الفصل 14 | من 43 فصل

رواية و بها متيم انا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم امل نصر

المشاهدات
28
كلمة
6,708
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

بالقرب من البناية التي تقطن بها، توقفت سيارة الأجرة الجماعية، لتترجل منها، فوقعت عينيها على مساعد شقيقتها الذي كان خارجًا منها مهرولًا بخطواته. هتفت به توقفه وقد اقلقها هيئته: -عبد الرحيم استني هنا. التف إليها الأخير وتوقف ينتظرها حتى اقتربت لتسأله: -هو انت كنت عندنا فوق؟ -اه يا ست رؤى، أصلي كنت جاي أطمنكم على الست شهد لا تقلقوا على غيابها. رددت خلفه بتوجس: -تطمنا على غيابها! ليه هي مالها شهد؟ وايه اللي يخليها تغيب؟

بدا على وجه عبد الرحيم الحرج، مما زاد على رؤى بالشك لتعيد السؤال بقلق: -ما تقول يا عبد الرحيم، ما لها اختي؟ أنا خرجت من المدرسة على الدروس، يعني من الصبح غايبة عن البيت، اختي مالها؟ تكلم يخاطبها بمهادنة، حتى لا يزيد عليها: -اهدي بس اهدي وخليني أفهمك، شهد اختك كويسة والحمد لله، المشكلة حصلت عندنا في الموقع، عامل النصبة اللي شغال معانا بقاله سنين، حصلتله حادثة، وهي بس عشان قلبها رهيف مستحملتش فوقعت من طولها......

-اختي أنا وقعت من طولها؟ هتفت بها مقاطعة فتابع لها يستطرد بعفويته: -يا ست افهمي، هي بس حصلها تعب في أعصابها... -اختي أعصابها تعبانة؟ قاطعته للمرة الثانية بجزع ارتسم على ملامح وجهها حتى أشفق عليها، وحاول طمأنتها ولكنها بدت وكأنها تعلم ما حدث بقولها: -هي شافت الحادثة بعينها عشان كده تعبت صح؟ -لا والله ما حصل، هي بس شافته وهو خارج من أوضة العمليات راحت وقعت من طولها. قالها بغرض تهدئتها ولكن ما حدث هو أن زاد من ارتياعها،

لتصيح به: -اختي فين دلوقتي؟ وديني عند أختي يا عبد الرحيم. تنهد بتريث يجيبها: -يا ست رؤى افهمي أنا جيت أبلغ الست والدتك عشان آخدها معايا على المستشفى لو حبت، بس اختك أمنية قالتلي امشي واحنا هنحصلك، يعني مينفعش آخدك لوحدك، منظرها مش حلو، شوفيهم فوق لو حابين اتصلي بيا وأنا أجيب تاكسي وآخدكم معايا. توقف ليتحرك قبل أن يستأذن:

-أنا في بيتنا يا ست الكل، هاتشطف بسرعة عشان أغير هدومتي وأكل لقمة، لو عايزة زي ما قولتلك، رني عليا بس، الرقم عندك في التليفون. ذهب عبد الرحيم والتفت هي مسرعة نحو منزلهم، حتى، إذا وصلت هناك هتفت بوالدتها التي فتحت لها الباب: -ماما انتي لسة قاعدة بهدوم البيت؟ مخرجتيش ليه مع عبد الرحيم يوديكي عند شهد؟ تلجلجت نرجس قليلاً بتوتر قبل أن تجيبها:

-يا بنتي ما أنا رايحة أهو على ما اختك تجهز وتخلص، هو انتي عرفتي اللي حصل لشهد منين؟ أجابتها رؤى تردف على عجالة وهي تدلف لداخل المنزل: -أنا قابلت عبد الرحيم وهو نازل من عندكم وقالي، المهم يلا بقى خلصونا، يا أمنية، يلا يا أمنية... ردت الأخيرة وهي تخرج لها من الغرفة: -أيوه أيوه، يلا إيه بقى؟ هو إحنا رايحين فسحة؟ تفاجأت رؤى وهي تجدها بملابس المنزل هي الأخرى، تضع الهاتف على أذنها وتتحدث بهدوء، لتصيح بها:

-هو انتي كمان لسة ملبستيش؟ امال امتى هتجهزي زي ما قالت والدتك؟ بلاش برودك ده دلوقتي يا أمنية، عايزين نلحق نطمن على شهد. بملامح ممتعضة ردت أمنية: -وأنا يا اختي مانعت ولا اعترضت؟ ما قولنالك رايحين، بس بقى بالأصول، عشان أنا واحدة مخطوبة، ولازم أستأذن خطيبي الأول، قبل ما أتحرك خطوة من البيت، هو محرج عليا في كده. صرخت رؤى تخرج عن طورها الهادئ: -تستأذني خطيبك على مشوار اختك اللي وقعت في المستشفى ومحدش فينا معاها؟ ليه؟

كان كاتب كتابه، ده حتى لو كان برضه في حاجة زي دي، مش عليكي حرج. اهتزت بجسدها المكتنز لتقول بأعين متهربة: -برضه مينفعش أنا لازم أستأذن. بوجه محتقن وأعصاب على وشك الانفجار خاطبتها رؤى: -ماشي يا ست المطيعة خلصينا بقى ونهيلي اتصلي، مستنية إيه؟ ولا التليفون أصلاً على ودانك بيعمل إيه؟ ردت أمنية بصوت مرتبك: -ما أنا بحاول من ساعة ما مشي الواد ده اللي اسمه عبد الرحيم، بس إبراهيم لسة ما بيرودش، باينه نايم بقى ولا إي.......

-كممممممان. صرخت بها رؤى لتتابع بعدم احتمال: -عايزة تنتظري لحد أما يصحى الباشا ولا يتكرم ويرد عليكي، لا بقى ده ما سموش برود، دي التناحة بعينها.. تحركت بخطواته تردف: -أنا رايحة لعبد الرحيم، رايحة معايا يا ياما؟ اضطربت حدقتي نرجس وذهبت أنظارها نحو أمنية التي ضيقت عينيها بتحذير، لكن رؤى كانت أقوى في صيحتها: -اتحركي بقى يا ماما، هو انتي لسة هتستني الهبل ده؟

بنتك عايزة تستنى المحروس بتاعها، يبقى مع نفسها، لكن انتي مينفعش قعادك أكتر من كده، يلا يا ماما. أتى التوبيخ بنتائجه على نرجس التي ركضت بخطواتها سريعًا حتى دلفت لغرفتها مذعنة لأمر رؤى، والتي وقفت تتبادل حرب النظرات مع أمنية الساخطة، بعد أن أفحمتها بحزمها وقوة شخصيتها، رغم صغر سنها، وفرق العديد من السنوات بينهن. -❈❈

صراخ وعويل، رجال ونساء حولها يناظرونها بشفقة، وهمسات وكلمات عديدة لم تفهم منها شيء، وهي مصرة أن تتخطى وتقتحم داخل المنزل المكتظ بالبشر، حتى دلفت لداخل الغرفة الحبيبة فذهبت بعينيها نحو الفراش لتجد أمامها جسد مستلقي عليه دون حراك مغطى نصفه بملاءة بيضاء، والنصف الأعلى مكشوف، لتكمل بأنظارها على الجلباب المغبر، ثم الوجه المغرق بالدماء؛ والأتربة تغطي معظم ملامحه، و..... لقد علمته! .... إنه هو.... هو ... باباااا ......

صرخة قوية شقت حلقها، والصور القبيحة والمؤذية تتداخل أمامها ببشاعة وكأنها بداخل هوة سحيقة تبتلعها، يختفي بها كل شيء إلا من صوت ضعيف يأتي من بعيد ويقوى شيئًا فشيء: -شهد، فوقي يا شهد، شهد شهد. خرجت الأخيرة بقوة تتنزعها من ظلمتها، لتجد وجهه أمامها، بجزع يردد لها: -هو انتي كنتي بتحلمي؟ يا شهد أنا بكلمك. كانت تتنفس بصعوبة وأعين جاحظة على ملامح ملتاعة، جعلت قلبه يسقط داخل صدره، يردد لها:

-يا شهد فوقي وكلميني ولا أروح أندهلك الدكتور. -دكتور إيه؟ همست بها لتستعيد وعيها أخيرًا وترى الصورة جيدة، داخل الغرفة ذات الجدران البيضاء، إبرة مغروزة على ظهر كفها، موصولة بأنبوب طويل لمحلول معلق في أعلى العمود الرفيع بجوار التخت النائمة عليه، وهذا المدعو حسن مائلاً بجسده نحوها، ومازال يخاطبها بقلق: -انتي واعية دلوقتي عشان تكلميني؟ ولا أجيب الدكتور زي ما قولتلك؟

نفت برأسها، واستدركت لتتمالك وتعتدل بجزعها على الفراش الطبي، لتحاول بيأس السيطرة على ارتجافها والذي فضحه صوتها المهزوز: -هو أنا إيه اللي حصلي؟ وليه المحاليل والرقدة هنا على سرير المستشفى؟ تحمحم حسن بعد أن اطمأن قلبه قليلًا بعودتها وتناول المقعد القريب ليجلس بالقرب من تختها ويجيبها: -المحاليل والرقدة هنا في المستشفى، ده بأمر من الدكاترة، بعد انتي ما أغمى عليكي. رددت خلفه متسائلة بعدم تذكر: -أغمى عليا؟

أنا أغمى عليا طب ليه؟ -الكلام ده حصل بعد ما شفتي عبيد وهو خارج من أوضة العمليات يا شهد. قالها حسن ليجد انعكاس كلماته على ملامحها التي تغضنت بتأثر تغمض عينيها بألم، وكأن تذكرها لعبيد أعاد عليها ذكرى أبشع.... سألها حسن يجفلها: -شهد هو انتي إيه اللي خلاكي افتكرتي والدك؟ زادت بإغماض جفنيها لعدة لحظات صامتة، حتى جاء ردها في الأخير برفض: -ممكن ما تسألنيش السؤال ده؟ عشان بصراحة لا أنا عايزة ولا قادرة أرد.

تطلع بعينيها وهذا الرجاء بهما ليرى جرحها الغائر والذي تحاول جاهدة أن تخفيه خلف قشرة صلبة بهيئة الرجال حتى لا يرى أحد ضعفها، تنهد حسن بثقل ما يشعر به تجاهها في هذه اللحظة، وقال مهونًا: -خلاص يا شهد مش هسألك، أنا بس هقولك تهدي شوية عشان تقدري تستعيدي صحتك مرة تانية. -صحتي! ليه هو أنا عندي إيه بالظبط؟ سألته بجزع وعينيها زاغت بتوتر، فقال حسن:

-ميروحش فكرك لبعيد يا شهد، أنا أقصد الضغط على أعصابك، الكلام ده هو اللي خلاكي تقعي من طولك النهاردة، والدكتور اللي فحصك نبه على الحكاية دي، انتي أعصابك تعبانة يا شهد ولازم تستريحي. تجعد جبينها لتسأله بعدم فهم: -أستريح إزاي يعني؟ هو أنا مش هقوم دلوقتي بعد ما أخلص المحلول ده. تحركت رأسه بنفي أمامها يردف: -لا يا شهد، الدكتور أمر إنك تباتي الليلة في المستشفى، ولما تروحي بكرة تستريحي في بيتكم كمان. اعترضت وهي تحاول أن

تنزع إبرة المحلول من كفها: -خلاص يا عم يبقى أستريح في بيتنا أحسن، هو الموضوع مستاهل..... أوقفها بمسك يدها الحرة قبل أن تتمكن من فعل ما برأسها العنيد ليهدر بها بحزم: -اسمعي الكلام بقى، بلاش استهتار، الدكتور أمر يبقى تنفذي وانتي ساكتة. برغم توترها من فعلته، وقرب وجهها منه، إلا أنها أصرت على عدم الطاعة بقولها: -يأمر براحته، وأنا بقى محدش يمشي عليا، سيب إيدي يا حسن.

لأول مرة تلفظ اسمه بدون اللقب المهني له، لأول يعرف بطريقتها الناعمة في نطق الاسم، حتى أنها مرت على أسمعه وكأنها لحن موسيقي، لأول مرة يراها بهذا القرب، الجمال المتخفي خلف هيئة رجولية كاذبة تدعيها ولا تليق بها. -بقولك سيب إيدي يا حسن. قالتها مرة أخرى غير دارية بحالته، وهو يجاهد للتماسك أمامها فقال بصوت متحشرج: -هسيبك يا شهد، بس تبطلي تنشيف الدماغ ده.

أومأت رأسها بمهادنة حتى يتركها، ففعل ولكن بحذر حتى لا تعود لما تفعله مرة أخرى، أما هي فقد ابتلعت ريقها بارتباك واضطراب في مشاعر تستشعرها الآن بعد فترة طويلة من السنوات، وقد ظنت أنها اندفنت مع من دفنوا. -إيه اللي حصل يا شهد؟ صدرت بدخول أبو ليلية فجأة للغرفة مندفعًا بقلق نحوها، نهض على الفور حسن يستقبله: -تعالي يا عم مسعود وشوف المجنونة دي، مش برضه انت كبيرها وليك كلمة عليها؟ -ليه يا بوي فيه إيه؟

سأل مسعود وهو يتقدم بخطواته حتى جلس على طرف التخت منتبهًا لحسن الذي أردف: -المقاول قريبتك دي، الدكتور منبه عليها الراحة التامة الليلة دي في المستشفى وهي راسها والف سيف لتنزع إبرة المحلول وتقوم. سمع منه أبو ليلة ليلتف إليها بنظرة دافئة رغم مزاحه قائلاً: -ليه يا بت أخوي؟ وراكي الأبعدية وخايفة عليها تتسرق؟ ولا فاكرة إنهم ميقدروا يسووا أمورهم من غيرك؟ خواتك كبروا يا شهد، ما عدوش صغيرين زي الأول. تجعدت ملامحها لتقول بسأم:

-مش موضوع أخواتي يا أبو ليلة، أنا نفسي بكره المستشفيات، ده غير إنّي رافضة القعدة على موضوع تافه. -تافه! هتف بها حسن باندهاش، فقال مسعود: -طول ما وجعتي من طولك يا شهد يبقى مفيش حاجة تافهة، أنا أول ما سمعت باللي حصل، جيت على ملأ وشي جري، مش خوف على عبيد وبس، لا ده عليكي انتي كمان، عشان عارفك. ضيق عينيه حسن بتفكير، وبدا على الاضطراب على ملامح شهد وهي تخاطبه: -عارفني إزاي يعني؟ فيه إيه يا عم؟ ما أنا زي الفل قدامك أهو.

-بس يا بت، بلا جدامي، بلا وراي، اسمعي كلام الدكتور وبطلي رط على الفاضي. هتف بها أبو ليلة بحزم جعلها تبتسم بطاعة لأمره، ثم تبادلا الحديث ثلاثتهم حول حالة عبيد وانتظارهم لاستفاقته حتى يطمئنوا عليه، وحسن يحاول الاندماج معهم، حتى أتت رؤى ووالدتها ليطمئنا عليها ويرافقنها، فوجدها فرصة حسن لينفرد بمسعود حتى يعرف ما يود معرفته. -❈❈ في غرفة عملها بالفندق، وهي تتحدث مع والدتها عبر الهاتف، خرج صوتها بجزع: -شهد! ....

انتي متأكدة من كلامك ده ياما؟ ............. كلمتيها بنفسك واطمنتي؟ ........... أكيد طبعًا افتكرت حادثة والدها وده اللي جابلها التعب،........ يا أمي أنا هخلص شغلي وأعدي عليها، مش هستناكي........... خلاص يا ستي متزعليش، هعدي عليكي انتي كمان ونروح...... قطعت جملتها مع رؤيتها لهذا الرجل المتغطرس وهو يقتحم الغرفة، أنهت سريعًا وهي تقف لتحيته.... -طب سلام دلوقتي، وبعدين هبقى أكلمك... -مساء الخير. قالها مع اقترابه لمكتبها،

وردت تجيب التحية بعملية: -مساء الخير يا فندم، تؤمر بحاجة؟ سؤالها الملاصق لرد التحية أثار بداخله الضيق، لعدم سماحها بإعطائه فرصة التعامل معها بود عادي حتى، تجهم ليسألها متحججًا: -شادي فين يعني؟ أنا مش شايفه. قطبت في البداية مستغربة السؤال، ولكنها سريعًا عادت لتجيب بمهنية: -حضرتك مستر شادي أكيد مشغول دلوقتي في إعداد الحفل مع الناس المختصين. -وانتي مش معاه ليه؟ سألها بفضول يجعله يحترق بداخله ليعرف، وجاءت اجابتها:

-أنا هنا بنفذ أوامر رئيسي، وهو بيأمرني لتنفيذ الأعمال الإدارية. -اممم زم بفمه يفرد جسده واضعًا كفيه في جيبي بنطاله، أنظاره مرتكزة عليها، ليقول بإصرار على المجادلة: -وليه أعمال إدارية بس؟ معندكيش كفاءة في باقي الأعمال؟ ارتفعت عينيها الجميلة لتحدجه بحدة رغم دبلوماسية الرد: -والله يا فندم لو مستر شادي شايفني بالمنظور ده، أكيد طبعًا يبقى له الحق في التصرف كما يشاء، ينقلني عن العمل، أو يصرفني حتى، هو حر.

صمت يختزل نظرتها داخل عقله وهذه القوة والتحدي بها، رغم ادعائها الاحترام له، فقال بخبث: -مش يمكن مقدر الجيرة وبيجامل على حساب راحته، أنا شايف إنه بيجي على نفسه زيادة، ومن رأيي إنه ميدخلش الأمور دي في الشغل، يعني من الأفضل إنك تتنقلي من عنده.... -أتنقل! هتفت بها بصدمة وعدم تصديق أن يكون قاصدًا هذا بالفعل، تنقل من العمل بهذا القسم وتذهب إلى أين؟

ليس لديها معرفة بأحد ولا تريد الاختلاط بأحد غريب، يناسبها العمل هنا ولا تشعر بأدنى رغبة في تركه. -سكتي ليه؟ سألها مراقبًا كل همسة منها لمعرفة رد فعلها والذي بدا على تجهم ملامحها، لتقول بتماسك: -أنا قولت من الأول، مستر شادي حر في أي شيء يعمله، حتى وأنا شايفة إني مقصرتش. -مش مهم انتي تشوفي، المهم أنا اللي أشوف. قالها عدي بمقصد ليذكرها إنه هو صاحب القرار، ومن له حق التصرف، وليس هذا المدعو شادي. -عدي باشا!

قالها الأخير وهو يلج الغرفة بخطوات مسرعة كعادته، فالتفت صبا إليه بنظرة متلهفة وكأنها كانت تنتظر مجيئه، ورد عدي: -أنا كنت بمر جنبك يا شادي وجيت أسألك عن آخر ترتيبات الحفل. أجلى شادي حلقه ليجيب باضطراب أقلق صبا، مع بدء حفظها لطبيعته حينما يصيبه التوتر لشيء ما: -حاجات بسيطة أوي هي اللي فاضلة يا فندم، ودي خاصة بترتيب الحضور وحجز تذاكر الجمهور، وأنا عامل ملف عشان أطلعك على آخر المستجدات.... اا ثواني هجيبهولك.

وقالها وتحرك خلف مكتبه، ولكن عدي أوقفه: -ابعتهم ورايا يا شادي، أنا مستنيك في الريسيبشن، ولا ابعتهم مع المساعدة بتاعتك أحسن. قالها وتحرك بتعالي ساهم في ازدياد احتقانها منه، لتغمغم فور مغادرته: -يا ساتر على تقل دمك... إيه ده؟ التفت نحو رئيسها لتجده يلملم في وضع أشياءه في الحقيبة السوداء، لتسأله بفضول: -أنت بتلم حاجتك ليه؟ أجاب وهو يحكم إقفال الحقيبة:

-رحمة اتصلت بيا من شوية، بتقولي إن أمي تعبانة ونقلولها المستشفى، أنا وكلت حمدي يتابع بدالي عشان أروح أحصلهم حالًا دلوقتي. نهضت صبا توقفه قبل أن يغادر: -طب استنى، أنا كمان جاية معاك. -وشغلك يا صبا؟ والملف اللي عدي عزام عايز يشوفه؟ ردت غير مبالية وهي تتناول حقيبتها وهاتفها: -انت مش قولت إنك وكلت حمدي يتابع بدالك، خلاص بقى خليه يوصله بالمرة. -❈❈ بعد قليل

وعلى كرسيه المفضل في الركن الذي اتخذه ملكية خاصة له، كان جالسًا يرتشف قهوته، يدعي العمل على حاسوبه وعقله يسبح في بحر العيون التي سيطرت على مركز الرؤية لديه، فلا تمكنه من مشاهدة الأرقام أو الأشخاص أو العالم الذي يدور كخلية نحل من حوله،

ينتظر مجيئها بفارغ الصبر، على الرغم من عدم مرور وقت منذ مغادرته الغرفة، ناظرها بعينيه، تطل من الجانب الذي تقطعه دائمًا في الذهاب والعودة نحو محل عملها، هم أن ينتشي بالفرح، ولكنه تفاجأ بمجيء شادي خلفها، ثم مرافقته لها وتجاهلهم له، بأن اتخذوا طريقهم نحو باب الخروج بالفندق، ظل على وضعه المصدوم، لعدة لحظات يتابعهم بعدم استيعاب، حتى أجفله حمدي: -عدي باشا. التف إليه يجيب بحدة: -نعم! عايز إيه يا حمدي؟

تحمحم الأخير بحرج وهو يدنو ليُناوله الملف المطلوب قائلًا: -حضرتك دي البيانات اللي انت طلبتها، شادي كلفني أجيبها لك عشان هو خرج مستعجل. -شفته. هتف بها سريعًا ليتابع بغضب: -ولما هو خرج مستعجل واستأذن منك، مبعتش المساعدة بتاعته ليه؟ ولا هي كمان عندها مشوار مهم عشان تخرج معاه؟ -هي فعلاً خرجت معاه يا فندم، أصل والدة شادي نقلوها المستشفى وهي بحكم إنها جارتهم، استأذنت تروح معاه. قالها حمدي، ليخرج رد عدي

عليه بسخرية امتزجت بغضبه: -وانت بقى الحنين مرديتش تزعل الاتنين. تفاجأ حمدي باللهجة الحادة من رئيسه وبدون مبرر، فقال بحرج: -حضرتك الموضوع هنا ميخصش الحنية، بس ده شيء عارض، والحكاية دي أي حد فينا معرض ليها. صك على فكه ليصرفه ببعض اللطف، وداخله يحترق بالغيظ، وقد ألجمه المنطق عن صب جام غضبه فيه، أو الانتقام من الاثنين، أو هي على الأخص، بأن ذهبت غير مبالية به أو بأمره، وكأن ليس لديه سلطة عليها أو رئيسها في العمل. زفرة

طويلة أطلقها ليغمغم بتوعد: -ماشي، ماشي يا صبا. -❈❈ بعد مرور عدة ساعات. خرجت من المصعد بخطوات مسرعة، لتستدرك وتستدير برأسها لتهتف به من خلفها: -ما تيلا بقى يا إبراهيم، مد رجلك دي شوية كده، إحنا أساسًا متأخرين. ناظرها بامتعاض يزيد من تمهله بتخيل في سيره، ليقول باعتراض: -متأخرين بقى ولا كنا مجيناش أصلًا؟ احمدي ربنا إني وافقت أجيبك، وكمان أجي معاكي عشان أنا راجل وابن أصول. ابتسامة ساخرة خرجت منها بمرح، لتردف بمغزى:

-لأ فيك الخير يا سي إبراهيم. توقفت لتكمل هامسة بمغزى: -اللي يسمعك بتقول كده، يقول إن انت جاي من نفسك، مش بعد محاولات من الزن على راسك لما نشفت ريقي، وبرضه موافقتش غير بعد ما أخدت حق التوصيلة. قالت الأخرى بغمزة ضاحكة، ليلتف الآخر يمينًا ويسارًا، ليخاطبها بحذر: -خلي بالك يا بت من كلامك، إحنا في مكان عام، يعني مش ناقصين عبط. -أنا عبيطة! ماشي يا إبراهيم.

قالتها لتسبقه بخطواتها المسرعة، حتى كان جسدها المكتنز يهتز أمامه في طقم الخروج الذي ترتديه، ليظل هو يمهل بالخطوات خلفها متعمدًا، مغمغمًا بمصمصة من شفتيه: -الحاجة الوحيدة اللي عجباني فيكي! -❈❈ وفي الجهة الأخرى خرجت مجيدة من المصعد المقابل، تستند على ذراع أمين الذي أتى بصحبتها، مذعنًا لإلحاحها، بعد أن أصرت على المجيء. -هو ده الدور اللي فيه أوضة شهد؟ أجاب على مضض، وعينيه تجول يمينًا ويسارًا:

-هو ده الدور فعلاً يا ست ماما، بس أنا بقى مش عارف أوضتها في أي جهة عشان ابنك المحروس مقليش إن المستشفى كبيرة كده. قالت مجيدة مدافعة: -يا بني هو فيه إيه ولا إيه بس؟ ده يا حبيبي بيتكلم بالعافية. توقف بها ليقول بتذمر: -اه يا ست الكل، هو يتأثر ويزعل وأنا بقى اللي أشيل وأعطل نفسي في اللف والدوران، يعني هما كان من أهلنا. نهرته مجيدة تلذعه بقبضتها وتقول بتوبيخ:

-بس يا واد متقولش كده، ربنا ما يجيبها لحد يارب، قريب ولا غريب، وإن كان على أخوك اتصل بيه وخليه يجي ياخدنا، هي مش صعبة أوي كده يعني. زفر أمين يتناول الهاتف بضيق ليتصل على شقيقه. -❈❈ وفي غرفة شهد وبعد أن خرج حسن ليستقبل شقيقه ووالدته، كانت هي تتلقى العناق والقبلات من شقيقتها، بجمود وعدم راحة: -الف سلامة عليكي يا أختي، والله ما تعرفي أنا كنت زعلانة قد إيه؟ ولولا إبراهيم كان وراه شغل مهم لكان جابني قبل أمي وأختي كمان.

ألقت شهد بنظرها نحو الأخير، والذي كان واقفًا بالقرب منها، لتردد بعدم تصديق: -كان وراه شغل! .... ومهم كمان؟ رد إبراهيم رافعًا رأسه أمامها بزهو يدعيه بكذب: -آه أمال إيه؟ أنا كان ورايا مصلحة مهمة بعملها، مش صايع يعني ولا فاضي. رمقته شهد بنظرة كاشفة أثارت حنقه من الداخل، فتدخلت نرجس بمداهنة: -سميرة أختي على طول بتقولي إنك مشغول، روح يا بني ربنا يفتحها عليك، انت وكل الشباب اللي زيك.

خطفت شهد نحوها نظرة سريعة يائسة قبل أن تتجه نحو شقيقتها الصغرى والتي كانت بركن وحدها، تقف متكتفة، توزع انظارها نحو الثلاثة بسخط صامتة، فهمت عليها شهد لتخاطبها: -انتي يا حلوة، واقفة بعيد عني ليه؟ مش تيجي كده جمبي، ولا انتي خايفة إني أعديكي؟ قالت الأخيرة بتفكه جعل الأخرى تضحك مستجيبة بمرح لتردد وهي تقترب منها: -أيوه بقى، واتعدي كمان من طبعك، ومدام هتبقى عدوة يبقى نخليها شامل كمان بالشكل، عشان آخد حلاوتك وجمالك.

جذبتها من كفها لتتلقفها بعناق مرددة: -ده انتي اللي قمر، وأحلانا كلنا، يا آخر العنقود يا سكر معقود انتي. عوجت أمنية ثغرها بزاوية وهي تشيح بوجهها عنهن، لا تطيق هذه اللحظات المستفزة منهن، التقت عينيها بإبراهيم الذي فهم، ليناظرها بتشفي وكأنه يخبرها بحجم المحبة الفارق بين الشقيقتين، وهي المكروهة منهن، وبينهن كانت تقف نرجس، لا تفقه ولا تعي بحديث الأعين الدائر بحدة، ولكن شهد بفطنتها لم يفُتها ذلك، فسألت تجفلهما:

-مقولتيش يعني، التقيتوا إزاي عشان يوصلك؟ استناكي برا في الحارة ولا روحت انتي بيت خالتك ومشيتي معاه؟ ولا....... مش معقول يعني يكون طلعلك البيت.... ولا طلع؟ على الفور نفت أمنية بهز رأسها، وهي تخفي ارتباكها بالهجوم المضاد: -لا طبعًا مطلعش، جرا إيه يا شهد؟ ده مبيدخلش البيت وانتوا قاعدين، هسمحله إنه يدخل وانتوا غايبين؟ ما تخلي بالك من كلامك، الله. أضاف هو أيضًا وقد أعجبه قولها: -يمكن فاكراني ناقص ولا قليل أصل؟

صمتت شهد ولم تريحهم بأي رد فعل، بل اتجهت نحو شقيقتها الصغرى سائلة: -وانتي بقى يا ست رؤى قوليلي، عرفتي إزاي تروحي لعبد الرحيم عشان يوصلك؟ همت تجيبها رؤى، ولكنها توقفت على طرق باب الغرفة، وحسن يطل برأسه يقول باستئذان: -والدتي جاية مع أخويا يشوفك يا شهد، ممكن؟ اعتدلت بجذعها لتردد بترحيب: -آه ممكن وممكن أوي كمان، خليها تدخل، تعالي يا ست مجيدة. ابتعد حسن عن المدخل ليُفسح الطريق لوالدته التي ولجت بابتسامة مشرقة

من القلب تردف التحية: -مساء الفل يا قمري. -مساء الفل يا ست مجيدة اتفضلي. تقدمت إليها تحتضنها بحنان قبل أن تجلس على طرف التخت مرددة: -الف سلامة عليكي يا قلبي. هذا القلق مع دفء المشاعر التي كانت تصدر منها بصدق وصل لشهد حتى خرج صوتها ببحة مجروحة من العمق، فكيف للمحروم مهما بالغ في اعتزازه بنفسه أو التغاضي، ألا يتأثر بلمسة حانية من القلب؟ -الله يسلمك يارب يا ست مجيدة، متحرمش منك.

-يا حبيبتي ولا منك، ده أنا من وقت ما سمعت من حسن باللي حصل، وأنا لا على حامي ولا على بارد، وكنت هتجنن وأنا منتظرة حد من الولاد يجيبني عندك وما صدقت أمين وصل من نبطشيته، قومت ساحباه من قبل حتى ما يغير هدومه. أضاف الأخير على قولها: -ولا حتى أدتني فرصة أكل لقمة.... المهم بقى الف سلامة عليكي. تمتمت شهد بإحراج: -الله يسلمك يا حضرة الظابط، مكنش فيه لزوم للتعب. -مين ده اللي ظابط؟ سأل إبراهيم، قبل أن يلتفت إليه حسن يجيبه:

-أخويا هو اللي ظابط، وأنا البشمهندس حسن اللي شغال مع المقاول شهد، ودي الست والدتي، وعلى فكرة بقى إحنا حضرنا خطوبتك. تدخلت نرجس بتذكر: -أيوه صح، أنا فاكرة الست مجيدة لما جت سلمت عليا وباركتلي، ازيك يا هانم؟ عاملة إيه؟ قالت وهي تدنو من مجيدة بترحيب مبالغ فيه، وتعرفها على ابنتيها، رؤى، والعروس أمنية والتي كانت مزبهلة بغباء لفت انتباه إبراهيم الذي لكزها يهمس بتحذير: -مالك يا بت متنحة كده ليه؟ ما تظبطي كده وتعدلي.

أجابت بهمس هي الأخرى مستغلة انشغال والدتها في الحديث مع الأغراب، واستئذان الظابط أمين، ليتناول شيئًا ما في الخارج، قبل أن يعود ليغادر بوالدته، لتقول وانظارها نحو المتبقي: -معلش يا إبراهيم، بس بصراحة أنا متفاجئة من السهولة اللي ساكنة معانا وهي متصاحبة على ناس نضيفة كده وعاملة علاقات معاهم، يخربيت كده، إيه الحلاوة دي؟ لفظت الأخيرة بحماقة جعلت الآخر يحدجها بنظرة نارية يتمتم من تحت أسنانه:

-بتعاكسي في الرجالة قدام عيني يا بت الجزمة، وحياة أمك لأربيكي عليها دي. قالها وتحرك مغادرًا دون استئذان ليصفق الباب خلفه بعنف جعل جميع من في الغرفة ينتبهون، قبل أن تجفلهم الأخرى بقولها: -يا نهار أسود، ده باينه خد على خاطره مني؟ عن إذنكم بقى يا جماعة، إبراهيم، يا إبراهيم. غادرت هي الأخرى لتترك الجميع يتطلعون في الباب المنغلق باندهاش، قبل أن تتكلم نرجس بتلعثم:

-اا معلش متأخذوناش، أصلهم زي ما انتوا عارفين مخطوبين جداد وكل يوم في حال، البت صغيرة بتعيش سنها والواد مجنون بيها، اهو ده عيب العيال لما يتخطبوا صغيرين.. ختمت بضحكة سخيفة لم يتجاوب معها أحد، مجيدة التي لم يعجبها قولها، فقد انتبهت على وجه شهد الذي تغير، رغم ادعائها عدم الاكتراث، ورؤى الصغيرة، التي أشاحت بوجهها بتنهيدة مثقلة، لا تخرج سوى من كبار، أما حسن فتدخل يغير دفة الحديث من أجلها:

-شفتي يا ماما الانسيال بتاع شهد، ده معمول مخصوص باسمها، (قلب أبوها) اهو ده بقى الدلع اللي على حق. -❈❈ في شقة شادي وبعد أن اطمأن الأطباء على حالة والدته وصرح كبيرهم بخروجها، عاد بها ليضعها على تختها تحت أنظار رحمة شقيقته، والتي كانت تساعد معه في تغطيتها وصبا التي رافقتهم، للنهاية انضم والديها معها. -الف سلامة عليكي يا ست الحجة.

قالتها زبيدة مخاطبة المرأة التي أومأت لها بتعب تغمض عينيها، فدثرتها ابنتها جيدًا لتخرج مع شقيقها، وشهد ووالدتها، وتلقفهم مسعود بالسؤال، فقد كان منتظر في الصالون. -ها يا جماعة، عاملة إيه الست كوثر دلوقتي؟ أجابته رحمة وهي تسقط بجسدها على أقرب مقعد وجدته أمامها: -الحمد لله يا عمي، ربنا نجاها والدكاترة لحقوها، المرة دي النوبة كانت صعبة أوي، بس الحمد لله اهي عدت. -الحمد لله يا بتي.

تمتم بها مسعود قبل أن يخاطبه شادي ليجلس هو وأسرته، وقال له بامتنان: -أنا متشكر أوي يا عم أبو ليلة على وقفتكم معانا، والله ما عارف هقدر أرد جميلك انت واسرتك ده إزاي؟ هتف به مسعود مستنكرًا: -جميل إيه يا واد؟ إحنا جيران يعني أقرب من الأهل، الجميل ده يبقى مع الناس الغريبة، ثم إحنا عملنا إيه يعني؟ تدخلت رحمة تجيبه:

-لا يا عم أبو ليلة عملتوا، الست زبيدة اللي جات على صرختي وسندتها معايا وقت ما وصلت الإسعاف، صبا اللي متأخرتش وجات جري على المستشفى مع شادي، ولا انت اللي سبت حالك وقريبتك المحجوزة في المستشفى عشان تقف معانا برضه، ربنا يبارك فيكم، وما يجيب لكم حاجة وحشة أبدًا. رد أبو ليلة وهو ينهض واقفًا عن مقعده. -أمين يا بتي، إحنا وانتوا يارب. -على فين يا عمي؟ سأله شادي، ورد أبو ليلة وهو يشير بيده نحو زوجته وابنته: -يعني هيكون فين؟

أدوبك نروح ونسيبكم تريحوا، يلا يا بت انتي وهي. قالت رحمة: -طب استنى حتى نشرب مع بعض كوباية عصير. -في الفرح يا بنتي إن شاء الله. قالتها زبيدة وهي تتحرك خلف مسعود لتلحق بهما صبا التي توقفت فجأة قبل أن تخرج من الشقة لتسأله: -هتقدر تروح بكرة الشغل؟ سمع منها ليجيبها بتشتت: -مش عارف يا صبا، بس أنا لو لقيت والدتي على حالها، هضطر أقعد طبعًا. وقفت هي متفكرة قليلًا، لتقول: -خلاص يبقى تبلغني، عشان لو كده، يبقى أنا كمان هقعد.

بعدم استيعاب ردد شادي: -تقعدي! طب افرضي روحت؟ -يبقى هروح، عشان كده بقولك بلغني. قالتها ببساطة ألجمته عن المجادلة، حتى خرجت، ليظل متسمرًا محله، ينظر في أثرها بذهول يكتنفه، وكأنه قد فقد حاسة الفهم أو التمييز من عقله. -❈❈

عاد أمين بعد أن سد جوعه بأحد المطاعم القريبة، توجه إلى المصعد حتى يأتي بوالدته ويغادر، وقد يأس من الإلحاح على رأس أخيه الذي يرفض المغادرة حتى يطمئن من الطبيب المناوب على حالة عبيد، والمرتدة بدوره على حالة شهد. توقف فجأة على الصوت الذي كان يدوي من خلفه، وقد علم بصاحبته من العصبية وانفعالها في الرد: -إزاي يعني أقعد اليوم كله ومسمعش غير دلوقتي وبالصدفة كمان؟

طب انتي تعبانة، طب وإخواتك، ولا واحدة فيهم تفتكر ترد عليا......... ما تحاوليش تبرري، أنا جاية دلوقتي وهعرف حسابي معاهم..... اقفلي بقى عشان داخلة الأسانسير، اقفلي يا شهد الله يخليكي.

سمع الاسم، واشتعلت رأسه بالأفكار والتخمينات، ليربط الخطوط ببعضها، ويظل على حاله، معطيًا ظهره لها حتى هبط المصعد وانفتح أمامه ليدلف بداخله، وخلفه رجلين، ثم كانت هي الأخيرة ليُغلق إلكترونيًا، ويتحرك بهما، خلف الرجلين وقف يتابعها، فقد كانت شاردة تزفر وتتأفف بملامح عابسة ولذيذة، لتذكره بشجاره معها، وتسليته في استفزاز امرأة جميلة مثلها، خرج الرجلين على أحد الطوابق، ليخلو المصعد عليهما، فانتبهت أخيرًا، لتهتف به: -إيه ده؟

إنت تاني؟ ناظرها ببرود ليقول مندهشًا: -أيه ده؟ وانتي كمان؟ ده إيه الصدفة الغريبة دي؟ -صدفة! هتفت بها لتلتف عنه مغمغة بتذمر: -هو يوم باين من أوله أساسًا، ناقصني بس خناقة عشان تكمل! كتم ابتسامته، ليظل على هيئته الجامدة حتى خرجت وخرج خلفها، لتسير نحو الغرفة الموصوفة وهو خلفها، حتى وصلت إلى غرفة شهد، وما أن تمكنت من فتح الباب حتى وجدته خلفها أيضًا، إلى هنا وانفرط عقد حكمتها، لتصيح به: -انتي جاي ورايا لحد باب الأوضة كمان؟

إيه يا أخينا؟ هو انت مبلبع حاجة ولا توهت في السكة ومش عارف طريقك؟ -أنا اللي توهت في السكة؟ فيه إيه يا آنسة؟ هتف بها بحزم، فخرج على صوته حسن ونرجس وابنتيها، ومجيدة التي سألت مجفلة: -إيه فيه إيه؟ مالك يا لينا؟ إيه اللي حصل؟ سمعت الأخيرة لتجيبها باحتقان:

-تعالي يا ست مجيدة واحكمي بنفسك، البني آدم الغريب ده كل ما يشوفني نتخانق مع بعض، والنهاردة جاي ماشي ورايا لحد الأوضة هنا زي ما انتي شايفة كده أهو، ده باينه مجنون، ولا متحرش ده ولا إيه؟ -نقي ألفاظك، أنا مش عايز أغلط. هتف بها أمين وتدخل حسن يخاطبها بلطف: -يا آنسة لينا، أكيد فيه سوء فهم ما بينكم، أمين ده يبقى أخويا وجاي هنا عشان ياخد والدتي ويروحها، أخويا مش متحرش ولا مجنون، ده ظابط محترم. -إيه ظابط؟

هتفت بها بعدم تصديق، ليتابع لها حسن موضحًا حتى تفهم، وتوقفت مجيدة بقلب يقفز داخلها تعيد برأسها الكلمات، وتغمغم: -كل ما يشوفها يتخانق معاها! يعني كذا خناقة، لدرجة إنهم بقوا عارفين بعض، يالهوي، ده باينه بدأ ده اللي اسمه إيه ما بينهم؟ ولا إيه يا مجيدة؟ ..... يتبع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...