الفصل 3 | من 35 فصل

رواية نوح الباشا "سفر كرياتور" الفصل الثالث 3 - بقلم ندا الشرقاوي

المشاهدات
25
كلمة
1,846
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

اختبأت جيدًا خلف أحد الجدران حتى تحجب الرؤية عنها. ظلت تراقب من بعيد حتى ترجلت عمتها واختفت. أخذت نفسًا عميقًا وتحركت باتجاه المبنى الذي تسكن فيه. كانت تصعد درجتين سويًا حتى وصلت إلى غرفتها. دلفت وأغلقت الباب خلفها سريعًا. جلست خلف الباب بعد ما وضعت الأغراض أرضًا. التقطت أنفاسها سريعًا. إلى متى سوف أظل بهذا الخوف؟ أختبئ مثل الفئران التي تخرج من جحرها تبحث عن الطعام وتهرول إلى جحرها مرة ثانية خوفًا أن يراها أحد.

قلبي الحيران، ذلك الذي لم يعرف السكينة والاطمئنان، سيظل وحيدًا في هذه الحياة القاسية. وإن جاء قضاء الله، سترقد جثتي بصمت في الزاوية، لا يحن إليها أحد ولا يسأل أحد. سيتعفن جسدي مثل ما تعفنت روحي من قبل، وكأنني لم أكن يومًا هنا. وقفت عن الأرض وهي تستعيد قوتها. أمسكت الأكياس وقامت بتفريغها. بدأت بتقطيع الخضار وتحضير الأرز. بعد قليل كانت انتهت من التحضير. جلست أرضًا وهي تقول ساخرة:

شوربة من غير لحم ولا فراخ، كأني زي البط حبة رز على شوربة وخلاص. ثم صمتت قليلاً وقالت: الحمد لله نعمة. في منزل عبد العظيم الباشا. كانت جالسة الأم وهي تنظر إلى صورة نوح من بداية حياته حتى انتهاء الثانوية العامة. كانت طوال السنين لا تعرف الفرحة، البكاء فقط هو من يسيطر عليها. كل يوم وكل سنة وهي تنتظر دقة الباب يكون قدوم نوح، لكن لا يأتي نوح. قلبها ينفطر عليه. كيف؟ وكيف حياته؟ ماذا فعلت به الحياة؟ أخرجت الورقة التي

تركها نوح قبل المغادرة: أمي، أنا آسف بس مش هقدر أعيش في ظلم، حياتي هتضيع وأنا معاكم. علمتيني إني أكون طير حر مخدش يقص ليا جناحي. لكن بابا كان عاوز ينهي حياتي مش جناحي بس. أمي، أنا آسف إني خدت دهب من عندك. أنا آسف يا أمي بس أنا مكنش معايا حاجة ولازم أمشي. عارف إني نزلت من نظرك بس هرجع، هرجع وأنا نوح الباشا اللي اسمه يتعمل له مليون حساب. سامحيني يا أمي. أغلقت الجواب وقامت بتقبيله، ثم وضعته مرة أخرى في الصندوق.

فتح الباب ودلف طفل صغير يركض ويتسلق الفراش بصعوبة حتى وصل إلى جدته وهو يقول: نوح جه، وحشتيني يا تيتا. ضمته إليها بحب وهي تستنشق رائحته التي تشبه رائحة نوح. وحشتيني يا نوح كل دا. عبث نوح وهتف: أنا قولت لك قولي لماما بلاش حضانة علشان أنا بوحش تيتا وهي مصممة. قولي لها بلاش حضانة بقا. قهقهت الجدة على حديثه وهتفت: لا إزاي لازم تروح الحضانة علشان تبقى شاطر زي نوح. جلس أمامها وعقد ذراعيه أمام صدره وهو يقول:

هو هييجي امتى بقا كده كتير، كل شوية تقولوا نوح جاي، نوح جاي ومبيجيش. ردت قليلاً وهتفت بهمس: هييجي يا نوح، بيرتاح في حضن أمه بس هيفضل يلف ويدور ويرجع لحضني. كان يتحسس كأسه بأنامل مرتعشة، فيما شريط ذكرياته يمر أمام عينيه كأنه شريط فيديو بلا توقف. كل لحظة قديمة كانت تطعنه بصمت، وكان يشعر باختناق غريب، وكأن أحدهم يلف حبلًا خفيًا حول عنقه ببطء. لم يكن يدري، أهو المخطئ أم أن الخطأ لا يعنيه وحده؟

دق صوت دقات على الباب، لكنها لم تحركه. ظل الصوت يتكرر، يزداد إلحاحًا، حتى تسللت العصبية إلى جميع أنحاء جسده. ارتعشت يده ورمى الكأس بغضب فارتطم بالجدار وتحطم. ثم نهض بتثاقل واتجه نحو الباب وقام بالفتح. إيه يا عم نوح مالك؟ رد بكل برود: في إيه يا معتصم؟ زن زن دماغي. دلف معتصم وهو يقطب حاجبيه بغرابة: مالك يا نوح؟ برن عليك من بدري. جلس نوح وهو يفك أزرار قميصه ببطء وجلس على الأريكة بثقل وشرد قائلاً: مفيش، حابب أقعد لوحدي.

جلس معتصم قائلاً: ليه؟ حصل إيه؟ لو هو هو نفس الموضوع؟ ليه مش عاوز تجيب معلومات عنهم؟ ليه مش حابب تنزل أنت؟ خلاص عملت كل حاجة علشان تثبت لهم إنك وصلت اللي أنت عاوزه. هتف بخوف: خايف. عبث معتصم قائلاً: خايف من إيه يا نوح؟ أنت مش عارف أنت بقيت مين. بص في الأخبار يا نوح، مع عارف إزاي أهلك لحد دلوقتي ميعرفوش أنت فين. رد ساخرًا:

لا، الباشمهندس ميشغلش باله بالهيافة دي. أمي أنا متأكد إنها بتغلي عليا. أنا مش قاسي يا معتصم بس أبويا مدانيش حنية علشان أديله اشتياق. بس أبويا وبحبه برده. هب معتصم واقفًا وهتف بحدية وصرامة: قوم يا نوح هننزل مصر دلوقتي. رد عليه باستغراب: مصر؟ ودلوقتي؟ أنت اتجننت؟ لا متجننتش، يلا يا نوح، لازم تنزل. كفاية غربة. طلع ميتينك واتمرمط من حتة لحتة، كفاية كده بقا. لازم تنزل، كفاية. ناوي تنزل امته؟

لما تنزل تقف في عزا أمك اللي قلبها بيتوجع عليك، ولا أختك اللي سبتها عيلة في سن المراهقة زمنها وصلت لفين؟ ولا أبوك اللي زمانه دلوقتي على المعاش ومش عارف ابنه عايش ولا ميت؟ قوم يا نوح، كفاية كده. أنا هكلم المطار أحجز أول طيارة على مصر وهطلع دلوقتي أجهز شنطتك كمان، خلاص. أنهى معتصم حديثه وصعد إلى أعلى. تركه شاردًا في حديثه لا يعلم ماذا يفعل.

في اليوم التالي، وتحديدًا عند الساعة الخامسة فجرًا، كانت الطائرة تُقلع من مطار سويسرا متجهة إلى مصر. جلس نوح على مقعده بجوار النافذة، يحدق بصمت في السحاب المتراكم كأحلام لم تكتمل. عادت به الذاكرة إلى أول مرة ركب فيها طائرة، كان حينها شابًا في ريعان حياته، مليئًا بالطموح والدهشة. أما الآن، فقد أثقلته السنين، وعقله لا يهدأ. ينهشه الحنين، وتنهال عليه الذكريات كسيل، لا تترك له فسحة لالتقاط أنفاسه.

غفل قليلاً ليُحاول أن يرتاح. مر الوقت سريعًا، وكأن الساعات اختُزلت في لحظات. بدأت الطائرة في الهبوط التدريجي، ومع اهتزازها الخفيف، سمع نوح صوت المضيفة يصدح عبر مكبر الصوت: على السادة الركاب ربط الأحزمة استعدادًا للهبوط. أعاد جسده إلى وضعية الجلوس، وربط حزامه بهدوء، بينما عينيه لا تزال معلّقة بالسحاب، وكأن قلبه لم يهبط بعد. وقف نوح عن مقعده وخرج من الطائرة. وقف وهو يستنشق الهواء الذي حُرم منه منذ الكثير من السنين. ربت

معتصم على كتفيه وهو يقول: يلا بينا يا صاحبي. هبط نوح ومعتصم وقاموا بانتهاء الإجراءات وخرجوا من المطار. كانت توجد سيارة تقف في انتظارهم. صعد إلى السيارة وجلس وهو إلى الآن لا يعرف هل ما يفعله صحيح أم لا؟ فاق على حديث معتصم وهو يقول: متاكد إنهم ما مشيوش من البيت؟ رد عليه: لا مستحيل، أبويا راجل بيحب إسكندرية، مستحيل يمشي ومستحيل يسيب بيته وبيت أبوه وأجداده، دا تراث يابني.

كان ينظر إلى الطريق كم تغير وظهرت أشياء واختفت أشياء. كان الوقت يسير ببطء. فتح النافذة وهو يستنشق هواء إسكندرية، رائحة البحر الذي اشتاق إليها. وقفت السيارة في الإشارة وكان نوح ما زال يحدق في الطريق حتى وقعت عينه على موج التي كانت تقف على فرشتها مرة أخرى تواجه الكل. نظر إليها وهي تركض تضع الأسماك في الكيس، تأخذ المال وتقبلها وتضعها في جيبها. ظل ينظر إليها وإلى خفتها ويسمعها:

السمك طازة يا مدام، يا أستاذ دا طلوع النهار ده اصطادته بنفسي، قولي أوزني وصدقني هشوفك كل يوم. ابتسم نوح على حديثها الذي يسرق الزبون في بضع ثوانٍ. فتح الإشارة وتحركت السيارة ونوح ما زال ينظر إليها حتى اختفى طيفها. غمز معتصم له وقال: إيه يا فنان مالك، عجبتك البياعة ولا إيه؟ بس بصراحة مزة، ياما تحت العباية حكاية. نظر نوح نظرة آخرسته. بعد مرور الوقت وقفت السيارة أمام منزل نوح.

هبط نوح من السيارة ووقف أمام المبنى وهو ينظر إلى المنزل لم يتغير، كل شئ كما هو إلا البشر. الناس ينظرون إليه بغرابة، ملامحه ليست غريبة لكن من؟ صعد على الدرج الذي يوجد أمام المنزل وقام بدق الباب. استمع حديثًا من الداخل: يا نوح افتح شوف مين على الباب، أنا جايه. عقد حاجبيه من في المنزل على اسمه. فتح الباب ووجد الصغير ينظر إليه قائلاً بمزح أطفال: جدو مش هنا ولا بابا كمان. جاءت جدته وهي تقول: مين يا…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...