ابتسم الرجل ابتسامة باهتة، وقال: -يبدو إن الوقت قد حان.. لنمنعه من التقدم أكثر.. أكملوا عملكم حتى أعطي لكم إشارة بالبدء. صعدت موج إلى الطابق العلوي لتبدل ملابسها، مرتدية منامة منزلية خفيفة مكونة من قطعتين، بنطال مريح وكنزة قطنية ناعمة. أغلقت الأزرار برفق، ثم جمعت خصلات شعرها بهدوء إلى الخلف.
بعد قليل، بدأت بالنزول على الدرج ببطء، متجنبة أي حركة قد تزيد من ألم قدميها. وحين وصلت إلى الأسفل، أخذت تتلفت بعينيها بحثًا عنه، لكن المكان كان خاليًا. وقع نظرها على باب غرفة المكتب، فظنت أنه موجود بالداخل. اقتربت وطرقت الباب طرقات خفيفة، لكن لم يصلها أي رد. وقفت لحظة مترددة، ثم دفعت الباب بهدوء، لتراه جالسًا على مقعده، ممسكًا بقلمه، غارقًا في شرود عميق حتى أنه لم ينتبه لدخولها.
أخرجت صوتًا خفيفًا، فانتبه فجأة ورفع رأسه نحوها، ثم نهض واقفًا في الحال: -موج مالك؟ نزلتي ليه؟ تعبانة؟ أجيب دكتور؟ ابتسمت ابتسامة واسعة على حنينه وقلقه عليها: -لا بس قولت آجي أقعد معاك، لو يضايقك خلاص هقعد بره. رد بسرعة وهو يتجه نحوها، ممسكًا بيدها برفق ليسندها، حتى أسندت ثقلها عليه. قادها بخطوات هادئة إلى الأريكة الجلدية وأجلسها عليها، ثم عاد إلى المكتب والتقط ورقته وقلمه، قبل أن يجلس بجانبها: -تعبانة؟
هزت رأسها نافية، ثم دنت لتتناول الورقة، فإذا بها تحمل صورة فتاة ترتدي سروالًا من الجينز الضيق، وكنزة بديعة حمراء اللون ذات حمالات رقيقة، تزينها قصات متتابعة تمتد من أعلى الصدر حتى العنق، ينفرج طرفها قليلًا عند مقدمة الكتف، وتنسدل منها أكمام تصل إلى ما بعد المرفق. نظرت إليها بإعجاب شديد وهتفت: -تحفة أوي يا نوح.
كان نوح يطوف مع الملائكة، ينظر إليها في هيام، كأنه يوثق ملامحها في ذاكرته، مؤمنًا بأن يومًا ما ستغيب موج عن حياته بسبب كذبة. اعتدلت في جلستها وهتفت: -نوح احكيلي عن حياتك. حك مقدّمة أنفه بسبابته، ثم اقترب منها أكثر حتى لامس كتفه كتفها، وأحاطها بذراعه الدافئة، فأسندت رأسها على صدره العريض، تستشعر دفء أنفاسه ونبض قلبه المتسارع، وكأن العالم خارج هذا الحضن قد تلاشى تمامًا:
-حاضر هحكيلك بس نبدأ من ١٢ سنة فاتوا.. أنا ياستي واحد القلم هو صحبي.. دخلت علمي رياضة في حبًا في الهندسة لا عشان والدي كان حابب كده.. دخلت وأنا مقتنعتش بس عادي.. كملت لحد للأسف جبت مجموع هندسة ووالدي فرح جدًا بس أنا لا.. كان نفسي يسألني أنت عاوز إيه يا نوح؟ بس السؤال دا عمره ما اتسأل في البيت عندنا. قاطعته وهي تقول: -بيت ماشي بنظام دستوري كده والكلمة بتاعت والدك من غير نقاش. رتب على خصلاتها وقال:
-بالظبط كده.. ويا ستي أنا اعترضت وقولت لا حابب أكون مصمم أزياء.. طبعًا المسخرة بدأت بقى إذا أكون جايب هندسة وأدخل فنون تطبيقية دا جنون في حد ذاته. قاطعته مرة أخرى: -الصراحة جنون فعلًا. قهقه نوح على صراحتها ونظر بداخل عينها: -قصدك إني مجنون.. ماشي ياستي.. المهم ضربني ومش جديدة عليه.. بس المرة دي أنا قولت لا كفاية كدة.. سبتهم وهربت بعد ما خدت دهب أمي. شهقت بدهشة: -أنت هربت وكمان سرقت والدتك؟ -إيه شهقة الملوخية دي؟
استهدي بالله يا حبيبتي واسمعي.. مشيت في نفس اليوم بقى. عودة إلى الماضي... كان يسير في عتمة الليل، لا يدري ما إن كان ما فعله صوابًا أم خطأ، وإن كان خطأ، فخطأ والده أعظم وأسبق. جلس على الرصيف، يتنهد بأنفاس مثقلة بالخوف والقلق مما تخبئه له الأيام. أخرج من جيبه ذهب والدته، وهمس لنفسه: -سامحيني يا أمي.. حقك عليا.
بعد لحظات من الجلوس، نهض ببطء من على الرصيف، متثاقل الخطى، يمشي بلا هدف واضح. كانت خطواته تردد صدى وحدته في الشوارع المهجورة، وهو يغوص في دوامة أفكاره. لم يكن يعلم إلى أين يتجه، لكنه استمر بالمشي، حتى توقف أخيرًا أمام محل ذهب صغير، تاه بصره بين قطع المجوهرات اللامعة المعروضة في الواجهة، وكأن ذكريات والدته تحيط به من كل جانب. دلف إلى المحل وجد رجل في منتصف الأربعينات، تقدم منه وهتف باحترام: -السلام عليكم. تقدم منه
الرجل وهتف بابتسامة صافية: -وعليكم السلام.. أؤمر يابني. أخرج الذهب من جيبه وهتف بتوتر وقلق: -عاوز أبيع الدهب دا.. قبل ما حضرتك تتهمني إني سارقه.. لا.. الدهب دا بتاع والدتي بس أنا محتاج الفلوس جدًا.. بس عاوز وعد من حضرتك تسيب الدهب عندك لحد ما أرجع.. معرفش هرجع إمتى بس مسيري هرجع.. ولو مرجعتش هييجي اللي ياخده منك وساعتها هاخده بأضعاف أضعافه.
كان الرجل يتطلع في نوح بغرابة من حديثه، الذي كان بداخله عزيمة وإصرار ووعود أنه سوف يعود في يوم من الأيام. -طب أنا ممكن أساعدك؟ هتف سريعًا. -لا خالص.. أنا محتاج أبيعه بس وأنا هاجي أخده بس بالله عليك بالله.. متفرطش فيه.. أنا هرجع وهاخده مهما يكون تمنه ساعتها. أومأ له الرجل وأخذ الذهب وقام بوزنه وتقديره بالمال، وأعطى له المال وهتف بتردد: -أنا ممكن أساعدك.. أوفر ليك شغل. رد سريعًا: -بجد فين؟
بدأ الرجل يشرح له طبيعة العمل بصبر واهتمام، مستعرضًا الخطوات الأساسية التي يحتاج إلى إتقانها، وكيف يمكنه اكتساب المهارات اللازمة. تحدث عن الجهد المطلوب، وعن الفرص التي قد تفتح له أبوابًا جديدة، مشجعًا إياه على المثابرة وعدم الاستسلام أمام الصعوبات.
أوضح له كيف أن النجاح لا يأتي بين ليلة وضحاها، بل يتطلب وقتًا وصبرًا، وكيف يمكنه أن يبني مستقبله تدريجيًا عبر التعلم والتجربة. كانت كلماته كالشعلة التي أشعلت في داخله بارقة أمل جديدة، جعلته يشعر بأن هذا الطريق، رغم وعورته، قد يكون بداية لتحقيق حلمه والارتقاء بحياته. عودة للحاضر....
كانت تستمع له بدقة، وهي تراقب دقات قلبه المتسارعة وهي يحكي ما حدث في الماضي ونبرة صوته الحزينة الباهتة. شفقت على حالته وما حدث له في صغره.. فهذه بداية حياته التي من المفترض أن تكون حياة هادئة.. يبدو أنه عانى مثلها. أخذ نفسًا عميقًا عند انتهاء حديثه، ووجدته صامتًا، متوقفًا عن الكلام، وكأن ثقل الذكريات ألقى عليه صمتًا ثقيلًا: -بقول أكملك بكرة لأن أكيد دلوقتي أنتِ تعبانة وأنا تعبان.. إيه رأيك؟
أومأت له برأسها موافقة، فقد كانت ترى حالته منذ بداية الحديث مهشمًا من الداخل، كأنه يعيد استحضار كل ما مر به. لم يكن قد نسي، بل كان يتذكر دومًا، لكنه يحاول أن يلهي نفسه بالعمل كي لا تغرقه تلك الذكريات. ...
في أحد منازل الإسكندرية، كان سامح جالسًا والغضب يلتهمه من الداخل. لم تكن هذه الحياة له، كأنه محاصر بينهم. كان يعلم أن المرة القادمة ستُحاسب على النفس التي يملكها، على تدخله في كل شيء، وعلى محاولته استعادة زمنه وزمن الآخرين. نهض بسرعة عن مقعده، وخرج إليهم وهو يهتف ببرود: -عمي أنا عاوز أتكلم في موضوع. اعتدل عبدالعظيم في مقعده وهتف: -تعال اقعد بس يا سامح وقولي عاوز إيه.. داخل علينا كده. جلس سامح وهتف:
-سما خدي نوح يلعب جو لو سمحت. وقفت سما، واضعة يديها متلاصقتين، تتشنجان بسبب التوتر الذي ينهشها من الداخل، فهي تعرف تمامًا ما يدور في عقل زوجها. أخذت نوح معها ودلفت إلى الغرفة، حيث اطمأنت إلى أنه يلهو بين ألعابه، ثم خرجت لتجد زوجها قد شرع في الحديث:
-بص يا عمي أنا لما اتجوزت بنتك، اعتبرت حضرتك والدي ووالدتها والدتي بحكم إن أهلي متوفيين.. وقعدت معاكم هنا مع إن في إيدي آخد شقة ليا أنا ومراتي وابني لكن قولت لا يا واد خليك جنبهم مفيش حد معاهم.. بس أنا تعبت.. تعبت من تدخلاك وتحكمات فيا وفي مراتي وحتى ابني اللي مش هسمح إنه يكون نسخة تانية لحد.. أنا فضلت هنا علشان خاطركم وخاطر نوح.. بس حرام.. أنا حاسس إني بتحاسب على النفس دا.. حتى حرمتوني من أبسط حاجة في الحياة.. أدخل
ابني مدرسة على مزاجي.. حتى اسمه قولت معلش واحشهم ابنهم ونفسهم في الاسم.. لكن أنا مش هخلي ابني نسخة من خاله وجده يعمل فيه اللي مقدرش يعمله خاله.. مش هسمح بكده.. أنا همشي وبنتك عندك.. وعلشان أنا ابن أصول هسيب نوح معاها.. مش هاخده.. وقت ما بنتك تعرف تفرق بين حياتها الزوجية وعلاقتها بأهلها تيجي.. أهلاً وسهلاً بيها.. وأسف مرة تانية على كلامي.
أنهى سامح كلامه، ثم أخرج مفاتيح المنزل من جيبه بهدوء، جمع بعض حاجاته بسرعة دون أن يلتفت إليهم، وتوجه نحو الباب. فتح الباب وغادر المنزل، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا يملأ المكان، ولم يسمع منهم أي صوت يرد عليه. كانت سما تراقب الموقف وهي ترى أن زوجها وضعهم في موقف محرج. هتفت بإحراج: -أنا.. آسفة.. معرفش هو قال كده إزاي.. أكيد ميقصدش. قاطعتها والدتها وهي تقوم بحزن: -لا يابنتي.. جوزك كلامه صح جدًا.. كمان قومي شوفي ابنك.
أومأت لها سما وغادرت سريعًا وهي تريد الأرض تبتلعها. استدار لها عبدالعظيم وقال بغرابة: -عنده حق؟ -آه عنده حق.. راجل شايف نفسه على الهامش.. حماته بيتحكم في كل حاجة.. في ابنه ومراته. قاطعها قائلًا: -دي بنتي. -بنتك بس مراته يا عبدالعظيم.. أنت مش عايش لوحدك.. مش كل حاجة على مزاجك.. الراجل عنده حق.. كتر ألف خيره على اللي عمله.. كان واقف معانا ومتكلمش وانت بتتحكم في مراته وابنه.. سيبهم يا عبدالعظيم يعيشوا حياتهم.
رد عليها بعصبية: -أنا بحافظ عليهم عشان ما يغلطوش. -أنت بتحافظ غلط.. سيبهم يغلطوا ويتعلموا.. أمال هيعيشوا إزاي؟ بطل تحكمات يا عبدالعظيم.. كفاية نوح اللي راجل وكأنه مرجعش.. ابنك بيجي كل أسبوع زيارة زيه زي الغريب. وقف عبدالعظيم دون حديث ودلف إلى غرفته. ... مرت الأيام، واستقرت الحياة إلى حد ما.
عادت سما إلى منزلها برفقة زوجها، بينما الصغير انشغل في إحدى نشاطاته المفضلة، منشغلًا بلعبه أو دراسته، كأنهما يحاولان معًا إعادة بناء لحظات السعادة والهدوء وسط ما تبقى من التحديات، وكانت موج قد تحسنت كثيرًا في حركتها. أما نوح، فكان منشغلًا بإحدى صفقاته المهمة التي تتطلب كل تركيزه وجهده، تاركًا خلفه بعض الضوضاء ليعيش لحظات العمل والتحدي ويهتم بموج لا يتركها.
في شركته الخاصة، كان نوح يحدق في الأوراق بدقة، غافلًا عن الجميع من حوله. فجأة رن هاتفه، وظهر اسم "موجي" على الشاشة. ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه، فرفع الهاتف ورد قائلاً: -إيه.. تاني عاوزة تيجي ولا إيه؟ لكن جاءه الرد الصادم، بصوت متوتر: -الحقني يا نوح…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!