صدح صوت عمران الغليظ وهو يقول بنظرة نارية لزوجته: "أنتي هترجعي بيتك وبيت جوزك معايا مش بيت أبوك." رمقته بطرف عينها في نظرة قوية غير مكترثة للأوامر التي يمليها عليها. استشاط غيظًا بعدما رأى تلك النظرة. وهب واقفًا، ثم وضع ابنه على الفراش برفق واندفع نحوها ثائرًا، ليقف أمامها ويهتف بنظرة منذرة لا تقبل الاعتراض:
"آسيا، بزيادة عناد لغاية كده. ومتخليش المشاكل تكبر أكتر قبل ما تخرج عن سيطرتنا. أنا بقول هترجعي معايا يبقى هترجعي من غير اعتراض." عقدت آسيا ذراعيها أسفل صدرها وطالعته بنظرة تحدي كلها شجاعة وهي تقول بإصرار: "هي المشاكل كبرت من بدري قوي يا معلم مش مستنياني أنا لما أخليها تكبر. ولو على الرجوع، قلتلك مش راجعة." أظلمت عينيه بشكل مرعب. وقبل أن ينفجر بها، التفتت تجاه أمها وطلبت منها برجاء مهذب:
"ممكن تسيبيني يا ماما نتكلم شوية وحدينا." تنهدت جليلة الصعداء مغلوبة وقالت بإيجاز: "ماشي يا بنتي، ربنا يصلح حالكم." راقب بعينها خطوات أمها حتى غادرت الغرفة. وفورًا التفتت له وقالت بنظرة ممتلئة بالخزي:
"أرجع ليه مع راجل بيعايرني بفضله عليا وبيشك فيا، وفوق ده كله مش واقف في ضهري ولا سند ليا ولا بياخدلي حقي. بدل ما تروح تقف قصاد أمك وتعاتبها حتى مش تعاقبها، واقف قصادي وبتوجه لي أوامر وبتغلطني. الحمد لله أن ربنا حفظ لي ولدي وحماني منها. جه على الدنيا بخير وسلامة. أنت بسبب أمك، مكنتش هتشوف ولدك اللي طاير من الفرحة بيه ده. رغم كل ده، أنا استحملت وسكتت يا عمران، بس كلامك آخر مرة ليا كان النهاية. أنا كنت أتوقع الكلام ده من أي مخلوق، بس منك أنت لا. وكنت دايماً أتباهى بيك وأحمد ربنا أنه كرمني براجل واقف في ضهري كيف الوتد. وكنت بقول أنا ليا ملجأ وحمى، كل ما الدنيا تخبط فيا وناسي يجوا عليا، هجري في حضنه أستخبى. لكن طلعت غلطانة."
كلماتها أصابته في مقتل وأشعرته بالخزي من نفسه والاشمئزاز. فنظر لها بدفء أخيرًا بعد شجارات طويلة بينهم وعناد، وقال باستسلام نسبي: "أنا مكنتش داري بروحي ولا عارف أنا بقول إيه. أنتي عارفة أن غضبي عفش، وأنا مكنتش شايف قصادي. يعني الكلام ده قلته في لحظة غضب يا آسيا." هتفت بعينان دامعة ومقهورة: "مهي المشكلة أنه اتقال في وقت غضب...
ووقت الغضب اللي بيتقال بيكون هو الحقيقة. أنت كنت شايل كل ده جواك ومدكنه ومنستش ولا سامحت على اللي عملته معاك زمان، ولسه شايل." مسح على وجهه وهو يزفر بنفاذ صبر، ثم قال في لهجة رجولية رزينة: "فكرك أنا لو لسه منسيتش اللي عملتيه معايا، كنت هقدر أحبك ولا أخلف منك؟ أعقلي الكلام اللي بتقوليه في مخك الأول وفكري بالمنطق." سالت دموعها الحارقة فوق وجنتيها وصاحت به منفعلة بألم: "وأنا إيه يضمن لي بعد اللي قولتهولي أنك بتحبني صح؟
إيه يضمنلي أنك متجيش عليا ولا تكسرني كيف ما عملوا معايا ناسي؟ ما أنت عاد شايف نفسك أنك كنت البطل اللي أنقذني منهم واللي ضحى بسعادته ونفسه في سبيل ينقذني، وليه الفضل عليا، ولولاك أنا كان زماني... منعها من استرسال حديثها بغضب حقيقي وحدة: "كفاية يا آسيا خلاص متكمليش. مش عارف أفهمك ولا أقولك إيه تاني عشان تصدقي أن مكنش قصدي أقول الكلام ده."
رفعت أناملها لوجنتيها ومسحت دموعها، ثم أجابته بقسوة وهي تشيح بوجهها للجهة الأخرى وتتحرك بعيدًا عنه: "متقولش حاجة. هملني وبعد عني يا عمران." قبض على ذراعها ليوقفها عنوة، ثم أدارها لجهته وقال بهدوء امتزج بنظراته الصارمة: "أنا مش هسيبك أنتي وولدي تفضلوا بعيد عني، فاهمة ولا لأ." دفعت يده بعيدًا عنها وصاحت به بعصبية: "قلتلك مش هرجع معاك، عاوز تسمعها كام مرة عشان تفهم." خرج عن طور هدوئه المزيف هو أيضًا وصرخ بها:
"وأنا الكلمة اللي بقولها بتتنفذ. أنا مبحبش العناد ونشفان الراس." دخلت جليلة في تلك اللحظة مسرعة لتفصل بينهم وهي تهتف بحدة: "وطوا حسكم، جرالكم إيه؟ وبعدين الواد نايم هيصحى مفزوع منكم. تعالي معايا يا عمران، هتكلم معاك." قالت عبارتها الأخيرة وهي تجذب عمران من ذراعه عنوة معها للخارج. وسط نظراته الملتهبة التي لا يحيدها عن زوجته، فور مغادرتهم الغرفة، وقفت جليلة أمامه وقالت بحكمة وجدية:
"أنت لو عاوز تتطلقوا صح، مش هتتعامل معاها كده. دي بنتي وأنا عارفاها وحافظاها، وطريقتك دي هتخليها تعاند وتنشف راسها أكتر. لو صح عايز ترجعها ليك، راضيها وبين لها حبك ليها. هتلين وهتبقى في يدك." رفع عمران حاجبه بتعجب ثم همس بشك: "خير يا حماتي، من ميتا وأنتي في صفي؟ ما أنتِ دايماً كنتي مش راضية عن الجوازة دي ولا حباني. إيه اللي اتغير دلوقتي؟ لوت جليلة فمها بحنق وقالت في مضض:
"وما زالت مش بحبك يا ولد إخلاص، بس هنعمله إيه خلاص معدش في رجعة. وأنا عارفة أن بنتي بتحبك، ودلوقتي بقى في بينكم عيل ملوش ذنب في عنادكم ومشاكلكم دي." مال ثغر عمران بابتسامة متهكمة رغم إعجابه بمحاولاتها لإصلاح الوضع المضطرب بينهم، واستمع هي بإصغاء تام وهي تكمل بحزم:
"متقولش دلوقتي هترجع معاك. هي حتى لو وافقت، أنا مش هوافق. البت لسه والدة امبارح وأول ولادة ليها، يعني تقعد معايا في بيت أبوها أراعيها وأخدمها لغاية ما تقف على رجليها وتسند روحها. لكن أنت هتاخدها معاك بيتكم، مين هيراعيها؟ أمك هتراعي بنتي مثلاً؟ عمران بصوت رجولي أجش: "دي مرتي وأنا هاخد بالي منها وأراعيها." جليلة بغضب وجبروت:
"اسمع الكلام يا ولد الصاوي، لو عايز مراتك ترجع لك. متجبرهاش على حاجة وخليها تهدى، وأنا بنفسي لما تبقى زينة وتقف على رجليها، هقنعها وأرجعها لك. سيبها في بيت أبوها ترتاح بعد الولادة شوية، وبعدين يبقى يحلها ربنا." صاح عمران بعصبية وصوت جهوري: "هسيبها لغاية ميتا؟ دي كل مالها بتنشف دماغها أكتر وتصمم على الطلاق ده، يعني أحسن حل أنها ترجع وتقعد في بيتها." جليلة بحدة شديد وصوت صلب: "وباللي أنت بتعمله ده مش هتنشف راسها يعني؟
سيبها خليها تعرف قيمتك في قلبها وأنها متقدرش تبعد عنك، ووحديها هتلين لك وترجع معاك، وأنت كمان تراضيها." رفع يده يمسح على شعره نزولًا لوجهه وهو يطلق تأففًا حارًا بعصبية وقلة حيلة. ثم ألقى عليها نظرة استسلام مضطرًا، فابتسمت له بثقة ورتبت على كتفه متمتمة: "متقلقش، هترجع لك. بس أنت خليك ناصح واتعامل معاها صح وبحنية مش كحتية وقسوة."
أنهت عبارتها ودخلت للغرفة وتركته بالخارج يقف وهو يدور يمينًا ويسارًا بحيرة وهيّاج. يمسح على لحيته بقسوة يفكر في حل لمأزقه. لقد كان لا يتحمل غيابها ويتعذب كل ليلة، فكيف سيتحمل غياب طفله أيضًا الآن؟ تلك الساحرة الشريرة تمارس عليه تعاويذها السحرية وتعذبه دون هوادة.
داخل منزل مروان، كانت خلود بغرفتها جالسة على الفراش وبيدها هاتفها الذكي تتصفح موقع التواصل الاجتماعي "الانستغرام". وبعد بحث طويل داخل الحسابات الشخصية، أخيرًا عثرت على حسابه. وجدت به الكثير من الصور والذكريات المختلفة له في إيطاليا وفي مصر. بعضها كانت صور جماعية مع أصدقائه أو عائلته، لكن معظمها كانت له. أخذت تقلب بين صوره وتتأملها بعينان هائمة وابتسامة ثغر محبة تزين وجهها. لا تعرف متى وكيف اخترق قلبها هكذا. ورغم خوفها من تلك المشاعر بسبب تجربتها السابقة ومحاولاتها للسيطرة عليها، لكنه كل مرة يضرب بمحاولاتها السخيفة عرض الحائط بسبب أفعاله الرجولية ونبرته ونظراته اللطيفة.
وسط ذوبانها وهيامها بصوره ووسامته، انتفضت فزعًا عندما وجدت الهاتف يصدح رنينه فجأة بين يديها معلنًا عن اتصال منه، فبدت مضطربة وخائفة كمن مسك بالجرم المشهود. حاولت التحكم بانفاسها وردت عليه بصوت خافت: "الوو." وصلها صوته الذي يذيب قلبها: "كمان عشر دقائق بالضبط والباب هيرن، هتفتحي هتلاقي علبة. خديها وادخلي." غمضت حاجبيها بحيرة وسألت بعدم فهم: "علبة إيه دي؟ تمتم بصوت رجولي مفعم بالحنو ونبرة مرحة:
"بصي يا ست البنات، أنا الصراحة في معايا فرح واحد صاحبي شوية بليل. وأنا وقعت بلساني قدام والدته وأنا عنده وقولتلها أني اتجوزت في إيطاليا، وهي صممت تشوفك وأجيبك معايا الفرح. فأعتقد دلوقتي أنتي خمنتي العلبة دي فيها إيه؟ اتسعت عيني خلود بعدم استيعاب وانعقد لسانها من الصدمة. فسمعته يكمل باعتذار شديد وأسف حقيقي:
"قبل ما تردي وتقولي أي حاجة، أنا عارف أنك هتتعصبي واللي أنا عملته ده تهور وغباء، بس والله أنا لغاية دلوقتي مش عارف أنا قولته كده إزاي. فمعلش، خلينا نمشي الليلة دي بس وتعالي معايا، وأوعدك مش هتتكرر تاني. ولو أي حد سألني عنك بعد كده، هقوله أنك سافرتي ومش موجودة." مسحت على وجهها وتألقت بصوت مسموع، ثم ردت عليه منزعجة بحزم: "مروان، أنت كيف تقولها أننا متجوزين؟ أنا متجوزة ولسا حتى مطلقتش من سمير." وصلها صوته
الهادئ والمترقب لردها: "يعني أنتي لو كنتي اتطلقتي منه، مكنش هيبقى عندك مشكلة؟ ارتبكت بشدة وتلعثمت، لكن بسرعة ردت عليه بحدة: "مروان، إيه اللي بتقوله ده؟! تنحنح بإحراج بسيط وهو يضحك ويقول معتذرًا: "عندك حق، أنا مش عارف أنا بقول إيه أصلًا. انسي اللي قولته ده خالص دلوقتي. المهم، قولتي إيه؟ هتيجي؟ قالت بحسم ولهجة قوية: "لا يا مروان، مقدرش آجي. مينفعش، وعايزني كمان ألبس فستان وأتزوق... مستحيل." تلف برجاء
ونبرة رجولية لا تقاوم: "عشان خاطري يا خلود، ولا أنا مليش خاطر عندك؟ أقولها إيه الست دي بس لو قالت لي فين مراتك؟ تسارعت دقات قلبها بعد عبارته الأخيرة وخجلت بشدة، فصاحت به بحدة: "بردك بتقول مرتك؟! كتم ضحكته بصعوبة وقال متأسفًا: "أنا آسف يا ست البنات، قصدي أنها فاكرة كده يعني بعد اللي قولته. يلا بقى وافقي عشاني... ده أنا حتى نقيت لك دريس روعة، أنا واثق أنه هيعجبك قوي." هزت رأسها بالرفض وقالت بإصرار تام وحدة:
"لا لا يا مروان، متحاولش. مش هقدر." اختفت بسمته وتقومت تعابير وجهه بشكل غريب، ثم أجابها مضيقًا عينيه بتعجب: "مش هتقدري ليه؟ التزمت الصمت ولم تجيبه لعدم معرفتها بماذا تجيب عليه وكيف تقول. بينما فاحتقن صوته الرجولي وهو يعيد سؤاله عليها بانزعاج ملحوظ: "ردي يا خلود، أنا بسألك مش هتقدري ليه؟ ردت مجبرة بسبب إلحاحه، رغم معرفتها بأنها ستجرحه: "أنا لسه متجوزة، مقدرش أطلع معاك قصاد الخلق على إني مراتك."
تعرف أنه بالتأكيد سيفهم عبارتها خطأ، وربما سيظنها ما زالت تكن الحب لزوجها في قلبها ولا تتقبل فكرة خروجها مع رجل غيره. لكنها لديها أسباب مختلفة، أهمها أنها لن تتقبل نفسها أبدًا. هي بدأت تكن له مشاعر الحب في قلبها، وإذا فعلتها، ستشعر وكأنها خيانة لنفسها وقلبها وهي ما زالت متزوجة. سمعت صوته المقتضب وهو يجيبها بغلظة: "تمام، براحتك يا خلود. مش هغصب عليكي. سلام."
ودعته بنفس الكلمة وهي عابسة الوجه وبقت على فراشها حزينة. حتى سمعت صوت رنين الباب، فوثبت واقفة وهرولت مسرعة لتفتح وترى ذلك الفستان الذي اشتراه لها. عندما فتحت، لم تجد أحد ووجدت العلبة أمام الباب على الأرض كما أخبرتها، فحملتها ودخلت بها للغرفة مجددًا وفتحت الغطاء، فرأت فستانًا من اللون الأزرق بأكمام طويلة ومطرز بفصوص لامعة عند منطقة الصدر. التقطته فورًا بعينان متسعة بإعجاب، فانسدل أمامه بطوله كله ليظهر جماله أكثر وهي تضحك بفرحة. وضعته على جسدها أمام المرآة تنظر لنفسها بوجه مشرق، لكن سرعان ما ظهر العبوس مجددًا على وجهها وأبعدت الفستان عنها لتنظر له من بعيد
وهي تهمس بأسف تقصد مروان: "حقك عليا، عارفة أنك أكيد دلوقتي زعلت مني قوي. بس أعمل إيه، غصب عني كان على عيني أروح معاك، بس مقدرش." وضعت الفستان على الفراش وجلست بجواره عابسة الوجه، ثم لمحت الحذاء الأبيض العالي الذي كان في أحد زوايا العلبة من الداخل، فاخرجته ونظرت له وهي تبتسم بحب. أسرعت والتقطت هاتفها وفتحت الدردشة بينهم لتراسلها وتقول: "الفستان والجزمة حلوين قوي يا مروان، شكرًا."
خرجت حور من بوابة الجامعة بعد انتهائها من آخر امتحان في السنة الدراسية ووقفت على جانب الطريق تنتظر وصول أي سيارة أجرة. لكن التفتت ناحية اليسار فور سماعها لصوت بوق سيارة مرتفع، فرأت زوجها وهو يشير لها من داخل السيارة. رمقته بضيق وعتاب شديد، ثم سارت إليه بخطواتها البطيئة وفتحت باب السيارة لتستقل بجواره دون أن تنظر لوجهه. فزفر هو بيأس وسألها باهتمام حقيقي: "أخبار الامتحان إيه؟ حليتي زين؟
ردت بمضض وهي ما زالت مضربة عن النظر إليه عقابًا له: "الحمد لله." تنهد بلال الصعداء وقال مازحًا ليلطف الأجواء المشحونة بينهم: "اممممم، شكلك واخدة على خاطرك قوي مني. احنا نروح شقتنا عشان أوريك التجديدات الأخيرة اللي عملتها، وهناك نتكلم على راحتنا." التفتت له ورمقته بنارية، ثم قالت بغضب واعتراض قاطع: "لا مش عايزة أروح معاك مكان. روحني البيت."
ابتسم لها بثبات انفعالي وعينان مفعمة بالحب، ثم مد يده والتقط كفها الصغير والناعم وانحنى عليه يلثم باطنه وهو يهمس: "ما إحنا مروحين البيت يا حوريتي، بس بيتنا إحنا." جذبت يدها من قلتها بقوة وهي توفر بنفاذ صبر وتهتف له بعصبية: "بلال! أجابها بهيام وهو يرسل لها قبلة في الهواء: "عيوني."
مالت بوجهه للجانب وهي تتأفف مغلوبة منه، بينما هو فانطلق بالسيارة يشق بها الطرق متجهًا لشقتهم الزوجية. وهي تجلس بجواره ساكنة تراقب الطريق فقط دون أن تخاطبه أو حتى تنظر له. دام الطريق لنصف ساعة تقريبًا حتى توقف أمام البناية، فنزل هو أولًا والتف بسرعة من الجهة الأخرى حيث مقعدها وفتح لها الباب، ثم بسط ذراعه بابتسامة عاشقة. فحدقته بنظرة جانبية تدل على قلة حيلتها. تجاهلت يده الممتدة أمامها ونزلت من السيارة بمفردها، ودفعته برفق بعيدًا عن طريقها، وعلى ثغرها شبه ابتسامة تكاد لا ترى، جعلتها يبتسم تلقائيًا ويتأكد أنه نجح في نيل رضاها قليلًا.
أسرع خلفها لداخل البناية يصعد خلفها الدرج وهو يتأملها بغرام، حتى وصلوا أمام باب الشقة، فأفسحت له الطريق ليمر من أمامها ويفتح الباب. ففعل ودخل قبلها، ثم لحقته وتركتها يغلق الباب خلفها وهو يضحك عليها. وقفت بمنتصف الصالة واستدارت له تسأله بفضول ونبرة مقتضبة: "فين التجديدات اللي قلت عليها دي؟ تقدم إليها بخطوات متريثة، ثم حاوطها بذراعيه باحتواء وجذبها معه باتجاه الأريكة متمتمًا: "تعالي بس الأول، تجديدات إيه وبتاع إيه؟
هو في حاجة أهم منك ومن زعلك." لوت فمها مغلوبة من كلامه المعسول الذي يلين قلبها رغمًا عنها. وجدته يجلسها بجواره دون أن يكون لها أي اختيار، ويديه حول خصرها ونظرته الحانية مسلطة عليها وسط صوته الرجولي العذب: "حقك عليا، متزعليش مني. أنا عارف أني قلقتك عليا، بس... قاطعته استياء وعينان امتلأت بالعبرات: "بس إيه يا بلال؟ أنت كان عندك استعداد تروح للراجل ده وتقتله، وميهمنيش حاجة."
حاولت تلطيف الأجواء وإضفاء جو المرح، فقال مازحًا وهو يضحك: "قتل إيه بس؟ ده أنتي كبرتي الموضوع قوي. بزمتك ده منظر واحد يقتل؟ ده أنا حتى طيب وغلبان ومبعرفش أذي نملة." لم تضحك على مزحته، بل صاحت به بشدة وهتفت بصوت مرتجف وهي توبخه بقسوة:
"أنت حتى مكنتش بترد عليا، وطلعت من غير ما تديني فرصة أحاول أتكلم معاك. أنا من كتر ما حسيت نفسي عاجزة وهتجنن من الخوف عليك، فضلت أدور على رقم أخوك، وأخدته من تلفون بابا من غير ما يعرف، وكلمته عشان يلحقك قبل ما تتهور وتعمل في الراجل حاجة. مفكرتش فيا ولا في وضعي كان إزاي وأنت طالع من عندي ناوي تضيع نفسك وشايل كفنك على إيدك...
انهارت باكية أمامه كالطفل الصغير ولم تستطع إكمال آخر كلماتها. فبسط ذراعيه فورًا وضمها لصدره ماسحًا على ظهرها بحنو وبشفتيها يتجول على رأسها بالقبلات الدافئة ويهمس بصوت مفعم بالأمان والحب: "اهدأ طيب، أنا آسف. خلاص عشان خاطري متوجعيش قلبي." توقفت عن البكاء، لكن جسدها ما زال تزوره نفضة بسيطة من أثر بكائها الشديد. فأبعدها عنه بلطف وهو يحتضن وجهها بكفيه وينظر في عينيها بغرام هامسًا: "سامحيني، أنا مقدرش على زعلك مني والله."
ارتخت عضلاتها المتشنجة وهدأت نوبتها، فنظرت له بعين محبة وقوية وهمست: "توعدني أنك متكررهاش ومتعملش فيا كده تاني؟ مال ثغره للجانب بابتسامة عاشقة ورفع أنامله يمسح دموعها بكل رقة ويميل عليها بوجهه يلثم وجنتها بحميمية هامسًا في صوت رجولي أثر قلبها: "وعد يا حوريتي." ابتسمت له أخيرًا بخجل بعد قبلته ودفعته بعيدًا عنها برفق هاتفة بحدة متصنعة: "أنت مش هتبطل تستغل كل موقف كده."
حرك حاجبيه بنظرات لعوب وعبثية، فضحكت هي مغلوبة واستقامت واقفة تهرول راكضة تجاه أحد الغرف وتغلق الباب عليها من الداخل. وقف هو أمام الباب وطرق عليه يقول بضحكة عالية: "افتحي، مش هعمل لك حاجة تاني والله، دي كانت بوسة كده لزوم الصلح بس." داخل منزل جلال وفريال... فاق جلال مفزوعًا هو وفريال على أثر طرق الباب القوي، فصاح بصوت غاضب على أولاده: "إيه الخبيط ده!
انتفض معاذ وعمار بالخارج ندمًا وخوفًا من والدهم، بينما فريال فقبضت على ذراع جلال هامسة له بلطف: "براحة عليهم، متزعقلهمش قوي... عيال يا جلال وتلاقيهم عاوزين حاجة كيف عوايدهم." هب واقفًا من الفراش وقال بعصبية: "اللي عاوزينه يستنى، لكن يصحونا مفزوعين كده." كانوا يستمعون لصباح والدهم الغاضب من الداخل وهم يتمنون أن تنشق الأرض وتبتلعهم. كان عمار سيهم بالفرار وترك شقيقه الأكبر في وجه العاصفة بمفرده، لكن معاذ قبض على
ذراعه يوقفه ويجذبه عنوة: "تعالى هنا رايح فين؟ مش أنت اللي كنت بتخبط وقولت لك أبويا هيتعصب لو صحى بسبب الخبط الجامد ده؟ ازدرد عمار ريقه بتوتر وخوف ووقف مضطرًا بجوار شقيقه. لمن كلامها انتفضا فزعًا عندما فتح جلال الباب على مصراعيه وهو ثائر. لا إراديًا ارتفعت يد عمار وأشارت على شقيقه تقول لوالده بارتياد: "ده معاذ يا أبوي اللي كان بيخبط مش أنا! رمقه معاذ بصدمة ونظرة نارية متوعدة، بينما جلال فصاح بصوت جهوري:
"أنا مش نبهت مليون مرة مفيش خبط بالمنظر ده على الباب." طرقوا رأسهم أرضًا وهتف معاذ بصوت رزين على عكس شقيقه ذو الشخصية المتهورة والجنونية: "إحنا آسفين يا أبوي، مش هتتكرر تاني." ثم رفع رأسه ونظر لشقيقه وأكمل مغتاظًا: "بس أصل عمار عرف أن عمتي آسيا ولدت وكان عايز يقولك عشان تودينا نشوف العيل." رفع عمار رأسه لوالده وقال بحماس طفولي مضحك:
"أيوه يا أبوي، خدنا أبوك يدك خلينا نشوف ولد عمتنا وخالنا، وأوعدك مش هنخبط على الباب تاني أصلًا حتى لو حصل إيه." لانت تعبيرات وجه جلال المتشنجة وهدأت ثورته، فقال شبه مبتسمًا: "روحوا على أوضتكم البسوا يلا." قفز عمار وهو يصيح فرحًا بجنون، بينما معاذ فاكتفى بالابتسامة الهادئة واتجه لغرفته ليرتدي ملابسه. دخل جلال غرفته ثانية وأغلق الباب ليرى فريال تضحك بقوة على تصرفات ابنها الصغير، فيقول لها مغلوبًا:
"معرفش أنا جايب الجنان ده منين، بيخليني أطلع عن شعوري." قهقهت فريال بنعومة ثم استقامت من الفراش وردت عليه بنظرة جانبية مبتسمة: "مش عارفة يعني جايبه منين؟ مهو طالع شبهك، ومعاذ معاذ من خاله عشان كده هما الاتنين دايماً بيتخانقوا زيك أنت وعمران." اقترب منها بتريث ووقف أمامها ثم انحنى عليها وخطف قبلة دافئة من جانب ثغرها متمتمًا بسعادة: "أنا اعتبر الضحك والهزار ده خلاص معدش في زعل." لوت فمها ورمقته بطرف عينها في مكر،
ثم قالت بجفاء متصنع: "هو أنا عشان اتكلمت معاك أبقى خلاص نسيت؟ تحب نرجع مفيش كلام حتى بيننا؟ يمسح على وجهه متأففًا بنفاذ صبر وقال بجدية: "ل علمك المفروض أنا اللي أزعل وأخد على خاطري. لو ناسية أفكرك أن أنتي اللي غلطانة واتصرفتي من ورا ضهري." فريال بثقة وصلابة وهي تعقد ذراعيها أسفل صدرها:
"وأنا اعتذرت منك وكان عندي استعداد أكمل اعتذار لغاية ما تسامحني، لكن أنت جرحتني لما مشيتني من البيت. واحدة غيري كانت هتهمل البيت وتمشي أصلًا، بس أنا عملت حساب أني أنا كمان غلطانة زيك وقررت أعاقبك وأنا في بيتي." يضحك رغمًا عنه وتمتم مرددًا عبارتها: "قررتي تعاقبيني؟ ماشي، وادي عاقبتيني وكيف ما قولتي، إحنا الاتنين غلطنا بزيادة عاد... إحنا كده متصافيين يا فريال؟ ترفع حاجبها مبتسمة بدلال وقال بعناد جميل وهي توليه
ظهرها وتتجه نحو الحمام: "لا، لما تعرف قيمتي الأول وتندم على اللي قولته. لازم أخليك تشتاق لي وأنا جارك عشان بعدين متطلبش مني كده تاني تحت أي ظرف." لحق بها بلهفة وحاوطها من الخلف يحتضنها بغرام حقيقي ويهتف بصوت يملأه الندم والشوق: "ومين قالك أني مندمتش؟ بعدين هتخليني أشتاق لك أكتر من كده إيه؟ بلاش تقسّي قلبك عليا عاد يا حبيبتي، غلطة ومش هتتكرر."
ابتسمت فريال بحب وعاطفة جيّاشة وسكنت لعناقه لها. لكن لم يدم استسلامها سوى للحظات معدودة، حيث رسمت الحزم على تعابيرها مجددًا وابعدته عنها برفق متمتمة: "لا، لسه. أنا مش حاسة أنك اشتقت لي كفاية." تركته واتجهت إلى الحمام وهي تتمايل بغنج في خطواتها، فتظهر منحنيات جسدها الأنثوي لتثير جنونه أكثر. بينما هو فوقف واضعًا كفيه فوق خصره من الجانبين ويهتف مناديًا عليها بغيظ: "فريال!
وقفت عند باب الحمام والتفتت له برأسها وهي تبتسم بدلع وتحرك أصابعها برقة مودعة إياه، ثم دخلت الحمام وأغلقت الباب لتتركه بالخارج بتحرق من شوقه وغيظه منها. داخل منزل خليل صفوان بتمام الساعة الثامنة مساءً، اتجهت جليلة للباب لتفتح للطارق بعدما ظنته ابنها أو فريال. لكن تجمدت مكانها عندما رأت إخلاص أمامها وهي تبتسم له بشيطانية وتقول بود مزيف: "كيفك يا جليلة؟ طالعتها جليلة بنظرة ملتهبة ووقفت بكل جبروت أمامها وشموخ
وقالت بابتسامة متهكمة: "كنت زينة قبل ما أشوفك." قهقهت إخلاص باستهزاء واضح وتمتمت بنظرة يملأها الحقد: "هتفضلي دايماً كارهاني ومبتحبنيش كده عشان عارفة أني أحسن منك." كتمت جليلة انفعالاتها بصعوبة وردت عليها بثبات مزيف يعكس العواصف التي قامت بداخلها من مجرد رؤية تلك المرأة الحرباء: "جاية بيتي ليه يا إخلاص؟ إخلاص ببرود مستفز وثقة تامة: "جاية أشوف ولد ولدي... حفيدي وأطمن عليه."
للحظة كانت ستغلق الباب في وجهها وترفض إدخالها منزلها، لكن لم تفعل وافسحت لها الطريق هاتفة بنظرة مشبعة بالنقم: "دلوقتي ولد ولدك افتكرتيه؟ كنتي فين امبارح طول اليوم وبتي كانت في العمليات؟ ابتسمت إخلاص وقالت بنبرة فظة وقاسية: "أنا ميهمنيش بنتك طالما حفيدي جه الدنيا بخير وسلامة."
اشتعلت عين جليلة بنظرات نارية مخيفة وخرجت من طور ثباتها المزيف لتظهر مخالبها وحقيقتها البشعة والشريرة. حيث غارت على إخلاص وقبضت على رقبتها تخنقها دون شفقة وهي تهددها بصوت أقرب لفحيح الأفعى: "اسمعي يا ولية يا سوء انتي، أنا دلوقتي هخليكي تطلعي تشوفي حفيدك ده اللي هامك قوي، بس قسماً بالله لو قولتي لبنتي كلمة ولا عملتي أي حاجة تضايقها، لادفنك في أرضك ومفيش حاجة هتهمني، فاهمة ولا لأ؟
دفعت إخلاص يد جليلة عنها بعنف وأخذت تسعل بقوة وهي تصيح بها غاضبة: "أنتي اتجننتي في نافوخك ولا إيه؟ أنتي عايزة تموتيني يا مجنونة؟ جليلة بنظرة مرعبة ومحذرة: "اطلعي شوفي ولد ولدك يا إخلاص قبل ما أطردك ومخليكيش تشوفيه أصلًا." نظرت لها بوعيد شيطاني وغل وبغض حقيقي متمتمة: "ماشي يا جليلة، مبقاش أنا إخلاص الصاوي أما دفعتك تمن اللي عملتيه معايا ده."
دفعت إخلاص للأعلى حيث الطابق الثاني تجاه غرفة آسيا ووقفت أمامها ثم دخلت دون إذن. فزعت آسيا عندما رأت إخلاص أمامها وبمنزلهم وكانت خلفها أمها. هتفت آسيا تسألها بذهول: "بتعملي إيه هنا؟ ردت إخلاص ببرود مستفز وعينان تبحث عن حفيدها في الغرفة: "جاية أشوف الغالي ولد الغالي."
سقطت عينها على الفراش الهزاز الصغير بجوار فراش آسيا والنائم به حفيدها الصغير، فاتجهت نحوه بعينان تلمع من السعادة. وبينما كانت على وشك أن تنحني عليه وتحمله، صرخت بها آسيا برعب ووقفت حائل بينها وبين فراش ابنها تقول بغضب وخوف: "بتعملي إيه؟ بعدي عن ولدي متقربيش منه! ضيقت إخلاص عينيها باستغراب والتفتت تجاه جليلة التي كانت تنظر بنفس علامات الاستفهام والحيرة. ثم عادت بوجهها لآسيا مجددًا وابتسمت بسخرية تقول:
"مقربش منه ده إيه؟ حفيدي وعايزة أشوفه وأخده في حضني، مالك يا بت خليل هتمنعيني عن ولد ولدي ولا إيه؟ وقفت آسيا أمامها بكل شراسة وقالت بنظرة مميتة: "آه، همنعك ومش هتقربي من ولدي يا إخلاص. لو أنتي نسيتي، فأنا لسه فاكرة." فهمت إخلاص ما تلمح إليه، فتقوست تعابير وجهها باحتدام شديد وقالت في نبرة صوت رخيمة وابتسامة متكلفة لتهدأ من حدة الأجواء: "ده موضوع وخلص يا آسيا... دلوقتي ولد ولدي جه على الدنيا ومفيش حد فرحان بيه قدي."
ضحكت آسيا بقوة في استهزاء منها وصرخت بصوت جهوري مرعب: "أنتي فكراني هبلة هتضحكي عليا؟ قلتلك مش هخليكي تلمسي ولدي." في تلك اللحظة تحديدًا، كان عمران وصل بالأسفل مع جلال بعدما تقابلوا أثناء طريقهم للمنزل. سمع كل منهم صوت صياح آسيا المرتفع، وكان عمران يسبق جلال في الركض للأعلى مفزوعًا ومرتعدًا على زوجته وابنه. وقف بالغرفة وهو يلهث أنفاسه وينظر لأمه وزوجته وهم يقفون أمام بعض بتحدي في دهشة. بينما إخلاص فالتفتت تجاه
ابنها وهتفت بحرقة وغضب: "مرتك مش عايزاني أشيل ولدك يا عمران، بتقولي مش هتقربي منه ولا تلمسيه." نظرت آسيا لزوجها بكل جبروت وبدت مصممة على قرارها. أخذ عمران نفسًا عميقًا بعدما فهم سبب تصرف آسيا واتجه نحوهم لخطوات متريثة وبهدوء مريب، ثم اقترب من فراش ابنه وانحنى عليه ليحمله بين ذراعيه ويضمها لحضنه مقبلًا رأسه بحنو مبتسمًا، ثم انتصب في وقفته ونظر لآسيا بحدة يقول:
"بعدي يا آسيا، مينفعش اللي بتعمليه ده ولا يليق بيكي يا بت الأصول." رمقته بنارية وغل ومدت يدها لتجذب ابنها من بين ذراعيه هاتفة: "هات الواد يا عمران، أمك مش هتقرب من ولدي ولا تلمسه." مال بنصف جسده العلوي بعيدًا عنها وهو يضم صغيره بحضنه وينظر لها بحدة ويقول بصوته الرجولي يحذرها: "آســيــا." كانت جليلة ساهمة بالاندفاع نحوهم والدفاع عن ابنتها والوقوف بصفها، لكن جلال قبض على ذراعها يمنعها بنظراته الصارمة وهو يهمس:
"استنى يا أمي، ملكيش صالح." راقبت آسيا عمران وهو يضع ابنها بين ذراعي جدته بنظرات محتقنة ومتلألأة بالعبرات. التزمت الصمت المؤقت وسكنت وهي تراقب تفاعل إخلاص وفرحتها الحقيقية وهي تمطر حفيدها بوابل من قبلاتها الدافئة. كانت إخلاص تتأمله بعينان دافئة كلها حب صادق، وللحظة كرهت نفسها لأنها حاولت قتله والتخلص منه. ندمت أشد الندم بعدما وضعته بين ذراعيها. رفعت رأسها لعمران وقالت له بعين يملأها العبرات:
"فولة واتقسمت نصين، هيطلع راجل ليه هيبته وشنته ورنته كيف أبوه." ابتسم لها عمران بحب ومسح على كتفها بود، بينما هي فظل تداعب في حفيدها الصغيرة وتقبله لدقائق، ثم أعادته لأحضان أبيه مرة أخرى وهي تردد بصدق: "يتربى في عزك يا ولدي، وعقبال ما تفرح بيه وبشهادته وجوازه." حمل ابنه بين ذراعيه ورد على أمه بابتسامة عذبة: "آمين يا أمي." تنهدت إخلاص ثم نظرت لآسيا وقالت على مضض وهي تهم بالانصراف: "حمد لله على السلامة."
رمقته آسيا شزرًا، ثم راقبتها وهي تغادر الغرفة بوعيد شيطاني، ولحقت بها جليلة، وكذلك جلال غادر وترك آسيا وعمران بمفردهم. انحنى عمران على فراش ابنه ووضعه به برفق، ثم اتجه نحو باب الغرفة واغلقه وعاد بخطواته لآسيا التي كانت ترمقه بنظرة خزي وكره. ليهتف صائحًا: "بتبصيلي كده ليه؟ إيه أنتي عايزاني أحرم ولدي من جدته؟ اندفعت نحوه ثائرة وصاحت بقهر: "آه، جدته اللي كانت هتحرمك منه وكانت هتسقطني وتموته." عمران بنفاذ صبر وسخط شديد:
"لسه في الموضوع ده، مش هنخلص منه! حدقته بشراسة وقالت بتحدي وعناد يليق بأنثى متجبرة مثلها: "مش هنخلص، وأنا النهاردة سكت وعديت اللي حصل، بس أمك مش هتقرب من ولدي تاني." عمران بعصبية حقيقية: "أنتي اتجننتي في نافوخك ولا إيه؟ نظرت له بخزي وعين متلألأة بعبرات الانكسار والقهر وهمست:
"كان نفسي تخيب ظني مرة واحدة وتقف جاري، لكن كيف كل مرة بتقف في صف أمك وبتاجي عليا أنا ومش بتنصفني. بتخليني أحس نفسي عريانة ومليش ضهر أتحامى فيه. بحس إني وحيدة أنا وولدي." اتسعت عيني عمران بدهشة من كلماتها المأساوية وقال لها بانزعاج بسيط محاولًا الدفاع عن نفسه في قلة حيلة: "أنا عملت إيه لكل ده؟ أنتي عايزاني أعمل إيه يعني؟ مهو من جهة أنتي وولدي ومن جهة أمي، وأنتوا الاتنين مقدرش أخسركم."
ابتسمت بتهكم وعينان غارقة بالدموع، ثم دفعته في صدره وهي تضربه بغل متمتمة: "أنت خسرتني أصلًا من بدري. اطلع برا، مش عايزة أشوفك... اطلع! كانت تضربه في صدره تحاول دفعه تجاه الباب، لكنه كان كالحصن يقف شامخًا وصلبًا، ودفعاتها لا تؤثر به، فصرخت به بهستيريا وبكاء شديد: "اطلع برا قلت لك، مش عايزك... اطــ..لــ..ع برا! احتضن كفيها بين يديه الكبيرة ليمنعها عن ضربه أكثر وهو ينظر في عينيها بلهيب مرعب ويصيح بها:
"أنتي أكتر واحدة عارفة أنا كيف كنت بحبك وعاشقك وبتمناك كل ليلة تكون مرتي وجاري." ارتخت أعصابها المتشنجة واتسعت عينيها بصدمة مرددة كلمته: "كنت!!! تجاهل كلمتها وتابع بانفعال وجموح غريب وهو يخرج ما دفنه بقلبه منذ سنوات، يخرج كل البشاعات التي كانت تؤرقه كل ليلة في فراشه وتجرحه من أعمق نقطة في قلبه:
"أنتي لما اتخطبتي للـ**** ده، كنتي عارفة إني بحبك وعارفة إني اتكلمت مع عمتي وكنت ناوي آجي أتقدملك. بس أول ما لقيتي فرصة أحسن وأحلى وواحد هيريحك بالفلوس، خدتيه هو ومهتمتيش بيا. كنت بتعذب وأنا بحاول أنساكي ومش عارف. وآخر حاجة خطبت على أمل إني أطلعك من قلبي وأحب خطيبتي." سكت للحظة ثم تابع بنظرة حزينة ونبرة مريرة:
"بس كنت بضحك على نفسي ولقيت نفسي بظلم الغلبانة مريم معايا وهي ملهاش ذنب. ورغم إني عارف كل ده عنك وعارف إنك اخترتيه هو ومهتمتيش بيا أنا، وافقت أكمل معاكي لما فسختي خطوبتك من كتر حبي ليكي، وقولت معلش غلطت وكلنا بنغلط وهي لسه قليلة الخبرة، واكيد عرفت أن محدش هيحبها قدي وقررت إني أسيب خطيبتي وأكمل معاكي أنتي ونتجوز. بس اللي حصل غير كل حاجة. وأنتي دلوقتي بتتهميني وتقوليلي أني أناني ومش بحبك بعد كل ده."
امتلأت عين رحاب بعبرات القهر والصدمة ثم تمتمت بصوت مبحوح وخافت: "ياه، كل ده شايله في قلبك ومعبي مني. بس عموماً، أنا مش هجبرك تكمل معايا وتسيب خطيبتك عشاني يا بشار. خلاص، كل واحد يروح لحاله." أنهت عباراتها واستدارت وهي تندفع لخارج الغرفة والوكالة بأكملها مسرعة وتبكي، بينما هو فوقف مكانه لثواني يستوعب ما حدث للتو وما قاله دون وعي. فمسح على وجهه متأففًا ولحق بها ركضًا وهو يصيح مناديًا عليها: "رحـــاب، استني...
رحــــاب." ولكنه تأخر عنها فقد كانت غادرت بالفعل الوكالة وتسير في الطريق مسرعة باتجاه منزلها، فظل بأرضه يمسح على شعره بعصبية وندم على السخافة التي تفوه بها. بمنزل إبراهيم الصاوي...
وصل عمران للمنزل بعد عودته من منزل خليل من عند زوجته وابنه. قاد خطواته بثقل تجاه الدرج من فرط التعب والإرهاق طوال اليوم. ثم صعد درجات السلم حتى وصل للطابق الثاني. لا يعرف لماذا قدميه قادته تجاه غرفة أمه بدلًا من غرفته، لكنه كان ينوي التحدث معها عن ما حدث بمنزل خليل. وصل إلى باب غرفتها ورفع يده ليكرف على الباب قبل أن يدخل، لكن كف يده توقف في الهواء عندما سمعها وهي تتحدث في الهاتف مع منى وتضحك بشماتة متمتمة:
"لو كنتي شوفتي وشها يا منى لما عمران خد من يدها الواد وحطه في حضني غصب عنها، كانت هتولع من غيرتها وغيظها." أنزل كف يده المعلق في الهواء ببطء شديد بعدما جذب انتباهه موضوع حديثها مع منى وقرر أن يسمعه للنهاية. فوجدها تكمل بعدما جاءها الرد من الأخرى: "متقدرش تعمل حاجة، عمران هيطلقها خلاص. أنا مش قلت لك مبقاش أنا إخلاص الصاوي أما بعدت الحرباية دي وخلصت ولدي منها خالص. وأهم هيطلقوا كيف ما قلت يا بتا."
اختفى صوتها للحظات ثم تابعت بنبرة حماسية وشيطانية: "يطلقها بس ونخلص منها ومتقلقيش، أنا هفضل ورا عمران لغاية ما يتقبلك ويوافق يتجوزك وتبقى أنتي مرات المعلم عمران الصاوي يا غالية." لحظات أخرى وصدح صوتها بالكلمات التي كانت بمثابة نقطة النهاية والتي جعلت البركان الخامد في ثناياه ويحاول السيطرة عليه ينفجر، وستكون هي من أول ما يطولها حممه النارية:
"عمران ما يعرفش ومش هيعرف، هي كام مرة تحاول تقوله عشان تخليه يصدق أني أنا اللي زقيتها من على السلم وهو مش مصدقها، وحتى التسجيل اللي سجلته ليا أنا مسحته. يعني الحرباية دي بت جليلة مش هتقدر تفرقني عن ولدي مهما عملت." فتح الباب فجأة على مصراعيه، فانتفضت هي فزعًا والتفتت خلفها لترى ابنها يقف كالثور الهائج وتعبيرات وجهه لا تنم عن خير أبدًا. فازدردت ريقها بتوتر وقالت: "عمران!! ..........
نهاية الجزء الأول من الفصل ...........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!