الفصل 24 | من 43 فصل

رواية و بها متيم انا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم امل نصر

المشاهدات
32
كلمة
6,901
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

خجل! يا إلهي، هذه كلمة قليلة للغاية لتعبر عما تشعر به الآن، أم هو استغراب في غير محله؟ أن توضع في هذا الموقف، بدون ترتيب أو تمهيد مسبق. أم هو فرح قد أتى مباغتًا لها؟ بعد أن هيئت نفسها للاستغناء عن متع الحياة في كل شيء، والمضي قدمًا في طريقها في عمل دؤوب للحفاظ على إرث والدها، والحفاظ على شقيقاتها، من أطماع النفوس السيئة من الغرباء والأقرباء أيضًا.

متخذة هيئة الرجال في الملابس، وأفعالهم، حتى لا يظنها أحد أنها ضعيفة لاستغلالها، طامسة أنوثتها ورقتها القديمة خلف واجهة لقوة تدعيها وخشونة تحرص عليها، كحرصها على عائلتها وأسرتها. إذن أين ذهب كل ذلك؟ لماذا هذه الهشاشة التي تشعر بها أمامه، كعصفور مبتل، أمام نظراته الثاقبة التي تخترقها، ضعف لذيذ ومراهقة تتفاعل مع كل همسة منه. لقد كانت منذ مدة قريبة تتشاجر معه، وتناطحه الرأي بالرأي.

أما الآن ورغم حنقها بما تورطت به على غير إرادتها، إلا أنها لا تنكر هذه السعادة التي تجتاحها، دفء نظراته المحبة لها، أذابت بقلبها الجليد. لقد أعاد إليها أنوثتها. *** بجلسة أسرية بامتياز، وحالة من المرح والمزاح الذي لا يتوقف، وكأن الجميع يعرفون بعضهم البعض منذ زمن طويل. مجيدة تتصرف بأريحية مع مسعود الذي فهم عليها من أول وهلة، فكان تعامله معها بتسامح وقد أعجبه فعلها.

وزبيدة وابنتها كاسرة ثانية بعد أنيسة ولينا التي كانت كالبدر لتجبر هذا العنيد على اختطاف النظرة نحوها كل دقيقة. -حج أبو ليلة، البنت بنتي والولد هو كمان ابني. -يعني أطلع منها. قالها بمشاكسة أثارت الضحكات لتهتف نحو زبيدة بعتاب معترضة: -شوفي يا ختي الراجل عايز يمسك عليا كلام مقلتوش. ضحكت المرأة في الرد لها: -بيناغشك يا ست مجيدة أصل شهد بنته هي كمان، ولا البشمهندس مجالكيش. ردًا عليها تدخل حسن:

-لا طبعًا قولت لها، دا عم أبو ليلة ده من قبل ما أشوفه وأنا أسمع عنه، سمعته الممتازة في كار المعمار زي الطبل. -ربنا يبارك فيك يا ولدي، وأنت كمان، لولا سيرتك الطيبة، أنا ما كنت وافقت كدة طوالي أبدًا، والله ولو كنت ولد مين حتى، ما كنت هديك جواب، ولا أريحك غير بعد ما أصفصف وأدقج في تاريخك وتاريخ عيلتك من وراك كمان، أيوه أمال إيه؟ دا أنا هديك جوهرتي الغالية، ولا يكون عندك اعتراض؟ -أنا!

صدرت منه وانتقلت عيناه نحو شهد، يجاهر بعشقه لها، بالفعل قبل القول: -لو هي عندك جوهرة، ف أنا عندي الدنيا كلها، يعني حتى لو طلعت عيني، كنت هتحمل عشان خاطرها. -أيوة بقى يا بشمهندس، هندس ومزجنا معاك. بشقاوة وجرأة هتفت بها لينا لتزيد من خجل العروس التي تخضب وجهها بالحمرة رغم وجود المساحيق عليه، ليرتفع كفها على أعلى عينيها، بفعل غريزي أنساها شخص المقاول داخلها. فعقبت أنيسة بمكر، ترافقًا مع ضحكات الجميع:

-كسفتي البنت يا مصيبة. تدخلت مجيدة بمغزى تقصده: -معلش يا ست أنيسة، ما هي دورها جاي برضوا. -يااااه، يديني ويديكي طولة العمر يا طنط. قالتها لينا بتفكه لتثير التعليقات المستهجنة من المرأتين، وبعدم اكتراث منهما كانت تضحك وتناكف والدتها، غير عابئة بالنظرات المصوبة نحوها منه. وقد كان جالسًا بهيبته يتحدث بالطلب رغم فرحه بشقيقه، احترامًا لأهل المنزل الذي يدخله لأول مرة.

قبل أن ينتبه فجأة مع الجميع على زغروطة غير متقنة على الإطلاق، أطلقتها رؤى بكوميدية. أثارت الضحك بصخب، فقد كانت خارجة من المطبخ تحمل فوق يديها صنية كبيرة من المشروبات الباردة لتضيف بها الحضور. وخلفها والدتها ابتسمت هي أيضًا تسايرهم، قبل أن تنضم بجوار ابنتها أمنية في جنب خاص، لا يعجبها ما يحدث وهذه الفرحة الطاغية، لأشخاص احتلوا مسكنها لينصبوا الفرح على حساب فرحتها هي.

-اعدلي وشك يا خيبة، متبقيش زي البومة كدة قدام الناس. همست بها نرجس، وهي تلسعها بكوع ذراعها على خصرها المترهل. -فكان ردها هو نظرة حارقة، لترد بالكز على أسنانها: -أنا برضوا اللي بومة، ولا هي اللي ظالمة وقلبها أسود من الغيرة مني، أضحك إزاي يا أما؟ وهي هتاخد كل حاجة حلوة بجوازة عنب، بشمهندس زي القمر وعيلة نضيفة طايرين بيها طير، وأنا الغلبانة اللي رضيت بقليلي مع ابن خالتي، حتى مش هلاقي اللي يجهزني، بعد ما تغور وتسيبني.

جزعت نرجس وانسحبت الدماء من وجهها، فابنتها الغبية على وشك فضحها. ابتلعت لتهمس بالضغط على شفتيها بغيظ اختلط برجاءها: -امسكي نفسك يا بت الهبلة هتفضحنا، أجلي كل حاجة بعدين، وشي بقى في الأرض منك. اعتدلت أمنية بجلستها لتردف بغليلها: -ماشي يا أما هسكت وأعمل نفسي بضحك كمان. صمتت برهة لتهمهم داخلها: -كدة كدة الليلة مش هتكمل أساسًا، إبراهيم وعدني. *** -مدام رباب يا مدام رباب.

أجفلت على النداء من خلفها وقد كانت عائدة من الخارج بعد لقاء بأحد القنوات التي استضافتها لشهرتها، بصفة بلوجر وكشخصية مؤثرة لفئة كبيرة من الشباب. التفت إلى صاحب الصوت باستغراب تسأله: -أيوه يا حامد، بتندهلي ليه؟ تقدم الشاب الثلاثيني بهيئته الرياضية كحارس تلقى أفضل الدروس ليصبح فرد أمن مهم تستعين بها الشركات المختصة بتوظيف أمثاله. دنى برأسه نحوها يقول بصوت خفيض:

-أنا آسف لو أزعجتك، بس اديكي شايفة أهو، رغم إني الحارس بتاعك، لكن مبقدرش أكلمك بحرف حتى، وعم كريم واقف زي اللقمة في الزور معانا. -إيه! تفوهت بها بعدم فهم، لتضيق عينيها بارتياب لأمره، فهم من نظرتها إليه توجسها منه. فقال يقطع عليها حبل أفكارها المتهورة: -أنا عايزة أقولك على حاجة بخصوص مخاوفك إن يكون في حد بيراقبك. ظهر على وجهها الاهتمام، ولكن ما زال إحساس الشك يراودها. فجاء رده المباغت لها:

-أنا شفت واحد أظن إنه هو اللي بيضايقك وبيطاردك. -إيه؟ بتقول إيه؟ هتفت بها ولم تدري أن صوتها صدر عاليًا هذه المرة حتى لفت نظر أقرب حراس الفيلا. فرد هامسًا: -وطي صوتك يا هانم، ولو انتي عايزة تفهمي القصة، يا ريت بس حتة مختصرة شوية. أومأت رأسها بتحفز، وتحركت أمامه ليتبعها حتى توقفا بجانب المنزل بالحديقة. لتها بالسؤال: -ممكن بقى تفهمني، أنت قصدك إيه؟ مرر حامد بكفه الكبيرة على جانبي وجهه وعينيه تراقب في جميع الأنحاء حوله،

ليرد بصوت حذر: -شوفي يا هانم، عشان أبقى واضح معاكي، أنا حاسس إن السواق بتاعك يعرف البني آدم ده. -عم كريم، إزاي يعني مش معقول؟ تفوهت بها بعد تصديق. ليضيف مؤكدًا لها: -أنا بقولك على الشك اللي في قلبي، ودا مجاش من فراغ، أنا عايز بس أفكرك بمشوار الصبح لما روحنا نجيب المحروس الصغير، وإنتي وقفتي فجأة وخلتيني أنزل بسلاحي أدور. -ورجعت قولت إني ملقتش حد.

ردت بحدة مع تذكرها لعودته دون نتيجة، ليزيد من احباطها، مع نظرات الامتعاض من السائق العجوز. فجاء رده بدافعية: -مظبوط يا هانم، أنا قولت كدة وكدبت، رغم إني شفت الولد بعيني، وهو بيجري قدامي ويختفي، عارفة ليه؟ طردت من صدرها زفيرًا محملًا بالغضب، بعد سماعها لهذه المعلومات الخطيرة من الرجل المفترض به حمايتها. لترد بنفاذ صبر: -اخلص يا حامد، خلص وجيب من الآخر، أنا على آخري. اقترب برأسه منها مقربًا وجهه، قبل أن ينزل عينيه عنها

ليردف بأسف زاد من دهشتها: -أنا شفت الولد ده كذا مرة قبل كده مع عم كريم. صعقت بذهول جعلها تتجمد محلها، أن تكتشف الخطر بهذا القرب منها، وتكون الخيانة من أقرب الأشخاص إليها، كان أكبر من قدرتها على التحمل، طاقة عنيفة هزتها، تماسكت بصعوبة حتى لا تترنح أمامه أو تقع. ولكن عقلها ما زال يعمل لتسأله بتدارك: -وأنا أتأكد إزاي من كلامك ده. جاء رد الرجل بثقة واقناع: -أنا هحاول بكل جهدي عشان أكشفهولك، وأكشف الولد ده كمان قدامك. ***

بعد مشاورات ودية، تخلو من الشروط والالتزامات وهذه الأشياء المعتاد التحدث عنها في هذه المناسبات الخاصة، وذلك لتساهل مسعود رغم حرصه على تعزيز العروس الغالية. وذلك بفضل مجيدة التي تقدم بمحبة خالصة كل ما في وسعها من أجل إنجاح الأمر، مبتعدة عن التعقيد والتزمت في المطلوب من العروس نحوهم. والتي أثبتت هي الأخرى حسن نيتها بموافقتها على السكن في منزل العائلة، رغم تخيرها في هذا الأمر، لتزيد من فرحهم.

ويتم قراءة الفاتحة بينهم عن قناعة، حتى إذا أمم الجميع بانتهاءها، أطلقت أنيسة زغروطة حقيقية معتبرة اهتزت لها أركان الشقة، لتصل إلى سكان المبنى من الجيران، والمارة على الأرض في المنطقة. -لولولولولويييي. هلت مجيدة بابتهاج غمر صدرها، لفعل المرأة التي أسعدتها بذلك: -الله عليكي يا ست أنيسة يا قمر، أيوه كدة فرحي قلبي. أنيسة بزهو اختلط بفرحة كانت تنتظرها منذ زمن بعيد:

-هو انتي لسه شوفتي حاجة، دا كمان لما تيجي الفرحة الكبيرة، مش هتعرفي تلميني من الإزعاج اللي هعمله، وعد عليا، ما هقف أبدًا دا أنا نذرتها. -يا روح قلبي انتي، طب يالا بقى الله يرضى عنك يارب سمعيني وطربيني بواحدة تانية، دا أنا حاسة قلبي بيهفهف معاها والله. قالتها لتنطلق الأخرى مصدرة واحدة أكبر من سابقتها. -لولولولولولولويييي. تدخلت زبيدة بين المرأتين وقد استشعرت رغبة العريس في الانفراد بعروسه، وحرجه

من البوح بذلك أمام زوجها: -طب ويعني هو الفرح زغاريط وبس؟ أينعم هي حاجة على الضيق، بس يعني مفيش مانع لما نشغل سماعة صغيرة حتى، دا إحنا أهل بينا وبين بعض، مش أغراب يعني عشان نستنى دبل ولا شبكة ولا إيه رأيك يا ست نرجس؟ باغتها بالسؤال لتذهل بعدم تركيز لبرهة من الوقت، قبل أن تتدارك، لتنهض منتفضة، ملبية طلب المرأة: -آه صحيح، دا إحنا عندنا واحد في أوضة أمنية، هروح أجيبه.

قالتها وركضت هاربة من أعين ابنتها التي كانت تطلق شررًا حارقًا، وقد اعتبرته عدوًا سافرًا على أشياءها. همت لتذهب من خلفها تمنعها، ولكن زبيدة اليقظة من خلفها انتبهت لتوقفها قبل أن تتمكن من الخروج من الغرفة، استني عندك يا أمنية، خدي يا حبيبتي الصنية وديها المطبخ. لم تعطيها فرصة للاعتراض، وقد أعطتها ظهرها تهتف بالحضور: -يلا بينا يا جماعة، خلونا نهيص في الصالة ونسيب العرسان مع بعض شوية.

سمعت مجيدة بحماس لتنهض ساحبة معه أنيسة والفتيات أيضًا، وتبعهم مسعود على مضض. ليجلس مع أمين في ركن وحدهما في الصالة، وتلتف النساء والفتيات حول رؤى يصفقن لها بأيديهن بحرية، وهي ترقص بفرحها بينهن في الوسط، على الأغاني الشعبية السائدة. واختلت غرفة المعيشة على الخطيبين، ليكن أول فعل منه نحوها، هو تناول كف يدها ليقبل ظهرها، بعد أن جلس على الكرسي المقابل لها، قائلًا: -شكرًا. تعقد ما بين حاجبيها باندهاش مرددة خلفه بتساؤل:

-شكرًا! -أيوه شكرًا. قالها ليعاود مسك يدها مستطردًا: -إنك قبلتي بيا، شكرًا... إنك بقيتي خطيبتي، شكرًا... إنك عطفتي على قلبي من جحيم الفكر ونار الشوق لرؤياكي، بعد ما بقيتي النفس اللي بتنفسه، ألف شكر. رقة الكلمات باستشعار الصدق الذي تتحدث به الأعين، يصل الروح بالروح، القلب بالقلب، فيذيب الثلوج وينبت أزهار من الحب والعشق بين اثنين كانو غريبين، ليصبحو الآن حبيبين.

لم تعرف بما تجيبه، لم يسعفها عقلها بجملة مفيدة، وقد أسرها بنظراته الصادقة وسحر ما يردف به، عاجزة عن الرد بما يستحقه، مشدوهة بهذا العشق الذي لطالما كذبت نفسها وادعت زورًا أنه وهم في خيالها. -ساكتة ليه؟ سألها بتسلية لا تخلو من الرقة التي يغدق عليها بها. وكانت إجابتها مترافقة بهزة خفيفة بكتفيها، قائلة: -مش عارفة، مش عارفة أرد، هو انت لدرجادي بتحبني يا حسن؟

تنهيدة طويلة بصوت مسموع خرجت من صدره بتأثر، ليستند بمرفقه على ذراع الكرسي المجاور له، ليميل برأسه على قبضة يده قائلًا لها: -من غير ما أحكي ولا أرغي يا شهد، أنا عايزك بس تبصي في عيوني وانتي تعرفي إجابة سؤالك. هل هي في حلم؟ أم أن واقعها البائس قد تبدل من وقت ظهوره؟ هذا ما كانت تشعر به وبقوة معه. أسبلت أهدابها عنه بخفر، وأفعاله تجبرها على الخجل بدلال تناسته منذ زمن. تحمحمت وأنظارها تتهرب منه، فخرج قولها الممازح باهتزاز:

-شغل عيوني بقى وتسبلي وأسبلك، هو إحنا فينا بقى من الكلام ده يا بشمهندس؟ أطلق ضحكة مدوية أجفلتها، ورأسه يميل إلى الخلف لمدة من الوقت زادت من حرجها، وسعادتها أيضًا، وقد أطربت إسماعها لهذه الرنة الرجولية الخالصة بها. ليردف بابتهاجه: -يعني مش عايزاني أسبلك يا شهد، طب أسبل لمين بس يا ربي؟ أسبل لمين؟ استطاع بخفة ظله أن يضحكها، لينزع عنها تشنجها رويدًا رويدًا، وقد بدأت الآن تستوعب وضعها الجديد معه. ***

دفعت الباب الخشبي المتهالك، بعد أن فتحته بمفتاحها، لتلج داخل المنزل، عائدة من الخارج، حاملة بيدها العديد من الأكياس بالأشياء التي ابتاعتها، بعد أن أهدرت معظم الراتب الذي تحصلت عليه من عملها، ولم يتبقى سوى القليل، ليكفيها بالكاد كمصروف لها حتى آخر الشهر.

بلهث امتزج بحماسها ألقت التحية على جدتها الجالسة على الأريكة الخشبية الوحيدة، ركبتيها ملتصقة بصدرها، وقدميها على الخشب المثقل رغم قدمه، تشاهد باندماج مسلسلها المفضل في التلفاز الصغير على المنضدة الخشبية القريبة منها ومن الأريكة: -مساء الخير يا ستي عاملة إيه؟ لم تجيبها كالعادة وظلت على وضعها وهذا التركيز الشديد مع أبطال المسلسل وكأنها داخل عالمهم أو معهم على الأصح.

بعدم اكتراث، أكملت مودة السير نحو غرفتها، فهذا الفعل من جدتها ليس بالجديد عليها، بل اليوم تستحسنه، حتى لا ترى ما جاءت به. ولكن وقبل أن تصل لغرفتها، حدث ما كانت تخشاه وانتبهت توقفها بالنداء عليها: -إيه اللي معاكي دا يا مودة؟ انتفاضة سريعة صدرت منها وجسدها يلتف آليًا نحو جدتها، تمالكت لتجيب بصوت جعلته عادي: -يعني هيكون إيه بس يا ستي؟ دا طقم جديد جبته للشغل.

استقامت المرأة بجسدها النحيف كحفيدتها لتنزل بأقدامها على الأرض، تخطو نحوها وتقول بريبة، ونظرات الشك تظلل عينيها: -الكياس دي كلها على طقم واحد؟ حاطة في الباقي إيه يا بت؟ كانت في الأخيرة قد وصلت إليها، لتمتد يدها نحو أحدهم تريد جذبه من مودة، والتي وعيت لترتد سريعًا بما تحمله للخلف بعيدًا عن الأخرى، تجيبها بلجلجة: -ااا ما أنا جايبة معاهم جزمة كمان وكام طقم داخلي وعلبتين كريم عشان الحبوب. -كل ده جايباه؟

قالتها المرأة رافعة كفيها أمامها بتهويل وعدم تصديق، لتردف متابعة ببحة مفاجئة أصابت صوتها، وعينيها تتنقل على الأكياس بصدمة: -يا بت الهبلة يا عبيطة، كل دي فلوس رميتيها في الأرض وعلى حاجات تافهة؟ طب جببتي تمنهم منين؟ أوعي تكوني سرقتيني يا مودة. ابتلعت الأخيرة ريقها وخطواتها ما زالت ترتد للخلف؟ لتجيب بدفاعية؟ وصوت يشوبه الارتباك: -والله ما سرقتك يا ستي؟ دي فلوسي أنا اللي قبضتها من شغلي الجديد.....

توقفت فجأة وعينيها انتقلت على جسد المرأة لتقارعها باستدراك: -وأنا هسرقك إزاي صح يا ستي؟ وإنتي لافة الفلوس حوالين على وسطك؟ بتنامي وتقعدي بيها، دا انتي بتستحمي بيها. بحركة غريزية؟ نزلت المرأة بيدها على خصرها؟ تتحس لفة النقود من فوق قماش جلبابها المهترئ، وبعد أن اطمأنت بوجودهم، رفعت رأسها إليها، متجاهلة ذكرهم في الرد عليها: -ويعني لما تقبضي يا بت الكلب؟ تصرفي فلوسك كلها على اللبس والمسخرة؟

طب ومصاريف البيت والأكل والشرب، ولا أنا هفضل طول عمري أضيع فلوسي عليكي. باستنكار قارب السخرية رغم بؤس ما تردف به: -هوني على نفسك يا ستي، وفري فلوسك اللي مغرقاني بيها دي، أنا عاملة حسابي ومخلية اللي يكمل معانا الشهر، طب أفرحك أكتر. أضافت بصوت مقلدة طريقتها بالهمس خشية أن يسمعها أحد الجيران كما تخبرها دائمًا: -أنا جايبة فرختين بحالهم. -فرختين! -والله يا ستي فرختين وحطيتهم في فريزر التلاجة كمان.

كلماتها أتت بأثر السحر على المرأة؟ وقد تبدلت ملامح الغضب لأخرى بالشغف لأمر الفرختين. جرى ريقها، شاعرة بقرص في معدتها التي جاعت فجأة لتمرر بلسانها على شفتيها، تقول بتوبيخ يتعارض تمامًا مع هيئتها: -يعني بخيابتك ضيعتي الفلوس على الهدوم والفرختين، دا بدل ما تحوشي ولا تحطيهم في جمعية عشان تجهزي نفسك. بشبه ابتسامة لا تمت للبهجة بصلة، طالعت مودة بصمت هذه اللهفة الشديدة على وجه جدتها؛ لخبر الطعام الذي تحرم نفسها وتحرمها منه؟

ببخلها الشديدة وكنز القرش، ليوم لن يأتي أبدًا. ما لبثت أن تفاجئها بقولها: -طب أنا جعانة أوي، وقاعدة مستنياكي من الصبح، اعملي أي حاجة ناكلها، ولااا، ولا حتى اسوي حتة منهم دول نقسمها على بعض؟ على الأقل نستفاد بمرقتهم. قالتها والتفت لتعود لمسلسلها وأريكتها، تتجنب النظر إليها بحرج. بإشفاق رغم كل ما تعانيه منها، أومأت مودة بهز رأسها مذعنة لها بطاعة:

-حاضر يا ستي، أدخل بس وأدخل الحاجة اللي في إيدي على الأوضة وراجعالك حالًا أحضر عشا، عن إذنك. *** وسط حشد النساء القلائل، وفي ظل اندماجها مع رقص رؤى ودلعها مع لينا والفاتنة الأخرى ابنة الرجل الصعيدي ولي شهد وكبيرها في الاتفاقات التي تمت منذ قليل مع قراءة الفاتحة، انتبهت أخيرًا بعد مدة من الوقت لإشارة ابنها؛ الذي كان يلوح بتردد مع خجله في النظر نحو النساء. على الفور جرت أقدامها المتعبة من الوقفة، لتلبي طلبه.

حتى إذا وصلت إليه وقد كان قريبًا من مدخل المنزل، مطرقًا رأسه للأسفل، ولم يرفعها سوى بعد أن شعر بها: -نعم يا حضرة الظابط، عايز إيه؟ بابتسامته المعتادة، تطلع إليها قليلًا لتتشبع عينيه من رؤية الفرح الذي أنار وجهها وجعلها تزداد جمالًا وتألقًا، ليشاكسها بقوله: -فرحانة يا ست الكل عشان قربتي تخلصي من واحد؟ أومأت بهز رأسها تبادله المزاح: -أوي يا حبيبي، وفرحتي الكبيرة هتبقى لما أخلص منك انت قبل منه كمان.

بحركة اعتاد عليها كلما رق قلبه لتحقيق أمنيتها، اقترب منها ليقبل أعلى رأسها قائلًا: -ربنا يسهل يا أمي، بس انتي ادعي... -متقولش الكلمة دي. قاطعته بها لتفاجئه مستطردة بشراسة، ترفع سبابتها أمامه بتهديد: -وقت والوعود والدعا عدى يا أمين، أنا دلوقتي عايزة فعل، فاهم ولا أقول من تاني. أومأ مقهقهًا بصوت مكتوم يردد بطاعة: -فاهم يا أبلة مجيدة فاهم، تحبي أسمع كمان.

نفت بهز رأسها وقد ارتخت ملامحها، وعاد الإشراق لها، لتقترب وتتأبط ذراعه ورأسها تلتف نحو جهة الفتيات، فهمست بمكر: -طب بقولك إيه، إيه رأيك في البنت اللي زي قمر هناك دي؟ -بنت مين؟ سألها بعدم تركيز لتجيبه: -بنت الراجل الصعيدي، أنا عرفت إن اسمها صبا. ما زال عقله لا يعلم بما تدبره والدته من فخ له، ضيق عينيه، ليعقب باستفهام: -مش فاهمك يا ماما، وضحي أكتر. استمرت مجيدة على مخططها لتكشفه أمام نفسه: -يعني هيكون قصدي إيه بس؟

البت حلوة وتشرح القلب بطلتها، بصي لها كدة، جميلة وتليق بحضرة الظابط صح، دا غير النسب مع والدها الراجل المحترم، وانت شوفته بنفسك.

سمع منها والتفت رأسه بالفعل نحو صبا، أعجبه حسنها اللافت للنظر بشدة، مع كلمات والدته التي ترن بعقله، ولكن وعلى غير إرادته حادت عينيه عنها، وذهبت نحو من تقف بجوارها، ليتركز كل الاهتمام عليها، جميلة وحيوية، مشاكسة ومستفزة لدرجة تجعل الدماء تضخ داخل أورته بقوة، رغبة في تكسير رأسها العنيد، ثم إشباعها تقبيلًا حتى... نفض رأسه فجأة من الأفكار المتهورة التي طرأت عليها، بسبب التحديق بهذه المجنونة ذات الشعر الأصفر.

والسبب والدته، والتي التف إليها قائلًا بغيظ: -أنا ماشي يا ماما، عشان لو قعدت أكتر من كده، مش بعيد أتخانق بسببك. بنصف شهقة وابتسامة خبيثة تلاعبت على ثغرها، وقد خمنت بما يدور برأسه، ردت ببرائة: -تتخانق بسببي أنا؟ ..... ليه يا بني؟ .... حصل إيه؟ ضغط بأسنانه على شفته السفلى وجسده يستدير عنها بخطواتٍ ثابتة نحو باب المنزل، يردد بيأس منها: -يا مجيدة، يا مجيدة بطلي لؤمك ده، دا انتي ست.... حقنة.

راقبته وهو يغادر بابتسامة تحولت للضحك المكتوم، لتظل على وضعها هذا تطالع أثره، وبرأسها تتوعد له بالمزيد، حتى تصل به إلى نتيجة ملموسة كالتي وصلت إليها مع شقيقه. خرجت منها تنهيدة حالمة لتهم بالعودة إلى فرحها مع الفتيات، ولكن وقبل أن تلتف للناحية الأخرى تفاجأت بهذا البغل قليل الذوق، صاحب المشاجرة الأخيرة مع شهد، يطل أمامها من مدخل الشقة، وقد وقعت عيناه عليها، ليدمدم وأنظاره نحوها: -تعالي يابا خش......

دا باينها بقت هيصة واحنا مش واخدين بالنا. قالها ليفسح المجال لرجل ذو هيبة، بجلباب بلدي وهيئة شعبية يقول: -ندخل كدة على طول من غير أحم ولا دستور، طب استني نستأذن أصحاب البيت. باستعراض مكشوف دلف إبراهيم يهتف بصوت عالي لفت أنظار الجميع: -ما البيت مفتوح على آخره يا باه، للأغراب، هي جات علينا يعني، بس أقولك، إحنا برضوا ولاد أصول. توقف بخطواته أمام مجيدة ليجفلها بالتصفيق بكفيه يصيح بصوته:

-يا خااالتي، يا صاحبة البيت، يا خااالتي. انتبهت له المذكورة كبقية الموجودين، فقد كانت جالسة بالركن مع ابنتها أمنية التي انتفضت برؤيتهم لتسبقها نحو الرجل: -يا أهلا يا عمي، أهلا يا عمي نورت، اتفضل، اتفضل يا عمي. صافحها عابد الورداني وتقدم معها لداخل الشقة بهيبته، لتتلقفه نرجس بترحيبها المبالغ فيه: -يا أهلا يا جوز أختي، نورت الدنيا كلها، اتفضل دا إحنا كنا منتظرينك. -كنتوا منتظريني!

تمتم بها بتهكم واضح، قبل أن يلتفت نحو التي ظلت محلها تتابع ما يحدث بتحفز للآتي بهذا الدخول غير المطمئن. -مساء الخير يا ست هانم. ردت له التحية بارتياب: -مساء الخير. قالتها مجيدة لتلتف رأسها بحدة بعد ذلك نحو إبراهيم الذي هتف يجفلها بقوله:

-أهي دي تبقى أم العريس يا باه، أم العريس اللي دخلت معاه المرة اللي فاتت ساعة الخناقة اياها، فاكر يا باه، لما طلعتني غلطان عشان كنت بتكلم في الأصول، وعدم زيارة راجل غريب في غياب الرجالة، أهم كررورها من تاني، وعاملين خطوبة كمان من غير رجالة برضوا. -مين دول اللي عاملين خطوبة من غير رجالة يا واد؟

هتف بها مسعود وقد كان خارجًا من الشرفة، ممسكًا بيده سجادة الصلاة، التي أنهى عليها فرضه، ليتخطى النساء اللاتي توقفن عن التصفيق والرقص، يتابعنه وهو يتقدم بغضبه نحو إبراهيم ووالده. الذي ردفه موجهًا الكلمات إليه: -في إيه يا حج عابد؟ ولدك داخل يهلفط بكلام مش مفهوم ليه؟ بنظرة غامضة وغير مفهومة رد عابد بلهجة هادئ وكأنه يمتص غضب العرق الصعيدي: -براحة شوية يا عم أبو ليلة، إحنا مش جاين نتخانق أصلًا، هي العروسة فين؟

خرجت له شهد من غرفة المعيشة، وخطوات حسن تسبقها ليقف بجوارها داعمًا ومدافعًا، ومهاجمًا إذا لزم الأمر. -أنا أهو يا حج عابد. قالتها شهد تخاطبه بتوجس وعدم فهم. وقبل أن يرد سبقه إبراهيم، الذي اربدت خلجات وجهه بالغضب: -اسم الله، دا الحلوين خارجين من الأوضة اللي كانوا فيها لوحدهم! دي هيصة يا باه.... صيحة قوية من مسعود خرجت منه لتقطع استرسال كلماته السامة:

-لم نفسك وخلي بالك من كلامك يا واد، شهد مع خطيبها اللي قرأ فاتحتها معايا، وأنا حاضر لسه ماسبتش البيت ولا مشيت، وهي أساسًا بميت راجل مش في حاجة لحد منا. -والأصول يا صعيدي ياللي بتعرف في الأصول. هتف بها إبراهيم بطريقة مفهومة رغبة في اشتعال الوضع. هم مسعود أن يقرعه بكلمات قاسية في حق رجولته الناقصة، وأفعاله الرخيصة؛ بذمه في من هي أرجل منه ومن عشر من أمثاله. ولكن عابد فاجئه بقوله:

-طب يعني تعملي خطوبة وتعزمي أبو ليلة يبقى الولي قدام عريسك، وأنا اللي عشرة العمر مع أبوكي وصاحبه من واحنا عيال صغيرين، متفتكرنيش حتى بتليفون تبلغيني؟ أزبهلت شهد في البداية أمام الصدمة التي خيمت على رؤوس الجميع. ليقطع الصمت إبراهيم بصيحته: -انت بتقول إيه يا باه؟ بتعاتبها بعد ما داست على هيبتك؟ تجاهله عابد لينتقل بحديثه نحو مسعود يعاتبه: -يعني يرضيك الكلام دا يا أبو ليلة؟

ألقى الأخير بنظره نحو إبراهيم الذي يحترق بغضبه، قبل أن يطالع عابد بنظرة خبيرة يستشف منها مقصده الحقيقي من خلف كلماته، والذي فاجئه بابتسامة جانبية، رافعًا سبابته أمام وجهه ملوحًا بها وهو يستطرد: -أنا لولا إني عارف بمعزتك عندها، ما كنت هفوتلها إنها تتعداني أبدًا، مع إن برضوا مضايق عشان خدت محلي في اليوم اللي طول عمري مستنيه. إلا هنا واتضحت الصورة كاملة أمام الجميع لترتخي ملامح أبو ليلة والعريس ووالدته.

وجاء رد شهد المهادن لشهامة الرجل ليزيد على غيظ الأعداء: -سامحني يا عمي، والله كل حاجة جت بسرعة وملحقتش حتى أفكر. تدخلت مجيدة بسرعة بديهة وقد استوعبت الآن ما يحدث: -امسحيها فيا أنا دي يا حج، أبو ليلة أنا دخلته في الموضوع من الأول، بحكم معرفة ابني العريس بيه، حكم أنا أم العريس. بسماحة متبسمًا، امتدت كف الرجل ليرحب بمجيدة مهللًا: -يا أهلا بالهانم أم العريس، خلاص يبقالي عندك حق عرب. -حق العرب تاخدوا مني أنا يا عم الحج.

قالها حسن ليبادله الترحيب والمزاح. ويتدخل أبو ليلة بوجهه البشوش يدعوه: -ادخل يا حج عابد، دا انت ليك شوية يا راجل، الساجع يا بت. هتف بالأخيرة نحو صبا التي سمعت لتذعن لأمره وتركض بلهفة نحو المطبخ، وقد ذهب عنها الروع أخيرًا، بخوفها من إفساد الخطبة، واطمئنانها باكتمال فرحة شهد، بعد أن طمست الفتنة من أولها، تاركة أباها يسحب الرجل ليشاركهم الفرح.

وعادت رؤى بإشعال السماعة مرة أخرى، وأنيسة أطلقت زغروطة قوية، ليعلق عليها عابد ضاحكًا مع رفيقه، متجاهلًا ابنه الذي تسمر محله، ومراجل من الغضب تغلي بداخله، وقد خاب ظنه في أباه، ليضيف على غضبه امتهان لكرامته، كما أهدر عليه حقه في تنفيذ ما خطط له، ليسترد جزءًا من هيبته أمام الناس وأمامها، أمامها هي سر عقدته، والمسبب الرئيسي للجرح الغائر في أعماقه!

اقتربت منه أمنية المحطمة هي الأخرى الآن بما أصاب خطيبها وزاد على حزنها، لتطبق بأصابعها على كف يده، فتنتشله سريعًا من دوامة من الشرود كاد أن يغرق بها، تلتمس منه الدعم وتؤازره في نفس الوقت. رمقها بنظرة غريبة لم تفهمها، ليطرد من صدره زفيرًا حارقًا، قبل أن ينزع يدها فجأة ويستدير مغادرًا، تصحبه شياطينه. فالتفت نحو والدتها بقهر يملأ صدرها، لتذهب نحو غرفتها غير مبالية بأي شيء حولها.

وتوقفت نرجس بسلبيتها المعهودة، تشاهد بصمت كالعادة. *** عودة إلى رباب التي كانت جالسة أمام المرآة بحالة من الشرود تلبستها، حيرة تفتك برأسها من وقت أن أخبرها هذا المدعو حامد عن السائق وصلته بالذي يراقبها. ماذا تفعل؟ وكيف تصدق وهي لا تملك الدليل؟ وإن ثبت صحة ما ردفه الرجل، ماذا سيكون رد فعلها معه؟ والسؤال الأهم والذي يراودها بقوة الآن، لماذا لا يكن حامد أصلًا له ضلع بما يحدث؟

أو ربما على العكس هو فعلًا يساعدها، ويبتغي كشف الحقيقة أمامها. رأسها على وشك الانفجار، وجزع يزداد بداخلها من الاثنان، فكيف يتسنى لها الشعور بالأمان وهي مجبرة على مرافقتهم لها في كل خطوة؟ -رباب. صدرت من خلفها فجأة لتنتفض مجفلة على رؤية انعكاس وجهه المتجهم في المرآة، يخطو لداخل الغرفة بهيئة أنبأتها بصحة ما توقعته، وقد جهزت نفسها إليه. تبسمت لتنهض عن مقعدها وتلتف لاستقباله ملبية النداء بنعومة تجيدها:

-نعم يا بيبي، حمد الله ع السلامة. ارتباك طفيف طغى سريعًا على ملامحه، بعد أن جالت عينيه عليها مجبرًا، مع انتباهه لما ترتديه من منامة قصيرة جدًا، كاشفة عن معظم جسدها بإغراء، وقد زينت نفسها، لتقف بميل ودعوة صريحة للفتنة تناظره بوداعة في انتظار رده. ابتلع ريقه ليجلي حلقه أولًا، يستدعي الجدية في قوله: -منعتي الولد عن ماما ليه النهاردة؟ وقفلتي في وشها السكة؟ -أنااا.

تفوهت بها تشير بكف يدها على نفسها، لتعيد أنظاره إلى ما ترتديه. واقتربت بخطواتها المتمايلة لتزيد من تشتيته، فتقف أمامه تقول ببرائة: -إن شاء الله يارب أموت لو عملت كدة، دي هي اللي زعقتلي عشان بقولها إني عايزة أروح بابني التمرين وأحضره، وأسألها حتى إن كنت غلطت فيها. استغلت تركيزه معها لتزيد من اقترابها أكثر، ورائحة العطر الباريسي الذي أغرقت به نفسها يذهب بعقله. لتتمد يدها وتتلاعب بزرائر قميصه الأسود، تتابع:

-الولد هو اللي أصر إني أروح معاه النهاردة يا كارم، وأنا صعب عليا ومقدرتش أزعله. ظل على وضعه صامتًا تحت تأثيرها المغوي، بهذه النظرة التي تعلمها جيدًا منه، لتكتنفها حالة من الانتشاء لنجاحها في ذلك. فزادت لتتسطيل بجسدها، رافعة نفسها على أطراف أصابعها، لتطبع قبلة فوق خده، لتقول: -هو أنا أقدر يا قلبي على زعلك ولا زعل مامي. بفعلها الأخير ازداد اشتعال عينيه، ليطبق فجأة على كفه يدها يأمرها بأنفاس ساخنة وتسلط لا يفارقه:

-اطلبي مني الأول قبل ما تتصرفي من مخك تاني. أومأت بهز رأسها، لتكن كالقطة المطيعة، وتجاريه بعد ذلك في رغباته بحرارة تجيدها من أجل ترويض غروره، والحصول على ما تبتغيه منه. *** في اليوم التالي. استيقظت مودة بين كوم الملابس والأشياء التي ابتاعتها بالأمس لتنام ليلتها بينهم كطفلة في ليلة العيد، تنتظر الشروق حتى ترتدي الجديد، بسعادة طالعتهم وقد افترشوا الفراش بجوارها على التخت.

قبل أن تنهض بهمة ونشاط دؤوب، لتغتسل سريعًا في حمام منزلها القديم. ثم تناولت شطيرة من الجبن بالخبز البلدي، قبل أن تعدوا عائدة بمرح لتبدل العباءة المنزلية، بهذه الفستان الرائع، والذي ظلت تلتف به أمام المرآة لفترة طويلة من الوقت، تتحرق داخلها لترى نظرة زملائها لها في الفندق بهذا الفستان المفتن بنقوشه الزاهية والتي تذكرها بألوان الربيع، حتمًا ستتغير نظرتهم إليها.

تنهدت بحالمية لترتدي الحذاء الجديدة، ثم تنثر رائحة العطر وقد أجادت بحرفية وضع المساحيق على وجهها، فلم يتبقى سوى الذهاب إلى العمل، باطلالتها الجديدة الجاذبة للنظر. تناولت حقيبتها تبحث عن مفتاح المنزل، لتتذكر وضعه بالسترة القديمة التي عادت بها من التسوق.

بحثت عنها لتجدها وسط كوم الملابس المتسخة والتي رمتها دون تركيز أثناء خلعها بالأمس، نظرًا لانشغالها في تحضير الطعام لجدتها، ثم انشغالها بتجربة الأشياء الجديدة أمام المرآة حتى نامت بينهم. أخرجت المفتاح لتتذكر فجأة الخاتم الذي وجدته في محل الملابس، وشكله الرائع. بحثت سريعًا داخل الجيب والجيب الآخر ولم تجده. عادت للبحث مرة أخرى تلعن غباءها، كيف لها أن تنسى شيئًا كهذا.

حينما يأست، ألقت السترة لتبحث بين بقية الملابس، لربما وجدته بينهم. وقبل أن تتفحصهم بدقة تفاجأت بصوت الجرس المزعج القديم وطرق عنيف على باب المنزل، جعل جدتها تردف بالسباب عليها وعلى الطارق، لتنهض مجبرة حتى ترى من القادم. فتحت لتتفاجأ بعدد من الوجوه، شكلها لا ينبئ بخير على الإطلاق. -آنسة مودة. قالها الرجل الأول ذو الهيئة الجامدة والباعثة على الرعب، لتجيبه على الفور: -أيوة حضرتك أنا مودة، بس انتو مين؟ جاءها

رد الرجل بنبرة قاطعة: -إحنا قوة أمنية مكلفة بالقبض عليكي، بتهمة سرقة خاتم ألماس ثمنه ربع مليون جنيه.....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...