تحميل رواية «نهر الكنان» PDF
بقلم رحاب دراز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هيه الزفتة اللي هناك هتقعد ساكتة كده على طول ومبتتكلمش حد، ولا هي عشان بنت صاحب المستشفى بتتكسف علينا؟ مين دي؟ دي دكتورة نهر، طيبة أوي والله، انتي بس اللي ظالمها، لو عرفتيها هتحبيها. كفاية، انتي بتحبيها، دي واحدة باردة وفاكرة نفسها حاجة، أصلًا هي من غير أبوها ولا حاجة. أنا سامعة كل ده، بسمع شتيمتي بودني كل دقيقة من اللي حواليا، بس هما ظالمني. أعرفكم بنفسي. أنا دكتورة نهر بحر المحمدي. عارفة إنكم انتوا كمان ممكن تتريقوا على اسمي، بس هو كده. بابا اسمه بحر وحب يكون اسمي مميز زيه، بس ده طبعًا كان طول...
رواية نهر الكنان الفصل الأول 1 - بقلم رحاب دراز
هيه الزفتة اللي هناك هتقعد ساكتة كده على طول ومبتتكلمش حد، ولا هي عشان بنت صاحب المستشفى بتتكسف علينا؟ مين دي؟ دي دكتورة نهر، طيبة أوي والله، انتي بس اللي ظالمها، لو عرفتيها هتحبيها.
كفاية، انتي بتحبيها، دي واحدة باردة وفاكرة نفسها حاجة، أصلًا هي من غير أبوها ولا حاجة.
أنا سامعة كل ده، بسمع شتيمتي بودني كل دقيقة من اللي حواليا، بس هما ظالمني. أعرفكم بنفسي.
أنا دكتورة نهر بحر المحمدي. عارفة إنكم انتوا كمان ممكن تتريقوا على اسمي، بس هو كده. بابا اسمه بحر وحب يكون اسمي مميز زيه، بس ده طبعًا كان طول الوقت بيخلي زمايلي يضحكوا على اسمي. أنا دكتورة جراحة، بنت الجراح الكبير بحر المحمدي، وصاحب المستشفى اللي أنا بشتغل فيها طبعًا. وزي ما سمعتوا، بيتقال عليا بشتغل بس عشان والدي، وكلام تاني كتير. وحتى مش بعرف أرد وأنا سامعة أبشع التهم بتتقال في حقي. يمكن أكون ضعيفة وجبانة، بس أنا مش بعرف أتصرف لوحدي أبدًا، ولا آخد قرار في حاجة. بس نفسي أتغير، معنديش أصحاب، معنديش حد يساعدني أتعلم حاجة جديدة. وعشان مش بعرف أتكلم مع حد وبتكسف، بيتقال عليا متكبرة. نفسي أقدر أثبت العكس.
فاقت نهر من صوت تفكيرها على ضوضاء في المكان وصوت سيارة الإسعاف تعلن عن وصولها بمريض جديد.
لتصرخ باسمها إحدى الممرضات تطالبها بالدخول حجرة العمليات بسرعة.
الممرضة: دكتورة نهر، جهزي بسرعة، عايزينك في العمليات. الحالة خطر، حادثة عربية وعنده جرح كبير في البطن. دكتور عادل بيعتذرلك إنه مش هيقدر يدخل.
تنهدت نهر بتعب، فهي يقال إنها مستشفى والدها ومدللة فيها، وجميعهم يتركون لها عمله بأي عذر، وهي طبعًا لا تستطيع الرفض.
هتفت نهر وهي تتوجه للغرفة: تمام، تمام. أنا رايحة، على أساس إن فيه حد بيدخل العمليات هنا غيري. بس أقول إيه، دي روح ناس.
خرجت نهر من غرفة العمليات منهكة، تمسح العرق المتصبب على جبهتها بكف يدها، بعد جراحة استمرت ثلاث ساعات، واستطاعت بصعوبة إنقاذ حياة المريض. ولكن لم تقف للاستراحة، اتجهت للغرفة التي انتقل إليها للاطمئنان عليه.
دخلت غرفة المريض لتجده ممدد على الفراش يغلق عينيه، فهو ما زال تحت تأثير المنوم. ولكن برغم الكدمات في وجهه وجسده، لا تخفي جمال ملامحه وجسده الرياضي العريض، فالحادث الذي تعرض له لم يكن، لكن قوة جسده ساعدت في نجاته، وذلك ما لفت نظرها له أثناء العملية.
لا إراديًا، تقدمت بخطوات بطيئة ناحيتها تتأمل ملامحها.
اقتربت منه لدرجة كبيرة لتأخذ يدها طريقها تتلمس شعره الكثيف وملامحه بيديها الصغيرتين، لتجده كشر ملامحه بألم لتبتعد بسرعة بخوف وتلوم نفسها على ما تفعله. فهي أول مرة تتجرأ وتقترب من رجل، حتى لو كان في غير وعيه.
هتفت نهر لنفسها: إيه اللي أنا بعمله ده؟ من إمتى بقرب من حد كده؟ بس فيه حاجة بتشدني، عندي فضول أعرف هو مين، عايزاه يفوق وأتكلم معاه.
دخلت الممرضة لتقطع تفكيرها تهتف: هو حضرتك هنا؟ أنا كنت جايبة الدوا اللي قولتي أجيبه هنا.
هتفت نهر بتوتر: أيوه، أنا كنت بشوف بس المحلول متعلق كويس ولا لأ. بقولك، هو انتوا عرفتوا أي حاجة عنه؟ أو كلمتوا حد من أهله؟ ولا لسه؟
الممرضة: لا والله لسه يا دكتورة. مكنش معاه أي حاجة شخصية. بيقولوا كله ضاع مع العربية، حتى التليفون بتاعه.
غمغمت نهر بقلق: يعني إيه؟ مش هنعرف نكلم حد من أهله ولا نعرفهم هو فين؟
هتفت الممرضة وهي تغادر الغرفة بعدم اهتمام: مش عارفة بقى يا دكتور. نستنى لما يفوق ونبقى نخليه يدفع الحساب.
نظرت نهر على أثرها بغضب، فهي تكلمها عن أهله وتتألم لحاله، وهي كل ما يدور برأسها أنها تريد منه حساب المستشفى فقط.
تنهدت بتعب لتهتف: أنا مش عارفة إمتى هيبطلوا يفكروا فيا كده. هما فاكرني إيه؟ مش بني آدمة ولا بحس.
لتلتفت بنظرها إلى الملاك النائم وتهمس بتساؤل: ياترى أنت مين وأهلك عاملين إيه دلوقتي من قلقهم عليك؟
مالت بجذعها العلوي تقترب من وجهه تهمس برجاء: أوعى أنت كمان لما تفوق تبقى شايفني كده زيهم.
لتنتفض نهر في مكانها عند سماعها من يصرخ باسمها بقوة.
وقلبها ينبض بقوة ورعب من صوته، ليزداد رعبها وهي تسمع صوت خطواته يقترب من الغرفة.
ليفتح الباب بقوة وتبتعد نهر عن مريضها بخوف.
لينظر لها الواقف عند الباب بنظرات حادة شرسة.
رواية نهر الكنان الفصل الثاني 2 - بقلم رحاب دراز
نظر لها الواقف عند الباب نظرات حادة لا تبشّر بالخير.
لتبتلع نهر لعابها بخوف، ويقترب هو منها بخطوات ثابتة بطيئة.
دبّ الرعب في قلبها، فتحركت للخلف تلقائيًا ليقبض على كف يدها بقوة ويثبتها أمامه.
يصرخ بغضب في وجهها: "كنتي بتعملي إيه هنا؟"
همست نهر بصوت خافت وهي تغلق عينيها من الألم: "كنت بشوف المريض ده، أنا لسه عاملاله عملية دلوقتي."
ليشدد هو من ضغط يده عليها ويهتف بغضب: "افتحي عينيكِ دي بقولك، افتحي عينك."
فتحت نهر عينيها ببطء، لترى سحابة من الدموع تغطي سواد الليل في عينيها، ليزيد من روعة منظرهم.
ليكمل هو بثبات: "أنا كام مرة أقولك متدخليش أوضة راجل لوحدك."
نهر بصوت مكتوم: "بس ده تعبان ياراشد ومش فايق أصلاً."
شهقت بفزع من قوة ضغطه على يدها المفاجئ.
ليهتف راشد بصراخ: "وأنا كام مرة أقولك لو راجل مشلول متدخليش برضه، إنتي إيه مبتفهميش؟"
"إيدي، إيدي هتتكسر ياراشد، حرام عليك، إنت بتعمل فيا كده ليه؟"
نطقت بها نهر بصوت مكتوم من الدموع والوجع، محاولة استعطافه مع أنها تعلم قسوة قلبه، فهو لا يهمه وجعها، كل ما يهمه فرضه سيطرته عليها. خطبها من أبيها، وحتى لا يهتم إذا كانت تريده أو لا، كل ما يهمه هو تملكها لها.
"لأ،" قبضتها على يدها ليقترب يهمس جوار أذنها: "بعمل كده علشان بحبك يانهر، حبي، إنتي بتاعتي، والحاجة اللي ملك راشد محدش ينفع يشوفها غيره، مش إنتي ملكي يانهر."
ليضغط على يدها مرة أخرى، لتستجيب له وتحرك رأسها إيجابًا، تتهتف سريعًا بخوف: "أيوه، أيوه ملكك."
ليمسك يدها يقربها من فمه، يطبع قبلة رقيقة في كف يدها ويهمس: "أيوه كده شاطرة يانهر، أنا خطيبك، حبيبك، وقريب أوي هبقى جوزك، يعني تسمعي كلامي وبس، فاهمة؟"
هزت نهر رأسها إيجابًا سريعًا حتى لا تغضبه مرة أخرى.
"آه، امم..."
خرجت همهمات الألم من النائم في الفراش جوارهم، وتقريبًا نسوا أنه معهم بنفس الغرفة.
لتجري نهر ناحيته بلهفة بمجرد ما سمعت صوته، على أمل أن يكون استعاد وعيه.
ليستشيط راشد غضبًا من تجاهلها له، ويصرخ باسمها بغضب: "نهررر! أنا لسه قايلك إيه؟ إنتي إيه مبتفهميش!"
لتهتف نهر بخوف وهي تتفقد مريضها بقلق: "ياراشد لو سمحت افهمني، أنا مقدرش أشوف شخص بيتألم كده قدامي وأقف أتفرج عليه، وهو المفروض لسه في مفعول البنج، وإنت شايفه بيتوجع إزاي علشان الجرح بتاعه مش هين أبدًا، حتى تقدر تشوفه بنفسك."
هتف راشد ببرود: "أنا ميخصنيش كل الكلام ده، ومش هو لسه على نفس حالته؟ يلا إنتي معايا من هنا، وخلي أي حد غيرك يشوفه."
وسحبها من يدها ليخرج بها من الغرفة دون انتظار ردها، ومتجاهلاً اعتراضها على الخروج، وكأنها دمية يحركها على راحته.
استسلمت له نهر بقله حيلة وخرجت معه، ليقابلا والدها في مكتبها. وأخيرًا يحرر راشد يدها أمام والدها.
هتف راشد وهو يمد يده يصافح دكتور بحر: "إزي حضرتك ياعمي، مكنتش متوقع إني هشوفك هنا."
صافحه بحر يهتف ببرود: "أهلاً ياراشد، أظن ده مكتب بنتي يعني أجي فيه وقت ما أحب، ولا إنت ليك رأي تاني؟"
راشد: "لأ طبعًا براحتك، أنا بس استغربت، أنا كنت جاي آخد نهر علشان هي اتأخرت بس وهروحها، بس طالما حضرتك هنا ممكن أسيبها تروح معاك."
لوى بحر شفتيه باستخفاف ليهتف بغيظ: "ممكن تسيبها تروح معايا؟ لأ والله، شكرًا أوي ياراشد بيه على كرم أخلاقك، شكلك نسيت إني أبوها ولا إيه."
هتف راشد محاول تلطيف حدة الموقف: "أنا مش قصدي، أنا بس خايف على نهر ومش عايزها تقعد تاني لوحدها هنا و..."
قاطعه بحر بجدية وغيظ: "بقولك إيه ياراشد، أنا بنتي مش صغيرة علشان إنت اللي تاخدلها قراراتها وتقولها تعمل إيه ومتعملش إيه، أنا واخد بالي كويس أوي من تصرفاتك معاها، ولو شفتك ماسك إيدها بالطريقة اللي شوفتها من شوية مش هيحصل كويس."
راشد: "ي ع..."
قاطعه مرة أخرى بحدة: "أنا لسه مخلصتش كلامي."
ووجه نظره لنهر بابتسامة هادئة ليكمل: "نهر حبيبتي، هو ضايقك في حاجة؟ لو عملك أي حاجة قوليلي."
نظرت له نهر قبل أن تجيب والدها، لتخرسها نظرته الحادة، لتهز رأسها نفيًا تخبر والدها بعكس ما بداخلها، فهي تخاف منه بشدة.
ليبتسم والدها بحزن، فهو يعلمها جيدًا، واثق من أنها تعاني، وكعادتها مترددة ضعيفة.
تنهدت بتعب ليهتف بهدوء: "ماشي يانهر، عمومًا أنا جيت أشوف كام حاجة كده وخلصت، وكنت جاي أشوفك هتروحي معايا ولا عندك حاجة لسه."
هتفت نهر سريعًا: "لأ لسه عندي كذا مريض عايزة أشوف حالتهم قبل ما أمشي، حضرتك تقدر تاخد راشد وتمشوا إنتوا، وأنا هاجي وراكم."
وجه راشد نظره لها وعيونه تحولت لجمرة من النار من شدة غضبه، فهي تتعمد مخالفة أوامره. وقبل أن ينطق بحرف تحدث والدها بجدية: "اعملي اللي يريحك ياحبيبتي، يلا ياراشد علشان تروحني، أنا مجبتش السواق ومش هقدر أسوق أنا."
هز راشد رأسه موافقًا وهو يضغط على أسنانه بغضب، توجه معه ناحية باب الغرفة وهو يلقي عليه نظرات نارية أرعبتها، وحاولت تجاهلها.
وبمجرد أن خرج تنفست نهر براحة، وكأنها سجين تخلص من قيوده.
فتحت جزء بسيط من الباب تطل برأسها منه لتتأكد من انصرافه. وعند تأكدها خرجت سريعًا متوجهة لغرفة مريضها المجهول للاطمئنان عليه.
دخلت غرفته لتبتسم وهي تراه ينام بهدوء، وملامحه تدل على راحته عكس حاله قبل أن تتركه. لتسحب مقعدًا قريبًا منها وتضعه جواره لتجلس عليه وتمسك كف يده، فتختفي يدها الصغيرة مقارنة بيده، فتضحك نهر بخفة.
وتقترب من وجهه تهمس: "كل حاجة فيك غريبة وبتخليني عندي فضول أعرفك أكتر، أول مرة في حياتي يبقى عندي فضول ناحية حاجة، إنت إمتى هتقوم بقى؟ ولا عاجبك النوم ده؟ نفسي أشوف شكلك أوي وأنت فاتح عيونك، حاسة إني أعرفك من زمان، ملامحك شبه حد كان غالي عليا أوي، بس مستحيل تكون..."
توقف تشخص عينيها بذهول عند سماعها كلامه، متفاجئة بما ينطق به.
رواية نهر الكنان الفصل الثالث 3 - بقلم رحاب دراز
فتحت عيونها بذهول من صدمتها مما تسمعه يغمغم به في نومه.
يصدر صوت مريضها المجهول أنينًا وكأنه ينازع في أعماق الجحيم: "نهرر نهرر انتي فين".
اقتربت منه وهي مازلت في صدمتها لتضع يدها على جبهته.
فينتفض وكأنها صعقته بكهرباء.
يحرك جفونه بتعب محاولاً فتح عينيه تدريجياً.
تغرق نهر في أنهار عسل عينيه.
فأرؤيته بعد استيقاظه سرقت أنفاسه.
زداد أضعافاً لتفيق على صوته الرجولي يهتف بتعب وسؤال: "انتي مين وأنا إيه جابني هنا".
ظلت نهر ثابتة مكانها تنظر له بتأمل وكأنها لم تسمعه.
سرحت في ملامحه الرجولية الصارخة.
شعره البني تتدلى منه خصلات بطريقة عشوائية على جبهته.
عسليتها سبحان من جعل بريق الشمس في لمعانهم.
أنفه المستقيمة بطريقة شامخة.
وما يزيد حيرتها شدة انجذابها له وكأنها تعرفه من زمن.
سؤال واحد يدور في ذهنها: ما اسمه؟ لو عرفته تتأكد كل ظنونها.
ليهتف هو بإلحاح: "انتي بكلمك انتي مين".
تحنحت نهر بحرج وتحاول جمع شتاتها لتهتف بجدية: "أنا دكتورة نهر بحر اللي مسؤولة عن حالتك هنا. انت جيت المستشفى بعد ما عملت حادثة بالعربية وكان عندك نزيف بس الحمد لله قدرت أوقفه".
وعند نطقها باسمها التفت لها فجأة لييتأكد من سمعه للاسم.
ليعيد سؤالها: "انتي قولتي اسمك إيه".
تنهدت بتعب متوقعة السخرية من الاسم كالعادة.
لتهتف بملل: "بقولك إيه متحاولش تقول أي تريقة على الاسم علشان كله حفظه. بحر طيب هتيجي لنا سمكة؟ ده إيه كمية الميه اللي في الموضوع؟ طيب باباك كان سماك المحيط؟ لو سمحت كفاية سخافة بقالي".
يجيبها بابتسامة مرهقة: "ده إيه كل ده؟ على فكرة أنا مسمعتش الاسم أصلًا عشان كده كنت بسألك تاني. وإيه كمية السخافة دي؟ في حاجات أجدد ممكن تتقال".
ابتلعت لعابها بإحراج لتهتف: "بجد أنت مسمعتش أصلًا؟ طيب اسمي نهر. ممكن بقى أعرف انت اسمك إيه علشان إحنا لغاية دلوقتي منفهمش عنك أي حاجة ولا عارفين نوصل لحد من أهلك".
"اسمي كنان محمد".
تلفظ بها وهو ينظر لها ينتظر رد فعلها.
وجهت نهر نظرها له بعدم تصديق.
لتبتسم وتهتف بسعادة وتلقائية: "بجد بجد انت كنان؟ أنا كنت متأكدة والله. انت إزاي مش فاكرني؟ إزاي معرفتنيش من اسمي؟ أنا نهر. إحنا كنا جيران لغاية ابتدائي وبعدين مشينا من جنبكم ورحنا حتة تانية. بس أنا طول عمري كنت فكراك والله".
وليقاطعها كنان بصوت خالٍ من أي مشاعر: "اهدي يا دكتورة. أنا مش كنان اللي انتي تعرفيه. أكيد فيه تشابه أسماء مش أكتر".
لتقع كلماته عليها وقع الصاعقة.
فبجملته هذه بدأ معاناتها من جديد.
لتهتف برجاء: "أكيد لا. أنا متأكدة إن انت كنان. انت بتهزر صح؟".
تحرك كنان محاولاً الجلوس على الفراش.
ليئن بألم.
لتسرع له نهر تساعده وتمنعه من الحركة.
تهمس بخوف: "متتحركش ده غلط عشانك. الجرح بتاعك صعب جداً. خليك زي ما أنت".
ليهتف من بين أنينه بجدية: "تمام خلاص فهمت. تقدري تبعدي. وبالنسبة لموضوع جارك ده فانا مش هو. أنا معرفكيش أصلًا عشان أهزر معاكي يا دكتورة".
حاولت نهر منع دموعها من الهبوط أمامه.
لتغمغم بصوت مكتوم: "تمام. أنا آسفة".
كنان: "محصلش حاجة. ممكن تجيبيلي تليفوني عشان أكلم حد من أهلي".
نهر: "مهو لو كان فيه تليفون كنا كلمناهم إحنا. للأسف تليفونك اتدمر في الحادثة".
زفر أنفاسه بغضب.
ليهتف بحدة وقد استعاد بعض قوته: "انتي هتفضلي غبية كده؟ اتغيرتي يانهار؟ اديني أي تليفون أتكلم منه طيب".
ليفتح عينيه بذهول يدرك ما تفوه به للتو.
وتصدم نهر من وقاحته معها.
لكن طريقته تثبت أنه يعرفها.
"انت إزاي تتكلم معايا كده".
ليهتف هو يمثل الثبات في كلامه محاولاً إصلاح الموقف: "الظاهر إني لسه تحت تأثير البنج. مش مركز بقول إيه. ممكن بس تعملي اللي قلتلك عليه".
أخرجت هاتفها من جيبها تمد يدها به أمامه ليلتقطه منها.
ويتنهد بضيق: "يا دكتور لو مش واخدة بالك أنا تعبان مش هقدر أمد إيدي أكتر من كده. يعني وأظن يعني الفون مش أنا اللي حاطط الباسورد بتاعه. فـ هعرف أفتحه".
احمرت وجنتاها بخجل من شدة إحراجها.
فمن أول موقف معه تظهر فيه الغباء.
لتلمع الدموع في عينيها.
فهي تتمنى أن تتغير للأحسن.
لتهتف بصوت مخنوق: "أنا آسفة. بس أنا بتوتر بسرعة جداً. فـ بفضل أعمل كده حاجات غصب عني".
أحس كنان بالذنب أنه أحرجها وهي تبدو هشة رقيقة.
ليحاول التخفيف عنها بكلامه: "ولا يهمك. عادي. كلنا بتحصل معانا حاجات شبه كده. ممكن بس تكتبي الرقم اللي هقولهولك وتتكلمي انتي. علشان أنا بجد مش قادر أتكلم".
ابتسمت بسعادة.
فبرغم بساطة كلامه إلا أنه أسعدها.
فبعض الكلمات برغم بساطتها تصنع المعجزات.
فرجاء حاولوا صنع المعجزات.
هزت رأسها إيجابياً موافقة.
ليبداء كنان يملي عليها الرقم وهي تحاول التحكم في توترها وتكتب بسرعة وتضغط على الاتصال.
تنظر أجابت الطرف الآخر.
لتوجه نظرها له وتبعد الهاتف عن أذنها.
وهمس بتوتر: "أنا هكلم مين؟ أنا مش بعرف أتكلم مع حد. وهتكسف وهلخبط الدنيا. خد انت اتكلم".
أنهت جملتها تمد يدها له بالهاتف.
ليبعد يدها عنها.
ليهتف بثبات وهو يتطلع داخل عينيها بثقة: "رجعي الفون. واتكلمي انتي. وعرفي نفسك. ومتقلقيش. أنا جنبك. لو غلطتي هقولك تقولي إيه. هيرد عليكي والدي".
أرجعت الهاتف على أذنها.
واستمدت قوتها من كلامه.
ليأتيها صوت الطرف الآخر.
صوت رجل قريب من صوته.
نفس البحة الرجولية الجذابة.
ولكن يغلب عليها كبر السن.
والده: "الو. مين معايا؟".
سكتت نهر.
تبلع ريقها بتوتر.
ليشير لها كنان بيده يشجعها على الكلام.
ولكنها ظلت كما.
وسقطت دموعها من شدة خوفها وتوترها.
رواية نهر الكنان الفصل الرابع 4 - بقلم رحاب دراز
تلاشت الدموع في عينيها وهرب الكلام من على لسانها، وكأنها فقدت النطق. وجهت نظرها له تستنجد به، لتجد عيونه مسلطة عليها باهتمام. ليحرك رأسه لها يحثها على الكلام.
لتغمغم نهر بخفوت: "مش قادرة أتكلم."
ليهمس لها كنان من بين شفتيه، يلقنها الكلمات وكأنها طفل صغير يعلمه الكلام: "قولي اللي هقولهولك، يلا."
هزت نهر رأسها إيماءً ونفذت ما يطلبه منها.
هتف كنان بهمس وهدوء، لتفهم كلامه: "أنا دكتورة نهر بحر، من مستشفى المحمدي."
رددت الكلام وراءه بالحرف، وبدأت تجيب على أسئلة والده على الهاتف. ومع الوقت تكلمت بثقة، لتطمئنه أن حالة كنان مستقرة، وتصف له عنوان المستشفى. أخيرًا أنهت المكالمة، لتتنهد براحة وسعادة، أنها تخطت خوفها لأول مرة بنجاح.
التفتت له لتشكره. لتجده يبتسم لها وعيونه تخبرها بمدى فخره بها. ليهتف سريعًا بحماس: "كنتي هايلة! شفتي الموضوع سهل إزاي؟ بس أول ما اتكلمتي اتشجعتي على طول، حتى من غير ما أقولك."
ولكنه سكت فجأة، وانتبه للهفته في الكلام.
لتهتف نهر بسعادة: "أنا مبسوطة قوي إني عرفت أعمل كده، بجد شكرًا."
ضيقت عينيها بتفكير، لتكمل تتساءل: "بس صحيح، هو انت عرفت إزاي إن اسم المستشفى المحمدي، مع إنك مقولتليش؟"
بلع كنان ريقه بتوتر، ليغمغم بتقطع وارتباك: "آه، انتي قولتيلي اسمك بالكامل، فطبيعي يعني استنتجت إن اسم العيلة هو اسم المستشفى."
لوت رقبتها يمينًا، تتطلع له بعدم تصديق: "ياسلام! أنا مش فاكرة أصلًا إني قولت اسمي كامل، وحتى لو، إيه علاقة اسمي بأن المستشفى هتكون على اسم عيلتي؟"
تألم كنان بتمثيل، ليحاول تشتيتها عن أسئلتها: "آه، مش قادر. الجرح بيشد عليا قوي."
لتتحرك نهر ناحيته بلهفة، تطمئن على جرحه وتفرغ بعضًا من الدواء المسكن في المحلول. لتهتف بقلق: "حاسس بإيه دلوقتي؟ مش أحسن؟ ده أكيد بس عشان أنت اتحركت، طبيعي يوجعك شوية."
هز كنان رأسه بتعب مؤيدًا لكلامها، ليغمض عينيه بإرهاق. ليهتف وهو على نفس وضعه: "هو بابا قالك إيه؟"
نهر: "هو مقاليش حاجة، بس أخد العنوان وبس. وكان من صوته قلقان عليك جدًا يعني."
كنان: "طيب ماشي."
ليصدح في المكان صوت اتصال على هاتف نهر. وبمجرد أن نظرت على اسم المتصل، لتسري الرجفة في جسدها، وتفلت علبة الدواء من يدها. ليفتح كنان عينه على أثر الصوت.
ليهتف بتساؤل: "فيه إيه؟ انتي كويسة؟"
"آه آه، كويسة."
هتفت بها نهر بارتباك وخوف، فسبب رعبها اتصال راشد، ليتاكد أنها في المنزل كعادته، وهي لأول مرة تخالف أوامره وتخاف من رد فعلها. ليخرجها صوت كنان من دوامة مخاوفها.
هتف كنان بجدية: "طيب، ماتردي على تليفونك ده بقى. صوته وترني."
"ده هيرعبني أنا." هتفت بها بصوت خافت.
ليتسال كنان: "إيه؟ بتقولي حاجة؟"
لتهتف نهر وهي تتوجه لخارج الغرفة: "لا لا، أنا هطلع أتكلم بره."
لتغلق الباب خلفها، وتمسك الهاتف تضعه على أذنها، لتسمع صوته القوي يتحدث بجموده المعتاد: "انتي فين؟ روحتي ولا لسه؟"
وضعت نهر يدها على مكان قلبها، تهدي من قوة ضرباته المضطربة. تأخذ نفسًا بعمق، ليخرج صوته بثبات تصطنعه: "أيوه ياراشد، أنا في الطريق للبيت أهو."
ليصرخ راشد بغضب: "نعممم! يعني إيه لسه في الطريق؟ انتي مش قولتي إنك هتمشي بعدي؟ قاعدة بتعملي إيه كل ده عندك هااا؟ أوعي تكوني فاكرة أصلًا إني هعديلك اللي عملتيه قدام أبوكي؟ أنا تمشي كلامك عليا يانهر؟ ماشي، حسابك معايا لما أشوفك."
هتفت بسرعة وخوف: "والله أنا قعدت عشان في حد كان تعبان ومحتاجني ضروري."
وبيعصرخ راشد بقوة: "اسكتي! مش عايز أسمع أي تبرير منك. بقولك أنا مش طايق أسمع صوتك أصلًا."
لفجائها بإغلاقه للخط في وجهها، ولكنها أصبحت معتادة على حركته. فلم تعطي أي رد فعل، بل العكس، أراحها من سماع صراخه المستمر عليها. لتسمع صوت ارتطام قوي من داخل غرفة كنان، فاتسرع بالدخول، لتجده على حافة الفراش على وشك السقوط. فاتسرع بمساعدته وإرجاعه كما كان. نجحت بصعوبة في ضبط وضعه، فجسده ثقيل مقارنة بضآلة حجمها أمامه.
"انت كنت بتعمل إيه؟ انت مجنون؟ كنت هتأذي نفسك والجرح بتاعك كان ممكن يفتح تاني!"
هتفت نهر بكلاماتها بقوة، لتكمل: "كنت بتعمل إيه هااا؟ أنا مش قولتك من شوية مينفعش تتحرك؟ مبتسمعش الكلام ليه؟"
كشر كنان حاجبيه باستغراب من لهجتها المسيطرة، فيارها من قليل ترتعش من مجرد مكالمة هاتف. لم يصدق أنها تأمره الآن.
ليقاطعها بحدة: "انتي إزاي بتزعقيلي كده أصلا؟ خلاص محصلش حاجة، كنت هقع ولحقتني، خلصنا. وبعدين أنا اتحركت عشان كنت عايز أجيب كوباية الميه دي، مهو محدش موجود جنبي أعمل إيه يعني؟ الدكتورة المسئولة عن حالتي مش فضيالي وراحت تحب في الفون؟ فاتأذى أنا لما ترجع ولا إيه؟"
تفاجأت نهر من أسلوبه المهاجم لها واتهامه. لتتمتم بداخلها ساخرة: "أحب؟ كنت تيجي تسمع كلام الحب اللي بيتقالي." لتتجمع دموعها في عينيها.
وتهتف بحزن: "أنا بس كنت خايفة عليك. وهبعتلك ممرضة تبقى جنبك لو احتجت حاجة. عن إذنك، أنا لازم أمشي."
لتخرج دون انتظار أي رد منه، لتذهب إلى مكتبها تتجهز لمغادرة المستشفى، ودموعها تسقط في صمت هادئة مثلها.
***
يجلس في حديقة المنزل يتطلع للسماء ويتأمل النجوم. وأحلامه تعرض أمامه كأنها شاشة سينما. تردد في أذنه كلمتها: "لما توصل لحلمك عيونك هتبقى بتلمع من الفرحة، ومتاكدة إنك هتوصل عشان أنت متمسك بيه زي النجوم اللي ماسكة في السما."
ليخرجه من أحلامه الوردية صوت والده يهتف باسمه: "إبراهيم، مش هتنام يبني؟ الوقت اتأخر عليك."
ليلتفت له يجيب بابتسامة: "لأ، أنا مستني نهر. نام انت يا والدي، وأنا هقعد عشان لما تيجي أركنلها العربية، انت عارف هي مبتعرفش."
والده محمود: "هي دكتورة نهر لسه بره؟ كويس إنك قولتلي ده، أنا افتكرتها رجعت مع بحر بيه."
أجابه إبراهيم وهو يمسك بيده ليدخله غرفته: "مهو انت لو مركز كده يا بابا، كنت أخدت بالك إن نهر مرجعتش معاه. ويالا اتفضل نام انت عشان حضرتك صاحي من بدري."
ليهتف محمود بحنية: "يبني، انت اللي طول النهار في كليتك وبعدها التمرين بتاعك ده، وبعدين بترجع تساعدني في الشغل كتير عليك أوي كده. تعالي نام انت، وبعدين الدكتورة مش هتزعل لو أنت مستنتهاش النهارده."
إبراهيم: "يا بابا يا حبيبي، أنا مش تعبان ولا حاجة. حضرتك لازم ترتاح. أنا لازم أستنى نهر عشان عايز أتكلم معاها شوية، فممكن تسمع كلامي بقى."
تنهد محمود بابتسامة فخور بابنه. فهو برغم ظروفه الصعبة وعمله هو كحارس للمنزل عند ولاد نهر، إلا أن ابنه دائمًا يفتخر به ويساعده، ولديه أحلامه الخاصة التي تجعل منه قدوة لأي شاب في سنه. وكانت مصدر إعجاب من نهر والدها به. فعلاقته بنهر تمثل علاقة أخ وأخته، ولم تحسسه يوم بأنه أقل منها في شيء. كانت دائمًا مصدر تشجيع له.
هتف محمود باستسلام: "خلاص هنام أهو، وخليك أنت براحتك يبني. تصبح على خير."
مال إبراهيم بجذعه يقبل جبهته ليجيبه بحنان. ليسمع صوت سيارتها يعلن عن وصولها، فيخرج لها سريعًا. وعلى وجهه ابتسامة.
ليهتف بمرح: "أهلاً أهلاً بنهر هانم اللي مسهراني للفجر عشان أركنلها. انزلي يالا، خليني أركن العربية."
خرجت نهر من سيارتها وحاولت أن ترسم الابتسامة، ولكن فشلت ملامحها البريئة في إخفاء حزنها. ليكشر إبراهيم ملامحه بقلق، يهتف بتساؤل: "نهر مالك؟ أوعي يكون خطيبك الزفت ده زعلك تاني."
وعند سماع جملته، انهارت قوتها المزيفة أمامه، لتتساقط دموعها بغزارة ويتعالى صوتها بالبكاء.
ليقترب منها إبراهيم محاولًا تهدئتها، ليهتف بحنان: "طيب، في إيه يا نهر؟ أهدي كده، وردي عليا لو سمحتي."
لتهتف نهر من بين شهقاتها: "أنا تعبت، تعبت أوي. أنا بكره نفسي وبكره ضعفي ده."
ليتنهد إبراهيم بتعب على حالها، يتمنى في داخله لو يستطيع تقديم أي مساعدة لها. فهو صديقها الوحيد، بئر أسرارها، وهي مصدر قوته. فعلاقتهم أقوى من الإخوة، يعتبرها ابنته وأمه وصديقة دربه. ولكن أمام مشاكلها، يقف عاجزًا عن تقديم أي مساعدة.
همس لها بحب: "يا حبيبتي، خدي نفسك كده طيب، واحكيلي إيه اللي حصل لكل ده."
حكت له نهر كل ما حدث في يومها، من أول لقائها بكنان، وحتى آخر موقف بينهم.
لتكمل نهر كلامها وهي مازالت في حالة انهيارها، ليخرج صوتها متقطعًا مبحوحًا من كثرة البكاء: "أنا تعبت، تعبت أوي. وبقيت بكره ضعفي وترددي. بكره إني على طول خايفة، ومن غير سبب للخوف ده. أنا ليه كده يا إبراهيم؟ ليه مش بعرف أرد على حد بيؤذيني وأجيب حقي؟ ليه بتردد آخد أي قرار في حياتي؟ وعشان أقرر حاجة، أفكر فيها ألف مرة، وعلى ما آخدها تكون فرحتها راحت. ليه مش زي الناس الطبيعية؟ ليه عمري مابعرف أحس إني فرحانة بجد؟ أنا مش طبيعية صح؟"
سقطت دموع إبراهيم على حالها، فهو أول مرة يرى انهيارها إلى تلك الدرجة. فهي دائمًا ترسم الابتسامة وتخبر الجميع أنها بخير. يتمنى سحق المدعو خطيبها، وذلك الغريب. هل الأمور كانت تنقصه هو الآخر ليزيد حزنها؟
ليمسك يدها محاولًا طمئنتها، ليهتف بحنان: "انتي مش زي الناس، انتي ملكة على كل الناس يا نهر. كل المشكلة إني طيبة زيادة عن اللزم في زمن بيعتبر الطيبة دي ذنب لازم نتعاقب عليها. صادقيني، المشكلة مش عندك. ولو على التردد، فده حاجة ممكن نحلها و تتغيري."
نظرت له نهر بنظرة حزينة، لتهتف بصوت منكسر: "نفسي أتغير وجربت كتير، مش عارفة أتغير."
ليجيب إبراهيم بمرح محاولًا تخفيف حدة الموقف: "مهو انتي لو تسمعي كلامي، اقعدي معايا فترة طويلة بس، وأنا أخليكي تقلبي ساحرة شريرة. مع إن مفيش حد شرير بالملامح دي، بس أقولك، بصي في وش راشد دقيقتين كاملين، وانتي تتحولي لزومبي في ثانية. عليه تكشيرة تقصر العمر طول."
لتبتسم نهر من بين دموعها على كلامه، لتهتف: "بصراحة عندك حق، بس أنا أصلاً مش بحلق أبص عليه يا بني."
كشر إبراهيم حاجبيه بغضب، ليهتف: "بجد؟ أنا مش بحب أشوفه أصلاً، خصوصًا من آخر خناقة بينا. قال إيه، إياك أشوف بتكلم نهر تاني. ده أنا عندي فيه هاجي أعيش معاكو في البيت."
ضحكت نهر وهي تحاول أن تنسجم معه في الكلام، متناسية حزنها: "طيب اسكت بقى عشان ده بيظهر على السيرة، ولو عرف أصلًا إننا بنتكلم هيعلقني أنا وأنت."
هتف إبراهيم بمشاكسة: "بقولك إيه؟ خلينا في السيرة الحلوة. كنان ده بقى شكله إيه عشان يلفت انتباه أميرتي بسهولة كده؟"
ابتسمت بسعادة عن تذكرها لشكلها وتفصيله. لهتف بتيه: "عارف إنه يشبهني، بس هو أحلى. هو زمان كان بيقولي إننا شبه بعض، بس هو عنيه عسلي وبتلمع شبه لمعان النجوم اللي في السما."
لفت انتباه إبراهيم لهفتها في التحدث عنه، ولكنه أراد تنبيهها لحقيقة هي يمكن أن تغفل عنها. ليهتف بجدية: "نهر، أنا عارف إنك كان نفسك تقابلي كنان تاني، بس إحنا لسه مش عارفين إزاي. كان هو كنان جارك؟ ولا ده تشابه في الأسماء بس زي ما قالك؟"
هتفت نهر بسرعة: "أنا متأكدة إنه كنان اللي أنا أعرفه، مش معقول شكله وعنيه كل ده تشابه وبس. ولو كده، عرف منين أصلًا باقي اسمي؟ وإزاي كان بينده باسمي في حلمه وهو ميعرفنيش؟ أكيد كل ده مش صدفة، خصوصًا يعني إن اسمي قليل جدًا لما بيتكرر. انت نسيت."
تنهدت إبراهيم بتعب من رفضها حتى لمجرد الاحتمال. ليهتف بنفاذ صبر: "يا شيخة! طيب ولما انتي متأكدة أوي كده، هو ليه هينكر يعني ها؟ ويقولك إنه ميعرفكيش أصلًا؟"
حركت نهر كتفيها باستسلام تجيب بتفكير: "يمكن يكون مش فكرني زي ما أنا فكراه، بس أنا مش هستكت غير لما أتأكد إنه هو."
تثاءب إبراهيم بنعاس، ليهمس بتعب: "ماشي يا أختي. يالا ننام دلوقتي. بس عشان أنا خلاص مش شايف قدامي. اتهديت في التمرين. أفوقلك بس ونكمل كلامنا."
ابتسمت نهر بهدوء لتهتف برجاء: "إن شاء الله هشوفك قريب أكبر لاعب كرة سلة في العالم."
"مش لما أروح ألعب في نادي كبير جوه الأول، بعدين أتأهل للعالم دي." هتف بها إبراهيم وهو يتوجه لسيارتها يضعها في مكانها.
لتهمس نهر بتعب: "ده انت وش فقر، قول آمين وخلاص. مش يمكن تكون ساعة استجابة."
ضحك إبراهيم ليرفع يده للسماء يؤمن على دعائها.
لتكمل نهر: "تصبح على خير بقى، كفاية كده عشان أقدر أصحى."
أنهت كلامها لتتوجه لداخل، تذهب لغرفتها تتسطح على الفراش بتعب بعد يوم طويل ومرهق.
لتشرق شمس يوم جديد يحمل لها الكثير.
رن جرس المنبه جوار فراشها. لتمد يدها بتعب تسكته. فهي لم تنم إلا ساعات قليلة، ولكن ترتسم ابتسامة سعيدة على وجهها عند تذكرها أنها سوف ترى كنان مرة أخرى. ل تنهض عن الفراش سريعًا وتتجهز للتوجه لعملها.
***
أول ما قامت به عند وصولها المستشفى، التوجه لغرفته للاطمئنان عليه. دقت بيدها على باب الغرفة، تستأذن بالدخول. لياتيها رده من الداخل يأذن بالدخول.
ليبتسم كنان بسعادة عند رؤيتها مرة أخرى، فهو لم يقدر على النوم بسبب تأنيب ضميره بسببها وظن أنها لم تأتِ لعنده مجددًا.
هتفت نهر بهدوء: "صباح الخير."
ليجيب كنان بنفس الابتسامة: "صباح النور. أولًا كده، أنا كنت حابب أعتذرلك عن اللي حصل مني امبارح وإني اتعصبت عليكي، يعني."
قابلته نهر بابتسامة هادئة تجيب: "خلاص، اعتبري محصلش حاجة."
اقتربت منه تتفقد جرحه وتطلع على الأجهزة المعلقة له. لهتف باهتمام: "فيه حاجة بتوجعك النهارده؟"
حرك رأسه بنفي، ليهتف: "أكيد مش هتعب طول ما أنا مهتمة بيا دكتورة شاطرة زيك كده. ده أنا حظي من السما والله."
فتحت عينيها بذهول من تحوله المفاجئ معها، لتتلون وجنتيها باللون الأحمر من الخجل. تحمحم بإحراج، وقبل أن تتفوه بكلمة.
انفتح باب الغرفة بقوة، تندفع منه فتاة بسرعة الصاروخ، لترمي نفسها في أحضان كنان الراقد على الفراش، وتهتف باسمه وهي تشهق وتبكي بقوة: "كنان حبيبي، انت كويس؟ إيه اللي حصلك يا حبيبي؟ 😮"
رواية نهر الكنان الفصل الخامس 5 - بقلم رحاب دراز
ثبتت في مكانها وكأن شخصًا ألقى عليها دلو ماء بارد. تحركت أهدابها محاولة استيعاب الموقف. أمامها، الفتاة تلتصق بحضنه بدون أي خجل أو اهتمام لوجودها.
صدرت أنات ألم من كنان لضغطها على جرحه.
"انتي يبنتي إيه اللي بتعمليه ده؟ واحد عامل عملية صعبة، براحه عليه شوية."
لتبتعد الفتاة عنه، تهتف بندم وهي تمسح دموعها بكف يدها: "أنا آسفة والله، بس أنا كنت هجنن من القلق عليه."
لتميل بجذعها عليه مرة أخرى، تحتضن وجهه بين يديها.
"انت عامل إيه ياحبيبي؟ حاسس بإيه؟ أنا وجعتك؟"
لوت نهر فمها ببرود، لتهتف بسخرية: "معلش، هنعطل الحب بتاعك شوية. ووسعي كده علشان أطمن عليه."
التفتت لها الفتاة بغضب، لتهتف: "إيه ده إيه ده؟ انتي مين أصلًا علشان تكلميني بالطريقة دي؟"
ربعت نهر ذراعيها بضيق، لتهتف بتحدي: "أنا دكتورة هنا ياحبيبتي ومسؤولة عن حالته، ولازم أقول لحضرتك إن مينفعش قلة الأدب اللي انتي بتعمليها دي، إحنا في مستشفى."
"نهررر!" صرخ بها كنان بغضب على وقاحتها معها. فهو في حالة ذهول من أين أتت بكل هذه الثقة والقوة. أين اختفى خوفها وخجلها؟ لماذا انحلت عقدة لسانها الآن؟ ولكن يجب التدخل قبل أن تتمادى.
"إيه اللي انتي بتقوليه ده؟ دي تبقى أختي وجايه تطمن عليا."
"أختك؟" نهر وهتفت الفتاتين في صوت واحد بذهول، وكل واحدة منهم مصدومة مما تسمع.
لينظروا لبعض بعدم استيعاب.
"أوعي تكون دي نهر؟"
"أختي اسمها نهر."
هتفت أخته بسرعة.
"اوعي تكون دي نهر؟"
لكن كنان أمسك بذراعها بخفة، لتبتر جملتها ويوجه نظره لها يحذرها من التمادي في الكلام.
ليهتف محاولًا تشتيت نهر عن تركيزها مع كلام أخته: "أيوه، دي الدكتورة بتاعتي، هي شكلها كده بس شاطرة."
كشرت نهر ملامحها بغيظ، لتهتف بضيق: "إيه شكلها كده دي؟ مالو شكلي؟"
ليبتسم كنان بسخرية: "شكلك ميقولش إنك دكتورة أبدًا، ده منظر عيلة في حضانة."
يقول على لسانه عكس ما في داخلها بالمرة، فهي كتلة متفجرة من الجمال والأنوثة. شعرها أسود بلون الفحم يصل لمنتصف ظهرها. جمال الليل في لون عينيها. بشرتها بيضاء كالطفل. أنفها منصوب بشموخ. جسدها ممشوق كغزالة، وطولها مناسب. ولكن بالنسبة له قصيرة جدًا.
تجمعت الدموع في عينيها تنذر بانفجارها والشلالات. ولكن قررت التغلب على ضعفها وتمثيل القوة. لتهتف بثبات: "أنا كبيرة مش طفلة، ومسمحش لحد يقولي كده."
لوي فمه بسخرية ليزيد من غضبها، لتكمل بغضب غير مدركة لكلامتها: "انت بتعمل معايا كده ليه؟ مش كفاية إنك بتكدب أصلًا وبتقولي إنك مش كنان اللي أنا أعرفه؟ مع إنّي متأكدة إنك هو. حتى أختك دلوقتي كانت هتقول حاجة، كانها تعرفني. أنا أخدت بالي إنك شككتها."
ليوجه نظره لها بثبات، يهتف ببرود: "محصلش، كل اللي بتقوليه غلط."
التفتت له أخته بسرعة، وكان عيونها تسأله لما يكذب. ولكن وجه لها نظرة آخرستها.
ضيقت نهر عينيها بتحدي، لتهتف بتشفي ترتقب رد فعله: "ولما محصلش؟ وانت نايم، كنت بتنادي باسمي ليه؟ حتى من قبل ما تصحى ولا تشوفني؟"
ليرتبك كنان ويسب نفسه داخله. فهي فاجأته ووضعته في موقف محرج جدًا أمامه. يعصر تفكيره، يحاول إخراج نفسه من الموقف الصعب.
ليبتلع ريقه بتوتر، يهتف بثبات أجاد تمثيله: "وهو مفيش حد في الدنيا غيرك اسمه نهر يعني؟ ولا إيه؟ بس صحيح، أنا غلطان علشان لغاية دلوقتي معرفتكيش اسم أختي. اسمها نهر يعني، لو كنتي سمعتي اسمك مني وأنا نايم، فاكنت أقصد أختي، يا دكتورة."
"كنان؟" هتفت بها أخته باستغراب متفاجئة.
ليسكتها بنظرته كالعادة.
ليكمله هو بسخرية وهو يشعر بالانتصار: "وبعدين، مش عيب دكتورة محترمة تتسنط كده على المرضى وهم مش في وعيهم؟"
احمر وجهها من شدة الخجل. فهي في موقف لا تحسد عليه الآن. تتمنى الأرض تنشق وتبتلعها. تلعن داخله غباءها. فالمرة الوحيدة التي تقرر فيها المواجهة والكلام، تحرج نفسها أكتر.
حمحمت نهر بخجل، تحاول تجميع الكلام. ليخرج صوتها متقطع: "أنا... ااانا..."
لينقذها صوت رنين هاتفه. لتاخذه مستأذنة بسرعة قبل أن تتفوه بحرف زيادة. هي في المعتاد تكره أن يتصل بها أحد، ولكن الآن تريد شكره.
وبمجرد أن أغلقت الباب، توجهت أخت كنان ناحيته بغضب، تهتف بحده: "كنان! إيه اللي انت بتعمله وبتقوله ده؟ هي دي نهر اللي انت مش بتسكت عن الكلام عنها، صح ولا لأ؟"
همس كنان بحزن: "هي."
لتجيب أخته بغيظ: "ولما هي، لما تلاقيها، تكدب عليها وتنكر نفسك منها ليه كده؟ دي باين عليها هي كمان فاكراك وبتدور عليك. وبعدين إيه موضوع أنا اسمي نهر ده كمان؟ انت غيرت اسمي وأنا معرفش يعني؟"
وقبل أن يجيبها كنان، صدح صوت ارتطام قوي بالخارج، وصوت جلبه قوية وضوضاء.
رواية نهر الكنان الفصل السادس 6 - بقلم رحاب دراز
خرجت من الغرفة بسرعة على صوت الضوضاء بالخارج، وبمجرد أن فتحت الباب فوجئت بتجمع هائل أمام بابها. حاولت أن تعرف على ما يلتفون، لتتفاجأ بنهر ملقاة على الأرض بلا حركة، وإحدى الممرضات تحاول إيقاظها بكافة الطرق. وضعت يدها على فمها محاولة كتم شهقتها الفزعة.
لتسمع صوت كنان من خلفها يهتف بغضب:
"إيه عندك يا داليا؟ ليه الناس دي متجمعة كده؟"
لتهتف داليا، أخته، وهي تحاول الوصول لنهر:
"نهر اغمي عليها يا كنان وبيحاولوا يفوقوها."
وأخيراً استطاعت أن تصل لها، وكانت بدأت تستعيد وعيها لتصدر منها همهمات ألم. لتصيح داليا فيهم بغضب ليبتعدوا حتى تستطيع نهر استنشاق بعض الهواء. وفعلاً بدأ كل منهم ينصرف إلى عمله. لتساعد داليا وبعض الممرضات نهر على النهوض من الأرض.
وكنان في غرفته يحاول بكافة الطرق النهوض من الفراش ليصل إليها، ليتألم بشدة من تحركاته العشوائية، ليلعن داخله عجزه الذي يمنعه من الوصول لها. ليلتفت بلهفة وهو يرى داليا تمسك يد نهر تساعدها على المشي لتجلس على الأريكة في غرفته، ويظهر على ملامحها التعب والإجهاد.
ليهتف بخوف:
"نهر... نهر؟ إيه اللي حصل؟ انتي عاملة إيه دلوقتي؟"
لتجيبه داليا:
"بخير يا كنان، متقلقش."
ليصيح كنان بضيق:
"كويسة إيه بس؟ انتي مش شايفة شكلها تعبان إزاي؟ هو إيه اللي حصل طيب؟ نهر ردي عليا لو سمحتي."
لتهمس نهر بصوت خافت وهي تريح جسدها على الأريكة بتعب:
"أنا مش عارفة إيه اللي حصل. أول ما خرجت من الأوضة دوخت وحسيت الدنيا بتلف بيا، وبعدين محستش بحاجة غير لما لقيت الناس حواليا. بس عادي يعني، أكيد ضغطي وطي فجأة. أنا بيحصلي كده لما بتوتر جامد."
ليشعر كنان بالحزن، فهو السبب في الضغط عليها وهو يعلم حالتها، ومع ذلك كان سبب في تعبها. ليهتف بندم:
"أنا آسف يا نهر، لو كنت ضايقتك أو السبب في اللي حصل."
تفاجأت نهر عند سماعها اعتذاره ونبرة صوته الحزينة. ولكن بداخلها ساعدته لو توصف، فكل أفعالها تؤكد أنه كنان صديق العمر. لترفع وجهها تنظر له بامتنان. لتشهق بفزع وهي ترى ملابسه تحولت للون الأحمر من دمه في مكان جرحه.
لتسرع ناحيته بلهفة وهي تحاول إبعاد ملابسه لتعاين الجرح وهي تصرخ بفزع:
"انت عملت إيه؟ جرحك بينزف؟ ده اتفتح تاني؟"
لتوجه كلامها لداليا:
"اندعي حد من الممرضين بسرعة، بسرعة لو سمحتي."
استجابت لها داليا وخرجت بسرعة لتأتي خلال دقائق معها أحد الممرضات لإعانة نهر في تضميد جرحه مرة أخرى وإعطائه بعض الأدوية لتخفيف الألم. لتجده بعد انتهائها من عملها ساكن في مكانه، يغمض عينيه بتعب.
لتهمس له بتساءل:
"ممكن أعرف إيه اللي خلى الجرح ينزف بالشكل ده؟ ليه اتحركت من مكانك مع إني أكتر من مرة أقولك مينفعش؟"
ليحرك رأسه ناحيتها، يفتح عينيه بهدوء، ليخرج صوته ضعيفاً ناعساً، فهو مخدر جزئياً من تأثير الأدوية:
"علشان كنت خايف عليكي وهتجنن وأعرف إيه حصلك."
ابتسمت نهر بسعادة، لتسأله من جديد مستغلة حالته:
"طيب وليه كنت قلقان عليا أصلاً؟ مش انت متعرفنيش؟"
ليقاطع رده دخول داليا من الباب تصيح باسمه. لتلعن نهر بداخلها بغضب، فهي أخبرتها أن تخرج من الغرفة لحين انتهاء عملها، من أين علمت أنها انتهت الآن.
لتقترب داليا من كنان تستند على ركبتيها جوار فراشه، تحتضن بيدها ملامحه، تهمس بدموع:
"عامل إيه يا حبيبي دلوقتي؟ ليه كده يا كنان؟ كل شوية تقلقني عليك. ده انت عارف إن ماليش غيرك."
ليهمس كنان بتعب:
"أنا بخير، متقلقيش عليا. أخوكي جبل مبيتهزش."
تجمعت الدموع في عين نهر وهي ترى مقدار حبهم. كانت تتمنى أن يكون لها أخ يدافع عنها ويحميها، ولكنها حرمت من هذه النعمة. فهي الابنة الوحيدة لبحر المحمدي، وكان في يوم كنان يمثل لها هذا الأمان، لتفقده هو الآخر. ولكن أراد الله أن يعوضها بإبراهيم.
وضعت نهر يدها على كتف داليا تربت عليها بحنان لتطمئنها، لتهتف بحنان:
"متخافيش عليه، هو هيبقا كويس إن شاء الله."
هتفت داليا برجاء:
"بجد؟ أوعي تكوني بتقولي كده علشان تطمنيني."
نهر:
"لا والله بجد، أنا مش بعرف أقول حاجة مش حقيقية أصلاً. يانهر."
لتبتسم نهر عند نطقها الاسم، تهتف بمرح:
"عارفة؟ أنا مبسوطة أوي إني لقيت حد أخيراً اسمه زي، أهو ألاقي حد يتنمرو عليه معايا."
ابتسمت داليا رغم دموعها، ولكن بحزن، فهي ترى سعادة نهر أنها نفس اسمها، وهذا غير صحيح. لتهتف:
"ومين أصلاً يقدر يتكلم؟ ده اسم جميل جداً، حاجة رقيقة كده ومختلفة شبهك."
ابتسم نهر بخجل، تغمغم بكسوف:
"شكراً، انتي اللي جميلة. بقولك بقا ممكن تبعدي شوية عن كنان علشان هو المفروض يرتاح وإحنا قاعدين نتكلم جنب ودانه كده، حرام ده تعبان."
انتبهت داليا لوضعها بجانبه، لتلتفت له تجد ابتسامة هادئة على شفتيه سعيد بكلام نهر معها. لتهتف داليا سريعاً:
"أنا آسفة إني ضايقتك كده، والله أنا هقوم وهبعد علشان ترتاح."
ليمُد كنان كفه يمسح دموعها الراكده من على خدها، يهمس بخفوت وهو يتجاوب لثقل عينيه للنوم:
"مفيش مضايقة، أنا مبسوط إنك جنبي."
وقفت داليا لتميل بجزعها العلوي عليه، تطبع قبلة حانية على جبهته. لتقترب منها نهر تسحبها من يدها ليجلسوا سويا على الأريكة، لتتحدث نهر بود:
"ممكن بقا ترتاحي انتي كمان، انتي من ساعة ما جيتي وانتي جنبه، وكنت حابة أعتذرلك يعني عن طريقتي معاكي أول ما جيتي."
هزت داليا رأسها بتفهم:
"ولا يهمك، محصلش حاجة. بس بجد انتي شخصية جميلة جداً زي ما كنان كان بيقول عليكي."
لتضع داليا يدها على فمها متفاجئة بما تفوهت به، لا تعلم كيف تخبرها عكسه الآن. لتبتسم نهر بمكر، تهتف بخبث:
"امم، وكان بيقول إيه كمان يا داليا؟"
شخصت داليا عينيه بذهول، فمن أين عرفت اسمها الحقيقي؟ لتهتف بتعلثم:
"آه داليا مين؟ أنا اسمي نهر، انتي نسيتي ولا إيه؟"
لتجيب نهر بثبات وحزن:
"لا عمري ما نسيت ولا قدرت أنساكم يوم واحد. ولسه فاكراكي وإنتي صغيرة وإنتي مبتعرفيش تنطقي اسمي. وكان نفسي تكبري معايا ونبقى أصحاب. فاكرة كنان وكل كلمة كان بيقولهالي؟ ولما أعياط كان يحضني ويقولي إنه عمره ما هيخلي حد يزعلني أبداً لما نكبر. بس اللي حصل إنه رافض حتى يتكلم معايا. ليه يا داليا بتعملو معايا كده؟ أنا عملتلكم إيه؟ ليه بقيتوا بتكرهوني؟"
حزنت داليا على حزن نهر وتأثرت بشدة بكلامه وشعرت بمدى احتياجها لهم، لتقرر أن تخبره بالحقيقة. لتهتف بسرعة:
"إحنا عمرنا ما كرهناكي يا حبيبتي، أوعي تقولي كده. والله إحنا بنحبك جداً."
ابتسمت نهر بسعادة لأن إحساسها صحيح وأنها لم تخطئ في شخصية كنان. لتقفز من مكانها بسعادة، تغمغم بفرحة:
"يعني أنا صح؟ انتي داليا بجد؟ هااا هااا؟ قوليلي هو كنان محمد جيراننا في بيت شبرا، صح؟ صح؟"
داليا:
"أيوة صح يا نهر، وكل كلامك صح. وكنان لما كان بيقول اسمك انتي وهو نايم مش أنا زي ما قالك؟"
لترفع نهر قدميها عن الأرض، تقفز في الهواء بسعادة تصيح بفرح:
"لقيتو، لقيتو، لقيتو!"
لتثبت أخيراً، تضع يدها على موضع قلبها تخفف من حدة ضرباته السريعة من شدة سعادتها، تهتف بسعادة:
"أنا كنت متأكدة إنه هو، كنت متأكدة. عمري ما أغلط فيه أبداً."
لتشكر حبيبها بضيق:
"بس ليه بيكذب عليا وبيقولي كل حاجة غلط؟ طيب ماشي، بس لما يفوق ده أنا م..."
قطعتها داليا سريعاً تهتف برجاء:
"لأ لأ يا نهر، علشان خاطري أوعي تقولي له أي حاجة. لو عرف إني قوليتلك من غير ما أستأذنه يضايق أوي وأنا مليش حد غيره. يانهر انتي عارفة من بعد موت ماما وكنان بنسبة لي كل حاجة في الدنيا، وكمان بعد ما بابا سافر وسابنا مبقاش عندي غيره."
حزنت نهر على حالها، فهي كانت تتمنى حقاً أن يكونوا أصدقاء، ولكن بسبب عمل والدها تركوا منزلهم القديم ليعيشوا في مكان آخر، ولم تكن تعرف أن والدهم هو الآخر هجرهم. ل تجيب نهر بحزن:
"خلاص مش هقوله حاجة علشان خاطرك. بس قوليلي انتي ليه هو عمل كده؟"
داليا:
"حقيقي والله معرفش، أنا كنت بسأله ومردش عليا."
تجمعت الدموع في عيون نهر بسبب أفكارها السيئة، لتهتف بحزن:
"هو بيكرهني صح؟ علشان كده مش عايز يتكلم معايا؟ صح؟"
"بالعكس، ده بيحبك جداً."
هتفت بها داليا سريعاً لتنفي ما تقوله، لتكمل:
"يبنتي ده مبيكلمش غير عليكي، فاكر كل تفصيلة تخصك، وإنتي شوفتي ده بنفسك. حتى في أحلامه موجودة إنتي وبس يا نهر."
ابتسمت بسعادة لما تسمع، غير مصدقة كم السعادة المنهال عليها:
"بجد؟ أمال ليه بيكدب عليا كده؟"
لتكمل نهر بخبث:
"إيه رأيك تعملي معايا اتفاق؟ اعرفيلي منه ليه بيعمل معايا كده؟ وأي حاجة يقولهالك عرفيني بيها، وأنا هفضل قدامه معرفش أي حاجة لغاية ما أخليه هو بنفسه يعترفلي بكل حاجة."
ضحكت داليا بسعادة مؤيدة الفكرة، ليتصافحوا مؤكدين الاتفاق:
"أووكيه، أنا موافقة نطلع عينو علشان خلاكي تزعلي كده."
نهر:
"بس يارب أقدر أخليه يتكلم."
هتفت داليا مشجعة:
"لأ بقولك إيه، مش عايزين استسلام. كنان عنيد جداً ولازم تبقي قوية كده علشان توصلي لهدفك."
هزت نهر رأسها إيجابياً موافقة، تتمنى أن تصل لما تريد.
...................................................................
يقف مع زملائه بالجامعة، يملأ صوت ضحكاتهم المكان بسعادة، يخربهم إبراهيم عن سهولة الامتحان.
يصيح إبراهيم بسعادة:
"بجد مكنتش متخيل إن الامتحان هيجي سهل كده. عايز أروح أجري أطمن بابا في البيت."
منصور، أحد زملاءه:
"يعم إبراهيم، مش علشان انت شاطر هتذلنا بقا. الامتحان مكنش سهل ولا حاجة."
معتز، صديقه المقرب:
"ومش ذنبنا برضو إنك مكنتش مذاكر."
ليهتف إبراهيم باستعجال وهو يتحرك ناحية باب الخروج وزملائه خلفه:
"بقولكم إيه، أنا مش فاضيلكم لخناق كل يوم ده. لازم أروح بسرعة والدنيا زحمة أوي أصلاً."
هتف معتز بسرعة:
"طيب استنى يا إبراهيم، تعالي معايا المحل اللي الناحية التانية ده علشان خاطري، عايز أشتري حاجة لنهى كانت قايلالي عليها من فترة."
ليبتسم إبراهيم يهتف بمشاكسة:
"طيب، انت واحد بتحب ورايح تجيب حاجة وحب ولڤلاڤه وكده. أنا مالي؟ بس علشان أنا راجل محترم، هاجي معاك بس توصلني بعربيتك لحد باب بيتي. ها؟ إيه رأيك؟"
زفر معتز بضيق مصطنع:
"ماشي يعم، مبتعملش حاجة لله انت أبداً. يالا."
ليلفت له إبراهيم يمشي عكس، يعطي ظهره للشارع ووجهه ناحية معتز، يهتف بمرح:
"يبني، أشباك دي مينفعش التعامل معاها لله أبداً. و..."
ليصرخ معتز باسمه بقوة وهو يرى سيارة تسير في اتجاهه بسرعة عالية جداً، ولكن قبل أن يفهم إبراهيم ما يحدث، كان فات الأوان للتحذير. 😮
...................................................................
في غرفة كنان بالمستشفى، تجلس هي وداليا يتحدثون في جميع أمور الماضي، وتخبرها داليا الكثير عن كنان.
لتلوي داليا رقبتها يميناً ويساراً بتعب، تهتف:
"بقولك إيه؟ أنا تعبت جداً. هروح أجيب قهوة من الكافتيريا. أجيبلك معايا؟"
هزت نهر رأسها نافية:
"لأ لأ، أنا مش بشرب قهوة. روحي انتي وأنا هستناكي هنا."
هزت داليا رأسها بتفهم وتوجهت ناحية الباب، خارجة من الغرفة.
لتنهض نهر من مكانها، تتوجه ناحية فراش كنان، تستند على ركبتيها جوارها لتبصح في مستواه. لتمد يدها تضم كف يده بين يديها، تقربها من شفتيها تلثمها بحب، تهمس بحنان:
"عمري ما قدرت أنساك، ودلوقتي عمري ما هقدر أبعد عنك تاني يا كنان، حتى لو انت رافضني. أنا مصدقت لقيتك."
لينفتح الباب بقوة ويظهر أمامها سبب تعبها في الحياة، راشد. 😮
يترا راشد هيعمل إيه معاها؟ إيه وجيه ليه أصلاً؟ 🤔 وإبراهيم هيحصل له إيه؟ ولا صاحبه هيلحقه؟ ونهر فعلاً هتقدر تتغير وهتقدر تتحدى كنان؟ 🤔 مستنية أعرف رأيكم، مهم جداً جماعة اكتبوا رأيكم بجد بلاش كسل. 🤌😔 والتفاعل يا جماعة لو سمحتو. 😢
رواية نهر الكنان الفصل السابع 7 - بقلم رحاب دراز
هبت واقفة في مكانها بفزع وخوف من منظر الواقف أمامها.
عينيه تحولت لكتلتين من الجمر وعروق رقبته بارزة منتفخة من شدة غضبه.
يقترب منها ببطء وهو يضغط على أسنانه بقوة.
يهْمِس من بين أسنانه:
"كلامي مبقاش يتسمع ليه؟"
بلعت نهر لعابها تحاول الكلام ليخرج صوتها مهزوز:
"ااانا انا جيت هنا..."
ليغرس أظافره في ذراعها فجأة لتئن نهر بالألم.
يصرخ راشد في وجهها بقوة:
"من امتااا وانا كلامي مبيتسمعش هاااا انا مش نبهت عليكي متدخليش هنا تاني ردي عليا!"
انسابت دموعها بغزارة عند غرسه لأظافره في ذراعها ليضغط عليها بقوة.
هتفت نهر بخفوت:
"ياراشد سيب إيدي بتوجعني!"
لتشق بفزع عند ضغطه عليها بشكل أقوى.
يغمغم من بين أسنانه بغل:
"انتي وحده مش بتيجي غير كده وهفضل أوجع فيكي لغاية ماتتعلمي تسمعي كلامي من أول مرة أقولو انا مش بقولك ردي عليا دخلتي هنا تاني لوحدك ليه؟"
صرخ بكلماته الأخيرة ليبث الرعب بقلبها.
بللت نهر شفتيها بطرف لسانها محاولة إخراج الكلام من على لسانها.
لتهمس من بين دموعها:
"جيت علشان حالتو خطر وجرحو فتح تاني وكان لازم أكون جنبه ومكنتش لوحدي اختو موجودة هنا معايا."
"اااااه!"
صرخت بها نهر بالألم عندما زاد راشد من غرس أظافره في لحمها.
لتلمع عينيه ببريق مرعب وهو مستمتع بصراخها.
رفع كفه يقبض على فكها يقرب وجهها من وجهه.
يهْمِس جوار أذنها بفحيح كالأفعى:
"كده تضايقينني يا نهر حبيبي تخليني أوجعك."
ليزيد من ضغطه عليها غير مهتم بتلويها بين يديه محاولة إبعاده عنها.
تحولت نبرته للغضب من جديد:
"بتكدبي عليا انا ليه شيفاني أهبل قدامك؟"
أمسكت نهر يده تحاول تخفيف قبضته عليها وهي تهتف ببكاء:
"مش بكدب والله ما بكدب سبني بقا حرام عليك!"
راشد:
"هو أنااا أعمى قدامك فين أختو اللي بتقولي عليهااا هااا؟"
وفي نفس اللحظة انفتح الباب لتدخل منه داليا تحمل القهوة في يدها لتشهق بفزع من المنظر أمامها لتلقي ما بيدها بخوف.
وعند دخولها ارتبك راشد ليبتعد عن نهر بسرعة يعدل من وقفته ليختل توازن نهر للحظة ولكن تماسكت ومنعت نفسها من السقوط أرضًا.
لتجري داليا ناحيتها بسرعة لتطمئن عليها تهتف بلهفة:
"نهر نهر انتي كويسة في إيه ومين ده ازاي يعمل فيكي كده؟"
لتلتفت موجهة كلامها لراشد تصرخ فيه بقوة:
"انت مين يا حيوان انت وازاي تدخل هنا أصلاً؟"
لوى راشد فمه بسخرية يهتف بضيق:
"تؤتؤتؤ وليه قله الأدب دي طيب؟"
تحركت داليا اتجاه الباب تهتف بغضب:
"انت لسه شوفت قله أدب أنا هجيبلك الأمن يرموك بره يا حيوان انت ازاي تتجراء أصلاً وتمد إيدك عليها؟"
تحرك راشد بخطوات واثقة ناحيتها وترتسم على وجهه ابتسامة ساخرة ليهْتِف ببرود:
"ترميني أنا بره كمان ماشي يا ستي أنا هعديهالك ومش هرميكي أنا بره الدنيا كلها."
التفت بنظرة ناحية نهر ليجدها تجاهد في التقاط أنفاسها والتعب يظهر على وجهها محتقن باللون الأحمر لنقص الأكسجين وأثر أصابعه يظهر بوضوح مكان قبضته على فكها.
للحظة حزن من أجلها وبالتحديد خوفًا من أن يلاحظ والدها أي أثر وينفذ تهديده له ولكن اطمأن أن نهر لا يوجد لديها الشجاعة الكافية لإخباره بأي شيء وسوف تخفي أثر اعتدائه عليها خوفًا من غضبه إذا علم والدها بشيء.
ليرجع يرسم البرود على ملامحه من جديد ويحدثها بصوته القوي:
"ايه يا ست نهر مش هتقوليلها أنا مين ولا هتسيبي اللي يسوا واللي ميسواش يهزق فيا؟"
انتفضت نهر على صوته وهي تتنفس بصعوبة ظاهرة تتمنى أن ينتهي الموقف ويختفي راشد من أمامها دون صدام مع داليا.
فتحاول الكلام لإنهاء الوضع وهي تمنع نفسها من الانهيار بصعوبة لتخرج كلماتها متقطعة:
"ايوه ايوه هقولها اهو ده خطيبي يا داليا مفيش داعي للمشاكل كان في سوء تفاهم بس."
"خطيبك؟"
هتفت بها داليا بذهول لتكمل بضيق:
"خطيبك ازاي يعني وحتى لو هو خطيبك ازاي تسمحيله يعمل فيكي كده؟"
لوى راشد جانب فمه بابتسامة ساخرة:
"ايه خطيبك ازاي دي خطيبها هي محتاجة شرح؟"
وجه كلامه لنهر يسأل بضيق:
"ثانية وحده كده هي مين أصلاً الشيء ده علشان تدخل بالشكل كده؟"
لتجيبه نهر بتردد:
"دي داليا أخت كنان المريض بتاع إمبارح واللي كنت بقولك من الصبح إنها موجودة معايا هنا واكتشفت إنهم كانو جيرانا زمان في بيتنا القديم."
التفت راشد برأسه ناحية داليا يتفحصها بنظرات حادة غاضبة لتقابله هي بنظرات احتقار.
لتنقل نظراتها لنهر لتتحول لعطف وأسف على حالها.
لتهتف أخيرًا بضيق:
"نهر قولي للكائن ده يطلع بره علشان صوتو كده أكيد بيضايق كنان."
ليصرخ راشد بغضب من جرأتها في التحدث عنه:
"انتي بتقولي على مين كده يابنت انتي احترمي نفسك أحسنلك."
ألقت داليا نظرة احتقار سريعة ناحيته لتتحدث لنهر متجاهلة وجوده تمامًا:
"نهر لو سمحتي خليه يطلع والا قسما بالله هنادي الأمن يخرجوه بره فعلاً وهعمل شكوى لمدير المستشفى على عدم احترام المرضى ده."
شخص راشد عينيه بغضب وملامحه لا تنوي على الخير أبدًا.
وقبل أن ينطق بأي كلمة توجهت نهر ناحيته تمسك بيده محاولة إقناعه بالخروج من الغرفة فهي تعلم غضبه جيدًا وموقفها صعب جدًا معه ومع داليا فهي لا تريد أن يصل أي مما حدث لوالدها:
"راشد اطلع لو سمحت علشان خاطري يا راشد بلاش مشاكل انت عارف بابا معندوش هزار في الشغل وأخوها بجد حالتو خطر."
هز رأسه بتفهم ليضغط على أسنانه بغيظ ليرفع إصبعه السبابة أمام داليا بشكل تحذيري:
"أنا هطلع علشانها بس كلامي معاكي مخلصش."
ليتجه ناحية الباب وقبل أن يخرج مال بجذعه ناحية نهر يهمس جوار أذنها:
"مكذبتيش عليا يا نهر حبيبي خليكي مطيعة على طول أحسنلك."
ليخرج من الغرفة صافعًا الباب خلفه.
لتنهد نهر بارتياح وكأن جبلًا كان يكتم أنفاسها.
لتلتفت ناحية داليا تجدها تضيق عينيها تنظر لها بتفحص وتكتف يديها أمام صدرها بغيظ.
لتبتهم لها ابتسامة بلهاء محاولة تخفيف حدتها.
لتشهق داليا بفزع ونظرها مثبت على ذراع نهر تحديدًا مكان يد راشد:
"نهر إيه ده إيدك متعورة ينهار أسود إيه اللي عورك كده؟"
لترفع نهر ذراعها أمام عينيها محاولة أن ترى الجرح فهي تشعر بالوجع فيها ولكنها كانت تتجاهله.
لتشهق هي الأخرى عندما رأت آثار أظافر على جلدها والدم يخرج منها بغزارة.
لتهتف سريعًا وهي تجاهد في حبس دموعها:
"داليا لو سمحتي هاتيلي المطهر وقطن من الدرج بسرعة."
توجهت داليا سريعًا تنفذ ما طلبته لتعطيها إياهم وبدأت نهر في إزالة الدم وتطهير مكانه باحترافية وسط أنينها المتألم.
لتصمد الجرح بعد انتهائها لتمنع تدفق الدم مرة أخرى.
كل هذا وداليا تقف جوارها تتابعها بشفقة وحزن.
لتهتف بضيق بعد انتهائها:
"ممكن بقا تفهميني إيه اللي مخليكي ساكتة للحيوان ده انتي ازاي سيباه يعمل فيكي كده؟"
وقبل أن تجيبها نهر أوقفتها صوت طرقات ملتهفة على الباب لتسمح بالدخول متهربة من إجابة السؤال.
فتدخل الممرضة تهتف اسمها بلهفة وهي تلهث وكأنها كانت في سباق للجري بالخارج:
"دكتورة نهر محتاجينك بسرعة في أوضة العمليات دلوقتي!"
هتفت نهر:
"في إيه طيب فهميني."
الممرضة:
"حادثة عربية يا دكتورة قدام جامعة القاهرة طالب يعني خبطتو عربية وحالتو خطر جدًا وصاحبه اللي جاي معاه طالب حضرتك بالاسم وبيقول إنهم يعرفوكي معرفة شخصية."
هبت نهر واقفة من مكانها تتجه للخارج بسرعة وجوارها الممرضة وهي تجمع خيوط ما أخبرتها به الممرضة وعقلها يرفض التصديق تتمنى داخلها أن ما استنجته يكون خاطئ.
لتتحطم كل أمانيها وتفيق على مرارة الواقع لتتأكد من ظنونها عندما وجدت معتز أمامها وهو في حالة انهيار تامة.
وبمجرد أن رآها هرول ناحيتها بسرعة يهتف بتلعثم وبرجاء:
"نهر الحقي إبراهيم إبراااهيم يا نهر بيموت!"
لتصرخ نهر بغضب:
"بعد الشر بإذن الله هيبقى كويس حصل إيه فهمني."
ليمسح معتز دموعه في طرف ملابسه ويحاول الكلام ليخرج كلامه غير مفهوم ومرتب:
"مش مش عارف حاجة كل حاجة حصلت في ثانية وحده كان واقف قدامي ومرة وحده ظهرت عربية..."
لينهار في البكاء عند تذكره المشهد من جديد.
لترتب نهر على كتفه محاولة تهدئته تهتف سريعًا:
"اهدء اهدء إن شاء الله هيبقى كويس كلم عم محمود بسرعة خليه يجي."
هتفت نهر بكلماتها الأخيرة سريعًا وهي تتجه لداخل غرفة العمليات لتغيب داخلها فترة كبيرة وتخرج أخيرًا بعد وقت مضى كالسنين عليهم جميعًا.
لتجد معتز في مكانه أمامها ليهتف بلهفة عند خروجها:
"إبراهيم كويس صح قوليلي إنو كويس."
حاولت نهر منع دموعها من الهبوط ليخرج صوتها متحشرج:
"عمي محمود جيه ولا لسه يا معتز؟"
"أنا اهو يا بنتي."
هتف بها محمود من بين دموعه وهو ينهض من على الأريكة الموضوعة جوار الغرفة فأقدامها لم تعد تحملها منذ أن سمع الخبر.
ليهتف معتز بضيق:
"بقولك إبراهيم عامل إيه مجاوبتيش."
تساقطت دموعها عند سؤال معتز عنه مرة أخرى ولا تعلم كيف تلقي الخبر على مسامعهم.
رواية نهر الكنان الفصل الثامن 8 - بقلم رحاب دراز
في تلك اللحظة يمر بداخلها كل ذكرى تجمعها به وكل أحلامه. لا تعرف كيف تلقي على مسامعهم أسوأ خبر يسمعه أي شخص.
تنهدت نهر بحزن لتهتف سريعاً: "لو سمحت يا عمي محمود، عايزة حضرتك تمضيلي على تعهد بسرعة جداً عشان نلحق إبراهيم."
كشر محمود حاجبيه باقتضاب ليهتف متسائلاً: "تعهد على إيه يا بنتي؟ هو إبراهيم عامل إيه؟ وليه لغاية دلوقتي ما خرجش من جوه؟ أرجوكي طمنيني، أنا رجليا مبقتش شيالني."
فرت دمعة هاربة من عين نهر وهي تحاول التماسك أمام والده، لتهتف بجدية وحزن: "أنا مش هكذب عليك، إبراهيم حالته خطر جداً ولازم نعمله بتر لرجليه الاثنين. وأي تأخير في خطر على حياته، فلو سمحت امضي بسرعة عشان ألحقه."
تلقى الخبر محمود ومعتز كالصاعقة. اهتزت الدنيا تحت قدم محمود وكاد يسقط أرضاً، ليسرع معتز ونهر بإمساكه والاتجاه به إلى أقرب أريكة ليستريح عليها. ليحاول الثبات والتحامل على نفسه، ليهتف بضعف: "هاتي يا بنتي امضي على اللي إنتي عايزاه، متضيعيش الوقت."
وفعلاً أتوا له بالورقة ليضع إمضته عليها وهو كأنه غائب عن الدنيا، وكل تفكيره في صغيره يريد من الله أن ينجيه مما هو فيه. بعد الإمضاء، اختفت نهر مرة أخرى داخل غرفة العمليات. لتخرج بعد مرور ساعات مرت عليهم كأنها دهر.
فيسرع معتز يسألها عن حال صديقه، ومحمود لا يقدر على الحركة من مكانه وكأنه جثة فارقتها الحياة للتو.
اتجهت نهر نحوه بخطوات هادئة ترتب على كتفه بحنان لتهتف بحزن: "أنا حاسة بيك يا عمو والله. صدقني أنت عارف إبراهيم بنسبالي إيه، بس ده قدر ربنا ومحدش يقدر يغير القدر. وربنا بيدي الابتلاء على قد الإيمان، وحضرتك وإبراهيم قد الاختبار ده. وهو لما يفوق محتاج يشوف حضرتك قوي، محتاج دعمك ليه."
"هو فين؟ عايز أشوفه." همس بها محمود بصوت يحمل كل تعب وحزن الدنيا.
نهر: "هما دلوقتي نقلوه العناية المركزة، مش هتقدر تشوفه للأسف."
ليصيح معتز بغضب: "يعني إيه مش هنقدر نشوفه؟ أنا عايز أطمن عليه، هو مش المفروض بقى كويس؟"
التفت نهر برأسها ناحية معتز لتجيبه بثبات: "يا معتز، الحادثة ما كانتش سهلة، وأنت المفروض أكتر واحد عارف كده. لو واحد غير إبراهيم، لا قدر الله، كان ممكن ما يقومش منها."
هز معتز رأسه بتفهم ليهتف بحزن: "طيب هو إمتى هيفوق ونقدر نشوفه ونطمن عليه؟"
نهر: "يعدوا بس الأربعة وعشرين ساعة دول على خير، وساعتها أقدر أقولكم. ودلوقتي يا ريت تاخد عمي محمود وتروحوا، هو شكله تعبان جداً."
"أنا مش همشي من هنا غير وابني معايا." نطق بها محمود بلهجة حاسمة تنهي أي سبيل للنقاش.
هزت نهر رأسها بتفهم وحزن على حاله: "خلاص، أنا هخليهم يفتحوا لحضرتك أوضة تقعد فيها وأنا هاجي عندك على طول."
لتتف معتز سريعاً: "شوفي شغلك أنتِ يا نهر، وأنا هقعد جنب عمي محمود، متقلقيش."
تململ في نومته يحاول فتح جفنيه تدريجياً بصعوبة بسبب تأثير الأدوية المخدرة عليه. يحاول الحركة ليئن بالألم.
عند سماع صوته هبت داليا واقفة من مكانها تسرع ناحيته تهتف بلهفة وخوف: "براحة براحة يا كنان، متتحركش. نهر قالت إنوا غلط عليك."
استعاد كنان وعيه بالكامل وهو يحاول التشبث بيد داليا ليعتدل على الفراش، وهي تحذره من الحركة. ليهمس بتعب: "خلاص يا داليا، بقا أنا بقيت كويس."
داليا: "بس نهر قالت إنك مش كويس ومينفعش اللي إنت بتعمله ده. ارجوك اسمع الكلام بقا، مش كل حاجة عندك."
ابتسم كنان عند ذكر اسمها، ولكن اختفت ابتسامته فجأة ليضيق عينيه. يهتف بتساؤل: "داليا، هو في حد جيه هنا وكان بيتكلم مع نهر وبيزعق تقريباً؟ ولا ده كان حلم ولا إيه؟"
بلعت داليا لعابها بتوتر، فهي لا تريد أن تخبره بأي خبر يبعده عن نهر أو تحزنه في حالتها تلك. بللت شفتيها بطرف لسانها تحاول تجميع الكلام على لسانها، تخاف أن ينفلت لسانها بالحقيقة. لتهتف بتعلثم: "ا ا ااه أه أه، أكيد كنت بتحلم يعني يا كنان، ماهو أنت بتاخد أدوية قوية جداً مش بتخليك في وعيك."
ضيق كنان عينيه بشك ليهتف بحدة: "داليا، أنا عارفك كويس، إنتي بتكدبي."
تنهدت داليا بغيظ تصيح بضيق: "يوووه يا كنان، بقا نفسي مرة أكدب عليكي وتقتنع يا خي!"
ضحك بخفوت يهز رأسه بتعب: "وأنا أعملك إيه؟ إزاي كان إنتي هبلة يعني؟"
ليكمله بجدية: "هاا، بقا أنا ما كنتش بحلم صح؟"
هزت رأسها إيجاباً.
كنان: "مين بقا ده اللي كان هنا؟"
"هحكيلك كل حاجة." هتفت بها داليا وبدأت في سرد كل ما حدث أمامها له. لينصدم كنان عند معرفته أن نهر مرتبطة بشخص آخر، ويصل لأعلى مراحل غضبه عند معرفة ما يفعله بها.
ليصيح كنان بغضب: "هي إزاي تسيب الحيوان ده يعمل فيها كده؟ عمري ما كنت اتخيل إن خوفها وضعفها يوصلها للمرحلة دي."
داليا: "كنان، ياريت تحاول تساعدها."
تنهد كنان بتعب يمسح وجهه بكف يده محاولاً كبح غضبه، ليهتف بتفكير: "داليا، متقوليلهاش إني عرفت حاجة، ولا حتى عرفت إنها مخطوبة. مش عايز يوصلها إني على علم بأي حاجة، مفهوم؟"
هتفت داليا بتساؤل: "ليه؟ مش عايزها تعرف أي حاجة؟ بتعمل معاها كده ليه إنت كمان؟"
أغمض عينيه يتنفس بهدوء وهو يفكر بها وببراءتها. عقله على وشك الانفجار عند تذكره لمشهد راشد وهو يؤلمها وهو يراها ولم يقدر على مساعدتها، ظن أنه يحلم.
ليهتف وهو على نفس وضعه: "علشان أنا بكره."
رواية نهر الكنان الفصل التاسع 9 - بقلم رحاب دراز
فتحت عينيها على آخرهما بذهول مما تسمع. تحاول استيعاب الجملة لتتكرر مرة أخرى بعدم تصديق.
"إنت بتقول إيه يا كنان؟" صاحت داليا تسأل.
أكمل كنان كلامه بقهر: "بكرها يا داليا، بكرها وأنا شايفها ضعيفة كده، وحتّة مش عارفة تاخد حقها، وهي سايبة كل اللي حواليها يستغلها وهي ساكتة مبتتكلمش. نهر لسه عايشة في دور العيلة الصغيرة اللي عايزة حد يدافع عنها. كنت فاكر إنها اتغيرت، بس للأسف ده ما حصلش. وبكره نفسي أكتر وأنا واقف بعيد كده ومش عارف أتصرف."
تأثرت داليا بكلامه، فكل حرف يخرج منه بصدق ويدل على مدى حزنه عليها ورغبته في مساعدتها. أحياناً يبعث الله لك العون في هيئة شخص ليمثل لك طوق النجاة. ابتسمت داليا بحب تهتف بحنان: "إنت بدأت تساعدها فعلاً يا كنان، متنساش ده، وأنا معاك هنحاول نخليها تتغير. بس عشان خاطري، بلاش إنت كمان تيجي عليها."
هز رأسه بتفهم، يرسم ابتسامة هادئة على جانب شفتيه، يحاول أن يقنع نفسه بكلامها.
...
بعد مرور يومين بدون أحداث تُذكر.
تجلس نهر على كرسي مكتبها، تريح ظهرها على الكرسي بتعب بعد خروجها من غرفة العمليات. لترتسم على وجهها ابتسامة عذبة عندما تذكرت كنان وكلامه معها، فأصبح بينهم بعض الود. وهو كثيراً ما يخونه لسانه ليخبرها بذكريات قديمة رغمًا عنه.
**فلاش باك**
"آآآه!" صرخ بها كنان بألم ونهر تتفقد جرحه لتطمئن عليه.
ليصيح فيها بضيق: "في إيه، ما براحة يا ستي، إنتي بتكشفي على حمار؟"
كشرت نهر ملامحه بضيق تجيب بسخرية: "مهو لو حمار كان حافظ على نفسه وسمع كلام الدكتور، بس أقول إيه بقى."
ليضغط كنان على أسنانه بغيظ، يلوي جانب فمه بسخرية يهتف بعند متعمد إغاظتها: "مهو لو في دكتور أصلًا كان اتسمع كلامه، بس هنا في بهايم بس تقريبًا."
ضيقت نهر عينيها بضيق لتضغط على جرحه متعمّدة. ليصرخ كنان بقوة من شدة الألم ليصيح بوجع: "في إيه بقى؟ متخلي بالك!"
لوت شفتيها للأسفل كالطفلة تصطنع البراءة، تهمس بحزن مصطنع: "مكنتش أقصد أوجعك، آسفة."
ليضحك كنان بقوة على منظرها البريء. فهي تتحول في لحظة من امرأة واعية متمكنة من عملها إلى طفلة صغيرة تخاف من العقاب والصوت العالي. لتتحول ضحكه لابتسامة دافئة وهو يتأمل ملامحها بشوق، متناسيًا آلامه. فمنظرها هكذا فكرة بذكرياتهم الطفولية. حقاً هي لم تتغير.
ليهتف بتلقائية دون وعي: "لسه بتعملي نفس الحركة من وإنتي صغيرة، شكلك ماهو متغيرش."
لوت نهر رقبتها، ترفع حاجبها بتعجب لتهتف بمكر: "وإنت بقى يا أستاذ كنان شفتني فين وإنا صغيرة، ولا عرفت إزاي إني كنت بعمل كده؟"
ليعود إلى وعيه بسؤالها، ويلعن نفسه على غبائه وتسرعه، ولكن حاول أن يصحح ما تفوه به ليهتف سريعًا: "داليا، داليا دخلت على الفيسبوك بتاعك، وبعدين قلبت فيه، وإنتي منزلة صورة بنفس المنظر ده وإنتي صغيرة، وهي ورتهاني، هكون عرفت منين يعني."
همهمت نهر تمثل أنها اقتنعت، تنظر له بغيظ. كيف عرف يخرج من الموقف ويخترع رد في أقل من ثانية. هي فعلاً تضع تلك الصورة، ولكن تعلم جيدًا أن معرفته ليس من الصورة بكل تأكيد، فهو ما زال ينكر نفسه منها. لكن داليا ما زالت تساعدها في أن يوقعوا به ويحصلوا على اعترافه، وهي مصممة على عدم الاستسلام تلك المرة.
**باك**
عادت من شرودها على دخول مصيبتها الكبرى راشد إلى الغرفة بدون استئذان كعادته. لتتأفف بضيق عند رؤيته، فهو أصبح يضيق عليها أكثر، أوشك على المكوث معها اليوم بطوله يعد عليها أنفاسها. بعد الأحداث الأخيرة، يأتي في اليوم أكثر من مرة ليَتأكد أنها تنفذ أوامره، وهي أصبحت تختنق من وجوده معها بنفس المكان، خصوصًا أنه يعطلها من قضاء الوقت مع كنان.
اقترب من مكتبها ليجلس على الكرسي الموضوع أمام المكتب، يبتسم على غير العادة، يهتف بتودد: "عاملة إيه يا نهر حبي؟ شكلك تعبانة."
تنهدت نهر بضيق، فهي تنزعج من نبرة صوته. لتجاهد في رسم ابتسامة على طرف شفتيها: "لأ، كويسة، مش تعبانة ولا حاجة."
أحس بالتمرد في طريقة كلامها، فهو يلاحظ التغير المستمر عليها، ولكن يحاول أن يكون لطيفًا معها خوفًا من تهديدات والدها. ليعض على شفته السفلية، يحاول كبح غضبه، يغمغم بضيق: "في إيه يا نهر؟ إنتي بتتكلمي معايا ببرود كده ليه؟ ملاحظ إن طريقتك متغيرة معايا وساكت، أنا أهو، في إيه بقى؟"
رفعت حاجبها الأيسر تهتف بضيق: "يعني مش عارف في إيه؟ مش ملاحظ إنك كل كام ساعة بتيجي هنا ولا كأنك بتراقبني، ولا بتشوف شغلك، ولا مخليني عارفة أشوف شغلي كويس."
ضغط على أسنانه بقوة، لتسمع هي صوت احتكاكهم. ليهتف من بين أسنانه بغضب: "قولتك ألف مرة، أنا أعمل اللي أنا عايزه، مش إنتي اللي هتقوليلي المفروض أنا أعمل إيه، سامعة؟"
صرخ في كلمته الأخيرة، لترتعش نهر في مكانها، تهز رأسها إيجابًا سريعًا بخوف.
راشد بغضب: "سمعيني صوتك!"
لتجيب هي بسرعة: "سامعة."
ليمسح راشد وجهه بكف يده محاولًا تهدئة نفسه، يغمغم بضيق: "مبترتاحيش غير لما تخرجيني عن شعوري، بتستفادي إيه؟ مش فاهم."
هب واقفًا متجهًا إلى الباب، خارجًا من الغرفة بغضب، صافعًا الباب خلفه بقوة.
لتضع نهر يدها على صدرها تتنفس بارتياح. فتسمع صوت طرقات قوية على الباب. لتسب داخلها ظنًا منها أنه هو، ولكن اطمئنت، فهو ليس من عادته طرق الأبواب. اعتقد أن أحدًا ما أخبرها بأنها صُنعت للحفاظ على الخصوصية والاستئذان قبل الدخول. ليصدح صوتها، تسمح للطارق بالدخول، فيندفع ناحيتها معتز يصيح بفرحة: "إبراهيم فاق يا نهر! إبراهيم فاق!"
هبت نهر واقفة تكاد تطير من الفرح، تهرول للخارج متجهة لغرفته وخلفها معتز.
...
عند وصولها لغرفته وجدت المنظر كما توقعت حرفيًا. محمود يستند على الأرض بركبتيه، يحتضن يدًا صغيرة ويلثمها بقبلاته الحارة. الدموع تغرق وجهه، يشكر ربه على نجاته. وإبراهيم في حالة من الذهول، عينيه مثبتة على الفراغ يتأمل اللاشيء، والدموع تسقط من عينيه في صمت. بالتأكيد عقله يرفض استيعاب وضعه الجديد، يخبر نفسه أنه في حلم، وأي حلم هذا؟ ما يطلق عليه كابوس، حتى في أسوأ كوابيسه لم ير شيئًا كهذا.
"إبراهيم؟" هتفت بها نهر بصوت خافت، جاهدت في إخراجه، فلا يوجد كلام على وجه الأرض يخفف مما يشعر به هو.
التفت إبراهيم بنظره ناحيتها، لتتزايد دموعه. فتقترب منه نهر، تهمس بحنان وصدق: "الحمد لله على سلامتك يا إبراهيم، إنت مش عارف إحنا فرحانين إزاي إنك صحيت، إنت وحشتنا أوي."
ليصيح إبراهيم بنبرة صوت يائسة حزينة: "وياريتني ما صحيت، ياريت كنت مت."
"بعد الشر عليك!" هتف بها جميعًا في صوت واحد.
ليهتف معتز بضيق: "إيه اللي إنت بتقوله ده يا ابني؟ ده إحنا كنا هنتجنن عليك، والحمد لله إنك بقيت كويس."
ليصرخ إبراهيم وكأنه بركان انفجر للتو: "كويس! أنا كده كويس؟ إنتوا شايفني كده تمام؟ أنا هعرف أعيش وأكمل حياتي كده؟ هعرف أحقق أحلامي ومستقبلي اللي كنت بخططله وببني فيه؟ ماتردوا عليا، سكتوا ليه؟"
يلوي جانب فمه بسخرية، يكمل بحزن وهو يشير بيديه ناحية قدميه المبتورتين، يهمس بدموع: "أنا بقيت عاجز، بصوا كويس عشان تعرفوا أنا بقيت إيه. ياريتها رجل واحدة. اللي زيي يموت أحسن عشان ميبقاش عالة على حد."
ليفاجئهم بحركة خاطفة، يلتقط كوب المياه الزجاجي الموضوع بجانبه على الكومود، يكسره بكل قوته. ليمسك بقطعة حادة يقرب طرفها المدبب من رقبته.
رواية نهر الكنان الفصل العاشر 10 - بقلم رحاب دراز
تناول قطعة الزجاج الحادة، يغرز طرفها في رقبته. يحمل بداخله يأسًا يكفي الكون. تحول من شخص نشيط مليء بالأحلام للمستقبل، لشخص لا يريد سوى أن ينهي حياته في لحظة.
تصرخ نهر وهي تتقدم نحوه، تحاول منعه وهي تهتف برجاء ودموع:
"لا يا إبراهيم، أرجوك، أوعى تعمل كده. أنت بني آدم مؤمن وعارف ربنا، بلاش تضيع نفسك في لحظة يأس."
بدأت قطرات من دمه تسيل على رقبته نتيجة جرحها. ليتوقف عن إكمال ما يفعله. يبتسم بسخرية ليجيبها بحزن:
"أنا خلاص ضيعت يا نهر، مستحيل هقدر أكون حاجة بحالتي دي. وأنتِ أكتر واحدة عارفة ظروفي، مش هقدر أكون حمل على أبويا باقي حياته."
يلتفت برأسه يحدث والده والدموع تغرق عينيه:
"سامحني يا والدي، سامحني إني مش هقدر أكون لك الابن اللي تفتخر بيه وطول عمرك نفسك فيه. بس باللي أنا هعمله ده، هريحك."
حرك رأسه محمود نافيًا، يهتف برجاء من بين دموعه:
"علشان خاطري يا ابني، بلاش تموتني. باللي أنت هتعمله ده، هتبقى قتلتني معاك يا إبراهيم. يرضيك تموتني يا ابني؟"
لتتدخل نهر محاولة إقناعه:
"بلاش تكون ضعيف ومستسلم، مش أنت الشخص اللي أول خبطة توقعه؟ لو مش علشانك، يبقى علشان والدك."
ليضحك إبراهيم عاليًا بسخرية، وكأنها ألقت على مسامعه إحدى الطرائف المضحكة. ليصرخ فيها بغضب، غير مهتم لمدى قسوة كلامه عليها:
"أنتِ آخر واحدة تتكلم عن الضعف والاستسلام. أنتِ واحدة جنبك أبوك الدكتور المعروف وبيساندك وبيدعمك، ومع ذلك جبانة ضعيفة مش عايزة تتغيري. قبل ما تقولي الكلام ده ليا أنا، قوليه لنفسك يا دكتورة وفوقي من اللي أنتِ فيه."
سكتت نهر وثبتت مكانها، كمن تلقى صفعة قوية مفاجئة على وجهه. كلامه صحيح وأثر بها بشدة، لكن طريقته معها عنيفة. فهو أكثر شخص يفهم مشكلتها، أهو الآخر يسخر منها كما يفعل الجميع، ولا يفهمها. كان من الممكن أن يخبرها نفس الكلام بطريقة ألطف، فعلى من يريد أن يقدم نصيحة أن يكون لين القول.
وفي تلك الأثناء، كان تجمع عدد من المارة والعاملين بالمستشفى أمام الغرفة، على أثر صرخات نهر وصوتهم العالي المنبعث من الغرفة. وفي نفس الوقت، كانت داليا تساند كنان، ليخطو بعض الخطوات في ردهة المستشفى، ليتخلص من ملله لحبسته بالغرفة من أيام، فهو لم يعتد على المكوث في مكان بتلك الطريقة. ليفاجئ بصوت صراخ نهر وينخلع قلبه لصراخها، خوفًا أن يكون مكروه أصابها. ليتجهوا ناحية مصدر الصوت ويسرع في خطاه متحاملًا على وجعه. ليصلوا عند الغرفة ويشاهد ما يدور من بدايته. ولكنه فضل عدم التدخل ليرى كيف هي تتصرف. ليندهش عند سماع كلامها لإبراهيم، ولكن أعجب كثيرًا بصراحتها معها. هو طريقه عنيف، ويعلم أنها أحزنتها، ولكن اللين معها لم يجدي نفع، فهم حاولوا كثيرًا دون فائدة. فمن وجهة نظره، أن أحيانًا تكون طريقة الهجوم والمصارحة بالعيوب، بالرغم من صعوبتها، أفضل.
بعد انتهاء كلام إبراهيم لها، التفت بنظره لها يتفقد حالها. وكما توقع، كانت انهارت واستسلمت كعادتها، وهو مصمم على قراره. فمن الواضح أن ذلك الشاب لا يتراجع بسهولة أبدًا.
عند تلك النقطة، لم يستطع أن يقف يشاهد من بعيد. اقتحم التجمع المحتشد أمام الغرفة، ليقف أمام فراشه بطلتها الطاغية. فالرغم من الإجهاد الظاهر عليه، ولكن يوجد لديه كاريزما معينة لا يفقدها بسهولة.
ليهتف بثبات ولهجة واثقة:
"وأنت فاكر لما هتعمل كده هترتاح؟ بالعكس، هترتاح أبوك؟ بالعكس."
ليصرخ فيه إبراهيم بغضب:
"أنت مين أنت كمان علشان تتدخل؟ هو خلاص بقى أي حد معدي كده يجي يديني نصايح؟"
"كنان؟"
هتفت بها نهر باستغراب عند سماع صوته جوارها، لتفتح عينيها تتأكد من ما سمعت.
ألقى نظرة سريعة عليها، ليعود بنظره لإبراهيم يحدثه بجدية:
"مش هيفرق كتير بالنسبالك أنا مين. أنا كلي، اللي طالبه منك فكر شوية بالعقل. بص على والدك وشوف حزنه، هل كده أنت هتبقى بتساعده فعلاً؟ بص عليه وشوف قهرته وابنك عايز يدبح نفسه قدامه. ده غير عقابك من ربنا في الآخرة على إنك مرضيتش بقضائُه واستحملت ابتلاءك برضا. فكر، هتلاقي نفسك بتخسر دنيتك وآخرتك، بتقهر والدك عليك. في ألف شخص زيك وعاشوا وكملوا حياتهم، مش أنت الوحيد في العالم اللي عنده مشكلة. بس الشاطر اللي بيكمل."
كلامه لامس قلب إبراهيم، فطريقته المنظمة الواثقة في الكلام تجعله مقنع. من الممكن أن يبعث الله لك رسالة على لسان شخص، ليكون لك الدافع للاستمرار. وهذا الشخص كان هو. ارتخت قبضته تدريجيًا الممسكة للزجاج، وظهر عليه التراجع، ولكنه انهار في البكاء بشدة، ليخرج كلامه متقطعًا من بين بكائه:
"كان نفسي أوصل لحلمي، كان نفسي أكون بطل الجمهورية في التنس. تقدر تقولي ممكن إزاي أعمل كده وأنا في حالتي دي؟ كنت الأول على دفعتي، قولي هرجع أعمل اللي كنت بعمله ده إزاي؟"
تنهد كنان بحزن على حالته، ليجيبه بثبات:
"صادقني، تقدر. عمر الإصابة ما منعت حد من وصوله لأحلامه. العاجز عاجز بتفكيره، مش بجسمه."
ليقترب منه بخطوات هادئة، ينتزع قطعة الزجاج من يده بهدوء دون أي مقاومة. وإبراهيم ينظر في عينيه يريد أن يسمع ما يطمئنه أكثر. ليتابع كنان كلامه:
"ارضي بنصيبك، وما فيش حاجة بعيدة على ربنا. صادقني."
ليستسلم إبراهيم كليًا ويعطيه ما بيده. فايقترب منه يضمه لصدره، يشدد من احتضانه بقوة، ويبكوا سويا في مشهد درامي مؤثر. فيصيح معتز في الواقفين يبعدهم عن الباب. ليستأذن كنان للخروج وهو يتكئ على داليا، راغبًا في العودة إلى غرفته، فجرحه يؤلمه بشدة. لتخرج خلفهم نهر سريعًا بعد ما أخبرت الممرضة المسئولة عن إبراهيم، أعطائه بعض المهدئات لينام.
وصلت إليهم بعد أن وصلوا الغرفة، وداليا على وشك إغلاق الباب، لتضع يدها قبل أن تعيق إغلاقه وتدفعه بغضب، لتصيح بحدة مخرجة فيهم ما بداخلها من غضب:
"أنتم إزاي تتحركوا من سريركم؟ أخذتوا إذن مين أنتم علشان تعملوا كده؟ ولا أنتم مبتعرفوش تعملوا حاجة غير إنكم تعملوا عكس اللي أنا بقوله؟"
"يا نهر!"
هتفت بها داليا محاولة تهدئتها، لتقاطعها نهر بحدة:
"أنتِ كمان هتتكلمي؟ هو ده اللي أنا سيباه أمانة معاكي؟ اتجننتي أنتِ وهو؟ مش عارفة إن ما ينفعش يتحرك؟"
ليصيح كنان معترضًا بحدة:
"أنتِ إزاي بتتكلمي معانا كده أصلاً؟ أنا حر أتحرك متحركش، حاجة تخصني."
لتهتف نهر بحدة:
"الكلام ده تقوله وأنت بره في بيتك، لكن طول ما أنت هنا، فأنت تحت مسؤوليتي، وأي حاجة هتحصلك أنا اللي هتحاسب عليها."
تنهد كنان بغل، ينظر لها بطرف عينيه بغضب. فمن أين أتتها كل تلك الجرأة؟ هل كلام إبراهيم معاها أتى بثماره بتلك السرعة؟ داخله سعيد بتحولها وعدم سكوتها، ليقرر أن يضغط عليها أكثر، ليخرج أقوى ما لديها. ليهتف بتحدي:
"تمام، وأنا هخرج من هنا دلوقتي حالا وهرجع بيتي أعمل اللي أنا عايزه. تمام كده؟"
لتضغط هي على أسنانها بغيظ، فهي تموت رعبًا داخلها عليه، خائفة من إصابته بأي مكروه. فعد روايته يقف جوارها بالغرفة، نست كل شيء وكادت تجن لإهماله في صحته، فجرحه ليس بهين. تخاف عليه وهو كالبله يعاند مع غير مهتم بنفسه. لكتفت ذراعيها أمام صدرها، تهتف بثقة:
"ومين سمحلك إنك تخرج أصلاً؟ مافيش خروج غير بإذني، بما إني الدكتورة بتاعتك، وأنا مش موافقة. أنت هنا هتنفذ أوامري بس."
رفع حاجبه الأيسر بتعجب، ليصيح بغيظ:
"نعم ياختي، أوامرك؟ أنا؟ على آخر الزمن هبقى تحت رحمتك أنتِ؟"
نظرت له بتحدي أكبر:
"ومالها؟ أنا إن شاء الله مش عاجباك؟"
داليا تتابعهم من بعيد، تضع يدها على فمها تحاول كبح ضحكاتها بصعوبة على منظرهم كطفلين مشاكسين يحاولان إغاظة بعضهم. وفي داخلها فرحة كبيرة بتغير نهر وعدم سكوتها، وتحدثها بتلك الثقة. فهي في الفترة الأخيرة تقربت منها جدًا، وأخبرتها نهر بكل تفاصيل حياتها، وهي ألقت عليها بعض النصائح، ومن الواضح أنها تعمل بها الآن.
لينظر لها كنان من أسفل لأعلى باستخفاف، يتعمد إظهاره، يرسم ابتسامة ساخرة على طرف فمه، يهتف بسخرية:
"بقى أنا هسمع كلام واحدة جبانة زيك؟ ده أنتِ كنتِ شايفة الولد بيموت نفسه قدامك، وأول ما قالك كلمتين وهزقك سكتي؟ حتى محاولتيش تدافعي عن نفسك؟ أنا مش عارف واحدة زيك مخلينها دكتورة مسؤولة عن أرواح الناس إزاي؟"
لنتصرخ فيه نهر بغضب، تخرسه. فهي تلقت من الإهانة ما يكفيها اليوم. لا يوجد من يرحمها، الجميع لا يفهمها، لا يقدر حالتها.
ليثبت كنان نظره عليها، يراقب رد فعلها. فهو يعلم صعوبة كلماته عليها، يخرج لسانه وقلبه يعنفه على قسوته معها، لكنه يقسم داخله أنه يؤلمها ليساعدها، فلا يوجد علاج من مرض بدون الألم. وكان كلاماته كانت العاصفة التي حركت مياه النهر الراكده. يكفي عليها ما تلقته من ضغوط طول حياتها، لتفجر بوجهه كالبركان. تحركت نهر ناحيته بخطوات غاضبة وهي تصيح بقوة وإصرار:
"أنا مش جبانة، سامع؟ مش جبانة، ومش هسمح لأي حد يقولي كده تاني أو يزعقلي كده. أنتم كلكم الأغبياء وفاكرين العيب فيا أنا؟ بكرهكم كلكم، بكرهكم. ومن النهارده هتشوفوا واحدة تانية. البني آدمة اللي الكل عين نفسه حاكم عليها علشان طيبتها الزيادة، النهارده اعتبروها ماتت، ماتت واندفنت، يا كنان."