تجمّد في مكانه، صوته خرج متلعثمًا. —ليلى!! ابتسمت هي بعفويةٍ ودفءٍ اشتاقهما قلبه منذ زمن، وقالت بصوتٍ مفعمٍ بالشوق. —نوح… حبيبي، وحشتني! —ليلى؟ أنتِ رجعتي من سويسرا امتى؟ همهمت بالحديث لكن قاطعهما موج وهى تُنادي. —مين يا نوح؟؟ نظرت إليه ليلى بصدمة، فهى لم تكن على معرفة بزواج نوح نهائيًا. تقدمت خطوة قائلة. —أنت بعد ما فلست بقيت تجيب نسوان البيت يا نوح! صاح بها قائلًا. —إيه فلست ونسوان دي يا متخلفة، حسّن ألفاظك، ادخل.
ثم استطرد موجهًا حديثه بصوتٍ عالٍ حتى تستمع موج. —دقيقة يا حبيبي جاي. دلفت ليلى لتجلس على أقرب مقعد يُقابلها، وهو أغلق الباب، ولج إلى الداخل. فتح باب الغُرفة وجدها تجلس على طرف الفراش، تضع قدم على الأخرى، تهزها بقوة. بلع ريقه بصعوبة من هيئتها، مُثيرة وفي نفس الحال غاضبة، وما أدراك عندما يجتمع الصفتان في موج. هبّت واقفة عن الفراش عندما رأته، اقتربت تقبض على ذراعه قائلة. —مين اللي جت دي.؟؟؟
ماتنكرش، أنا سمعاها وهيا بتقولك حبيبي ووحشتني، انطق يا نوح؟؟ وضع كفه على كتفيها مُحاولًا تهدئتها وهو سعيد برؤية غيرتها الظاهرة بوضوح، هتف بهدوء. —مش هنكر هيا فعلًا قالت كده. دفعته ليصطدم بالحائط، صُدم من فعلتها ليقول. —إيه في إيه يابت؟؟ —اعملي حساب إني جوزك طيب، عيب الهيبة تروح. —أنا هستنى تبرر، أنا هطلع. همّت بالخروج وأمسكت مقبض الباب لكن وضع كفه على كفيها، قائلاً وهو يتفحصها بنظره من رأسها إلى قدميها. —هتخرجي كده؟؟
ثم استطرد. —اهدي واسمعي، دي ليلى صديقة لينا أنا ومعتصم في سويسرا، من ساعة ما روحنا سويسرا واحنا سوا، وأنا بعتبرها زي أختي بالظبط، وغير كده لو بينا حاجة ما هيا قدامي ٨ سنين، وبعدين مُعتصم بيحبها. كأنه لم يتحدث ولم تسمع منه شيء، هتفت مُتسائلة وهى تضيق عينها بغضب. —وهيا؟؟ بتحبه ولا بتحبك؟؟ انطق يا بن وفاء. ضرب كف على كف وهى يكبت ضحكته، لا خوفًا منها لكن احترامًا لمشاعرها.
مد يده يلتقط كفها مُقربًا إياه من فاه ليُقبّله قُبلة رقيقة، ثم تحدث. —نخرج للبنت وتاخد كرمها ولا إيه يا موجتي، وبعدين أحكيلك قصتها معانا. هدأت قليلًا وهى ترى حديثه المليء بالحنو لها، في كل مرة يمتص غضبها، يُعجبها فيه هدوءه، ليس مثل بعض الرجال يغضب في أقل من ثانية. اكتفت بنظرة فقط واتجهت ناحية الدولاب، أخرجت عباءة منزلية باللون الرصاصي، مُطرزة بخيوط ذهبية لامعة، أخذتها واتجهت إلى المرحاض الخاص بالغُرفة.
وقفت أمام باب المرحاض والتفتت له قائلة. —استر نفسك يا حبيبي، بدل عضلاتك اللي رايح واللي جاي شايفاها دي. قهقه على حديثها ومشاكستها له، مد يده التقط كنزته عن الأرض، ارتداها ثم توجّه إلى المطبخ. أخرج كأس فارغ، وقام بإملاء عصيرة برتقال، خرج مُتجه ناحية الصالون، وجدها تجلس منتظراه، عندما وجدته جاء همت بالحديث لكن قاطعه قائلًا بتحذير. —اهدي كده، علشان متدخليش زي القطر، أنا اتجوزتك من كام يوم، واسمها موج و…. قاطعته قائلة.
—اتجوزت يا نوح من غير ما تديني خبر حتى، أنت لغيتني من حياتكم من ساعة ما نزلتوا مصر، وبعدين أنا عرفت كل حاجة من بره، لو كنتم اعتبرتوني شخص منكم مكنتوش عملتوا كده، أنا ماشية. وقفت عن المقعد وامسكت بحقيبتها الصغيرة وتوجهت ناحية الباب، جاء نوح ليتحدث، لكن خرجت موج هى تقول. —لا في دي عندك حق بس حقك عليا أنا. وقفت ليلى عند مقدمة الباب، وابتسم نوح على حديث موج. نظرت لها ليلى دون حديث، وتحدثت موج مرة ثانية.
—أنتِ عندك حق بس عيب تكوني في بيت نوح الباشا وتمشي زعلانة، ولا إيه، تعالي بس دا أنا كنت هاكل دراعه لما سمعت صوتك. ابتسمت ليلى ابتسامة واسعة، حتى ظهرت غمازتها بوضوح، واستدارت لتدخل مرة ثانية. وقف مربّعًا يديه أمام صدره متأمّلًا المشهد، في كل مرة يرى موج تتحدث، يقف يستمع إليها، ليرى قوة حديثها في الإقناع، تكبر في نظره في كل مرة. جلست ليلى وهى مازالت صامته وموج تتحدث.
—بصي أنتِ مش غريبة، نوح هينزل يجيب شوية طلبات وأنا وأنتِ هندخل المطبخ نجهز الغدا ونحكي سوا، إيه رأيك!!؟؟؟ كان نوح يُطالعها بصدمة، كانت تتحدث كأنها تعرف ليلى منذ زمن، لا لا سوف أجن. تحدثت ليلى أخيرًا. —أنتِ إزاي كده؟؟ أنا خلاص عرفت اتجوزك ليه، ما شاء الله مجانين زي بعض. اقترب نوح ورفع يده كأنه سولي يضربها وقال. —يابت ما تلمي لسانك بدل ما امد إيدي عليكِ. ثم استطرد.
—أنا هدخل أغير وأنزل أجيب غداء جاهز بلاش تتعبي نفسك، اعملي سلطة بس لو حابة. أومأت له موج، ثم دلف إلى غرفة النوم. تحدثت موج ضاحكة. —هدخل أطرده وأجيلك يا عسل أنتِ. وتوجهت إلى الداخل، ابتسمت ليلى واطمأنت بداخلها عندما رأت السعادة والفرح يجتمعان على وجه نوح. في الداخل قامت بفتح الباب بهدوء، فوجدته واقفًا أمام خزانة الملابس، يُخرج ما سيرتديه. تقدّمت نحوه بخطواتٍ مترددة، واحتضنته من الخلف، تُلقي بذراعيها حول خصره.
توقّف لوهلة، أخذ نفسًا عميقًا، وكأن أنفاسها الدافئة على ظهره أعادته إلى سكينةٍ يعرفها فقط معها. رفع يده ببطء، يضم كفّها المستقرة على صدره، يمرر أصابعه بين أصابعها في صمتٍ مليء بالحنين. أمال رأسه قليلًا للخلف نحوها، وقال بصوتٍ خافتٍ كأنّه يهمس للقلب. —وجودك ورايا كده، دا كل راحتي. هتفت بهدوء. —نوح أنا زعلانة. استدار لها سريعًا وكوب وجهها بين يده ليقول.
—عارف وكان لازم أعرفك لكن أنتِ عارفة مكنش في وقت، لكن هكملك القصة والله، طريقك التعارف بينا أكيد الابله هتقولها ليكِ لما أنزل، بس ليلى طيبة، ملهاش حد نهائي يا موج، وساعدتني كتير ليلى وقفت جمبي أنا ومعتصم لحد ما وصلنا اللي إحنا فيه. —حاضر يا نوح، أكيد مش هعاملها وحش يعني كفاية إنها من طرفك، وبعدين أنا أغير كده وحدة قعدت معاك ٧ سنين وأنا مكملتش سنة حتى.
ابتسم ابتسامة واسعة، ثم مال برفق وقبّل خدها الأيمن قائلاً بصوتٍ دافئ. —حبيبي الغيران، وبعدين أنا هعيش معاكِ العمر كله. ابتسمت بخجل، ثم عانقته عناقًا سريعًا قبل أن تبتعد بخطواتٍ هادئة نحو الدولاب. فتحت بابه وأخذت تُخرج له بنطالًا وقميصًا، ثم ناولتهما بابتسامة صغيرة قبل أن تغادر الغرفة، بينما هو بدأ يرتدي ملابسه سريعًا. في مقر شركة نوح الباشا سابقًا
تحديدًا في غرفة الاجتماعات، كان يجلس مُعتصم على مقعد رئيس الإدارة، على يمينه مؤسس الشركات العالمية للتصميم والتسويق، على يساره سُليمان وما أدراك من سُليمان. أغلق رامي القلم قبل الإمضاء وهذا أثار الجدل، نظر الجميع إلى بعضهم بغرابة، وتحدث مُعتصم بكُل رسمية. —خير يا رامي بيه! في حاجة في العقود مش مظبوطة!؟؟ وقف رامي عن مقعده وضع يداه في جيبه وقال.
—آسف مُعتصم بيه أنا جاي هنا علشان أمضي، مع شركة نوح الباشا، فين نوح بيه يا مُعتصم بيه؟ تحدث سُليمان بود مُزيف. —يا رامي بيه، حضرتك شوفت العقد إن نوح باشا بنفسه عامل توكيل لمعتصم بيه يعني كأنك بتتعامل مع نوح الباشا بالظبط. هزّ رامي رأسه بقوة، ونبرة صوته امتزجت بالغضب المكبوت. —لأ يا سليمان بيه، أنا مش همضي غير قدام نوح باشا بنفسه. أنا اتفقت معاه مش مع حد تاني، ومش هغير كلامي. حاول مُعتصم يتدخل بابتسامة متوترة.
—يا رامي بيه، نوح باشا واثق فيا، والتوكيل رسمي ومختوم، مفيش داعي للتوتر. نظر له رامي نظرة حادة، وقال ببرودٍ حاسم. —أنا مش بتعامل مع توكيلات، أنا بتعامل مع رجالة بتواجهني وش بوش. ثم أشار بيده لسكرتيره الواقف خلفه وقال بصرامة. —يلا يا أحمد، لمّ الأوراق دي كلها. بدأ السكرتير يجمع الأغراض سريعًا، بينما التوتر خيّم على الغرفة، عدّل رامي جاكته، وبصّ لمعتصم وسليمان نظرة كلها غضب وتحدّي.
—لما نوح باشا يحب يقابلني، يعرف يوصلني. ثم خرج بخطواتٍ ثابتة، والباب أغلق خلفه بقوة، تاركًا صمتًا ثقيلاً في القاعة ونظرات متبادلة بين مُعتصم وسليمان مليئة بالضيق والارتباك. تحدث سُليمان بغضب. —وبعدين؟؟ رامي هو الوحيد اللي يعرف يسوق كويس جدًا للتصاميم جوة وبره مصر ومحدش بيفتش وراه. كان مُعتصم ينشغل عقله بالتفكير ماذا يفعل، كل شيء يُريد نوح، لا يُريد مُعتصم. تحدث بنفس ثقيل.
—معرفش بس خلينا نجرب معاه تاني ونعرض عليه أكتر، ولو مش كده يبقا نشوف شركة تانية. هزّ الآخر رأسه بالرفض وقال. —لا لا مينفعش حد تاني، رامي هو اللي يقدر يعمل اللي احنا عاوزينه. —هحاول معاه تاني. كانت تقطع الموز إلى قطع صغيرة، وفعلت الشيءَ نفسه مع المانجا والكيوي، ثم بدأت تضعها في إناءٍ كبير. بعد ذلك أخرجت عصير البرتقال وسكبته عليهم، وزيّنت الخليط بالقليل من التوت البري. —هتفضلي ساكتة كده كتير؟
اتكلمي يا بنتي، خدي على الجو! أكيد مستغرباني، صح؟ ما هو طبيعي، بس بصي… الست الذكية هي اللي تكسب جوزها. أولًا، إنتِ تعرفي نوح أكتر مني، وثانيًا، أنا مستحيل أزعلك وإنتِ في بيتي. وبعدين أنا هستفاد إيه لو زعلت أو اتقمصت؟ هو بنفسه قالي إنك زي أخته بالظبط. وبصراحة، حتى قبل ما أعرفه أنتِ تعرفيه، الغيرة دي حاجة ربانية، غصب عن الواحد. بس صدقيني، أنا حبيتك، ووشّك باين عليه الطيبة.
وكلامك مع نوح حسّسني إنك فعلًا بتعزيه هو ومعتصم من قلبك. شعرت ليلى بحديثها وأنها تليق بنوح قولًا وفعلًا، اقتربت مدت يدها لتأخذ حبة توت بري وقالت. —أنا بجد مبهورة بيكِ أنتِ جميلة أوي وعقلة أوي، ليه حق نوح ميسبكيش، بس أنتوا اتعرفتوا على بعض إزاي؟؟ قهقهت موج بصوتٍ عالٍ وقالت. —لا دي حكاية كبيرة أوي بدأت بغيبوبة وعقد جواز مُزيف. عقدت ليلى حاجبيها بغرابة وتمتمت. —إزاي؟ ابتسمت موج ابتسامة باهتة وقالت.
—هحكيلك، تعالي نعمل حاجة نشربها الأول. وبينما كانت موج تملأ الغلاية بالمياه، كان صوت غليان أفكارها أعلى من صوت الماء. وضعت الأكواب على الطاولة وجلست، تتنفس بعمق قبل أن تبدأ الحكاية. –أول ما فُقت من الغيبوبة… كان أول وش شُفته هو وشه، نوح. قال لي إنه خطيبي، وإنه كنا هنكتب الكتاب قبل الحادث، وإنه لازم نكمّل ونكتب الكتاب قريب. رفعت ليلى حاجبيها بدهشة أكبر. –وإنتِ كنتِ متأكدة من كده؟ هزّت موج رأسها ببطء.
–لأ… مكنتش فاكرة أي حاجة، بس كنت حاسة بحاجة غريبة… كأن في بينا حاجة فعلاً مش عارفة، يمكن راحتي معاه، يمكن طريقته… بس صدقته. توقفت لحظة، تنظر إلى بخار الكوب المتصاعد، ثم تابعت. –وفعلاً كتبنا الكتاب. في الأول كان كله غريب، مش فاهمة إزاي أبقى مراته وأنا مش فاكرة ولا لحظة من حياتنا سوا، بس مع الوقت بقينا نتقرب… وابتديت أحس إن في مشاعر حقيقية. ليلى بصوت خافت. –وبعد كده؟ ابتسمت موج ابتسامة موجوعة.
–بعد فترة… الذكريات رجعت كلها. ساعتها اكتشفت إن اللي حصل ملوش أساس… إن الجواز باطل، وإن اللي ربطنا كان كذبة، حتى لو هو عملها بنية إنه يحميني. ثم استطردت. –حصلت كوارث بعدها، مشاكل ومواجهات ومشاعر متلخبطة… بس في الآخر، لما كل حاجة اتكشفت واتصلحت… اتجوزناه بجد. المرة دي وأنا فاكرة، وأنا مختاراه. سادت لحظة صمت بينهما، لا يُسمع فيها سوى خرير الغلاية الباقي في الخلفية. ليلى مدت إيدها لموج وقالت بابتسامة دافئة.
–شكلها كانت رحلة طويلة أوي يا موج. ضحكت موج بخفة، وقالت. –أيوه… طويلة، بس تستاهل. أكملت حديثها قائلة. –وأنتِ بقا نظامك إيه مع معتصم؟ عرفت إنه بيحبك وعاوز يتجوزك. غضبت ليلى وظهرت علامات الغضب عليها وهتفت. –متجبش سيرته الخاين الخسيس عديم الشرف. وبعدين اتجوزه إزاي وأنا مسيحية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!