الفصل 27 | من 35 فصل

رواية نوح الباشا "سفر كرياتور" الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ندا الشرقاوي

المشاهدات
16
كلمة
2,315
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 77%
حجم الخط: 18

التقطت خمارها بخفة، وضعته على رأسها، وتقدّمت بخطوات حذرة نحو الباب. فتحت الباب لكن صرخت فجأة. "ااااه! صرخت بعلو صوتها وهى ترى جسمًا غريبًا يرتدي رداء أسود اللون، وجميع الإنارة مُغلقة. دبّ الخوف بداخلها وتراجع جسدها تلقائيًا حتى التصقت ظهرها بالجدار البارد، وأنفاسها تتسارع مع كل خطوة ترجعها. "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انصرف انصرف..!

كانت الكلمات تخرج متقطعة من بين شفتيها المرتجفتين، بينما يديها تشدّ الخمار على رأسها كأنها تستمد منه الطمأنينة. عمّ الصمت على المكان للحظة، لا يُسمع سوى دقات قلبها التي تكاد تخرق الصمت. ثم... صوت خافت، أشبه بحفيف قماش، تسرّب من عند الباب. "متخافيش يا مدام، أنا لمياء جارتك في الشقة اللي جمبك، وطلعت أشوف النور قطع عندي ولا في العمارة كلها."

مدّت يدها المرتجفة نحو الهاتف الذي سقط أرضًا من شدّة الخضة. التقطته ببطء، ثم حمحمت بخجل بعدما أدركت ما حدث. لقد صرخت بصوتٍ عالٍ حقًا. همست لنفسها وهي تبتسم بتوتر: "يا فضحتك يا موج، إيه اللي هببته دا؟ هتقول عليا مجنونة." ثم همست بصوتٍ عالٍ: "أنا آسفة جدًا بس أنا اتخضيت والله، حقك عليا، اتفضلي." ابتسمت لمياء من أسفل النقاب الذي ترتديه وردت:

"لا ولا يهمك خالص، دا طبيعي، العمارة ضلمة وأنا لابسة أسود في أسود، فـ حقك تتخضي." ردت موج وهى تبتسم بهدوء: "لا عادي والله، أهلًا بيكِ اتفضلي طيب." "لا يا حبيبتي تسلمي مرة تانية بإذن الله." ردت سريعًا: "لا لا إزاي، اتفضلي حتى لحد ما النور يجي طيب." أومأت لها برأسها ودلفت وهى تقول: "السلام عليكم." ردت عليها موج السلام، ثم أغلقت الباب ودلفت خلفها وهى تُرحِّب بها ببضع كلماتٍ لطيفة.

اقتربت من النافذة لتقوم بفتحِها حتى يُنير المكان ضوء الشمس. ثم جلست على المقعد المجاور لها وابتسمت وهى تخلع عنها الخِمار وقالت: "أنا موج، ساكنة هنا جديد، بجد اتبسطت إن في حد معايا هنا." ردت لمياء وهى ترفع عنها نقابها: "وأنا تقريبًا جاية قبلك بشوية، لأن أنا لما جيت مكنش في حد في الدور غيري، بجد أحسن حاجة إني لقيت حد، بدل ما بقعد لوحدي لحد ما إبراهيم يرجع. وأنتِ متجوزة بقالك قد إيه بقى؟ وقفت موج عن مقعدها وهى تقول:

"بقالي أسبوع تقريبًا." "دقيقة واحدة." ولجت إلى المطبخ وهى تسير ببطء شديد وفي يدها تمسك الهاتف والإضاءة منه. فتحت الثلاجة وأخرجت إبريق العصير، ثم فتحت الجزء العلوي أخرجت علبة الثلج وحدثت نفسها قائلة: "كويس التلج مفكش." سكبت في كأس زجاجي ووضعت القليل من المكسرات في أحد الأواني وبعض الحلويات. خرجت وهى تحمل الصينية، وضعتها أمامها وهى تقول: "اتفضلي يا حبيبتي." ردت عليها مبتسمة: "غلبّتي نفسك ليه كده يا حبيبتي، تسلمي."

"لا تعب ولا حاجة، تعبك راحة، ادينا قاعدين لما نشوف النور هيجي امتى، واهو نتعرف." .............................. أمام ڤيلا نوح الباشا سابقًا. كان يقف نوح أمام الڤيلا ينظر إليها من الخارج ويتذكر كيف كان يقضي يومه مع موج هُنا. "عودة للماضي."

كانت تركض منه سريعًا وهو خلفها، لم يُسرع من خطواته لكن يُظهر لها أنه يركض خلفها، كان يفعل ذلك ليرى ويسمع ضحكتها التي تهز الأركان جميعًا. ترتدي فستانًا صيفيًا باللون الأزرق الفاتح الذي يطلقوا عليه "بيبي بلو"، يصل إلى ركبتها يتطاير بجانبها من أثر الركض. لكن صرخت فجأة، ووقعت في ثانية.

أسرع في خطوته واندفع نحوها، تكاد أنفاسه تتلاحق من الخوف أكثر من الركض. كانت ما تزال على الأرض، يدها تمسك بركبتها والألم واضح في ملامحها. انحنى بجانبها دون تردد، وصوته خرج مرتجفًا: "حصل إيه؟ اتعورتي؟؟ بتوجع؟ رفع الفستان قليلًا ليرى مكان الجرح، وجد بعض الخدش وكدمة بسيطة. أخذ نفسًا وهو يحمد ربه وقال: "بسيطة الحمد لله." رفعت رأسها نحوه، عينيها الواسعتين تلمعان بخليط من الدهشة والدموع، وقالت بصوت خافت: "بس وجعتني."

مدّ يده ببطء، يد أسفل ظهرها والأخرى أسفل ساقيها وساعدها على الجلوس على ساقه. شعر بأنفاسها المتقطعة قريبة منه، وشاهد كيف التصق الغبار بطرف فستانها الأزرق الفاتح، وكيف تلاشت خفة اللحظة في عينيها. قال بصوت مبحوح: "معلش من الوقعة بس، هو تقريبًا رجلك التوت تحتك."

كان يعلم أنه شيء خفيف لكن قلبه كان يضجّ بالقلق، ليس على قدمها فقط، بل على هذا الارتباك الذي تعرض له، كأنه خائف من أن تكون قد تأذت أمامه أكثر من أي شيء آخر. حاول الوقوف وهى مازلت في حُضنه. وقف أخيرًا وهو يَضُمها إلى صدره. ثوانٍ وبدأ يدور بها في منتصف الحديقة، وتبدل صوتها الحزين إلى ضحكات عالية مرة أخرى، ولمعت عيناها بالفرح وأختفت الدموع. "عودة للحاضر." فاق على صوت أحمد وهو يتقدم منه ويبتسم ابتسامة واسعة وقال:

"نوح باشا، نورت بيتك ومكانك يا باشا، الڤيلا كانت ضالمة من ساعة ما سبتها." صافحه نوح مُبتسمًا وقال: "تسلم يا أحمد، ربنا يخليك." ثم استطرد: "أدي خبر لمُعتصم إني موجود وعاوز أقابله." هتف الآخر بغرابة: "مُعتصم بيه مش هنا يا باشا، من ساعة ما جنابك مشيت ومحدش دخل الڤيلا." عقد حاجبيه بغرابة وهتف: "غريبة، وأنتم مفيش حرس معاه؟ "لا يا بيه هو قالنا نفضل في الڤيلا زي النظام القديم." "تمام يا أحمد تسلم." "هتعوز حاجة؟ "اله؟

نوح بيه هو حضرتك مش هتدخل؟ ابتسم نوح قائلًا: "لا يا أحمد بس هرجع قريب، ادعيلي." "يارب يا باشا ترجع وتنور الدنيا أنت والمدام، ويرزقك ربنا بالذرية الصالحة يارب." تمتم وهى يُردد كلمة: "يارب، يارب." .................................... "ماما ماما ماما.... يخي قرفتني بماما بتاعتك دي." هب واقفًا عن مقعده وهو يعدل نظارته ويقول بعصبية: "أميرة، إيه أنا مسمحلكيش تتكلمي عن ماما بالطريقة دي."

"فيها إني حاسّة إني مخطوبة لأمك مش ليك." تحدث سريعًا بكُل برود: "إيه يا أميرة، أمي وعاوزة مصلحتي وبعدين باخد رأيها." هتفت بعصبية وصوتٍ عالٍ: "تاخد رأيها في اللي يخصك وبس لكن اللي يخصني لا يا حضرة المُحترم، وأنت أمك مالها بمرتب شُغلي اللي هو بتاعي أنا؟!! "هيا مقالتش غير إنك تساهمي في مصاريف البيت، يعني بالنص بينا، كفاية إنك هتشتغلي ودا هياخد من وقت البيت." ظل يتحدث ويُبرر وهى تُفكر

في شيء واحد: علي. عندما عرضت عليه المُساعدة ببعض المال، ورفض بشدة وغضب منها وعاتبها، كيف تُفكر أنه سيأخذ منها مال. وقال لها بالنص: "فلوسك ليكِ، وحتى لو جه عليا الزمن، عُمري ما أمد إيدي على فلوسك". في هذه اللحظة وضعت يدها على الخاتم الذي يُزين إصبعها وقامت بخلعه، ثم وضعته على المنضدة وقالت: "روح هاتلك واحدة تفصيل على ذوق ماما يا عيون ماما."

نظر لها للحظة، نظرة مليئة بالغضب والوجع في نفس الوقت، كأن الحديث يقف في حلقه، ولا يقدر على الخروج. مدّ يده ببطء على الطاولة أخذ الخاتم، صوته المعدني الخفيف وهو يتحرك على الخشب كان آخر شيء كسر الصمت بينهم. وقف مكانه لثوانٍ، يتنفس بعمق، ثم اتجه نحو الباب وخرج دون الالتفات لها.

ظلت مكانها، عينها على المنضدة، تضع إصبعها على الأصبع الذي كان فيه الخاتم، لم تشعر بالبرودة أو الحزن. كل ما تشعر به هو أفكار تملأ رأسها لا تعلم ماذا تفعل!!!! دلف والدها وهو ينظر إليها بحزن وقال: "ليه كده يا بنتي؟؟ أنتِ عملتي كده عشان علي." هتفت سريعًا دون تفكير:

"لا بابا، لا علي ولا غير علي، يلغوا تفكيري، أنا اللي غلط يا بابا لما فكرت في واحد كُل حاجة برأي والدته، دا وصل لدرجة لو خرجنا بنقوله أكلها فين وروحوا فين، يا بابا علاء شخص كويس جدًا جدًا، لكن للأسف مامته ها تدمره دا لو لسه مدمرش، بس كده أحسن بدل ما كنت اتجوز وأرجع من تاني أسبوع، ربنا يعينه على والدته، عن إذنك." وقفت عن مقعدها ودلفت إلى غرفتها سريعًا، والدها ينظر لها بحزن ويدعي لها بصلاح الحال.

.................................... وقف أمام الباب بشموخ واضح على هيئته، لم يكن هذا جديدًا عليه. مدّ يده إلى جرس المنزل وضغطه، ثم وقف في مكانه ينتظر. ثانية تلو الأخرى مرت ببطء، ولم يأتِ أي رد. ضغط الجرس مرة أخرى، لكن الصمت ظلّ يملأ المكان. أخرج جواله واتصل به، سمع رنين الهاتف يتردد من الداخل، لكن دون جدوى. عاود الاتصال مرة أخرى، نفس النتيجة. اقترب أكثر، وبدأ يدق على الباب بقوة، صوته يرتفع وهو يهتف:

"مُعتصم افتح أنا عارف إنك جوه، افتح يا مُعتصم."

ظل يدق على الباب لكن دون نتيجة. اقترب يضع أذنه على الباب، حتى يستطيع سماع أي شيء يدل أنه بالداخل، لكن الصمت سيد المكان. القلق كان هو المستحوذ عليه، وأخذ قرارًا بكسر الباب. ابتعد عن الباب خطوتين، ثم اندفع سريعًا ليرتطم به بقوة. فعل هكذا مرتين حتى انكسر باب المنزل. نظر إلى أرجاء الصالون، ثوانٍ ووقعت عينه عليه يتسطح في منتصف الصالون، جسده ساكن، وجهه شاحب والعرق يصبّ على جبينه.

تحرك سريعًا إليه، جلس أمامه رفعه عن الأرض وضرب على وجنته بخفة وهو يتمتم: "مُعتصم، مُعتصم، فووق." لكن دون فائدة. وقف عن الأرض ورفعه ليضعه على الأريكة، ثم تحرك إلى المطبخ. وقف يبحث سريعًا عن شيء حلو. ظل يبحث في الأدراج وعندما يأس، وضع الكثير من السكر في الماء وجاء ليخرج من المطبخ، لكن تذكر أنه فاقد الوعي والماء يجعله يختنق في مجرى السوائل.

دلف إلى غرفة النوم يبحث عن حقنة Glucagon، وجدها أخيرًا، خرج سريعًا ووقف يملأ الحقنة بعناية ودقة. بدأ في إعطائه الحقنة. جلس بجانبه وهو ينظر إلى ساعته. دقائق مرت كأنها دهر، يقف بجانبه لا يغفل له طرف عين. يُراقب أنفاسه المتقطعة، كلما ارتفع صدره كانه يأخذ من روحه. كانت الحقنة ما تزال في يده، والقلق في قلبه يتضاعف مع كل ثانية تمرّ دون حركة. ثوانٍ وارتجف أصابعه قليلًا، وانفرجت شفتاه عن أنفاس خافتة. انحنى بسرعة

وصوته مبحوح وهو يناديه: "مُعتصم، سامعني؟ بدأ يرتجف جفونه وتفتح ببطء. ثوانٍ وعاد له وعيه، وضع يده على جبينه يتحسسه ببطء يشعر بصداع في رأسه. فتح عينه جيدًا نظر له بصدمة وقال: "نوح؟ حمحم نوح بتوتر شديد وقال بهدوء: "أولًا آسف إني اقتحمت عليك خصوصياتك وكسرت الباب، لكن قلقت لما لقيت صوت التلفون في الشقة وأنت مبتردش، تقريبًا كده كالعادة نسيت تاخد الأنسولين." هتف بتعب: "تقريبًا كده." وقف نوح عن مقعده

واتجه إلى الباب وهو يقول: "لينا كلام يا معتصم لكن لما تفوق كده، مع السلامة." وغادر نوح وبقي مُعتصم يسرح في أفكاره.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...