تجمدت بأرضها وتعابيرها الرقيقة احتلها الاضطراب الشديد من نظراتهم الغريبة لها، جميعهم كانت أعينهم مسلطة على ملابسها ومظهرها المنافي للعادات والتقاليد والدين، كانت ترتدي ثوبًا قصيرًا يصل للركبة من اللون الأخضر وبحمالات عريضة بالكاد تغطي اكتفاها، وشعرها الأسود الناعم ينسدل بانسيابية على ظهرها وذراعيها، بشرتها بيضاء وناعمة وملامح وجهها كانت ملفتة للنظر من فرط رقتها وجمالها.
ظلت واقفة مكانها وهي تتنقل بنظرها بينهم والخجل تملكها من أعينهم التي تتفحصها بتدقيق، حتى أخيرًا رأت جدها والذي كان الوحيد الذي تعرفه شكلًا من بينهم يقف ويفتح لها ذراعيه مرحبًا بها بابتسامة وجه دافئة. "حمدلله على السلامة تعالي تعالي يابنت الغالية تعالي."
تقدمت نحو جدها بخطوات بطيئة وفور وصولها له جذبها لصدره معانقًا إياها بحنو وهو يقبل شعرها، رغم أنه مثل الجميع كان ممتعضًا من ملابسها إلا أنه تريث ولن يرغب في تعكير صفوها فور وصولها. ابتعدت هي عن جدها وابتسمت له برقة فقال حمزة بعينين لامعتين بالسعادة لرؤيتها: "عاملة إيه يابتي.. ماشاء الله عليك." ردت عليه بصوت خافت ونبرة أنثوية ناعمة: "أنا fine يا جدو الحمدلله." لف حمزة ذراعه حول كتفها وهو يديرها للجميع متمتمًا
بابتسامة: "طبعًا انتي متعرفيش حد واصل من اللي قاعدين." تجولت بعينيها البنية على وجوههم في توتر وعندما استقر نظرها بمحض الصدفة على "علي" الجالس تحديدًا على يمينها ورأت عينيه التي تتفحصها بحدة وانزعاج شديد فاضطربت أكثر وردت على جدها بابتسامة باهتة: "أه بس أنا مبسوطة إني شوفتهم."
حثها حمزة على الجلوس، وكان أقرب مقعد لها هو المجاور لـ "علي" فتوقفت وراحت تنقل نظرها بين المقعد وبينه بارتباك واستسلمت في النهاية وجلست لكنها كانت تزحف بالمقعد بعيدًا عنه قدر الإمكان، وبيدها كانت تجذب ثوبها للأسفل لتغطي قدميها فنظراتهم لها أشعرتها وكأنها عارية. انتشلها من خوفها الشديد صوت جدها وهو يشير أولًا إلى جلال ليعرفها على العائلة: "ده جلال ابن خالك خليل الله يرحمه."
ابتسمت لجلال بتكلف، رغم أن تعابيره لم تكن مرعبة بقدر التي فوق وجه "علي"، لكنها كانت مريبة وأربكتها فاكتفت بهز رأسها له مع ابتسامتها، ثم انتقلت يد الجد على فريال وهو يعرفها على أنها زوجة جلال، ولم تندهش فقد توقعت منذ البداية أنها زوجته فهي تنظر لها بكره غريب وكأنها صائدة رجال جاءت لتأخذ زوجها منها. وعندما أشار حمزة على آسيا قال بابتسامة محبة: "ودي بتي الغالية التانية أخت چلال."
الوحيدة آسيا التي لم ترَ في نظراتها أي من الخنق أو الاشمئزاز ورغم أنها ترمقها بفضول وتعجب، لكنها فورًا ابتسمت لها بود فبادلتها الابتسامة بسرعة وكأنها أخيرًا وجدت شخصًا طبيعيًا آخر غير جدها في هذه العائلة الغريبة وراحت تهتف برقة محدثة آسيا: "nice to meet you آسيا." لم تكن آسيا علاقتها بالإنجليزية جيدة ووجدت صعوبة في فهمها لكنها توقعت أنها تقول شيئًا جيدًا فردت عليها ضاحكة: "وأنا كمان مع أني مش فاهمة."
تنهدت الصعداء براحة بعدما تحدثت لآسيا لكن سرعان ما اختفى ذلك الاطمئنان عندما تحول نظرها لجليلة التي كانت تنظر لها بعينين فاحصتين أرعبتها وعرفت بالنهاية أنها زوجة خالها خليل ووالدة جلال وآسيا، لم تبتسم لها حتى من فرط خوفها منها وكانت تحاول تخطيها بأي شكل، وليتها لم تفعل فقد سقطت عينيها على امرأة مرعبة أكثر منها وهي إنصاف كانت تنظر لها بنفس النظرات الفاحصة لكنها كانت ممتلئة بالاستهجان رغم أنها كانت تبتسم لها لكن نظراتها كانت تقول كل ما بصدرها، وعلمت أنها أيضًا زوجة خالها الثاني منصور الذي يبدو أنه لا يشاركهم هذه الأمسية المرعبة.
وأخيرًا هتف الجد وهو يشير لغريب الأطوار الجالس بجوارها: "وده علي واد خالك منصور، هو وچلال رچالة البيت إهنه من بعد." تعمدت تفادي النظر له خوفًا من نظراته لها وثبتت عينيها على جدها وهي تبتسم له برقة، بينما علي فكان يرمقها بخنق وبالأخص لأنها تجلس بجواره فكان يرى كل شيء بوضوح بداية من ذراعيها حتى قدميها العارية وراح يتأفف بصوت مسموع هامسًا بينه وبين نفسه: "استغفر الله العظيم يارب." دام صمت للحظات بينهم ثم قال حمزة بدفء:
"مدي يدك وكُلي يابتي تلاقيكي متعشتيش." هزت رأسها له بالرفض المهذب وهي تقول بمعالم وجه مضطربة ونظرات زائغة: "لا أنا tired ومحتاجة أخد rest يا جدو معلش." رأت حمزة يرمقها بعدم فهم وعندما التفتت لهم رأت نفس علامات الاستفهام على محياهم فقالت بتوضيح أكثر وابتسامة مرتبكة: "قصدي تعبانة ومحتاجة أرتاح شوية من السفر يعني مش جعانة ميرسي." هز رأسه بتفهم وأشار لآسيا بنظره وهو يقول:
"قومي يا آسيا خديها يابتي وريها أوضتها خليها ترتاح." أومأت آسيا لجدها بالموافقة واستقامت واقفة وفعلت كذلك هي الأخرى وتحركت بسرعة باتجاه الدرج وكأنها تهرب من نظراتهم وقبل أن تلحق آسيا بها سمعت صوت جدها وهو ينده عليها فاقتربت منه ومالت عليه عندما طلب منها أن تميل حتى لا يسمعه أحد ووجدته يقول بجدية: "شوفيلها حاچة زينة وحشمة تلبسها بدل الخلچات المخلعة اللي لابساها دي." أومأت آسيا ضاحكة وردت على جدها بابتسامة خفيفة:
"حاضر يا جدو." فور رحيلهم هتفت جليلة محدثة حمزة بحزم: "إيه اللي البت لبساه ده يابوي! رد حمزة بجدية ولهجة قوية: "يعني هطلعها تغير خلچاتها من أول ما تدخل يا جليلة؟ چرا إيه، البت اترعبت منكم ومن عيونكم دي ضيفة." هتف علي بغضب: "هي كانت چاية قصاد الخلق بالهدوم دي؟ نظر حمزة لعلي وقال بنظرة صارمة: "چات بعربية مخصوص." تابع علي منزعجًا: "هو أبوها بيخليها تطلع إكده هناك كيف؟ بدأت الحنق تتملك حمزة الذي رد بحدة:
"احنا ملناش صالح بابوها ولا لما كانت هناك، هي رچعت لينا دلوك والوضع هيختلف، محدش له صالح بيها أنا عارف هتكلم معاها كيف." التزم الصمت على مضض وهو يهمس بصوت منخفض لكن وصل لأذن حمزة: "ادي اللي ناقص كمان تطلع قصاد الخلق بالمنظر ده أصل احنا ناقصين فضايح." صاح به حمزة منفعلًا وبلهجة آمرة: "علي، اقفل خشمك ومتتكلمش ولا كلمة زيادة فاهم ولا لأ، قولت محدش له صالح دي بت بتي وأنا هتصرف معاها بطريقتي والكلام للكل فاهمين."
كان جلال يلتزم الصمت ليس لأن الأمر كان على هواه ولكنه فضل الصمت حتى لا يفتح على نفسه بابًا جديدًا للجدال والنكد بينه وبين زوجته. *** داخل منزل إبراهيم الصاوي...... بعد رحيل داليا وابنتها، صعدت إخلاص لغرفتها فورًا فلحق بها عمران ليتحدث معها قليلًا، وقف أمام باب غرفتها وطرق عدة طرقات خفيفة حتى سمع صوتها من الداخل وهي تهتف بـ "ادخل"، ففتح الباب ودخل وهو يبتسم لها بحنو.
بادلته الابتسامة الأمومية الدافئة، تقدم إليها وجلس بجواره على الفراش ثم التقط كفها وقبل ظاهره متمتمًا: "عاملة إيه ياما؟ ردت عليه بملامح وجه عابسة: "زينة يا ولدي الحمدلله." ابتسم لها بعطف وأردف برزانة: "ياما معلش استحملي واتقبلي داليا عاد، اللي حُصل حُصل والبت الصغيرة ملهاش ذنب في حاچة، هي محتاچة تحس بوجود عيلتها واخواتها حواليها وحقها." ظهر الخنق فوق معالم إخلاص وقالت بعصبية:
"أنا معنديش مشكلة مع البت الصغيرة بس مش عاوزة أشوف اللي ما تتسمي داليا دي واصل." عمران بنفاذ صبر: "ولغاية ميتا يعني مهو ده بيت چوزها ياما وهي كانت عاوزة تقعد إهنه وأنا اللي رچعتها بيتها عشان المشاكل." صاحت إخلاص بقهر: "وتقعد إهنه ليه وأبوك مشترليها شقة بحالها باسمها هي وبته." تمسح على وجهه متأففًا بقلة حيلة، بينما هي فتابعت بعينين ممتلئتين بالعبرات وصوت متحشرج:
"أنا لغاية دلوك بسأل روحي أنا قصرت مع أبوك في إيه عشان بتچوز عليا تلات مرات، ويخليني أعيش مع ضرتي في نفس البيت وفوق من ده كله اتچوز التالتة في السر من ورانا واشترالها شقة بحالها ليها وحديها." ارتخت تعابير وجه عمران وتحولت للحزن والشفقة واقترب من أمه يقبل جبينها بمحبة ودفء متمتمًا:
"أنتي ست الكل إهنه ومقصرتيش في حاچة، كفاية إنك ربيتي عياله أحسن تربية واستحملتي كل ده، وصدقيني ملوش لازمة الكلام ده دلوك ياما هو خلاص معدش وسطينا والحاجة الوحيدة اللي محتاجاها وهتنفعه هي الرحمة والدعاء." سالت دموعها رغمًا عنها حزنًا على حالها وشوقًا له رغم كل شيء. أما عمران فمد أنامله ومسح عبراتها بلطف وعاد يقبل جبينها ويدها مرة أخرى حتى سمعها تسأله باهتمام: "آسيا هتقعد لغاية ميتا عند ناسها؟ رد بصوت رجولي صارم:
"بالكتير بكرا وترچع يا ما." تجمعت العبرات في مقلتيها مجددًا وهي تقول له: "اوعاك تكون مصدق اللي قالته يا ولدي وأني زقتيها من فوق السلم صُح! أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا حارًا قبل أن يهتف بخنق ملحوظ: "لا ياما مش مصدق بس بردك معرفش إيه اللي يخليها تكدب وتقول إكده وآسيا مش من عادتها تكدب في الحچات اللي زي دي." أشارت إخلاص لنفسها بدهشة وقد انهمرت دموعها فوق وجنتيها أخيرًا:
"يعني هكون أنا اللي زقتيها يا ولدي وكنت قاصدة أموت ولدك اللي في بطنها." عمران بضيق مصححًا له مقصده: "ياما مش قصدي أنا بقولك إيه اللي يخليها تقول إكده، يعني أنتوا كنتوا بتتكلموا مع بعض مثلا وقت ما وقعت؟ ارتبكت إخلاص وتلعثمت في الرد عليه لكنها استجمعت شجاعتها وردت عليه ببكاء تخفي به حقيقتها الشيطانية:
"ايوة كنا بنتكلم وهي بعد إكده سابتني وكانت نازلة السلم فوقعت، يمكن عشان إكده بتقول أن أنا اللي زقتيها وافتكرتني أنا اللي وقعتها يا عمران، وأنت عارف علاقتنا أنا وهي مش قد إكده فهي ما صدقت تلاقي حاچة تمسكها عليا بس أنا والله ما قربتلها يا ولدي وعمري ما أفكر أذي مرتك وولدك ده أنا فرحانة بيه ومستنياه كيف ما أنت فرحان بالظبط."
ارتخت تعابير وجهه وراح يستغفر ربه بضيق عندما رأى بكائها الشديد ومد يده يربت فوق ذراعها بحنو متمتمًا: "خلاص ياما، اللي حُصل حُصل الحمدلله أنها بخير وأنا هتصرف مع آسيا بزيادة بكا عاد." هزت رأسها له بالموافقة وهي ترفع أناملها وتجفف دموعها بينما هو فاستقام واقفًا وقال بخشونة: "أنا هروح أنام عاوزة حاچة مني؟ أجابته بالرفض ونبرة محبة: "لا يا حبيبي عاوزة سلامتك تصبح على خير." "وانت من أهله."
فتح الباب وغادر وتركها بمفردها تحدق في الفراغ بشرود تفكر في آسيا التي تحاول إفساد العلاقة بينها وبين ابنها وراحت تتوعد لها بنقم. *** داخل غرفة جلال كان يقف بالشرفة يتحدث في الهاتف بانزعاج شديد ونبرة مرتفعة قليلًا وهو يقول: "يا عمي أنت خليك في البيت ومتطلعش منه ومتقلقش مفيش حد منهم هيعرف يوصلك." هتف منصور بغضب: "ولغاية ميتا ماهو مسير عمران والحكومة تعرف مكاني يا چلال." جلال بلهجة رجولية حادة:
"أنا سبق وقولتلك سلم نفسك وده أسلم حل وقضي الكام سنة اللي هتاخدهم وخلاص لكن أنت رافض." صاح منصور منفعلًا: "مش هسلم نفسي وأنت اعمل كيف ما قولتلك أنا اتكلمت مع 'علي' وأنت ظبط معاه طريقة عشان أطلع بيها من البلد إهنه واص." مسح جلال على وجهه وهو يزفر بخنق محاولًا البقاء هادئًا: "طيب يا عمي ربنا يستر." التفت مفزوعًا على صوت فريال التي كانت تقف خلفه وتسأله بنظرات دقيقة: "بتكلم مين يا چلال؟ أنهى الاتصال مع عمه ثم رد
عليها بإيجاز بوجه منزعج: "شغل يا فريال." دقق النظر فيه أكثر وقالت بريبة: "ومالك متعصب إكده ليه.. في مشكلة ولا إيه؟ هتف جلال بعصبية بسيطة ونفاذ صبر: "مش متعصب ولا حاجة." تقدمت خطوة منه وهي تتمنعه بشك وجدية متمتمة في ضيق حقيقي: "چلال أنت مخبي عليا حاجة؟ صاح بها منفعلًا من إلحاحها وأسألتها المثيرة والتي أزعجته أكثر: "ما قولتلك مفيش حاجة يا فريال هو تحقيق ولا إيه!
فزعت من صيحته المرتفعة بها ولا إراديًا تقهقرت خطوة للخلف وهي تحاول الثبات أمامه والتصرف وكأن الأمر بسيط، رغم من أن تعابير وجهها تحولت للعبوس والحزن الشديد ردت عليه بجمود غريب: "طيب العيال عايزين يقولولك حاجة." ولم تمهله اللحظة ليتدارك عباراتها ويسألها ماذا يريدون الأولاد حيث التفتت برأسها تجاه الباب وصاحت: "معاذ.. عمار.. تعالوا."
انفتح الباب ودخلا الأثنين وهم يسيرون بخطى متعثرة وبطيئة أمام والدهم، حتى وقفوا على بعد سنتيمترات منه وهم يعقدون أذرعهم خلف ظهرهم وانظارهم عالقة على الأرض، أما فريال فكانت تقف تراقبهم بابتسامة دافئة منتظرة منهم أن ينفذوا اتفاقهم، وماهي إلا لحظات حتى هتفوا معًا في صوت واحد: "احنا آسفين يا بوي.. آخر مرة ومش هنكررها تاني."
ارتخت تعابير وجه جلال بعدما كانت متشنجة وهو يتأملهم بنظراته وهم يقفون أمامه لا يرفعون نظرهم في وجهه خجلًا وندمًا، أما معاذ فقد رفع نظره لأمه فوجدها تشير له بعينيها أن يكملوا ما اتفقا عليه، ففعل على الفور واقترب من والده ولحقه عمار وكل منهم أمسك بيد من يدي أبيهم وقبلوا ظاهرها وهم يهتفون: "متزعلش مننا."
ظهر شبح الابتسامة الأبوية على ثغر جلال لا إراديًا فقد استطاعوا بلحظة تبديل مزاجه، مسح بيده على شعر كل منهم وانحنى على رأسهم يقبلهم هاتفًا: "انتوا إكده عيالي الرچالة، طالما عرفتوا غلطكم وندمتوا وبتعتذروا أنا مش زعلان منكم خلاص."
رفعوا هم الاثنين نظرهم لوالدهم وشقت الابتسامة العريضة طريقها لوجههم ثم راحوا يتبادلوا النظرات من أمهم بسعادة التي كانت تتابعهم بابتسامة محبة، ارتموا على والدهم يعانقوه بحرارة وفرحة فضحك هو وضمهم إليه بدفء، وعندما التقت عينيه بعيني فريال رآها تشيح بنظرها عنه للجهة الأخرى في سخط فتنهد الصعداء مغلوبًا وابعد أولاده عنهم بلطف وهو يهتف لهم بجدية: "يلا روحوا انتوا دلوك عشان عاوز أتكلم مع أمكم شوية."
تبادلوا النظرات المتعجبة فيما بينهم لكنهم امتثلوا لوالدهم وهزوا رؤوسهم له بالموافقة ثم استداروا وغادروا الغرفة بأكملها. استدارت فريال وولته ظهرها بدلال جميل وهي عاقدة ذراعيها أسفل صدرها وتزم شفتيها وترسم تعابير الامتعاض على وجهها باحترافية، فابتسم هو وتقدم إليها ثم لف ذراعيه حولها من الخلف معانقًا إياها وهو يهمس بجانب أذنها في صوت رجولي ساحر وانفاسه الحارة تلفح بشرتها الناعمة فتقشعر بدنها:
"حقك عليا يا فريالي مقصدش أتعصب عليكي." رفعت رأسها قليلًا بغنج وتمنع لطيف ترفض النظر له فضحك بصمت وراح يضع يده فوق بطنها المرتفعة متمتمًا وهو يقبل كتفها بغرام: "متزعليش مني يا أم وصال." ضيقَت عينيها بتعجب عندما سمعت الاسم الذي وضعه لابنتهم فالتفتت برأسها له تحدقه بنظرات مستفهمة ليتابع هو بعيون تفيض عشقًا:
"وصال هو أكتر اسم لايق عليها، لولاها يمكن مكنش أرچعنا لبعض تاني.. هي اللي چمعتنا تاني رغم كل المسافات والمشاكل اللي كانت بينا." امتلأت عيني فريال بهيام وهي تتأمله وارتسم ثغرها الجميل بابتسامتها، فاستدارت له بجسدها كاملًا وهمست في صوت أنثوي ناعم: "حلو قوي يا چلال."
ثم انحنت عليه وقبلته من وجنته بكل رقة وهي تتطلعه بنظراتها الساحرة التي تأثره وتسلبه عقله، فانحنى عليها ببطء وكأنه مغيب وسط ابتسامة ثغره العاشقة والمشتاقة لكن فجأة انتفضوا على صوت طرق الباب وصوت عمار وهو يهتف بصوت مرتفع: "أبـويا." اشتعلت عيني جلال وراح يصيح بابنه منفعلًا: "ولاد ال**** دول دايمًا كدا.. أنا مش قولت بتكلم مع أمكم." هتف عمار بخوف بسيط من غضب أبيه: "چدي حمزة قالي اندهك يا بوي، عايزك ومستنيك تحت."
تأفف بخنق وهتف بخشونة: "خلاص، امشي." ابتعدت فريال عنه وهي تضحك وتربت فوق كتفه بحنو متمتمة في غنج: "أنا هروح أشوف آسيا وأنت روح شوف چدك عاوزك في إيه." تستفزه بتلك النظرات أكثر ولولا جده الذي طلبه لم يكن ليتركها أبدًا، راقبها بنظراته الجريئة وهي تتجه نحو الباب وتغادر وبين كل خطوة والأخرى تلتفت له وتضحك بدلع فتزيد من غيظه وتوعده لها عندما يعود. *** داخل منزل إبراهيم الصاوي......
كان بلال يجلس بغرفة الجلوس التي بالطابق الثالث ويجري اتصال بحور التي لم تجيب عليه إلا بعد إلحاح وإصرار منه ورنين كثير. أصدر هو زفيرًا حارًا بسعادة فور توقف الرنين وفتح الاتصال، وصله صوتها الرقيق وهي تقول بجفاء متصنع: "افندم خير." رد عليها بلوعة وابتسامة وجه واسعة: "اتوحشتك ياحور." تلونت وجنتيها بحمرة الخجل وهي تضحك بصمت في حب لكن حافظت على موقفها وردت عليه بحدة مزيفة:
"أنت هتاكل بعقلي حلاوة وتثبتني يعني بالكلمتين دول مثلا؟ كبح ضحكته صعوبة وتابع وهو تغزله العاشق بها هاتفًا بولع: "ده أنتي اللي واكلة عقلي وتفكيري كله والله." ذابت تمامًا ولم تتمكن من الصمود أكثر أمام سيل مشاعره العاطفية التي يغمرها بها فأجابته مغلوبة: "عايز إيه يا بلال؟ لمعت عينيه بوميض السعادة عندما تأكد من استسلامها وأنه نجح في نيل رضاها فقال ضاحكًا بمرح: "كل خير يا چميل.. بطمن على مرتي المستقبلية."
هزت رأسها بقلة حيلة منه وهي تضحك بصمت وتجيبه متهكمة: "احنا لسا حتى مفيش حاجة رسمي بتربطنا وخطوبتنا بكرا وتقولي مراتي.. ده أنت غريب أوي." تابع مرحه وهو يشرح لها وجهة نظره بكل ثقة: "وهي الخطوبة دي إيه مش وعد بالزواج.. يعني أنا معتبرك مرتي من زمان قوي ومجهز أسماء عيالنا كمان." هزت رأسها وهي تمط شفتيها بسخرية من تفكيره وتضحك مجيبة إياه: "امممم عيالنا ماشاء الله وإيه كمان؟ قهقه برجولية ساحرة ثم تابع بخبث وجرأة وقحة:
"وحاجات كتير قوي عاد تاني.. بس مش هينفع أتكلم عشان الرقابة." اتسعت عينيها بصدمة على كلماته التي تحمل معاني منحرفة وصاحت به بغضب وخجل شديد: "أنا غلطانة إني رديت عليك أصلا.. سلام يا بلال." هتف بسرعة معتذرًا قبل أن تغلق الاتصال في وجهه: "لا سلام إيه أنا آسف.. ده أنا بهزر والله يا حورية." هتفت حور بلهجة صارمة ومستاءة: "مش هتقول حاجة تاني يعني وهتفضل محترم؟ بلال بإيجاز ونفس النبرة المرحة التي كان يتحدث بها منذ قليل:
"أه أوعدك هفضل محترم لغاية كتب الكتاب بس." قالت مغتاظة: "تــاني! صاح متعجبًا بصوت رجولي مميز: "إيــه أنا قولت إيه!!! كتمت بكفها ضحكتها التي كانت ستنطلق منها لا إراديًا على صيحته ونبرته الغريبة، بينما هو فتابع وراح يسألها بحماس ولهفة عن ماذا ستفعل في خطبتهم غدًا وماذا سترتدي وما التجهيزات التي فعلتها، فأخذت هي الأخرى تسرد عليه بحماس مماثل وتسأله هو أيضًا نفس الأسئلة. ***
داخل غرفة عمران، كان جالسًا على الأريكة وعيناه عالقة فوق الفراش بشرود. غيابها أحدث أثرًا في نفسه ورغم جدالاتهم واستيائه منها إلا أن فراقها له حتى لو ليوم واحد يزعجه أكثر من أفعالها، ولا يمكنه إنكار حقيقة أنه بدأ يشتاق لها. مسح على وجهه نزولًا إلى لحيته متأففًا بقلة حيلة وسط همسه المحب: "وبعدين معاكي يا غزل."
مد يده على الهاتف والتقطه ينوي الاتصال بها والاطمئنان عليها، رفع الهاتف لأذنه واستمع لصوت الرنين منتظرًا الرد منها، بينما على الجانب الآخر فقد كانت آسيا تقف في شرفة غرفتها شاردة الذهن تفكر به أيضًا وعندما سمعت صوت رنين الهاتف دخلت واقتربت من فراشها لتلتقطه وتطلعت في شاشته فقرأت اسمه، للحظة ابتسمت بحب وسعادة لكن فورًا تذكرت أفعاله معها فاختفت بسمتها وتحولت لغضب وهي تلقي بالهاتف فوق الفراش مجددًا دون أن تجيب عليه، أخذت تشاهد الهاتف وهو يستمر في الرنين دون توقف
متمتمة في وعيد مغتاظة: "خليك إكده على نار يا معلم عشان تعرف أن مش كل طير لحمه يتاكل." ثم ابتعدت عن الفراش وسارت باتجاه الشرفة مجددًا تاركة الهاتف يرن وهي تهتف ساخرة تقلده بطريقة كوميدية من فرط كيدها: "غزالي.. عيون الغزال، ادينا شوفنا بتعمل في غزالك إيه، اتفرچ أنت عاد على اللي هيعمله الغزال فيك وكيف هيخليك تدور حوالين نفسك يا.. مـ..علم."
على الجهة الأخرى أنزل عمران الهاتف من فوق أذنه وهو يستشيط غضبًا بعدما انتهت محاولته الثالثة في الاتصال بها وبكل مرة ينتهي الرنين دون ردًا فهتف بانفعال متوعدًا لها: "ماشي يا آسيا.. من الصبح هترجعي وهتكوني في البيت إهنه عشان تبقي تتجاهليني زين ومترديش عليا."
استقام واقفًا وسار باتجاه الحمام لكنه توقف عندما سمع صوت رنين الهاتف، ظنها هي فعاد للهاتف ثانية والتقطه ينوي الرد عليها وتلقينها درسًا على تجاهلها لاتصالاته لكنه وجد المتصل رقم مجهول، فأجاب عليه بغلظة: "الو." وصله صوت رجولي صارم يقول: "إيه الأخبار يا معلم عمران؟ ضيق عمران عينيه باستغراب وهتف بهدوء: "مين معايا؟ أجاب الآخر بابتسامة سمجة أحسها في نبرة صوته: "المعلم صابر."
احتقنت تعابير وجه عمران وأظلمت عينيه فور سماعه لذلك الاسم فهتف بصوت حاد وأجش: "خير يا معلم." تابع الآخر بنفس لهجته المستفزة: "كل خير إن شاء الله.. إيه رأيك نتكلم بكرا على رواق وأقولك الخير اللي محتاجك فيه." خرج صوت عمران غليظ وجاف رافضًا: "كل الكلام خلص في آخر مرة معدش في حاجة تاني نتكلم فيها مش إكده ولا إيه."
"لا كيف غلطان يا معلم ده لسا الكلام كتير قوي ومبيخلصش، نتقابل بكرا ونبقى نشوف الكلام خلص ولا لسا، سلام يا معلم." لم يمهل عمران الفرصة ليجيب عليه حيث أنهى عبارته الأخيرة وأنهى الاتصال، فمسح عمران على وجهه وهو يتأفف بغضب شديد محاولًا تمالك انفعالاته والحفاظ على ثباته. *** بصباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان.....
خرجت غزل من غرفتها وقد حرصت على شيء مناسب لتلك البيئة الجديدة التي انضمت لها، خوفًا من التعرض لنفس النظرات التي تلقتها أمس من العائلة وامتثالًا لتحذيرات آسيا لها حول ارتداء شيء أكثر احتشامًا، وقد ارتدت بنطال قماش فضفاض قليلًا من اللون الأبيض ويعلوه كنزة حمراء بحمالات عريضة تغطي أكتافها وبداية ذراعيها وتركت شعرها مناسبًا على ظهرها، تحركت بخطوات هادئة حتى وصلت الدرج ونزلت للطابق الثاني ثم وقفت وراحت تتلفت حولها بحثًا
عن غرفة آسيا فقد كان هناك الكثير من الغرف وخشيت أن تطرق على أحد في هذا الصباح وتزعجه، ظلت تتجول بنظرها على الغرفة محاولة تذكر أي غرفة قالت لها آسيا بالأمس أنها غرفتها، وقع نظرها على غرفة بجوار الدرج وقد هيأ لها أنها قالت إن غرفتها بجوار الدرج مباشرة، فاقتربت من الغرفة ورفعت يدها بكل ثقة تطرق الباب وهي على ثغرها ابتسامة مشرقة تستقبل بها آسيا فور فتحها للباب، انتظرت بعد الطرق الأولى ثواني ولم تجد ردًا فعادت الطرق ثانية
وثالثًا حتى أخيرًا وجدت الباب ينفتح ووجهها كله إشراقة من فرط حماسها ليومها الأول في منزل جدها، رغم أن ليلة أمس لم تسير بشكل لطيف لكنها متفائلة اليوم، لكن سرعان ما تبدد واختفى ذلك الأمل وظهر الذهول والاضطراب على محياها عندما رأت "علي" هو من يفتح الباب وهو يفرك عينيه بخنق من ذلك الطارق المزعج الذي أيقظه من الصباح الباكر، اتسعت عينيها وتمنت أن الأرض تنشق وتبلعها قبل أن يقع نظره عليها، رفع علي نظره للطرق وفور رؤيته لتلك
الدخيلة تجهم وجهه وراح يتفحصها بنظراته من أعلاها لأسفلها يرى تلك الملابس المختلفة كليًا عن تلك الفاضحة التي كانت ترتديها بالأمس، بينما غزل
فقالت بسرعة بتوتر معتذرة: "l'm sorry أنا كنت فاكرة دي أوضة آسيا." ابتسم لها بتهكم متمتمًا بمضض: "وهي آسيا مقالتلكيش ليه أوضتها فين؟! أجابته بنفس الارتباك وحاولت التصرف بلباقة معه رغم أنها مدركة لنظراته المستهزئة وعدم رغبته بها: "she told me بس أنا نسيت واختلطت عليا الأوض." حافظ "علي" على ابتسامته السمجة وهو يرمقها وقال بلهجة فظة عكس لباقتها معه:
"طيب ابقى المرة الچاية متنسيش تاني عاد عشان متصحيش الخلق من النوم وتزعجيه." اندهشت من رده غير المهذب عليها فهي ضيفة، هل يعاملون ضيوفهم هكذا، انزعجت بشدة منه وقال بخفوت في جدية: "آسفة." ثم استدارت وقالت بغيظ وهي تهم بالانصراف: "rude." التقطت أذن "علي" ما قالته فاستشاطت نظراته وهتف لها بحدة: "بتقولي إيه؟! التفتت له بجسدها كاملًا وطالعته بنفس طريقته وهي تبتسم له ببرود وعادت ما قالته بكل ثقة ظنًا منها أنه
لن يفهمها كما الجميع هنا: "بقول rude." تحول "علي" لجمرة من النيران المشتعلة بسبب ثقتها المفرطة في نفسها وهي تسبه أمامه دون خجل فقال بنظرة مرعبة وبهجة رجولية مهيبة: "أنا وقح؟! فغرت عينيها وشفتيها بصدمة ورغم الرعب الذي تملكها من سخطه إلا أنها استجمعت شجاعته وردت عليه بغضب رقيق مثلها: "yes لأن دي مش طريقة مهذبة أبدًا تتكلم بيها مع شخص المفروض ضيف عندك."
تقدم منها خطوة وهو يصر على أسنانه بغيظ فتقهقرت هي للخلف بخوف وراح قلبها يدق في صدرها بعنف، ظلت تتراجع حتى وجدته أمامها مباشرة ويقول لها بغيظ محاولًا تمالك انفعالاته: "ده اللي عندي إذا كان عاجبك." خرج صوت غزل متلثعمًا وهي ترفع سبابته في وجهه تأمره بحدة لا تلائم تعابيرها الناعمة: "ارجع لورا من فضلك." نظر لأصبعها بتهكم ثم طالعها ثانية بنظرة قذفت الرعب في أوصالها محذرًا إياها:
"اسمعي يابت أنتي، أنا هعديلك اللي قولتي بس عشان انتي ضيفة كيف ما قولتي واحمدي ربك إنك ضيفة، ومن إهنه ورايح نصيحة متحاوليش تخاطبيني تاني واصل وتجاهليني تمامًا لمصلحتك فاهمة ولا لـ." تجمدت غزل في أرضها ولم تتمكن من فتح فمها بكلمة أخرى خوفًا وضيقًا بينما هو فاستدار وعاد لغرفته وصفع الباب خلفه بقوة جعل جسدها ينتفض فزعًا ولا إراديًا وجدت الدموع تنهمر فوق وجنتيها غزيرة، لم تفق سوى على صوت إنصاف التي
اقتربت منها بدهشة وسألتها: "مالك بتبكي إكده ليه يا حبيبتي في حد ضايقك؟ هزت غزل رأسها له بالإيجاب وهي مستمرة في البكاء وتجيبها بصوت مبحوح: "your son." فغرت إنصاف شفتيها ببلاهة في عدم فهم وردت عليها: "هي إيه دي اللي مصننة؟! طالعتها غزل بتعجب وأردفت باللغة العربية: "ابنك يا طنط بيعاملني معاملة بشعة جدا وكان بيزعقلي كل ده عشان خبطت على أوضته بالغلط بدل أوضة آسيا." ابتسمت إنصاف بإعجاب على تلك الفتاة الناعمة والرقيقة
وقالت باستغراب وسعادة: "طنط!! ثم رتبت على ذراعها بحنو محاولة تهدأتها وهي تهتف لها بود: "معلش يا حبيبتي متزعليش هو ولدي غشيم بس شوية، متقلقيش أنا هشدله ودنه وأخليه يعتذر منك متزعليش خلاص.. قوليلي عاد أنتي اسمك إيه إحنا محدش لحق يتكلم معاكي امبارح." ردت غزل بصوت خافت وهي تجفف دموعها: "اسمي غزل." هتفت إنصاف ببسمة عريضة وهي تحثها على السير معها: "اسمك حلو كيفك يا غزل.. تعالي يلا نكمل كلامنا في المطبخ تحت." ***
داخل غرفة آسيا كانت جالسة مع فريال يتحدثون وكان أساس حديثهم بالتأكيد هو عمران ومحاولة فريال أن تلين عناد آسيا ولكن كل محاولاتها باتت بالفشل فتنهدت في النهاية بنفاذ صبر منها وبينما كانت على النهوض والذهاب وتركها، صدح صوت رنين هاتف آسيا ووجدته زوجها، طالت النظر في الهاتف بتفكير تتساءل بينها وبين نفسها "أجيب أم لا". صاحت بها فريال مغتاظة: "ماتردي أنتي عايزة توصلي خناقكم ده لإيه بعنادك."
لوت فمها بخنق وأجابت عليه أخيرًا وكأنها فتحت أنبوبة وانفجرت بها حيث وجدته يصيح بغضب: "أخيرًا رديتي ياهانم.. چيتي على نفسك واتنازلتي ليه! انتفضت فزعًا من صياحه ووجدت نفسها تلقائيًا تصيح به أيضًا: "متزعقليش." خرج صوته متحشرج ومرعب وهو يأمرها بلهجة لا تقبل الجدال: "من غير ولا كلمة تچهزي نفسك وهدومك عشان أنا چاي أخدك فاهمة."
ربما لو كان تحدث معها بأسلوب لطيف واطمئن عليها حتى أولًا وأظهر اهتمامه بها وخوفه عليها كانت ستتراجع عن قرارها وتوافق على العودة معه، لكن الآن أصرت على قرارها أكثر وقالت له بعناد شديد وغضب: "أنا مش هرجع يا عمران." هدأت نبرته قليلًا وقال بهدوء ما قبل العاصفة يعيد عباراتها بتهكم: "مش هترجعي كيف يعني؟! التزمت الصمت ولم تجيبه فباغتها بصرخة نفضتها مكانها:
"هو على مزاچك ولا إيه، ولا متجوزة فزاعة هتروحي وتآجي على هواكي كأنك ملكيش حد يحكمك." كان صوته مرتفع لدرجة أنه وصل لأذن فريال التي كانت تقف بالقرب من آسيا وتتابع الشجار المحتدم بينهم، ودون تردد جذبت الهاتف من يد آسيا وتحدثت مع أخيها بهدوء وهي تبتعد عن مسامع آسيا: "عمران اهدى الأمور مش بتتحل إكده." سكت للحظة عندما أدرك صوت أخته ثم تابع منفعلًا ونبرة مرتفعة قليلًا:
"قوليلها يافريال تلبس أنا چاي وياويلها لو قالت مش راجعة تاني." تمتمت فريال برزانة محاولة تهدأته: "يا حبيبي اهدى.. معلش يا عمران سيبها يومين كمان لغاية ما تهدي وأنت كمان تهدي متخليهاش ترجع وانتوا شايطين إكده المشاكل هتكبر بينكم، هي حتى ملحقتش ترتاح شوية من التعب." صاح بعصبية أشد وإصرار تام: "ولا لحظة كمان يافريال دلوك هترجع على بيتها وتبقى ترتاح فيه براحتها." تنهدت فريال الصعداء بقلة حيلة من عنادهم
وحاولت معه لآخر مرة: "يا عمران اسمع مني، أنت وآسيا مينفعش تقعدوا مع بعض وانتوا بالوضع ده، سيبها لغاية ما تهدي وهي بنفسها هترجع وابقى قول اختي قالت، هي زعلانة منك وواخدة على خاطرها عشان اللي عملته معاها وانك مهتمتش أنها تعبانة وراجعة من المستشفى وأغمى عليها، يعني كلها يومين وزعلها ده هيروح وهترجعلك." هدأ ثورانه قليلًا بعد كلمات شقيقته وقال بغيظ واستياء: "هي حكتلك على ده بس ومقالتلكيش على اللي هي عملته."
بدأ الأمل يعود لها مجددًا عندما شعرت بأنه هدأ قليلًا وقالت مأيدة رأيه بشدة حتى تنجح في امتصاص غضبه كله: "عندك حق هي غلطانة واحنا عارفين إكده، بس معلش اعذرها هي حامل ونفسيتها تعبانة اصبر عليها شوية كمان واوعدك إني هتكلم معاها وأعقلها." مسح عمران على وجهه وهو يصدر زفيرًا ملتهبًا وقد اقتنع بكلام شقيقته وهدأ تمامًا فقال باستسلام ووحدة:
"ماشي يافريال عشان خاطرك بس هسيبها يومين كمان بس أقسم بالله لو بعد اليومين عملت نفس الحركات دي لتشوف أنيل من اللي شافته مني، يعني قوليلها ترجع برضاها أحسن ما يبقى غصب عنها." بتلك اللحظة قد اقتربت آسيا من فريال ووقفت بجوارها تحاول سماع ما يقوله في الهاتف لكنه لم تسمع وعندما قالت فريال بالنهاية: "ماشي يا أخويا.. بقولك هي معاها معاد مع الدكتور النهاردة هتروح دلوك وأنا هروح معاها تمام؟ هتف عمران بصوت رجولي غليظ رافضًا:
"لا متروحيش انتي يافريال أنا هاجي أوديها وأروح معاها." سمعت آسيا عبارته هذه فردت عليه بصوت مرتفع حتى يسمعها: "أنا هروح مع فريال! هتف يسأل فريال بغيظ: "بتقول إيه دي؟! رمقتها آسيا بحدة وغضب لكي تسكت ثم ردت على أخيها بلطف: "بتقولك ماشي يا عمران هتلبس وتجهز وتستناك." هدأ وسكت ثم أنهى الاتصال مع شقيقته وفورًا صاحت آسيا باعتراض: "أنا مش هروح معاه يا فريال." صاحت بها فريال مغتاظة من عنادها:
"آسيا بزيادة عناد أنا هديته بالعافية واقنعته إنك تقعدي يومين كمان، البسي دلوك وروحي معاه للدكتور متخليش يتجنن عليكي تاني." التفت آسيا بقهر وحزن: "أروح معاه ليه يافريال.. ده أنا أول ما فتحت هب فيا زي البابور ومهنش عليه حتى يسألني عاملة إيه ولا يطمن عليا وأنا كنت تعبانة وراجعة من المستشفى وأغمى عليا بسببه." قالت فريال بحزم وهي ترمقها بقوة:
"طب ما أنتي اللي عصبتيه لما فضلت ترني عليه امبارح ومردتيش عليه، ما يمكن كان بيتصل بيكي عايز يطمن عليكي وانتي معبرتهوش عشان كده اتعصب." هزت رأسها رافضة الاقتناع بأنه كان في نيته حقًا الاطمئنان عليها بينما فريال فقالت لها بجدية: "البسي يلا يا آسيا واجهزي وبلاش عند لغاية ما يجيلك." راقبت فريال وهي تستدير وتنصرف وعيناها ممتلئة بالدموع الحارقة وبداخلها تتوعد له أنها لن تسامحه على أفعاله الهمجية معها... ***
كان بشار جالسًا في الوكالة ينهي بعض الأعمال مع والده عندما لمح رحاب وهي تسير من أمام الوكالة في خطوات سريعة وتجفف دموعها من على وجهها بعدما أنزلت الهاتف من فوق وجنتيها، فاستقام واقفًا بسرعة وقال لوالده بلهفة: "خمسة وراجعلك يا بوي." ولم يمهل عبد العزيز الوقت ليسأله إلى أين ذاهب حيث لحق برحاب شبه ركضًا وجدها تتجه نحو أحد الشوارع الجانبية الخالية من الناس، فأسرع في خطاه خلفها وقبض على ذراعها ليوقفها وهو يهتف لها بقلق:
"رحاب رايحة وين وليه بتبكي؟ انتفضت فزعًا على أثر لمسته لها وتلعثمت في الأجابة عليه وهي تقول: "مفيش حاجة يا بشار أنا كويسة." دقق النظر في وجهها بحدة وسألها ثانية: "رايحة وين إكده؟ اضطربت واجابته بتوتر ملحوظ استطاع أن يميزه جيدًا: "مش رايحة مكان.. رايحة البيت وقولت أعدي من الشارع المختصر ده."
هز رأسه لها بالإيجاب رغم نظرات الشك التي في عينيه لها وتركها ترحل تكمل طريقها واستدار وهو يعود بخطواته باتجاه الوكالة ليوهمها أنه صدقها وسيتركها بينما هي فأسرعت في خطواتها وهي تتلفت حولها كل لحظة والأخرى لتتأكد من أنه لا يتبعها. ***
بمكان آخر تحديدًا بمنزل سمير، استغلت خلود فرصة غيابه عن المنزل وأنه نسي إغلاق الباب بالمفتاح بعد رحيله، جهزت ملابسها وتجهزت هي وغادرت المنزل تنوي الهروب من ذلك السجن الذي فُرض عليها، كان كل شيء في البداية يسير بشكل رائع حتى أنها كانت لا تصدق نفسها أنها ستستطيع أخيرًا الفرار من بين براثين ذلك الذئب المفترس، وصلت للطابق الأرضي بحقيبة ملابسها وهي سعيدة فكان لم يتبقى بينها وبين بوابة البناية سوى خطوات صغيرة، لكن حدث ما كانت تخشاه حيث وجدته يدخل من البناية وهو يتجه للمنزل بالأعلى فتسمرت بأرضها بصدمة ورعب فقد أدركت أنها منتهية لا محال هذه المرة...
*** عودة لمنزل خليل صفوان...... نزلت فريال الدرج متجهة لغرفة الجلوس الكبيرة حيث يجلس زوجها وهي على ثغرها ابتسامة عريضة وعاشقة، تحركت بخطوات واثقة حتى وصلت للغرفة وفتحت الباب ودخلت بثقة تامة غير متوقعة ما ستراه بالداخل أبدًا، الذي جعلها تتصلب بأرضها في ذهول وسرعان ما تحول وجهها وعيناها للون الأحمر من فرط الغيظ عندما رأت تلك المشؤومة المدعوة منيرة تجلس مع جليلة وتتحدث معها، كيف تجرأت ودخلت منزلها مرة أخرى تلك الأفعى!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!