على صوت القارئ الشجي وهو يتلو آيات الله الكريمة، عبر مذياع الراديو على بكرة الصباح، تململت بفراشها، تُغالب توسلات جسدها التي تطالبها بالراحة، والإستسلام لدفء الفراش، ولو بيوم واحدًا فقط، تنسى به مسؤلياتها والوجبات المطالبة بها، تعيش لنفسها، لنفسها فقط ولو لمرة واحدة، ألن يأتي هذا اليوم؟ "شهد يا شهد، هو انتي لسة مصحتيش؟ "شهد.... "خلاص قومت أهو."
هتفت بها مقاطعة وهي تعتدل بجذعها عن الفراش نحو محدثتها نرجس، زوجة أبيها الراحل، والتي ردت ببعض الحرج: "صباح الخير، معلش بقى يا حبيبتي، بس أنا خوفت لتتأخري عن شغلك." أومأت لها بهز رأسها متمتمة برد التحية قبل أن تنزل بأقدامها على الأرض لتقول وهي تلملم بيديها شعرها كي تعقده بعقدة خلف رأسها: "صحي بقية البنات بس عشان يلحقوا الفطار معايا." ردت نرجس وهي ترتد بأقدامها لخارج الغرفة:
"هوا على ما قومتي انتي بس وجهزتي نفسك، هتلاقييهم كلهم معاكي على السفرة." خرجت المرأة واتجهت شهد بروتينية تلتقط المنشفة البيضاء قبل أن تخرج خلفها نحو الحمام القريب، والذي كان في آخر الطرقة مجاورًا لغرفة أبيها الراحل. بالطبع مرت في البداية على المطبخ، فانتبهت على أصوات همس وزجر نرجس لابنتها الوسطى، أمنية. رفعت شهد حاجبًا مستهجنًا لتقول وهي تكمل طريقها: "يا صباح يا عليم يا رزاق يا كريم، مالكم كده على الصبح؟
ردت نرجس خلفها بصوت متلهف وهي تخرج لها رأسها من مدخل المطبخ: "ولا حاجة يا حبيبتي، متشغليش نفسك انتي." رمقتها شهد صامتة دون أدنى استفسار، قبل أن تمسك بمقبض باب الحمام وتدلف إليه، تدعي التجاهل وبرأسها تعلم تمام العلم أن الموضوع لن يحيد عن طلب النقود.
بعد قليل كانت شهد قد فرغت من صلاتها وارتداء ملابسها بإهمال كالعادة، مع انشغالها المستمر في التحدث عبر الهاتف، حتى وهي تخرج لتتناول وجبة أفطارها على مائدة السفرة مع شقيقاتها ونرجس والدتهن. "أيوه يا عبد الرحيم، العمال عددهم كمل عندك ولا لسة؟ ...... سمعت منه لتهتف بعصبية وهي تجلس على مقعدها: "إيه؟ بتقول عشرين بس، يا نهار أبوكم أسود. ودول هيكملوا اليوم إزاي بس؟
اتصرف يا عبد الرحيم وكملهم تلاتين على الأقل، عايزين ننجز يا عم الحج، انت عارف إن الوقت قصير...... معلش الله يخليك حاول تتصرف، واللي حضروا دلوقتي، خليهم يحطوا إيدهم في الشغل على طول...... تمام، اقفل بقى دلوقتي، وأنا هتصل عليك بعد ربع ساعة عشان أطمن."
أنهت المكالمة لتتناول قطعة من الخبز، لتغمسها في طبق الفول قبل أن تضعها بفمها وتلوكها على عجالة، متعمدة عدم الالتفات أو الانتباه نحو الهمهمات بجوارها من قبل شقيقتها أمنية ووالدتها. فاتجهت للناحية الأخرى مخاطبة أصغر عضو في العائلة، رؤى: "عاملة إيه يا بت؟ ما حدش سامع صوتك يعني؟ ضحكت لها المذكورة ثم ردت بابتسامة: "والله أنا باكل وأنا ساكتة، شايفاكي مشغولة في التليفون، ومش عايزة أضايقك."
تطلعت شهد في شقيقتها ذات الأربعة عشر عامًا، بملابس المدرسة وابتسامتها الرائقة دائمًا فقالت لها عن حب: "والله يا ريت كل الناس زيك كده عندها إحساس، محدش كان زعلني أبدًا." قالت شهد كلماتها بمغزى لم يؤثر في أمنية التي على صوتها لتقول: "شهد أنا كنت عايزة أسألك على إبراهيم ابن خالتي، لما طلب إيدي منك امبارح، رفضتيه ليه؟
صمتت شهد على وضع رأسها لعدة لحظات قبل أن ترفعها إليها بتأني، تخمن بعقلها ما سوف تطلبه أمنية، وكم سيكلفها، فهي لا تكف أبدًا عن الطلب والإلحاح فيما تطلبه، دون النظر لأي اعتبارات أخرى. "نعم يا ست أمنية، عايزة إيه؟ من الصبح شايفاكي بتفركي ومش قاعدة على بعضك، قولي وطلعي اللي في جوفك، قولي." سألتها شهد بسأم وهي تتناول قطعة صغيرة من الجبن، قبل أن تضعها بفمها، لترد أمنية سريعًا غير آبهة بلكمة والدتها بغرض إثناءها:
"أنا كنت عايزة أسألك على إبراهيم ابن خالتي، لما طلب إيدي منك امبارح، رفضتيه ليه؟ توقفت شهد عن مضغ الطعام لترد بصدمة: "وانتي مين اللي لحق يقولك على الموضوع ده؟ أوقفت شهد لتتجه بأنظارها نحو زوجة أبيها الراحل نرجس والتي أسبلت أهدابها بخزي قائلة: "أنا مكنش قصدي أقولها، بس لساني بقى زلق مني من غير ما أقصد." صاحت أمنية بصوت عالٍ مستنكرة:
"يا سلام، ولهو انتوا كنتوا عايزين تخبوا عني حاجة زي دي كمان، ده مستقبلي، وأنا بس اللي ليا حق أقرر فيه." هتفت شهد ترد غاضبة، متجاهلة الرد على الهاتف الذي كان يدوي بالاتصال بجوارها: "وتعرفي ليه بقى، والطلب أساسًا مرفوض؟ لا عنده مؤهل دراسي يناسب شهادتك، ولا حتى بيشتغل زي بقية الناس، ده غير إنك صغيرة أساسًا على الجواز والارتباط." قاطعتها أمنية بحدة قائلة:
"لا مش صغيرة. أنا مخلصة كلية دلوقتي ومستنية نصيبي، وأهو جه نصيبي، إيه بقى اللي يأخرني تاني؟ إبراهيم مبيشتغلش لكنه مقتدر بفلوس أبوه العطار، أما حكاية التعليم، دي متستهلش الكلام أساسًا، عشان أنا موافقة بيه حتى لو كان بشهادة إعدادية، مش شهادة دبلوم." ضربت شهد بكفها على منضدة السفرة وهي تنهض عنها قائلة بحسم:
"لكن أنا مش موافقة أجوزك واحد صايع، قعدته غير بس على القهاوي وعن حكاوي النسوان، وأنا هنا المسؤولة يعني أنا اللي أقرر وانتهى." أردفت كلماتها وتناولت هاتفها لتتحرك نحو غرفتها، لتأتي بباقي أشياءها للعمل، غير آبهة بصرخات أمنية وكلماتها المسمومة: "يعني إيه قرار وانتهى؟
ولا هي فاكرة نفسها عشان بتصرف ومشغلة البيت، يبقى هتتحكم فينا ومستقبلنا، لا بقى أنا لا يمكن أسكت، وديني لأطربقها على دماغكم لو ما حصل واتجوزت إبراهيم، ولا هي عايزاني أكبر لسنها وواصل للتلاتين وأعنس."
بداخل غرفتها كانت تصل إليها الكلمات كخناجر حادة، تدعي التحلي بالقوة والصبر، وبداخلها تود الصراخ كطفل صغير بوجه هذه التافهة وبوجه والدتها ومواقفها المائعة دائمًا بغير حسم لرد قوي نحو ابنتها وجحودها. مسحت دمعة خائنة قبل أن تتناول قبعة رأسها (الكاب)
لتغطي شعرها، كما تغطي على باقي معالم أنوثتها بهذه الملابس الواسعة للغاية، وتناولت علاقة المفاتيح. وخرجت على الفور متجهة نحو الباب الخارجي وقد خلت الصالة من ثلاثتهن، بعد أن سحبت نرجس ورؤى أمنية ليغلقن عليها الغرفة بالداخل من أجل تهدئتها. أمسكت شهد بمقبض الباب وقبل أن تخرج توقفت على قول رؤى وهي تنهر شقيقتها: "ما تتلمي بقى وخلي في عينك حصوة ملح، عايزة تتجوزي قبل اختك وتعملي انتي كمان زي فريال، وهي شهد دي إيه؟
هتعقد متحنطة لجوزاتكم انتو بس؟ تشقي وتتعب عشانكو انتو بس؟ ولا هي مش بني آدمة عشان تشوف نفسها؟ صدح صوت أمنية الغاضب: "نعم يا حبيبتي، والشغل ده بقى ورثاه من مين؟ مش من أبويا؟ شغالة مقاول وبتاخد على قلبها الآفات مع كل شغلانة بتعملها من مكتب أبويا اللي مديره، يعني مش من مالها الخاص." صاحت بها رؤى: "الله يخرب بيتك، وهو المكتب ده بيشتغل لوحده؟ ما تقولي لها حاجة ياما، البت دي." "أقول إيه بس يا بنتي؟ أنا تعبت معاها."
إلى هنا واستكفت شهد لتغادر من المنزل، ف زوجة أبيها الراحل، كالعادة تنتهج الطريق السلبي وكأنها ليست معنية بكل ما يحدث حولها، تاركة الهم وهذا الحمل الثقيل لها وحدها، ولينكسر ظهرها حتى. فمن سيشعر بها أو يرفعه عن كاهلها؟ *** وفي مكان آخر. في منزل مسعود أبو ليلة والذي كان يتناول وجبة أفطاره حينما تفاجأ بقبلة سريعة على جانب خده الأيسر جعلته يرفع رأسه إليها متفاجئًا: "وه دي الجلعانة صحيت؟ ضحكت صبا وهي تطوق بذراعيها على
عنقه من الخلف تقول بدلال: "جلعانة على حس أبويا، حد له حاجة عندي؟ وجه رأسه إليها يقول مقارعًا كالعادة: "آه يا بت الكلب انتِ، هو ده اللي انتي فالحة فيه." قهقهت تشدد بذراعيها لتقبله على الجهة الأخرى وهو يدعي الضيق: "يا بت بطلي ثغرنة (ميوعة) على الصبح أنا مش فاضيلك." صدر صوت زوجته والتي كانت خارجة من المطبخ بصنية الشاي: "ولو متفضيلهاش هي؟ أمال هتفضى لمين؟ ناكفها مسعود بجرأة ونظرة ذات مغزى: "أفضالك انتي."
قالها لتطرق زبيدة برأسها مسبلة أهدابها عنه، بابتسامة مستترة بخجل، وكأنها فتاة صغيرة، ف تعلقت أنظار مسعود بها حتى جلست على كرسي المائدة بجواره. نزعت صبا ذراعيها لتشاكسه بشقاوة مع متابعتها لأنظار أبيها التي لم يرفعها عن زوجته. "نحن هنا يا عم أبو ليلة." انتبه عليها الأخير فسألها باستدراك: "مقولتليش يعني، إيه اللي مصحيكي بدري؟ ردت صبا وهي تحرك أقدامها لتستدير عنه بتهرب:
"ما انت عارف يا بوي، النهاردة رايحة الشغل اللي قولتلك عليه." ضغط مسعود بأسنانه على طرف أسفل شفته بغيظ وهو يتابع تهربها منه، مغمغمًا بداخله بغيظ وكلمات حانقة، غير قادر على منعها بعد هذا الوعد الذي قطعه لشهد بسببها. ***
استيقظ على صوت المنبه المجاور لرأسه على الكمود، فرك بكفه على عينيه قليلًا بانزعاج حتى تمكن من الاستيقاظ ليغلقه، فانتبه على الفراش الخالي جواره، انتفض على الفور ينهض وينزل قدميه إلى الأرض، بعد أن لمح خيالها بشرفة الغرفة التي كانت مفتوحة، وستائرها الحريرية تتطاير أمامه. خطا حافيًا على أقدامه كي لا تشعر به، حتى إذا وصل إليها، لف ذراعيه حول جذعها من الخلف يجفلها، فانتفضت شاهقة بصوتها الرقيق تردد:
"يخرب عقلك يا مصطفى خضتني، حرام عليك بجد في اللي بتعمله فيا ده، بجد حرام." قهقه يقبلها أعلى رأسها، يشتم رائحتها العطرة ليقول بهيام: "صباح الفل والياسمين، الجميل صاحي بدري وسايب السرير بارد جمبي ليه؟ ضحكت نور متنعمة يغمرته وهي تجيبه: "أعمل إيه طيب؟ ما أنا لقيت نفسي صحيت بدري، ومقدرتش أستنى في السرير، قولت أشم هوا وأمتع عيوني شوية بمنظر الخضرة في الجنينة." قبّلها مرة أخرى مصطفى والتف معها نحو ما تقصده، فقال باستمتاع:
"فعلاً عندك حق، مفيش أحلى من اللون الأخضر على الصبح مع نسمة البرد الجميلة، والوجه الحسن اللي بين إيديا." ضحكت نور بسعادة تكتنفها مع كل كلمة غزل تسمعها منه، وقالت بعشق: "ربنا ما يحرمني منك يا مصطفى، انت بقيت بالنسبالي الروح، روحي اللي بعيش بيها." رد مصطفى بصوت متحشرج: "وانتي قلبي اللي من غيره أموت." "سلامة قلبك."
قالتها نور على الفور بجزع، قبل أن تجفل على صوت بوق السيارة الذي صدح من خلفها، فالتفت مع مصطفى، للأسفل نحو البوابة الحديدية الضخمة التي فتحت على مصراعيها، لدخول سيارة عدي عزام شقيق زوجها والذي انتبهت على تشنجه واحتداد عينيه من خلفها متابعة دخول الآخر حتى وصل إلى مدخل القصر الداخلي، فترجل بزهو ليترجل ليتناول سترته يعلقها على ذراعه قبل أن ترتفع رأسه إلى الأعلى ليغمز بطرف عينه، وهو يلقي تحية بكف يده إلى مصطفى وزوجته، قبل أن يغلق باب السيارة، ويكمل ليصعد الدرجات الرخامية قبل أن يدخل القصر. خرج
صوت نور لتسأله مستغربة: "هو أخوك خرج امتى عشان يلحق يرجع بدري كده؟ تبسم ساخرًا مصطفى وهو يرتد بأقدامه للخلف قبل أن يرد بغضب وهو يعود للداخل: "ده على أساس بقى إنه قضى ليلته في البيت أساسًا! *** عاد أمين من وردية عمله الصباحية، ليلج لداخل منزل الأسرة الذي ترعرع به، ويجمعه بوالدته وشقيقيه حسن. هم أن يهتف بالاسم عليهما ولكنه توقف على صوت الأغنية التي تصدح من مذياع الراديو بالشرفة الكبيرة بالصالون.
يا صباح الخير يا اللي معانا الكروان غنى وصحانا والشمس طالعة في ضحاها والطير اهي سارحة في سماها يا الله معانا .. يا الله معانا يا صباح الخير يا اللي معانا يا اللي معانا اقترب منها ليجد والدته تدور بالدورق المخصص، على كل أصيص، لتسقي النباتات والزهور المزروعة به. تبسم ليلقي التحية، وهي التي كانت تدندن مع كلمات الأغنية انتبهت لترفع رأسها إليه فتطالعه بابتسامة رائقة لوجهها الصبوح ونظارتها الطبية ذات الإطار القديم:
"صباح الفل يا ست الكل." "صباح الهنا على عيونك." قالتها مجيدة وهي تضع الدورق على الأرض لتكمل وهي تقترب منه: "جيت في الوقت المناسب، يالا بقى عشان تفطر معايا أنا وأخوك، هو صحي و زمانه خارج دلوقتي من أوضته." قبّله أمين على أعلى رأسها المغطى بحجاب صغير، وقال بصوت مجهد: "معلش بقى خليها وقت تاني، أنا هموت وأنام أصلًا." قالها وتحرك، أوقفته مجيدة قبل أن يبتعد: "يا حبيبي طب كل لقمة وبعدها ريح براحتك." ربت بخفة على ذراعها
قبل أن يكمل ابتعاده عنها: "تسلميلي يا ست الكل، أنا أكلت لقمة خفيفة في القسم قبل ما أجي، أشوفك الضهر بقى." في طريقه كاد أن يصطدم بشقيقه المهندس حسن، والذي كان خارجًا من غرفته، فقهقه له ضاحكًا بالتحية قبل أن يتجاوزه الآخر ليدلف لغرفته ويغلقها عليه، فاقترب حسن ليجلس على مائدة الطعام ويشارك والدته، والتي تنهدت بقنوط قائلة: "حاله مش عاجبني.. وانت كمان مش عاجبني، ونفسي أعرف آخرتها إيه معاكم؟
قالت الأخيرة بعصبية جعلت حسن يضحك لها وهو يتناول كوب الشاي ويحرك سكره بالملعقة، فقال بدفاعية: "الله يا ست الكل وأنا ذنبي إيه بس؟ هتفت بسخط: "عشان ولا واحد فيكم فرحني ولا جبر بخاطري، وأنا هموت وأبقى جدة، هتعملوها إمتى بس؟ لما أموت؟ "صلي على النبي يا ماما، ليه العصبية دي بس؟ قالها حسن يمتص غضبها ثم تابع:
"على العموم أنا بعمل اللي عليا وبحاول، وعلى إيدك، كذا مرة نعمل محاولات خطوبة وجواز، وتتفركش على آخر لحظة، لكن النصيب بقى." رددت مجيدة خلفه متنهدة بتأثر: "آه النصيب، النصيب ده اللي خلى أخوك يتعلق بواحدة مش حاسة بيه ولا شايفاه أساسًا، وهو برضوا مش قادر يشوف غيرها." قال حسن رغم تأثره هو الآخر: "أنا واثق إنه لو لقى بنت الحلال اللي يحبها وتحبه، أكيد هينسى الدنيا معاها، مش بس صحبتنا دي." تبسمت مجيدة تقارعه ساخرة، وقد
انقلب مزاجها للمرح فجأة: "شوف يا خويا مين اللي بيتكلم؟ انت يا حسن! ضحك المذكور يدعي الخجل والغضب: "يووه بقى عليكي يا مجيدة، هو انتوا شايفيني جبلة ومبحسش يعني، ولا إيه بس؟ قهقهت مجيدة بضحكاتها توميء برأسها مما جعله يدعي البؤس متابعًا: "طب جامليني طيب، في وشي كده؟ لدرجادي انتوا واخدين فكرة وحشة عني؟ ***
انتهى من تمريناته الصباحية في صالة الألعاب، ثم خرج بجذعه العاري يصعد درجات منزله الضخم حتى الطابق الثاني، بحيوية ونشاط وقد تخلى عن العرج الذي صاحبه لعدة سنوات، بفضل إرادته الفولاذية وتصميمه على النجاح حتى في هذا الأمر. هم أن يدخل إلى جناحه ولكنه تراجع فجأة ليذهب إلى الناحية الأخرى في الغرفة التي اتخذتها زوجته لتصوير فيديوهاتها كي تنشرها على صفحاتها المشهورة على وسائل التواصل الإجتماعي.
بدون استئذان فتح مقبض الباب بهدوء ليتابعها وقد كانت واقفة تستند بجذعها على السور الحديدي الصغير لشرفتها، بهذا الرداء الرياضي، تيشيرت بحمالتين ملتصق بجذعها وقدها المهلك، بعد أن نحتت أجزاء وكبرت أجزاء أخرى، وبنطلون في الأسفل ضيق بشدة هو الآخر، تتحدث بثقة وإسهاب، وهي بالفعل تصور الآن.
"زي ما انتو شايفين كده حبايبي بجمال الخضرة اللي ورا ضهري دي، أنا بحب الطبيعة ومقدرش أعيش من غير ما أستمتع بريحة الورود ولا الشكل الأخضر للزرع، حتى بشرتي محبش أستخدم معاها غير منتجات الطبيعة، عشان كده بنصحكم لو عايزين بشرتكم تبقى حلوة زي بشرتي، استخدموا المنتج ده، ده مفيهوش أي مواد كيميائية، جربوه مش هتخسروا حاجة ولا انتوا مش عايزين تبقوا زيي كده." ختمت تضحك بغنج قبل أن تغلق الكاميرا، لتنتبه على تصفيق كارم من خلفها:
"برافو برافو." وكأنها كانت تعلم بوجوده تحركت بروتينية دون إجفال مرددة بتهكم تسبقه: "أهلاً حبيبي نورت الدنيا، دي إيه الطلة العزيزية دي؟ تبسم ساخرًا وقد فهم مقصدها، ثم اقترب يلف ذراعيه حولها ويقبلها من وجنتيها مرددًا بحرارة وكفه تلامس النعومة على ذراعها المكشوف. "قطتي وحشتني، غريبة دي؟ ناظرته بتشكك قائلة: "بجد؟ ازدادت ابتسامته اتساعًا وتسلية ليردف وقد ارتفعت يداه ليمسح بإبهامه على شفتيها المكتنزة بفعل عمليات التجميل:
"معقولة حبيبتي تشك في شوقي ليها؟ لا لا أنا كده أزعل." قالها ثم اقتنص قبلة قوية أجفلها بها، لكنها استجابت بعد لحظات معه حتى تعمق وطالت قبلته، قبل أن ينزعها فجأة سائلًا: "مقولتيش بقى، من إمتى بتعملي إعلانات؟ رفرفت بأهدابها الكثيفة تستوعب، فرَد هو: "أنا بسألك عن الإعلانات اللي بتعمليها للفانز على صفحتك، زي المنتج اللي كان في إيدي من شوية، بتعمليها من إمتى بقى؟ والمقابل بتاعها قد إيه؟
تغضنت ملامحها مع تغيره المفاجيء ليذكرها بتسلطه المعتاد على كل تحركاتها، حاولت أن تنزع نفسها عنه، ولكنه شدد ليعصرها بين ذراعيه قائلًا بفحيح: "إيه يا قلبي؟ انتي عايزة تبعدي من قبل أنا ما أسمحلك؟ هتفت تنهره بغضب: "انت عايز إيه يا كارم؟ برقت عينيه ليردف لها مشددًا على الكلمات:
"عايز أعرف كل قرش دخل لك من جميع الإعلانات اللي عملتيها الفترة اللي فاتت، أنا أقدر أجيب حسابك في البنك بكل سهولة، بس أنا هسيبك انتي اللي تقولي بنفسك." طالعته بضيق تكظم غيظها، فقال يزيد عليها بمداعبة أسفل ذقنها: "حبيبتي ريري، هو انتي فاكرة اني عايز أعرف عشان آخدهم يعني؟ ولا أنا محتاجهم مثلًا؟ مية مرة أقولك يا قلبي العبي زي ما انتي عايزة... بس تحت عيني، يعني ما تخرجيش عن محيطي أبدًا."
ظلت على وضعها تطالعه عينيها بصمت، حتى قال أخيرًا قبل أن يفك ذراعيه عنها: "منتظر منك بكرة إن شاء الله تقرير مفصل، بس دلوقتي بقى، تعالي عشان عايزك." قال الأخيرة وهو يسحبها من كف يدها، تشبثت أقدامها بالأرض تسأله: "عايزني فين؟ تبسم لها غامزًا بعينيه: "بقولك وحشتيني، وبالمرة كمان عشان تشوفي الفستان اللي اخترتهولك لحفل الليلة." أوقفته مرة أخرى: "حفل إيه اللي أحضره؟ وفستان إيه اللي عايزني ألبسه؟ رد بملامح ينتابها الضيق:
"حفل مرور سنة على شراكتي مع عدي عزام، لسة في أسئلة تانية؟ ولا أقولك.." قال الأخيرة ليجفلها بحمله لها بين ذراعيه قائلًا: "عايزين نخطف لنا شوية وقت بقى، قبل الأستاذ عمار ما يشرف من حضانته، ولا إيه؟ ***
أمام مرآتها وبعد أن لفت الحجاب جيدًا، تناولت قلم الكحل لترسم عيونها الواسعة كالعادة فتُظهر لونها المختلط بين الخضرة والبندقي والتي ورثتها عن عائلة والدها التي تتميز بهذه الصفة، رغم وجودها في قلب الصعيد، على بشرة خمرية امتزجت بحمرة طبيعية وسمار محبب يلفت الأنظار نحوها كالمغناطيس لهذا السحر الذي كان نتاج زواج أبيها ذو البشرة البيضاء مع والدتها السمراء لدرجة تماثل اللون البني، من خارج عائلته بعد أن وقع في عشقها وتحدى
بها قوانين عائلته، بأن يتزوج ابنة عمه أو إحدى قريباته من نفس العائلة. أسفر هذا الزواج، عن خمسة أبناء تنوعت صفاتهم الشكلية ما بين الأسمر كوالدته أو الأبيض كالوالد، ولدان وثلاث بنات. تزوج الأربعة الكبار في الصعيد من نفس العائلة، واستقروا هناك، فلم يتبقى سوى صبا أصغر الأبناء والتي تحدت ورفضت كل من تقدموا من أقاربها حتى يأس منها والدها وجاء بها مع زبيدة زوجته من الصعيد واستقر بهم هنا منذ أكثر من سنة، بعد تنقله لعدد من
السنين لا يذكر حصرها بين العمل هنا والذهاب ومتابعة شئون العائلة والأولاد في الصعيد.
ألقت نظرة شاملة برضا على ما ترتديه من فستان باللون البني الفاتح، وحجاب تنوعت ألوانه بلون الفستان والأبيض، فلم يتبقى سوى وضع حمرة خفيفة على شفتيها، وتناولت حقيبتها لتخرج حتى تلحق موعدها مع العمل الجديد، بخطوات مسرعة، وقبل أن تصل للباب أوقفتها والدتها بالنداء باسمها: "استني هنا عندك رايحة فين؟ التفت إليها بدهشة تجيبها: "يعني هكون رايحة فين بس؟ ما أنا قولتلك ياما إني رايحة الشغل الجديد." اقتربت منها زبيدة
تقول كازة على أسنانها: "طب واللي رايحة مقابلة شغل تروح متزوقة كده؟ هتفت صبا تجيبها بدفاعية: "والله ما حاطة حاجة في وشي، غير بس قلم الكحل وكريم أساس، وروج خفيف لون الشفايف." ردت زبيدة بعدم رضا تبدي النصح: "يا بتي أنا خايفة عليكي من المعاكسات والمشاكل، هنا غير بلدنا في الصعيد، انتي لسانك مبيسكتش وأبوكي دمه حامي، ده ما يصدق." زفرت صبا وتعقد جبينها تردد بغيظ:
"مش هرد، لو حد عاكسني مش هرد عشان مديش فرصة لأبويا يقعدني في البيت أو يجبر عليا أتجوز حد من عيال عمي، بس كمان مينفعش أطلع كده زي الغفير، أنا طول عمري بحب أهتم بنفسي يا أمي، وانتي عارفة كده كويس." ضغطت زبيدة على كلماتها: "عارفة، بس هنا غير البلد، وانتي بتلفتي النظر ناحيتك منين ما تروحي، لو تسمعي كلامي بس، اقعدي في البيت زي الهانم أحسن وريحي مخك ومخي." برقت صبا بانظارها تطالع والدتها بذهول تهز رأسها وفمها مفتوح
بعدم تصديق حتى خرج صوتها: "يعني أنا بقالي شهور في محايلة وشد وجذب مع أبويا لحد ما وافق أخيرًا بعد تعب على الشغل، عشان أشُم نفسي بقى وأعيش الحرية اللي بتمناها، فتيجي انتي بكل سهولة تقوليلي اقعدي، إيه يا أمي؟ إهدي كده الله يخليكي وخلي عندك ثقة في بتك، أنا بت أبو ليلة، يعني بمية راجل.... توقفت لتحرك قدميها للخروج مرددة مرة أخرى: "بمية راجل ها، يعني طمني قلبك." قالتها ثم خرجت من المنزل نهائيًا، لتردد زبيدة من خلفها:
"ربنا يحفظك يا بتي، ويبعد عنك كل شر." ***
خارج باب الشقة الذي أغلقته حالاً تذكرت صبا الفتاة التي تواعدها للذهاب إلى مقابلة العمل، فتناولت هاتفها تبعث برسالة نصية إليها عبر تطبيق الواتساب. وصلها رد الفتاة بانتظارها أسفل بنايتهم في الشارع المجاور، لتتنهد بارتياح ثم حولت على وضع الكاميرا لترا صورتها في الهاتف لتُلقي نظرة على هيئتها بأن رفعته قليلًا أمام أنظارها حتى اطمأنت وقامت بإغلاقه، لتعيده في الحقيبة مرة أخرى. رفعت رأسها فجأة لتتجه نحو المصعد، لكنها صُعقت
فور أن رأت هذا المتسمر أمامها كالتمثال وعينيه المسلطة عليها تحدق فيها بشر لا تعلم سببه، جارها الغريب في الشقة المقابلة، يبدو أنه على هذا الوضع منذ فترة وهي كانت غافلة عنه ومطمئنة بهدوء البناية في هذا الوقت، بعد ذهاب الجميع إلى عملهم والأطفال والأبناء إلى مدارسهم والجامعات. ابتلعت ريقها وارتبكت محلها لا تعلم كيف تتجه إلى المصعد مع وقوف هذا الرجل خلف شقته المجاورة له، تشعر بجفاف حلقها، فهذا المخلوق دائمًا ما يخيفها
بهذه النظرات الغريبة منه إليها. همت لتستدير كي تعود إلى منزلهم حتى ينصرف، ولكنه أجفلها بتحرك خطواته السريعة نحوها حتى ظنت أنه سوف يؤذيها، فارتدت بخطواتها للخلف برعب إلى أن وجدته يتخطاها سريعًا ويهبط الدرج المجاور لشقة أبو ليلة في الناحية الأخرى من البناية. حطت كفها على موضع قلبها لتهدئ من روعها الذي تسبب فيه جارها الغريب، متمتمة بالآيات الحافظة، حتى تمالكت نفسها،
لتغمغم بعد ذلك بحنق: "يا ساتر يارب، وقال اسمه شادي قال؟ ده كانوا سموه عفريت أحسن." همت لتتحرك وتتناسى ولكنها استدركت فجأة لتطل برأسها من أعلى درجات السلم التي اختفى بها تتمتم باستغراب: "يا نهار أسود، ده هينزل خمس أدوار على رجله." مصمصت بشفتيها لتتخذ طريقها نحو المصعد قائلة: "أما بني آدم غريب صح، على العموم أحسن، اهو كده أدخل أنا الأسانسير براحتي بقى." ***
بداخل السيارة القديمة والتي ورثتها عن والدها منذ رحيله، أي منذ أكثر من عشر سنوات تقريبًا، والتي كانت تقودها بتوجس، مخترقة الأماكن الجديدة والغريبة في هذه الصحراء التي تعمرت حديثًا بالأبنية الجديدة للمدارس والعمارات والمصالح وغيرها من أوجه مظاهر الحياة المعاصرة، كانت شهد تتحدث عبر سماعة الهاتف بأذنها متابعة للطريق بتركيز حتى لا تغفل عن العنوان الذي تقصده: "أيوه يا لينا معاكي والله، بس لازم أركز في الطريق.......
يخرب عقلك، يا بنتي بقولك لازم أطل على العمال بنفسي وأشوف حركة العمل....... عارفة يا حبيبتي والله، بس استني كده ساعتين تلاتة أكون رجعت المكتب فيها وأطمنت على الموقع التاني كمان........ ماشي يا ستي الله يسامحك........ والله مش انتي بس، أنا كمان محتاجة حد أففض معاه، أكتر منك......... خلاص لو انتي مجتيش هعدي عليكم أنا وأسلم على الست الطيبة والدتك، دي وحشاني أوي والله....... تمام يا حبيبتي اتفقنا، أسيبك بقى سلام."
بعد مرور ربع ساعة تقريبًا، وصلت لتصف سيارتها في المنطقة المخصصة للسيارات، بعيدًا إلى حد ما عن الموقع، لتكمل الباقي سيرًا على الأقدام، حتى توقفت على صوت النداء باسمها: "يا ست شهد، يا سيادة المقاول شهد." التفت بكليتها نحو الشاب العشريني، موظف الحي بهذه المنطقة، وقد علمته من صوته، حتى إذا اقترب بادرته هي بالمصافحة كي ترحب بعجالة: "أهلاً أستاذ هشام عامل إيه؟ بادلها الأخير المصافحة والترحيب بمودة قائلًا:
"أهلاً بيكي يا فندم، يارب تكوني بخير." أومأت برأسها مرددة بسرعة: "بخير والحمد لله، تسلم يا عم هشام على السؤال، أسيبك بقى عشان أطل على العمال." "طب استني بس." هتف بها فور أن همت بالتحرك، كي يوقفها ويردف: "أنا عارف إنك مستعجلة، بس أنا كمان مستعجل والله ونفسي تطمنيني." سألته باستفسار: "على إيه؟ قال هشام بعتب ولوم: "إيه ده؟ معقولة لحقتي تنسي اللي مكلمك عليه بقالي أسبوع؟ "هو إيه اللي انت مكلمني عليه؟
قالتها ثم تذكرت سريعًا مع رد فعل الرجل الذي انخطف وجهه، فتابعت بتذكر: "آه انت قصدك على موضوع صبا، حاضر والله، بس أقابل أبو ليلة وأقوله... قاطعها هشام قائلًا بلهفة: "ما هو وصل النهاردة الموقع، وتقريبًا دلوقتي هتلاقيه عند نصبة الشاي القريبة، أنا شوفته من شوية رايح هناك، وحياة أغلى ما عندك يا شيخة، روحي وكلميه قبل ما يمشي ويختفي في حتة تانية، ريحي قلبي بقى."
همت لتعترض ولكن أمام نظرة الرجاء في عيني الرجل، اضطرت صاغرة لتغير طريقها، لتغمغم بحنق: "يا دي صبا وحوارات صبا، مش هخلص أنا من الصداع ده بقى؟ *** "طبعًا قاعد انت بتشرب شاي الحبر هنا بمزاج عالي ولا هامك حاجة." هتفت بها شهد وهي تقترب من نصبة الشاي الجالس بقربها مسعود أبو ليلة، يرتشف من كوبه بتلذذ، ويتسامر بصوته العالي مع عبيد عامل النصبة. انتبه لها الرجل ليتلقاها بابتسامة مشرقة منه كالعادة، قبل أن يرد بمناكفة:
"طب سلمي الأول، صباحك جدامك ولا وراكي يا بت؟ ضحكت له شهد مرددة وهي تتناول كرسي بلاستيكي لتجلس أمامه: "لا أنا صباحي قاعد قدامي اهو وبيشرب شاي." "وه دي جاية تهزر." قالها أبو ليلة مخاطبًا عبيد قبل أن يطلق ضحكته الرجولية المتقطعة ذات الصوت العالي، فقال عبيد بعد أن هدأت ضحكات الرجل: "تؤمري بإيه يا ست شهد؟ شاي ولا قهوة." ردت شهد بابتسامة ودودة للفتى:
"لا بقى معلش يا عبيد، خليها وقت تاني، أنا جاية في كلمتين للراجل صاحبنا ده وماشية على طول أشوف الهم اللي ورايا." أومأ لها عبيد برأسه ليعود لعمله، وسألها أبو ليلة: "خير يا ست شهد، عايزاني في إيه؟ تبسمت له الأخيرة تجيبه: "صبا." "اشمعنى؟ قالها فردت شهد بابتسامة متسعة: "متقدملها عريس وسايقني عليك واسطة عشان ترضى بيه." رد مسعود على الفور: "لا." هتفت به شهد مستنكرة: "لا على طول كده! طب مش لما تعرف هو مين الأول؟
هزهز رأسه بعدم اهتمام وهو يعود ليرتشف من كوب الشاي خاصته، فاستطردت قائلة: "ده الأستاذ هشام، موظف الحي اللي بيجي يشرف على المباني أحيانًا، بيقول إنه شاف صبا بالصدفة معاك، وسأل عليها وعرف إنها بنتك، ومن يوميها الراجل هيتجنن ويكلمك، وبيقول إن شقته جاهزة من مجاميعه وهو تحت أمرك في اللي تطلبه و..... قاطعها أبو ليلة:
"ولو هيجيب نجمة من السما، بلغيه رفضي وريحي مخك، ما انتي عارفة رأيي يا شهد لزومه إيه بس الأخذ والرد في أمر منهي؟ توقفت الكلمات على طرف لسانها بعد أن أفحمها برده القاطع، لكن وبرغم علمها المسبق برده، حاولت مرة أخرى: "طب فهمني بس، يعني انت هتسيبها كده زي البيت الوقف من غير جواز العمر كله يا عم أبو ليلة؟ رد يجيبها وبكل بساطة:
"هي حرة بقى، أنا راجل ومرضيتش أجبرها على الجواز من واد عمها، بس كمان محدش هيفرض عليا كلمته، يعني مدام هي مقبلتش بواد عمها، يبقى تقعد كده بقى من غير جواز خالص، إيه يعني؟ ضربت كفيها ببعضهم، تقارعه بدهشة لهذا المنطق الغريب: "يا عم الحج، هي الدنيا وقفت على ابن عمها وبس؟ مفيش بقى ناس محترمين يصلحوا؟ "لا مفيش." قالها بحدة ليردف بعد ذلك:
"أنا شفت ولفيت كتير، لكني برضوا مش هتنازل عن اللي في دماغي، لحد ما هي توافق على واحد من عيال عمامها اللي طالبينها، ما يصون العرض غير واد العم يا بت أخوي، فهمتيني؟ تبسمت شهد بحنين وقلبها يرفرف داخلها مع جملته العابرة؛ والتي ألقاها بدون تركيز، (بت أخوي)
لا يعلم بوقعها عليها، وكأنها كالبلسم الذي ينزل على جرحها ليطيبه، ويذكرها بمساندته الدائمة لها من وقت رحيل أبيها، رغم عدم وجود صلة قرابة حقيقية تجمعها به، سوى أنه كان صديق والدها، أبو ليلة ظهرها وبفضله فقط هي استطاعت الوقوف على قدمها، حتى تتحمل المسؤولية وتراعي أخواتها، رغم قسوة المجال الذي تعمل به، وشراسته في ابتلاع كل صغير أو ضعيف. "يا ست شهد يا ست شهد."
وصلها الصوت اللاهث مع اقتراب صاحبه بالركض نحوهم، حتى توقف أمامها يردد بصوت متقطع الأنفاس: "الحقينا يا ست شهد وتعالي شوفي البلوة اللي حطت على راسنا دي! "بلوة إيه الله يخرب بيتك؟ هتفت بها شهد بجزع وتبعها أبو ليلة أيضًا ولكن بنزق: "ما تتكلم ياد وخلص، خلينا نفهم." هم ليجيبه الشاب ولكن هاتف أبو ليلة صدح بورود مكالمة، استجاب للرد يردف بانفعال: "أيوه يا واد عايز إيه؟ ...... وه لجنة إيه كمان اللي جاي يشوف اللي اتبنى؟ ....
استناني ياد ومتتحركش، أنا ربع ساعة وهكون عندك." أغلق سريعًا أبو ليلة ليهدر في الماثل أمامه: "قول يا واد على طول، إيه اللي حاصل؟ أجاب على الفور عبد الرحيم مساعد شهد: "جايبين مهندس جديد، غير اللي كان متابع معانا دايمًا، ومن أول ما وصل عمال يزعق ومش عاجبه حاجة، وكل اللي على لسانه، فين المقاول المهمل؟ سايب الدنيا بايظة والحال واقف." "الحال واقف! رددتها شهد بدهشة، ورد عبد الرحيم مدافعًا:
"لا والله يا ست شهد، دي بس ربع ساعة وقفنا فيها عشان نفطر." هتف أبو ليلة مستنكرًا: "لهو عايزكم تموتوا من الجوع كمان، فين المهندس ده وأنا أوريه شغله." قالها وهم أن يتحرك قبل أن توقفه شهد: "استنى هنا يا عم انت، روح شوف شغلك واللجنة اللي طبت فجأة على الموقع بتاعك، وأنا كفاءة أسد مع أي حد." "بس يا بتي.." "مفيش بس يا عم أبو ليلة، روح شوف شغلك زي ما اتفقنا." ***
وصلت شهد أخيرًا إلى الموقع الذي يعمل الرجال في بناءه تحت مسؤوليتها كمقاول مهمته التنفيذ بدقة لتصميم المبنى من قبل المسؤول، مع توافر الإمكانيات التي يتم بها ذلك. تفاجأت بعمالها الملتفين نحو هذا الشخص الذي يهدر بينهم بصوته، بالتوبيخ والصياح: "ده مال حكومة، الوقت اللي انتوا بتضيعوه ده من فلوسكم اللي بتدفعوها في المال العام، لو المقاول بتاعكم مهمل ومدلعكم، أنا بقى مسمحش بالتسيب ده." "سيب العمال حضرتك، وخلي كلامك معايا."
هتفت بها شهد من خلفه فالتف حسن إلى الصوت النسائي، ثم ضيق عينيه بتساؤل، فهمته هي لتجيبه على الفور: "أنا المقاول المسؤول هنا." جالت عينيه عليها يناظرها بذهول من قبعة رأسها في الأعلى حتى شوز قدمها في الأسفل، فخرج صوته بعدم تصديق: "إنتي..... المقاول المسؤول؟! .... يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!