الفصل 11 | من 12 فصل

رواية نهر الكنان الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رحاب محمد

المشاهدات
16
كلمة
2,439
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

بعد مرور أسبوعين على الأحداث الأخيرة، خرج إبراهيم من المستشفى بعد تحسن حالته. وكذلك أصر كنان على العودة لمنزله، رغم أنه ما زال الخطر موجودًا على حالته، ولكنه أصر على الخروج عنادًا في نهر، غير مهتم بصحته، خصوصًا بعد تجاهلها له في تلك الفترة وعدم دخولها غرفته إلا قليلاً لتحدث مع داليا، متجاهلة وجوده. وأيضًا فعلت المثل مع راشد، تعامله ببرود وتجيبه باختصار في مكالماته.

ظلت الأمور كما هي إلى اليوم الذي أخذت فيه خطوة فعلية. كانت تجلس على كرسي مكتبها، ترجع ظهرها إلى الخلف تستريح من تعب اليوم، لتغلق عينيها تفكر في جميع ما يحدث لها، لتسمع صوت فتح الباب يعلن دخول أحد وإغلاقه خلفه بقوة. لوت جانب فمها بسخرية، متوقعة أنه راشد ومن غيره يدخل بتلك الطريقة الهمجية، لتتأكد من توقعها عندما ضرب بقبضته على المكتب بغضب، يتبعها صوته الغاضب يزمجر بقوه: "نهررر!

لتفتح نهر عينيها ببطء، تنظر له ببرود وهي ما زالت على وضعها، ليستشيط راشد غضبًا، تكاد ترى بخارًا يخرج من أذنيه من شدة غضبه، ليصيح بقوة وغيظ: "أنا مش بكلمك، مبترديش عليا ليه؟ ولا خرستي خلاص؟ تفحصته نهر من أعلى لأسفل ببرود، لتهتف بهدوء وهي تدور حول نفسها بالمقعد: "لا، مليش مزاج أرد عليك براحتي."

تحرك هو ناحيتها، يمسك المقعد يمنعه من الحركة، يضع يديه على جانبي المقعد يحاصره بذراعيه وهو يتطلع داخل عينيه بغضب، وأنفاسه الحارة تلفح وجهها بقوة. وعند تلك النقطة، كادت نهر تنهار، وداخلها تموت رعبًا، لكنها استمرت في رسم القوة والثبات. ليصرخ راشد في وجهها: "أنتِ تعملي اللي أنا عايزه وبس، فاهمة؟ من امتى بتتكلمي معايا بالطريقة دي؟ انتي نسيتي نفسك؟

وبحركة سريعة، رفعت نهر يديها ضربته بقوة في صدره بكل قوتها، ليختل توازنه ويعتدل في وقفته، يبعد عنها. لتهب هي واقفة أمامه، تطلع فيه بغضب وكبت دام طويلًا، تتحدث بثبات وجبروت، عكس عادته تمامًا: "أنا فعلاً كنت ناسيه نفسي، بس دلوقتي فوقت وعرفت قيمتها، كنت غبية ومش عارفة قيمتها وظلمتها كتير." فردت ذراعيها في الهواء بشكل مسرحي، تعاود

الإشارة إلى نفسها مكملة: "بس بص اتغيرت إزاي، كل حاجة فيا اتغيرت يارشد، كل حاجة." صرخت بكلماتها الأخيرة بقوة هزته. ينظر لها راشد باستغراب، وكأنه يتحدث مع امرأة أخرى، فهي على حق تغيرت مئة بالمئة، منذ متى تتجرأ عليه بهذه الطريقة وترفع صوتها أمامه؟ ثقتها بنفسها وهي تتحدث أربكته، فققرر تغيير التعامل معها لامتصاص غضبها. هتف بهدوء: "ممكن أعرف إيه حصل لكل ده؟ مالك يانهر حبي؟ قوليلي اللي مضايقك." لوت جانب فمها بسخرية،

لتغمغم مقلدة صوته بسخرية: "مالك يانهر حبي؟ إيه اللي مضايقك؟ لتستعيد جديتها: "عايز تعرف إيه مضايقني؟ كلك مضايقني، كل حاجة فيك واللي بتعملها بكرهها. تعاملك معايا، كلامك، حتى صوتك ده بكرهه. وعشان كده أنا مش عايزة أكمل معاك تاني ياراشد، وكفاية أوي لحد كده."

وقعت كلماتها عليه كوقوع الصاعقة، أحس بقلبه يتحطم لألف قطعة، ينزف حزنًا على ما شعر به من كره ناحيته. فهو يحبها، ولكن على طريقته، يظن أنه بتلك التصرفات يحميها، يقربه منه أكثر، فهو صدقًا لا يقدر على العيش بعيدًا عنها، ولكن حبه مؤذٍ، خطأ. لم يكن يعلم أنه وصل بها لكره بتلك الطريقة. من الداخل ينهار، ولكن يجهد لتمثيل الثبات، كقبضته يضغط عليها بقوة، يحاول كبح غضبه حتى لا يخرجه فيها ويجعلها تكره أكثر. ليهمس محاولًا

استعطافها: "بس أنا بحبك ومقدرش أبعد عنك، متخيلتش نفسي في يوم غير معاكي. مش عايز حاجة من الدنيا غيرك. يمكن أنا عصبي شوية، بس ده طبعي وغصب عني بعمل كده. وأي حاجة عملتها معاكي فاعلشان بحبك انتي بس اللي مش فاهمه." لتصرخ فيه نهر بقوة عند سماع كلمته الأخيرة: "ياااخي بس بقا! انت إيه مصمم لآخر لحظة تكرهني فيك أكتر؟

دايما بتقلل مني وعايز تطلعني غبية ومبفهمش حاجة، وانت بس اللي بتعرف تعمل كل حاجة، مع إنّي أحسن منك ألف مرة وأذكى منك مليون مرة. وجاي في الآخر تقولي بحبك؟ انت عمرك ماحبيتني أصلًا. اللي بيحب حد بيخليه فرحان ومطمن وواثق من نفسه، بيكون الأمان. وانت عمرك ماكنت أماني ولا هتكون. انت كنت دايما مصدر خوفي وتعبّي وعذابي. أنا مكرهتش حد في حياتي زي ما كرهتك ياراشد."

تجمعت الدموع في عينيه وهو يجهد في إخفاء ضعفه أمامها. صعب على شخص مثله إظهار حبه للعلن، يظن أن الحنية والحب خطيئة يجب إخفاؤها بالقسوة، ومقابل أفعاله خسر كل شيء، خسرها هي للأبد. غلبه صوته ليخرج مهزوزًا متحشرجًا، يهمس: "أنتي نهر حبي اللي مكنتش عايزو يخلص. عمري ماتوقعت في يوم إني أسمع منك الكلام ده."

للحظة، أحست نهر ناحيته بالشفقة، والتمست الصدق في كلامه، فرد فعله من البداية فاجأها، فهي كانت تتوقع أن يثور ويغضب، أو يصل به الأمر أن يمد يده عليها كعادته، وهي تتجهز لمواجهة منذ فترة، ولكن ما حدث العكس تمامًا، ضعف وانكسار لم تعهده منه من قبل. ولكن سرعان ما تذكرت كل أفعاله معها، لتبعد أي عطف ناحيته وتعود للقسوة مرة أخرى. تخلص منه جزء من أفعاله معها.

اقتربت منه بخطوات ثابتة، وهي تثبت عينيها على عينيه بقوة، لتقترب من أذنه تبث فيها سمها كما كان يفعل معها. لتهمس جوار أذنه: "أنا بكره أسمع منك كلمة نهر حبي، أسخف كلمة سمعتها في حياتي، زيها زيك ملهاش طعم، ومش عايزة أسمعها ولا أسمع صوتك تاني."

أنهت كلامها وهي ما زالت تتطلع داخل عينيه، تتابع تأثيرها عليه، مستمتعة بنظرة الصدمة التي تحتلها، لتلوي جانب فمها ترسم ابتسامة تشفي بالحزن والكسرة التي تغطي وجهه. اتجهت ناحية المكتب وهي تخلع خاتمه الموضوع في إصبعها بقوة تدل على كرهها له، تضربه على سطح المكتب بقوة وهي تغمغم: "وادي الحاجة اللي بسببها حبستني في سجنك، وأخيرًا اتحررت." رفع نظره ناحيتها، يهتف بصوت يغلفه الحزن: "أنتي دلوقتي مرتاحة؟

جددًا هتفت بها نهر سريعا، لتلف حول المكتب تمسك بحقيبة يدها وكأنه غير موجود، لتهتف ببرود وهي تقف على باب الحجرة تتهئ للرحيل: "ودلوقتي أنا كده خلصت كل كلامي وماشية خارج، ولا أسيبك في هنا شوية؟ لم تجد ردًا منه، فهو يقف في حالة صدمة، كانه تمثال من الشمع، لا يقدر على الكلام. حركت يدها تشير ناحيته بسخرية: "إيه؟ فقدت النطق ولا إيه؟ مش فاهمة؟

طيب عمومًا أنا همشي، بعد ما تفوق كده ابقي اقفل الباب وانت ماشي، ومش عايزة أشوف وشك في مكتبي تاني، مفهوم؟

ضغطت بتأكيد على آخر كلامها، لتصفح الباب بقوة وتختفي من أمامه. تضع يدها على قلبها، تهدي من قوة ضرباتها من شدة الفرحة، تريد أن تقفز عاليًا في الهواء كطفلة استطاعت الدفاع عن نفسها لأول مرة. فهي ما زالت غير مستوعبة أنها فعلت كل ذلك براشد، الوحش الثائر الذي كانت تخشى السعال أمامه حتى لا تغضبه. اليوم حققت أعظم انتصار وتحررت من سجنه، تخلصت من أكبر مخاوفها. ثقتها بنفسها زادت أضعاف. كانت مترددة، خائفة من مواجهته، ولكن كل شيء قبل التجربة مخيف. لا تحبس نفسك وراء مخاوفك، ليس كل شيء كما يبدو من بعيد.

*** يجلس في حديقة المنزل يتطلع إلى السماء وهو ينتظرها كعادته، ولكن الوضع تغير، فهو لم يعد كسابق، جزء من أحلامه انتهى، شيء بداخله انطفأ. لتهل هي عليه بابتسامتها المشرقة تضيء عتمة سمائه. ابتسم إبراهيم تلقائيًا عند قدوم نهر. لتصيح نهر وهي تقترب ناحيته بمرح: "قاعد سرحان في إيه؟ شكلها قاعدة رومانسية ولا إيه؟ ليضحك إبراهيم بخفوت: "رومانسية إيه بس؟ بذمتك هو اللي زيي ينفع لحاجة أصلًا؟ لتضربه نهر بكف يده في كتفه بخفة،

تهتف بضيق مصطنع: "يااخي بطل كآبة بقا! الله، ده انت بائس أوي." رفع حاجبه الأيسر بتعجب، يهتف بسخرية: "إيه ده إيه ده؟ شوف مين بيتكلم عن الكآبة؟ ده انتي المصدر الخام بتاعها يبنتي." رفعت رأسها بغرور مصطنع، تهتف بثقة ومشاكسة: "ده كان زمان، دلوقتي اتكلم معايا كده، قنبلة تفاؤل هتنفجر في وشك." ضحك إبراهيم بقوة، ليهتف بتساؤل: "حاسس في حاجة جديدة حصلت، وهي مصدر التفاؤل ده كله؟ في إيه؟ عايز أعرف."

ابتسمت نهر بسعادة، ترفع كف يدها أمام وجهه تشير إلى مكان خاتم خطوبتها. ليفتح إبراهيم عينيه على آخرهما، يصيح بعدم تصديق: "فسختي الخطوبة؟ معقول؟ هزت رأسها إيجابًا، تهتف بفرحة: "وأخيرًا أخيرًا يابراهيم خلصت منه، مش مصدقة نفسي بجد، كان كابوس وأخيرًا فوقت منه." صفق إبراهيم عاليًا بفرح وهو يبارك لها وكأنه يهنئها على زواجها: "والله لو بعرف أزغرط كنت عملت كده! يااه ده غلس بشكل مش طبيعي، فين القرارات الحلوة دي من زمان؟

تنهدت نهر بحزن: "كانت موجودة، بس مكنش عندي القدرة أنفذها." "أنا آسف، نفسي تكوني سامحتيني من قلبك بجد على اللي قلته." هتف بها إبراهيم بحزن وندم. لتضحك نهر وهي تقترب منه، تهتف: "بتعتذر على إيه يبني؟ هو انت هتفضل تعتذرلي ألف مرة؟ مخلاص بقا، انت بقالك أكتر من أسبوع كل ما تشوفني قدامك تقولي آسف. ياخي قولتلك ألف مرة سامحتك، سامحتك. أغنيلك يابراهيم عشان تصدقني ولا أعملك إيه؟ هتف إبراهيم برجاء: "يعني بجد مسامحاني من قلبك؟

تنهدت نهر بضيق، تهتف بانزعاج: "ياخي حرام عليك ارحمني بقا! كفاية، سامحتك، سامحتك والله سامحتك. يعم محمود تعالي قوله إنّي سامحته، يا بابا تعالي قوله. أجيب لك الناس من الشارع تقولك؟ ضحك بقوة على شكلها وعصبيتها، تبدو كالطفلة تمامًا، ليهتف من بين ضحكاته: "خلاص خلاص، صادقتك. أنا بس كنت عايز أتأكد."

نهر: "أتأكد بقا وارتاح، وبعدين قولتلك انت مقلتش حاجة غلط أصلًا، بالعكس كلامك ده اللي غيرني للأحسن وخلاني أخدت قرار مهم زي اللي أخدته النهارده، يبقى انت صاحب فضل عليا بعد ربنا طبعًا، فمش محتاجة اعتذار." ليغمز لها بطرف عينه بمشاكسة: "أنا برضو السبب؟ ولا كنان؟ حرام كده متنكريش كده." كشرت حاجبيها بضيق عند تذكرها لكل ما فعله معها وخروجه من المستشفى غصب عنها، لتهتف بضيق مصطنع: "بس بس، متجبليش سيرته، أنا مش طيقاه أصلًا."

ابتسم إبراهيم بمكر، ليغمغم بخبث: "بخسارة، ده أنا كنت عايز أحكيلك أنّه كلمني النهارده و... "بجد، قالك إيه؟ ها؟ قالك إيه؟ سأل عليا ولا لأ؟ " هتفت بهم نهر سريعًا وباندفاع. ليضحك إبراهيم بقوة على أفعالها المنقذة لكلامها تمامًا. لتهتف نهر بإلحاح: "قول يالا، قالك إيه؟ متبقاش رخيم بقا." حاول إبراهيم التوقف من الضحك بصعوبة، ليجيبها ببرود: "مش هقولك، مش قولتي مش عايزة أسمع سيرته؟ لوت نهر شفتها السفلى بضيق مصطنع،

تهتف برجاء: "عشان خاطري يابراهيم، قولي. أنا عايزة أطمن عليه بجد." إبراهيم: "ماشي هقولك، عمومًا يستي اطمني، هو كويس واتصل عشان يطمن عليا زي كل يوم، وكان بيبلغني إنّه كلم الكابتن بتاعي، عرفوا وضعي الجديد، وإنّه عايز يقابلني بكرة، بس أنا أصلًا مش عايز أقابل حد، بس كنان مصمم." صفقت نهر بكفيها بفرحة، تهتف بسعادة: "الله! بقا إيه الأخبار الحلوة دي؟ بجد بجد كنان ده مفيش منو. برافو عليه إنّه أقنعك وهيخليك تقابلهم."

تحدث إبراهيم بإعجاب يظهر في كلامه: "هو فعلاً مفيش زيه، ساعات بحس إن ربنا حطّو في طريقي عوض عن اللي حصلي. هو السبب بعد ربنا إني عايش لغاية دلوقتي وقادر أكمل. حقيقي مكالمته بتاعت كل يوم دي بتفرق معايا جدا، وكلامه بيديني أمل في الحياة من تاني." همست نهر بحب: "هو المكافأة اللي جاتلي بعد التعب، حقي من الدنيا، ومستحيل هسيبه يضيع مني."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...