي بعد موت أبوكي بقت تشتغل بكل قوتها علشان توفر مصاريفنا. إنتي نفسك نزلت واشتغلتي. مسامحة في كل ده؟
شمس بابتسامة: مسامحة يا هدى. مسامحة لأن اللي إنتي بتتكلمي عنهم دول أهلنا. عمي، وفي يوم من الأيام ضهره كان في ضهر أبويا. مسامحة لأن ربنا عادل وكبير. لو حد جه عليا في يوم، متأكدة مية في المية إن ربنا هيرجع لي حقي. حتى شهيرة، رغم الحقد اللي بشوفه في عينيها ناحيتنا، إلا إني مش بحس إني عايزة أكرهها. إنتي فاهمني؟
هدى بسخرية: فهماكي يا حبيبتي. بس إنتي يا شمس طالعة لبابا الله يرحمه. وخالص زمان بابا عدى وفات. إنتي عندك ثقة إن العدل هيتحقق، بس أنا معنديش استعداد إني أشوفك بتتمرمطي إنتي وماما. سامحيني، أنا مش ملاك.
شمس: ماشي يا لمضة. خلينا بقا نشوف هناخد إيه معانا، لأن مش هنطول هناك.
هدى: اوف منك يا شمس.
شمس: بطلي برطمة.
هدى: صحيح، إنتي ليه محكتيش لماما إنك اشتغلتي في الفترة اللي فاتت؟ إنتي لسه خايفة تزعل إنك اشتغلتي من وراها.
شمس ابتسمت وهي بتفتكر حمزة وصفاء: تعرفي يا هدى، أنا مفتقداهم أوي.
هدى بخبث: مفتقدة مين، لامؤاخذة؟ صفاء ولا الحليوة؟
شمس بحدة: هدى لمي لسانك.
في نفس الوقت، دخلت مريم وهي بتعدل حجابها وبتبص لبناتها.
مريم: جهزتوا يا حبايبي؟
شمس: آه، كدا تمام يا ماما.
مريم: طب يالا، علشان سعد ابن عمك واقف بالعربية برا.
شمس: حاضر يا ماما، وربنا يستر.
شمس لمّت شعرها ولابست حجاب نبيتي. خرجوا كلهم وقفلوا البيت. كان سعد واقف برا البيت بالعربية. ركبوا معاه، وهو طلع سرايا الشرقاوي.
بعد ساعة، دخلوا كلهم السرايا اللي انبهرت هدى بشكلها الكبير والفخم جدًا.
هدى بحماس: البيت شكله حلو أوي يا ماما. معقول أبويا كان عايش هنا وسابه؟
مريم بابتسامة: فعلًا سابه. الله يرحمه جدك بقا.
شمس حسّت بأنها مخنوقة ومش قادرة تتنفس، كان في حد قابض بقوة على قلبها.
شهيرة خرجت ووراها الخدامة وهي مبتسمة وكأنها ست البيت.
شهيرة بترحيب: أهلاً أهلاً يا مريم. منورين بيتكم يا بنات الغالي.
مريم: أهلاً يا شهيرة. البيت منور بصحابه.
شهيرة: دا من أصلك يا مريم. وبعدين ما إنتي برضو من صحابه. منورة بيت أبوكي يا شمس.
شمس بجدية: تسلمي يا مرات عمي. أومال فين عمي؟
شهيرة: نزل يتابع الشغل. وسعد كمان زمانه راح له. جدع سعد وابن حلال.
في نفس الوقت، خرجت ملك بنت عمها. بنت جميلة جدًا أكبر من شمس بسنتين، ملامحها جميلة، أطول من شمس. خرج إبراهيم جوزها وهو محاوط خصرها وبيضحك بخبث.
ملك باندهاش: إيه ده؟ مرات عمي، يا مرحب. منورين.
مريم بطيبة: إزيك يا ملك، أخبارك إيه يا قمر؟
ملك بدلال: بخير الحمد لله.
إبراهيم بص لهم بخبث وافتكر كلام شهيرة عن مريم وبناتها وإد إيه بتكرهم.
إبراهيم بخبث: صباح الخير. مش تعرفينا ولا إيه يا ملك؟
ملك بحب وفخر: معلش يا حبيبي. أعرفكم يا جماعة. إبراهيم جوزي، أكيد عارفينه. ابن الحج نعمان صاحب مزارع الفاكهة. أعرفك يا حبيبي مرات عمي بكري الله يرحمه. ودي هدى، ودي شمس.
إبراهيم بص لهم، لكن لفت انتباهه هدوء شمس وعدم اهتمامها بالمكان زي هدى. هادية جدًا ونظراتها فيها خوف، فيها هدوء رضا، طيبة، قوة. ولأنها أجمل من ملك بكتير.
إبراهيم ابتسم ومد إيديه يسلم على مريم: أهلاً يا ست مريم، منورة.
مريم بود: تسلم يا ابني. ومبروك على الجواز متأخرة شوية، بس الظروف.
إبراهيم: ولا يهمك. الله يبارك فيكي.
إبراهيم بإعجاب وهو بيمد إيديه يسلم على شمس: إزيك يا شمس؟
شمس بصت لإيديه الممدودة وردت بهدوء: بخير الحمد لله. معليش، مش بسلم.
إبراهيم سحب إيديه بإحراج: تمام.
شهيرة بسرعة: اتفضلوا يا جماعة، إحنا هنفضل واقفين كده. بت يا خضرة، إنتي يا بت. خدي ستك مريم والبنات ووريهم أوضهم. ترتاحوا شوية، وبعدين نبقى نتكلم لما ترتاحوا.
شمس طلعت مع هدى والخدامة اللي ودتهم لأوضهم.
***
في مساء اليوم، شمس كانت ماسكة موبايلها بحيرة وهي قاعدة في بلكونة أوضتها اللي بتطل على الجنينة الواسعة.
رنت على رقم "حمزة" وهي مش عارفة هي ليه بتكلمه، بس عايزة تطمن على صفاء وحابة تسمع صوته.
مرت ثواني وهي حاسة بالارتباك والتوتر. كانت هتقفل الخط، لكن بسرعة رد عليها.
قبل دقائق، حمزة كان بيلف بعربيته في شوارع لندن وهو حاسس بالفراغ والضيق، ونفسه يكلمها، لكن مش عارف هيقولها إيه ولا هيبرر اتصاله بإيه. خصوصًا إنه فات تلات أيام من وقت ما جه للندن مع صفاء، وهو بيتابع حالتها الصحية مع الدكتور.
حمزة بضيق: طب أكلمها أقولها إيه دلوقتي. ياريتني كنت طلبت إيديها قبل ما أجي للندن. كان هيحصل إيه لو اتجننت شوية وقولتلها إني بحبها وعايز أتجوزها؟ يمكن كنت قادر أسمع صوتها دلوقتي.
سكت وهو متضايق وبيحاول يركز في الطريق، لأن القوانين صارمة بخصوص القيادة.
لكن سمع رنة موبايله. بص بلا مبالاة، لكن فجأة ابتسم بدهشة وهو شايف اسمها.
بدون تردد، فتح الموبايل ورد عليها، لكن بدون ما يتكلم، وهي كذلك.
شمس بارتباك: أستاذ حمزة!
حمزة بابتسامة: إزيك يا شمس؟
ردت شمس بابتسامة: أنا بخير الحمد لله. أخبار حضرتك إيه، ومدام صفاء عاملة إيه دلوقتي؟
حمزة بسعادة: أنا الحمد لله بخير، وصافي الدكتور قال إن فيه تطور في حالتها، لكن يمكن نتأخر هنا شوية، وخصوصًا إنها هتعمل عملية.
شمس: إن شاء الله هتكون بخير. ياريت تبلغها سلامي.
حمزة: تعرفي إنك كنتي لسه على بالي.
شمس باستغراب: أنا؟ ليه؟
حمزة بتلقائية: والله مش عارف، بس وحشني الكلام معاكي، رغم إنه قليل جدًا لما بنتكلم.
شمس ابتسمت وهي بتدخل أوضتها: ربنا يديم الود بينا. بس زي ما حضرتك قلت، قليل جدًا لما بنتكلم. بس أنا كمان مفتقداكم كلكم. حضرتك وصفاء هانم، ومدام سلمى وسارة، والكل.
حمزة ابتسم بحزن، لأنه عارف إنه زيه زي أي شخص تاني في حياتها.
حمزة: أنا مضطر أقفل دلوقتي يا شمس، وإن شاء الله هنتكلم تاني لما أكون مع صافي.
شمس: تمام، مع السلامة.
حمزة: مع السلامة.
***
في أوضة إبراهيم وملك.
إبراهيم كان قاعد على السرير وهو بيدخن سيجارة وهو بيفكر بخبث وبيفتكر تفاصيل اليوم وبيفكر في شمس.
ملك خرجت من الحمام راحت ناحية المراية وهي بتبص لنفسها بإعجاب. أخدت زجاجة البرفان ورشت منها.
لكن لاحظت انعكاس إبراهيم، وباين إنه سرحان وبيفكر في حاجة شاغلة باله.
راحت ناحيته بدلال وتغنج وقعدت قدامه.
ملك: سرحان في إيه يا حبيبي؟
إبراهيم بخبث: فيكي طبعًا يا قلبي. هو أنا عندي غيرك علشان أفكر فيه.
ملك: بجد؟ على العموم، الأفضل لك تكون بتفكر فيا. أصل لو فكرت كدا ولا كدا، إنت حر.
إبراهيم: أفكر كدا وكدا إزاي؟ وأنا معايا بطل زيك يا بطل إنت.
ملك بحب: ماشي يا سي إبراهيم. قولي بقا، هنروح الفيلا بتاعتك إمتى؟ زمان والدتك بتقول إني خطفتك منهم.
إبراهيم: لا، متقوليش كده يا روحي. دي ماما بتحبك أوي. وبعدين هي عارفة إني هبقى مرتاح في أي مكان مدام معاكي. بس اجلي موضوع إننا نرجع دلوقتي. ولا إنتي عايزة مرات عمك تقول إنهم جيه يقعدوا معانا، سيبتيهم ومشيتي إنتي.
ملك بتفكير: تصدق، عندك حق. مفكرتش فيها الموضوع ده خالص. خلينا قاعدين كام يوم كمان.
إبراهيم: طب إيه يا بطل؟ هنقضي الليلة كلها في الكلام ولا إيه؟
ملك ضحكت بدلال، وإبراهيم ضحك معاها بخبث.
رواية نجمة في سمائي الفصل العاشر 10 - بقلم دعاء احمد
شهيرة كانت نازلة السلم بتعالي وهي بتبص لعيسى وابنها اللي قاعدين على السفرة وجانبهم شمس ومريم اللي صحيوا بدري كعادتهم.
رفعت طرف عبايتها، صوت جزمتها على الأرضية السراميك لفت ليها الانتباه.
سعد بص لأمه بخوف وحذر لأنه متأكد إنها مش هتعدي اليوم بالساهل، وأكيد هتعمل مشاكل مع مريم وبناتها.
سعد لنفسه: استر يارب أمي شكلها ناوية على مصيبة.
شهيرة ابتسمت بخبث وهي بتقعد على الكرسي المجاور لعيسى.
= صباح الخير...... متجمعين عند النبي.
= عليه أفضل الصلاة والسلام.
شمس مكنتش مركزة معاها وهي باصة طبقها بلامبالاة.
عيسى بجدية وحب: ها يا شمس قولتي إيه في الموضوع اللي كلمتك فيه؟
شمس بابتسامة: أنت عارف يا عمي أنا مش بفهم في موضوع الزراعة والأرض والفلاحين، كل ده أنا عمري ما اتكلمت فيهم أصلًا.
شهيرة بسرعة: موضوع إيه يا حج عيسى؟
عيسى بحدة: دي حاجة بيني وبين بنت أخويا، دخلك إنتي إيه في الموضوع؟
شهيرة ابتسمت وهي بتحاول تتمالك أعصابها ومتعملش مشكلة.
عيسى: طب بصي يا شمس إحنا نفطر وتيجي معايا أفرجك على الأرض وأهو برضه تعرفي اللي ليكي.
شمس بجدية: حاضر يا عمي، بس أنا محتاجة أرجع البيت أجيب كام كتاب نسيتهم لأن هرجع الكلية آخر الأسبوع إن شاء الله.
عيسى: خالص يبقى واحنا راجعين أوديكي البيت تاخدي كتبك.
شمس هزت راسها بالموافقة.
في نفس الوقت نزل إبراهيم وملك.
إبراهيم: صباح الخير.
شهيرة بحب: صباح النور يا حبايب قلبي عاملين إيه؟
ملك بسعادة: بخير الحمد لله يا ماما.
إبراهيم قعد على الكرسي المقابل لشمس وجانبه ملك.
عيسى بجدية: إيه يا ولاد مش هنسمع خبر حلو قريب ولا إيه؟ أنا عايز يبقى عندي أحفاد.
ملك بابتسامة: إن شاء الله يا بابا... أنا كمان نفسي في بنوتة.
شهيرة بحدة: بنت إيه لا طبعًا أنا عايزاة ولد بلا بنات بلا دلع ماسخ.
ملك بصت في طبقها بحزن.
شمس رفعت رأسها وبصت لشهيرة:
= ومالهم البنات يا مرات عمي، البنت رزق البيت ونوره. البنت يعني الأم الحنان والطيبة. البنات رحمة، كفاية إن ذُكر في حديث لسيدنا محمد إن لو الأب رُزق بتلات بنات وعرف يربيهم يبقى نصيبه الجنة. ربنا يسعدك يا ملك.
ملك ابتسمت بسعادة وطيبة وكأنها كانت مستنية حد يقوي قلبها ويكون معاها.
شهيرة بسخرية وغضب خفي:
= بس البنات عايزين اللي يحكمهم أصل الواحدة لو ملهاش راجل عيارها يفلت زي ناس.
عيسى ضرب على التربيزة بغضب وحدة:
= لمي لسانك يا شهيرة علشان أنا صبري نفذ.
شهيرة: اتكتمت.
عيسى: الحمد لله. لما تخلصي فطارك حصليني على المكتب يا شمس.
شمس بجدية: أنا الحمد لله فطرت.
عيسى: طب اجهزي هنخرج سوا.
شمس هزت راسها بالموافقة وقامت من على السفرة وخرجوا سوا ومعاهم سعد.
بعد عدة ساعات.
شمس رجعت القصر وهي شايلة شنطة ضهرها ومعاها كتبها بعد ما خرجت مع عمها في جولة تشوف فيها الأرض اللي يملكوها.
سمعت صوت جاي من الصالون راحة ناحية مصدره، قربت ببطء وهي سامعة صوت حد غريب. لقيت زوج ملك إبراهيم ووالدته قاعدين بيتكلموا بهمس.
فريال بخبث وطمع: يعني مراتك مش حامل لسه؟
إبراهيم بضيق: لا يا اماه وبعدين إحنا مبقالناش يجي شهر ونص متجوزين وبعدين إنتي عارفة إن الجوازة دي مش على هوايا.
فريال بحدة: أومال كنت عايز تفضل تتسرمح طول عمرك يا ضي عيني وبعدين إنت عارف مناسب مين! الحج عيسى الشرقاوي. يعني تحت إيده أرض وفلوس مالهمش آخر، فوق يا ابن بطني. وبعدين إنت لازم تقرب منهم وتقوي علاقتك بعيسى وابنه سعد. والبت مراتك لازم تحمل في أسرع وقت. إنت عارف أبوك. عليه فلوس للتجار بعد خسارته الأخيرة ولو مسددش اللي عليه هيتحجز على مزارع الفاكهة.
إبراهيم بخبث: متقلقيش يا اماه البت بتحبني وزي الخاتم في صباعي، بس المشكلة إن سعد ضهره في ضهر أبوه مش سايبه مش عارف أدخل بينهم.
فريال بحنق: شوف يا إبراهيم أنا وأبوك حاطين آمالنا فيك بعد جوازك من ملك.
إبراهيم: متخافيش يا اماه بس المشكلة اللي قدامي دلوقتي. مريم مرات بكري الشرقاوي أخو عيسى وبناته. دول راجعين وناوين يقسموا الأرض.
شمس استغربت وهي بتسمع كلامهم، لكن كانت متأكدة إنهم لو عرفوا إنها سمعتهم هيكذبوا كلامها وهي معندهاش أي دليل ولا حتى عارفة تعمل إيه.
بس كل اللي فهمته إن بنت عمها في خطر من طمع الشخص اللي المفروض إنه جوزها ومفروض يحافظ عليها ويحميها.
حطت إيديها على قلبها بقوة وهي حاسة بوجع وحزن وحست إنها مش قادرة تتنفس.
سندت على الجدار اللي جانبها وهي بتبعد والوجع بيزيد أكتر.
شمس بهمس: أهدي أهدي إنتي كويسة، لازم تفكري وتتصرفي.
أخدت نفس عميق ببطء وهي بتحاول تجمع أفكارها، لكن في نفس الوقت خرجت فريال مع إبراهيم اللي لاحظوا وجود شمس وهي قاعدة في المدخل وباين إنها مش كويسة.
فريال بصت لإبراهيم باستغراب.
إبراهيم بمكر ورغبة: دي شمس بنت بكري الكبيرة.
فريال بسخرية: بنات العيلة دي كلهم مزز سبحان الله، ودي مالها إن شاء الله؟ ولا تكون سمعتنا يلهوي!!
إبراهيم: متقلقيش لو سمعتنا أكيد كانت هتعمل مشكلة حتى لو سمعتنا. مفيش حد هنا بيحبها لا هي ولا أمها، بس الحج عيسى وسعد مقويينها.
فريال بهمس: أومال هي حماتك فين مش باينة؟
إبراهيم بسخرية: دي ولية عقربة ودماغها سم، أهي دي اللي أنا خايف منها بجد. بس هي مع ملك عند الدكتورة. بس أنا حاطط على شهيرة أمل كبير إنها تعرف تخلص من مريم وبناتها من غير ما ياخدوا شبر واحد من الأرض.
فريال بطمع وهي بتبص للقصر: ياريت يا إبراهيم ياريت. أنا لازم أمشي دلوقتي علشان متأخرش على أبوك.
شمس قامت بدون ما تبص لهم وطلعت أوضتها.
فريال بحدة: أنا مش مرتاحة للبت دي شكلها مش سهلة.
إبراهيم باستغراب: بس دي طيبة أوي.
فريال بسخرية: متخافيش غير من الطيبين علشان لما بيشتكوا بيشتكوا للي خلقهم، واللي يبان عليه الطيبة ربك بيرزقه بعقل يعرف يفكر فيه.
إبراهيم: نبرتك غريبة يا اماه، لما إنتي عارفة ربنا ليه عايزاني أنصب عليهم.
فريال: ده مش نصب، ده هيبقى حقك إنت وعيالك. أنا همشي دلوقتي ولو حصل أي جديد كلمني، على الله نسمع أخبار حلوة قريب.
إبراهيم بخبث: عن قريب.
شمس دخلت أوضتها وقفلت الباب بالمفتاح، فكت حجابها وقعدت على طرف السرير بحزن.
شمس: يارب إنت عالم إن قلوبنا أضعف من إننا نستحمل الكسر. ملك طيبة وبتحبك بلاش تكسرها يارب، يارب أنا مش بإيدي حاجة أعملها محدش هنا بيحبني لو حكيت اللي سمعته شهيرة أول واحدة هتكذبني حتى لو على حساب بنتها. لكن والله أبدًا لازم يعرفوا إن في تعابين عايشين وسطهم. مفيش غير سعد هو اللي هيساعدني.
حطت شنطتها على الأرض ودخلت الحمام تجدد وضوئها.
في لندن.
صفاء كانت قاعدة جنب حمزة اللي باين عليه التوتر والقلق.
صفاء: ممكن أفهم في إيه بالظبط يا حمزة بجد أنت وترتني.
حمزة بضيق: مش مرتاح يا صافي حاسس إن في حد في خطر، مش مرتاح.
صفاء بحب: خطر إيه بس! إنت بس متوتر من العملية.
حمزة بصراحة: صافي هو أنا لو حبيت شخص بسرعة حبيت كل تفاصيله وهدوئه والكلام معه؟ لو الشخص ده بعيد بس قلبي حاسس بقربه، بصي إحساس إن رجعت مراهق أهبل أو مراهق يفرح لما يشوف ضحكة اللي بيحبه، مراهق يحس بوجع قلب لو اللي بيحبه متضايق، مراهق مش عارف هو عايز إيه بس هو مبسوط في قرب شخص معين.
صفاء بارتياب: لا مش فاهمة إنت تقصد إيه، أو تقصد مين بالكلام ده.
حمزة بضيق: ولا حاجة.
صفاء: والله؟
حمزة: بصي إنتي عايزة مصلحتي صح؟
صفاء: أكيد. إنت لسه بتسأل.
حمزة بسرعة قام وقف قدامها وخلع دبلته وبيتكلم بحماس: أنا وهند مش مناسبين لبعض، أنا كان مفروض أفهم ده من أول يوم بس قلت بما إن في شغل مشترك بينا وهي مناسبة ليا اجتماعيًا وكل تفكيري كان إن أخليكي فرحانة بجوازي، لكن أنا مش هكون فرحان. أنا مش بحب هند ومقدرش أعيش وهي معايا. أنا عايز واحدة لما أتزوجها وآخدها في حضني أحس إني لقيت وطن ليا. شخصية تقدر تبعدني عن كل الوجع، حد لما أتكلم معاه أحس إني مرتاح. لكن هند كل تفكيرها في المكانة والفلوس والمجتمع. منكرش إني كمان كنت بفكر كده في وقت معين من حياتي، لكن أنا متأكد إني كنت غلط. أنا عرفت ده لما شفت شمس. شفت هدوء وطيبة، بقيت أحب أسمع صوتها في القصر وأشوف ضحكتها. حتى لما كنت برجع وألاقيها نايمة في مكتبي وهي حاضنة كتاب معين وبتقرا، أفضل أقرأ الكتاب ده كذا مرة زي الأهبل وكأني لسه مراهق أول مرة الحب يدق على بابه. لما جبنا لندن حسيت إني مفتقدها وكأني رجعت أفقد أمي للمرة التانية. أنا بحب شمس.
صفاء فضلت تبصله باستغراب من حماسه الغريب ولهفته في الكلام وصدق مشاعره. ابتسمت بحب وهي بتمسك إيديه بسعادة:
= طب الكلام ده مش لازم تقوله ليا، ده لازم شمس تسمعه بنفسها. إيه رأيك أول ما نرجع مصر نروح لها وأكيد هتستقبلنا ونطلب إيديها من والدتها. أنا عرفت منها إن والدها متوفي.
حمزة بحب وحماس: على فكرة أنا بحبك أوي يا صافي، بجد إنتِ أجمل أم في الدنيا كلها.
صافي بخبث: يا واد يا بكاش، بس قولي أبوك عارف بالموضوع ده ولا هتاخده على غفلة؟
حمزة: هو محدش يعرف بس أكيد كلهم هيعرفوا. وكمان لازم أفسخ خطوبتي أنا وهند لأن حقيقي هبقى بظلم قلبي وبظلمها معايا. حتى لو إحنا مختلفين أنا مقدرش أظلمها.
صافي: يبقى اتحلت. ألف مبروك يا حبيبي وإن شاء الله نرجع في أسرع وقت وتبقى حرمك على سنة الله ورسوله.
حمزة بابتسامة: إن شاء الله يا صافي. إنتِ لازم ترتاحي دلوقتي، أنا هطلع أكلم يونس وأشوفه عمل إيه في الشغل.
صفاء: ربنا معاك يا حبيبي.
بعد يومين في البحيرة في الصباح الباكر.
شمس كانت قاعدة مع هدى في أوضتها وهما بيفكروا هيعملوا إيه.
شمس: وصلتي لحل يا أذكى أخواتك؟
هدى بضيق: حل إيه بس في المصيبة دي، ده كلهم شوية حرامية وولاد كلب. وبعدين إنتي مدخلة نفسك في الحوار ليه، هو إنتي مالك لامؤاخذة؟
شمس بحدة: هدى إنتي اتجننتي؟ ملك تبقى بنت عمنا يعني أختنا، وبعدين حتى لو مش بنحبها ولا نقربلها هنسيبها مخدوعة في شخص زي ده. إنتي لو شفتي كانوا بيتكلموا إزاي هتحسي بوجع قلب يا شيخة.
هدى: لا وجع قلب ولا حاجة، إنتي بس اللي طيبة زيادة عن اللزوم. اللي شهيرة بتعمله في الناس هيتردلها في بنتها، ده عدل ربنا. شهيرة أكتر واحدة قست قلب عمك على أبونا وبعد وفاة جدك مفكرش يقول لأبوك ارجع بيتك وقصرك، لا فضل عايش هو ومراته ومتهني في العز ده كله وإحنا مقهورين. ده عدل ربنا يا شمس.
شمس بذهول وخوف: معقول للدرجة دي قلبك أسود؟ معقول؟ دا ماسماش عدل ربنا، العدل الحقيقي إن اللي ظلم يتعاقب، لكن اللي متظلمش ذنبه إيه إنه يتوجع؟ ملك إنتي عارفة كويس إنها متستاهلش الحيوان ده، فوقي يا بنت أبويا وإلا قسما عظيمًا هتلاقيني لديكي علقة تفوقك. راجعي نفسك يا هدى وبلاش الكره يعمي قلبك أبوس إيديك، افهميني.
هدى خافت من نظرات شمس وطريقتها لدرجة إنها عيطت:
= أنا مش وحشة أوي كده يا شمس، مش وحشة بس إحنا اتظلمنا أوي وقلوبنا اتداس عليها بالجزمة، ليه؟ كنا عملنا إيه علشان ينداس علينا كده؟ أنا والله مش بكره ملك وإنتي أكتر واحدة عارفة كده، بس أنا مش قادرة أحب شهيرة ولا قادرة أسامح عمي على السنين اللي عشناه دي. إنتي ليه مش قادرة تفهميني؟
شمس حضنتها بسرعة وهي بتعيط:
= أنا مش عايزة أخسرك فاهمة؟ مش هقدر أخسرك. فاهمك بس مش معاكي في الأذية. ملك تبقى أختي زيها زيك ولو إنتي في موقف زي ده، لا يمكن أسكت فاهمة؟ أنا ممكن أعمل أي حاجة بس مش هقبل إن حد منكم يتوجع، فاهمة؟ بطلي تعيطي.
هدى بحزن: بس أنا مش بعيط. وبعدين إنتي من إمتى بتزعقيلي كده؟ ده جزاتي برضه.
شمس: أزعقلك لما تغلطي، وإنتي تقولي شكرًا، فاهمة؟
هدى بابتسامة: فاهمة. طب تعالي نروح نغيظ ماما ونبقى نشوف الحوار ده هنعمل فيه إيه. صحيح هتيجي معانا الفرح؟
شمس باستغراب: فرح مين؟
هدى: فرح بنت واحد صاحب عمك وكلنا هنروح، ده على حسب كلام عمك، بس في قرية بعيدة شوية يمكن نبات ونرجع بكرة.
شمس: بس أنا راجعة القاهرة كمان يومين وامتحاناتي قربت، مش مهم أنا أروح لازم أفضل لأن ورايا مذاكرة قد كده.
هدى: مليكيش في الطيب نصيب، كانت هتبقى فسحة حلوة. إحنا بقالنا كتير محضرناش أفراح.
شمس: الصراحة ماليش نفس، هخليني أذاكر أحسن، وكمان البت صافية وحشتني أوي، هكلمها بالليل كده.
هدى: اوكي.
بعد عدة ساعات.
كلهم خرجوا من القصر في طريقهم لقرية مجاورة، فضلت شمس في القصر بعد ما أقنعت عمها إنها مش هتقدر تروح معاهم.
كانت بتذاكر لحد وقت متأخر، البيت كله هادي ومفيش حد.
غمضت عينها بتعب ونوم وهي بتقفل كتابها.
شمس: الواحد دماغه ساحت خالص، مبقتش قادرة أكمل مذاكرة.
طفت نور الأوضة ونامت.
عدى حوالي نص ساعة كانت راحت في النوم تمامًا.
إبراهيم ابتسم بخبث وهو بيخرج من أوضته بعد ما أقنع الكل إنه تعبان ومش هيقدر يروح معاهم.
كان بيمشي براحة وهو رايح ناحية أوضة شمس. حط إيديه على مقبض الباب وحاول يفتحه لكن كان مقفول بالمفتاح.
طلع نسخة من المفتاح من جيبه وفتح الباب، كانت الأوضة ضلمة مفيش إلا نور الأباجورة.
عض على شفايفه وهو بيقرب من السرير بخبث.
في قصر هند الحسيني.
الخدامة كانت واقفة في المطبخ وهي بتتكلم في الموبايل بهمس ورعب.
الخدامة: أيوه يا لي لي هانم. آه الصور وصلتني بس لو اكتشفت هروح في داهية حمزة بيه لو شاف الصور دي هيقلب الدنيا.
لي لي بسخرية: ده ميخصكيش، اللي طلبته تنفذيه ولكي فلوسك، غير كده إنتي تكتمي خالص. وبعدين الصور دي كلها في العالم المخملي عادية، بس بالنسبة لأي عيلة محافظة توتو، وده اللي أنا عايزاه. المهم تنفذي اللي قلتلك عليه، عايزة هند تروح في داهية، إنتي فاهمة؟
الخدامة: حاضر يا ست هانم، بس كده الفلوس هتزيد. آه ما أنا لو اتكشفت هروح في ستين داهية.
لي لي: نفدي إنتي بس وأنا عليا الباقي، وفلوسك هتوصلك.
الخدامة بمكر: حاضر.