الفصل 28 | من 43 فصل

رواية و بها متيم انا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم امل نصر

المشاهدات
25
كلمة
6,973
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

توقف أخيرًا بدرجاته النارية، لينزع عن رأسه خوذة الحماية. إحساس الاختناق يجثم على أنفاسه وكأن قيدًا يلتف حول عنقه ويمنع دخول الأوكسجين بصفة منتظمة أو عادية لداخل صدره. اشتياقها الحقيقي له وفرحته به، وكلماتها التي تنعاد بذهنه بشكل مزعج. ثم هيئتها المكسورة حينما وجه انتقاده القاسي لها. لقد أعماه الغضب عن سماعها. وقد بدا أنها في حاجة إليه أو إلى أي فرد من العائلة. كان يجب عليه التريث قليلًا. شقيقته المتهورة التي كانت تشاركه اللعب قديمًا نظرًا لأنها الأقرب إليه في سنوات العمر عن باقي أفراد العائلة. لقد كانت منطفئة. أين ذهب المرح والإنطلاق عنها؟

أين هذه الصورة المزيفة التي تبرع في تأديتها على الشاشة؟ أين كان عقله هو ليتغافل عن كل ذلك ويتركها في هذا الوقت من النهار وحدها في المدافن والمقابر.

على خاطره الأخير انتفض مستدركًا خطئه. ليضرب بقدمه على إطار الدراجة مصدرًا صوت زمجرة عالية. لاعنًا غباءه وهذه الصدفة الغريبة التي جعلته يذهب اليوم في زيارة لوالده الراحل، والذي جاءه في المنام برؤية غريبة لم يفهمها. زفرة قوية بعنف أخرجها. قبل أن يدير محرك الدراجة ليعتليها مرتديًا خوذته مرة أخرى وقد نوى بداخله على العودة. على الأقل يريح ضميره من ناحيتها وحتى وإن لم يلحق بها.

استدار نحو الطريق الذي قطعه منذ دقائق، ليعاود الرجوع به بسرعة تفوق سرعته العادية في القيادة من الأساس. رغم تحذيرات كاميليا الدائمة وتوبيخها له عدة مرات. لكنه اليوم يؤجل التفكير في ذلك. فشئ ما بداخله يجعله غير قادر على تنفيذ هذه النصائح. شعور بعدم الارتياح يدفعه للطيران حتى يكون معها الآن ويخفف من حدته. ربما تكون في حاجة إليه.

وصل إلى المدافن، ليوقف الدرجة ويهبط منها بخطوات مسرعة. مخترقًا طريقه ما بين المقابر مرة أخرى. حتى دخل إلى الجزء الخاص بعائلته. اكتنفه إحباط شديد حينما رأى الفراغ بدونها. تمتم بكلمات حانقة ليعاود أدراجه. وقد باءت محاولته بالفشل بعد ذهابها. باستياء متعاظم. كان يسير ويدفع الحصى بقدمه. حتى خرج من منطقة القبور فتذكر أنه أخلف طريق عودته إلى الدراجة. غمغم بداخله بكلمات ساخطة لهذه المعاكسات التي تحدث معه بشكل غريب. استدار

متوجهًا إلى الناحية الأخرى. لتقع عينه عن بعد بهذا الرجل الضخم الذي يسير ناحية السيارة السوداء حاملًا بين ذراعيه امرأة كالجثة أو ربما تكون مريضة. وذلك من هيئتها الساكنة بغير حراك. ذلك المشهد أثار فضوله ليقف متابعًا لهما. رغم أن الظهر العريض للرجل لم يمكنه من رؤيتها جيدًا سوى بعد أن فتح باب السيارة ليدخلها في المقعد الخلفي. فتدلت رأسها بشعرها الحريري الطويل المتساقط منها وهو...

جحظت عينه بعدم استيعاب وقد رأى صاحبة الوجه... "رباب." دمدم الاسم بهلع ليعدو نحو الرجل ليعرف ما بها، وما صفة هذا الرجل إليها. ولكن المسافة كانت بعيدة والسيارة انطلقت بسرعة لم تمكنه من الوصول إلى شقيقته والاطمئنان عليها.

ضرب قدمه بالأرض ليستدير راكضًا نحو دراجته. ليعتليها ويتحرك بها. حتى إذا وصل إلى الطريق الممهد زاد بالسرعة الفائقة وعيناه تتطلع أمامه بتمعن شديد بحثًا عن السيارة التي اختفت عن أنظاره. فيبدو أن قائدها هو أيضًا يقودها بسرعة تضاهي سرعته. وربما أكثر. ***

عادت نرجس وابنتيها إلى المنزل، بعد زيارة لمنزل إحدى أقاربها في مناسبة عائلية وذلك بصحبة شقيقتها سميرة أيضًا. أولاهن كانت رؤى التي هتفت فور ولوجها لداخل الشقة حينما تفاجأت بشهد التي كانت جالسة على الأريكة متكتفة الذراعين وأعينها في الفراغ بحالة من الشرود جعلتها لم تنتبه لمجيئهن إلا على صوتها: "إيه ده شهد! إنتي هنا من إمتى؟ انتفضت الأخيرة بجزع واضعة كفها على صدرها، متمتمة: "بسم الله الرحمن الرحيم، خضتيني يا رؤى."

"خضيتك ليه؟ ما انتي اللي سرحانة." قالتها رؤى قبل أن تنتبه على الأكياس المحتلة الأريكة بجوار شقيقتها لتركض نحوها قائلة بفضول وهي تتفحصهم بعد أن جلست بجوارها: "إيه ده؟ هو انتي جبتي الحاجات دي النهاردة يا شهد؟ أومأت لها بابتسامة قبل أن تنتبه على تحية زوجة أبيها وأمنية التي رشقت عينيها على الأكياس: "مساء الخير يا شهد، هو انتي مروحتيش النهاردة الشغل ولا إيه؟ قالتها نرجس بإشارة نحو الأشياء التي ابتاعتها، بابتسامة

ضعيفة ردت على سؤالها: "لا يا مرات أبويا، أنا روحت الشغل بس كان نص يوم وخرجت بعدها مع حسن ع السوق." شهقت رؤى بلهفة معقبة: "يا لهوي ياما يعني انتي النهاردة خرجتي مع حسن؟ قبل أن تجيبها تدخلت أمنية بفضول قاتل توجه لها السؤال: "يعني خطيبك هو اللي اشترالك الحاجات دي؟ تغاضت شهد عن نظرات الأخيرة غير المريحة لها، وردت تجيبها بتسامح: "أيوة يا أمنية، تعالي شوفيهم مع رؤى، وانتي كمان يا مرات أبويا."

تلقفتا الاثنتان الدعوة بحماس جعلهن يهجمن سريعًا على الأكياس يتفحصن المحتويات دون التغافل عن أي شيء بها. نرجس وكعادتها تطالع بصمت وبملامح مبهمة غير مقروءة على الإطلاق، إن كانت إعجاب أو شيء آخر. أما رؤى فكانت تهلل بطفولية كلما أعجبتها قطعة اتجهت للأخرى بصيحة أعلى: "يا لهوي ع الطقم الفوشيا، دا هيهبل عليكي يا شهد، وأنا اللي افتكرت ان الفستان الفيروزي يجنن، طلع فيه اللي أجن منه." "والله ما في حد أجن منك."

قالتها شهد ضاحكة، ثم اتجهت بعينيها نحو أمنية، منتبهة جدًا لهذا التقلص بملامح وجهها وفي نظرتها للمشتريات، حتى لو ادعت العكس أو التعامل بشكل طبيعي، فهي أعلم الناس بها. يلوح برأسها بعض الشفقة عليها، رغم رؤيتها لهذه المنطقة المظلمة بداخلها، شعورها الدائم بالنقص مهما ابتاعت من الأشياء. عينيها على ما يمتلكه الآخرون، مشكلة لا تجد لها حل. وهي التي ظنت رغم كل شيء أن ارتباطها بإبراهيم رغم كل تحفظاتها عليها سيساهم ولو قليلًا في حل معضلتها على اعتبار أنها تحبه، لتجدها الآن توسعت وتشعبت، بعد أن أصبح لهذا المعتوه موطئ قدم له المنزل بسببها، ثم يُظهر وجهه القبيح الآن، حقدًا عليها وعلى خطيبها.

*** خرج بها من المصعد، وفور أن وصل للشقة المقصودة، وجد شريكته التي كانت بانتظاره، تفتح له ليلج بما يحمله لداخل الشقة، وتتقدمه هي بلهفة نحو إحدى الغرف: "تعالي هنا ورايا بسرعة." دلف للغرفة ذات الإضاءة الوردية، والفراش المزين بالورود ليعلق متهكمًا: "يا حلاوة، دا انتي عاملة جو رومانسي كمان، حلاوتك يا جوجو." ردت على عجالة وهي ترتد لخارج الغرفة: "حطها عندك ع السرير، على ما أجيب الحاجة وأرجعالك." "براحتك يا عسل."

علق بها حامد وهو يريح جسد رباب على الفراش، وهي ما زالت بأعين مفتوحة لا ترى شيئًا، وأعضاء مرتخية وعقل غائب تمامًا عن الواقع. تطلع لها بأعين مشتعلة. هيئتها بهذه الصورة كادت أن تفقده عقله، ليعتليها كالحيوان يفترس ثغرها، وكل ما يصل إليه بشفتيه على الأنحاء المكشوفة من جسدها، ويده تعبث بحرية وعشوائية. يريد استغلال الفرصة الذهبية في نيل الهانم امرأة الباشا الذي يعمل تحت إمرأته، الجميلة التي تبهر الرجال بمفاتنها البارزة أمام الشاشة، بملابس تحدد منحنياتها بسفور وكأنها خلقت للمشاهدة، والاقتراب فقط من حق المجنون زوجها. ولكن ها هو الآن قد تحققت أمنيته في مشاركته بها، ولن يتركها بعد الآن.

"بتعمل إيه يا غبي؟ مش قولتلك استنى." قيلت مصحوبة بضربة قوية على ظهره جعلته يرفع رأسه مجفلًا، يهتف بها محتجًا: "الله في إيه يا بقى؟ هو إحنا هنرجع في كلامنا ولا إيه؟ زادت مرة أخرى بضيق تنهره: "يا غبي بقولك قوم، عايز تبوظ الشغل اللي أنا بعمله، دي حتى لسة بهدومها." اعتدل حامد يقول بمهادنة لهذه المجنونة: "يا ستي ودي صعبة يعني؟ أخلعها عنها وبالمرة أقلع أنا كمان، وخدي أحلى اللقطات براحتك."

مالت برأسها مقربة وجهها من هذا الأحمق تخاطبه كازة على أسنانها علّ عقله الفارغ يعمل ولو مرة واحدة: "هو أنا هفضل أفهم فيك لحد أمتى؟ بقولك عايزة كل حاجة تبان طبيعية، يعني واحدة بتخون جوزها مع عشيقها، يبقى لازم أظبطها كويس، قوم يالا خليني ألبسها حاجة تليق." نظر حامد للقطعة الوردية بيد المرأة ليهلل مصفقًا بكفيه: "طب يالا بسرعة بقى، وأنا كمان هروح أغير هدومي." قالها وانتفض يفسح لها المكان على الفراش، لتعقب من خلفه بازدراء:

"تغير هدومك برضو ولا تشربلك حاجة؟ غبي." قالتها ثم التفتت للمستلقية على الفراش بلا حول لها ولا قوة تخاطبها وهي تخلع عنها ملابسها: "وانتي يا روح قلبي، دا أنا هروقك، بحق الليالي اللي خدتها في رعب وخوف يا رباب لخليكي تكلمي نفسك، انتي لسة شوفتي حاجة، دا أنا هحولك جارية للأهبل اللي جوا ده." ***

توقف بدراجته أمام السيارة التي كانت تفوقه بالسرعة لدرجة جعلته يتوه عن ملاحقتها عدة مرات. وفي المرة الأخيرة دخل شارع آخر قبل أن يرتد ويدخل المجاور له في هذه المنطقة السكنية الجديدة في العاصمة، والقليلة بعدد السكان. الشيء الجيد في الموضوع، حتى لا يتوه في الشوارع الزحمة. وقف أمام البناية ذات العدد الكثيف من الطوابق، بحيرة تفتك برأسه. ما الذي يجعل الرجل ذا الهيئة المقاربة للحراس الشخصيين، أن يأتي بشقيقته إلى هنا؟

هذا ليس منزلها، ولا هو مشفى لعلاجها. مما جعل الشك يتسرب لقلبه، فاتجه على الفور إلى حارس البناية، والذي كان جالسًا على أريكته يرتشف الشاي من الكوب الزجاجي بتلذذ. بقلب يضرب كالمطارق في صدره لهذا الشعور الجديد من الخوف. اقترب يسأله بلهث ويده تشير للخلف: "يا أخ انت، الراجل صاحب العربية السوداء أو اللي كان سايقها يبقى مين هنا في العمارة؟ رد الرجل بسماجة بعد أن ألقى نظرة عابرة نحو ما يشير إليه الآخر:

"راجل مين وعربية سوداء إيه؟ ما تفسر يا أخينا." برود الرجل وطريقة الرد غير المبالية، جعلته يفقد أعصابه ليهدر صائحًا به: "بقولك اللي كان سايق العربية السوداء، البني آدم الضخم، كان شايل اختي فيها، أقسم بالله لو ما قلتوا لبلغ جوزها ابن اللوا حمدي فخر، يجي ياخدك انت معاه ويعلقك من رجليك." برعب حقيقي وعدم معرفة رد الرجل بدفاعية: "والله ما أعرف يا ولدي انت تقصد مين بالظبط؟ "يقصد حامد يا بابا." تفوهت بها الفتاة ذات العشر

سنوات لتكمل مخاطبة محمد: "بابا مكنش قاعد ساعة ما حامد خرج من العربية دي وهو شايل ست شكلها زي الهوانم وطلع بيها على شقته." سألها سريعًا وبلهفة: "قوليلي اللي اسمه حامد ده ساكن في أي شقة بسرعة." *** "يا حلاوة المهلبية، إيه الجمال ده يا ناس؟ هلل بها حامد فور أن اخترق الغرفة، ووجد رباب بهيئتها الجديدة مرتدية المنامة الوردية القصيرة جدًا، والشعر المسترسل حول وجهها وقد مشطته المرأة سريعًا، فبدت بصورة كاملة للجمال.

تطلعت المرأة باستنكار نحو حامد الذي ولج يفرك بكفيه مرددًا: "إحنا كده بقينا تمام وفل أوي، وسعي بقى خليني أشوف شغلي قبل ما تصحى ولا تفوق، أنا عايزة آخد وقتي مع لهطة القشطة دي." علقت باستهجان وهي تنهض عن التخت، بنظرة من أعلى للأسفل: "لا اطمن يا خوي هتاخد وقتك وبزيادة كمان، المادة اللي في جسمها بتفضل ساعات، يبقى اصبر بقى دقيقة كمان." "كمان! ليه بقى؟ صاح بها بنفاد صبر وجاء ردها بغيظ يفتك بها وهي تلوح له بالهاتف:

"عشان عايزة آخدلها كام لقطة الأول، افهم بقى ووسع من وشي." زمجر حامد ليتخصر منتظرًا على مضض، وهي تلتقط عدة صور من عدة جهات، ولسانها يردد: "أنا لسة ما اكتفيتش من اللعب معاها، ما أنا مش هكشف ورقي مرة واحدة، لازم أساويها على نار هادية الأول." "لسة كمان فيها لعب، دا انتي دماغك سم." علق بها حامد قبل أن يصدح صوت جرس المنزل، مع طرق متواصل على الباب الخارجي فزفر مرددًا بسخط:

"عاجبك كده أهو الباب بيخبط، ناقص عطلة أنا ولا وقف حال." توقفت المرأة على الصوت المزعج تدمدم بارتياب شديد: "وإنتي مين بيجيلك دلوقتي عشان يخبط عليك بالشكل ده؟ رد حامد بتخمين من رأسه: "يعني هيكون مين يعني؟ وأنا أساسًا ما حدش يعرفني في العمارة دي، أكيد البواب الزفت، أنا هطين عيشته." قالها وتحرك ذاهبًا، فهتفت عليه ناصحة: "براحة يا حامد مع الزفت ده، مش عايزين شوشرة في العمارة."

سمع منها واتجه بخطوات مسرعة نحو باب الشقة الخارجي حتى إذا فتحه تفاجأ بفتى في عمر المراهقة يخاطبه بأمر أجفله: "أختي هنا بتعمل إيه؟ اندهلي عليها خليني أشوفها." بيده الضخمة دفعه حامد لييتعد عن باب الشقة قائلًا بعنجهية وغشم: "أختك مين يا شاطر اللي جاي تدور عليها، امشي ياض مش ناقصة شغل عيال." هم أن يغلق الباب بوجهه، ولكن محمد منعه صارخًا بوجهه:

"أنا بتكلم عن أختي رباب اللي جبتها من المدافن شايلها على إيدك، أنا فضلت ماشي وراك لحد أما جيت هنا." شعر حامد بالخطر ولكنه تعالى عن إظهار الخوف أو الاستسلام، ليدفعه بعنف جعله يبتعد عن الباب وهو ينهره بالقول: "أنا لا أعرف رباب ولا أعرف كباب، غور من وشي هي مش ناقصاك." لم يستلم محمد، وظل يصرح ضاربًا بكفيه على خشب الباب: "بقولك افتح يا حيوان أنا اتأكدت دلوقتي إنك خاطف أختي، طلع لي أختي يا حرامي." خرجت المرأة من

الغرفة إلى حامد تردد بزعر: "يا نهار أسود إيه اللي بيحصل ده؟ مين اللي ع الباب يا حامد وعايز يعملنا فضيحة؟ تجاهلها الآخر وقد انتفخت أوداجه بغضب عاصف، ليلتف عائدًا نحو الباب يفتحه مرة أخرى ليسحب محمد من تلابيب قميصه ويجره للداخل بغضب وحشي: "دا انت باينك جاي على قضاك." انتفض محمد وهيئته بدت كالعصفور بيد هذا الرجل الضخم، ليعلم أنه يستطيع القضاء عليه بضربة واحدة من يده، فكر سريعًا ليجد الرد المناسب له، بصوت

جاهد أن يخفي به ارتجافه: "قلتلك من الأول اديني أختي، عشان أنا اتصلت أساسًا بجوزها كارم وهو زمانه على وصول عشان يعلمك الأدب من جديد يا أستاذ حامد." بالطبع كان يكذب في الأخيرة، فهو لا يملك رقم كارم، ولكن الخدعة أتت بثمارها، على حامد الذي اظلم وجهه واستوحشت ملامحه، لتجفله المرأة بصرختها وهي تركض نحو غرفتها كي تتناول أشياءها لتلوذ بالفرار. "يا نهار أسود، دا بيقولك إنه اتصل بكارم، الله يخرب بيتك وبيت معرفتك المهببة."

كذئب بري زأر حامد بشراسة وهو يهزهز محمد يكبح نفسه حتى لا يفتك به، بعد أن استبد به الغضب من فعلته، وقد خرب عليه كل تخطيطه: "أعمل فيك إيه؟ أقطع من جسمك نساير ولا أخلص عليك بضربة من كف إيدي، وانت مش مستاهل غلوة أساسًا." برغم الرعب الذي كاد أن يشل أطرافه، والهزهزة بعنف تجعل العظام وكأنها تنخلع من محلها قبل أن تعود في نفس الدقيقة برحلة مؤلمة وقاسية، حاول محمد أن يحافظ على رباطة جأشه، ليرد بثقة أبعد ما تكون عن حالته الآن:

"اعمل اللي انت عايزه، كده كده كارم هيخلص عليك دلوقتي." وصلت صيحة المرأة مرة أخرى وهي تعدو سريعًا ذاهبة: "انت لسة واقف مكانك يا غبي؟ عايز تقعد وتستنى قضاك؟ قالتها لتخرج من باب المنزل على الفور، وزمجر حامد من خلفها بأعين محتارة ما بين المستلقية بداخل الغرفة في انتظاره الآن، وما بين أمنه المهدد بالخطر، وقد أفسد هذا الصغير ما كان يحلم به منذ أيام، وفي الأخير وبعد تيقنه أن لا سبيل أمامه إلا الهروب.

طير محمد بدفعة عنيفة جعلت الأخير يسقط على الأرض ليقع على ذراعه ويصدر صرخة قوية مع سماع صوت العظمة التي كسرت. شعر حامد ببعض الراحة، ليأخذ طريقه نحو الخروج حتى يلحق بالملعونة التي سبقته، على الأقل يحصل على بقية حقه من المال، يكفيه خسارة الحصول على النجمة الجميلة. لتخلو الشقة على الشقيقين، حاول محمد النهوض رغم الوجع الرهيب، ليستند على الذراع الآخر متأوهًا: "آه آه."

"يا بيه يا بيه، حامد هرب ومعاه ست تانية غير اللي جه بيها." قالتها الصغيرة ابنة الحارس، طالعها محمد صامتًا حتى تمكن من النهوض بسرعة، ممسكًا ذراعه المكسور، ليقول أخيرًا: "متشكر أوي يا اسمك إيه؟ ممكن تيجي تدوري معايا في الشقة هنا ع الست اللي شوفتيها." "من عنيا يا بيه، أنا هروح الناحية الشمال ع الأوضة دي والحمام، وانت روح الناحية اليمين." قالتها الفتاة وذهبت على الفور، ليدمدم محمد من خلفها وأقدامه

تتحرك نحو الجهة المقصودة: "أجدع من أبوك اللي ما تحركش من مكانه، صحيح الشجاعة مش بالسن."

واصل محمد طريقه متجهًا نحو الغرفة التي دخلتها السيدة الهاربة منذ قليل، وما هم بفتح الباب حتى وجده اندفع بسهولة، ليصعق بالمشهد الذي جعل شعر رأسه يقف. جحظت عينه في البداية قبل يتدارك ليتحرك سريعًا بأنفاس لاهثة يبحث عن أي شيء يستر به شقيقته. وجد سترة بحجم كبير ملقاة بإهمال على الأرض، خمن أنها تخص هذا الضخم الذي خرج. تقدم بها ليلقيها على شقيقته التي في كانت حالة غير متزنة على الإطلاق، هيئة أدخلت الرعب بقلبه، حتى إحساس الألم بذراعه لم يعد يشعر به. جلس على ركبتيه ليربت بكفه

على وجنتيها يرى ما بها: "رباب هو انتي مالك؟ انتي شيفاني ولا حاسة بيا؟ رباب انتي صاحية ولا نايمة؟ ضغط بكفه على وجنتيها ليجبرها على النظر إليه، ولكن لم يحدث. أمسك بذراعها يرفعه ليجده يرتخي ساقطًا بشكل جعل قلبه يقع تحت قدميه، ليصرخ عليها بدمعة فرت من عينيه: "رباب الناس دي عملت فيكي إيه؟ ربااااب." دخلت الفتاة ابنة حارس البناية على صرخته لتسأله بعفوية: "إيه ده هو انت لقيتها؟ طب ما تقومها يالا عشان تروح بيها يا بيه."

تطلع نحوها محمد ليستعيد ذهنه، وتماسك ليتناول هاتفه من جيب سترته، يطلب صاحبة الرقم التي كالعادة لا تتأخر عن الرد عليه: "ألوو... يا حبيبي عايز إيه؟ بدون تفكير أو تردد صرخ بها: "كاميليا، تعالي الحقي اختك يا كاميليا." *** "ألف سلامة عليكي يا حبيبتي، شالله ما أشوف فيكي شر أبدًا." قالتها مجيدة في جلستها مع أنيسة التي كانت تضيفها مع ابنها في منزلها، وردت المرأة ببشاشة معتادة منها:

"تسلمي يا حبيبتي ويسلم حضرة الظابط معاكي، أنا مكسوفة أوي والله إني تعبتكم معايا." تدخل أمين قائلًا بلطف للمرأة: "لا يا ست أنيسة مفيش أي تعب طبعًا، أهم حاجة بس تطمنينا عليكي، هو انتي حاسة بنفس الأعراض دلوقتي ولا لسة؟ بنظرة تحمل داخلها الكثير كانت أنيسة تطالعه بها، لترد بابتسامة ممتنة:

"الحمد لله يا حضرة الظابط، أهي الأعراض بتروح وتيجي، واحنا بنقضيها بالعلاج أو الأكل المطلوب وبتعدي، المهم أنا بلغني من مجيدة إن الكيكة عجبتك، صح ولا هي بتجاملني؟ ألقى أمين بنظرة خاطفة ذات مغزى نحو والدته التي لا تكتم سرًا أبدًا، قبل أن يعود لأنيسة ليرد بحرج يحاول إخفاءه: "يا ست أنيسة، انتي كل حلوياتك ما شاء الله يعني، لا يعلى عليها، دي أحلى كمان من المحلات والله، أنا راجل زواقة زي ما قالت والدتي، يعني كيف أوي."

ردت أنيسة بابتسامة ازدادت اتساعًا وبهجة تغمرها من الداخل: "دا من زوقك يا زوق، أنا هدوقك حاجة جديدة عملتها النهاردة.... قالتها وهمت أن تنهض ولكن مجيدة أوقفتها بالسؤال الذي يداعب ذهنها من وقت مجيئها مع ابنها والذي كان هو الآخر جالسًا بأعين زائغة وتوتر تعلم سببه: "طب قبل ما ندوق الحلويات، مش تندهي انتي ع الحلويات اللي بجد، ولا هي الست لينا مش عايزة تقابلنا؟ "لا والله هي مش موجودة أصلًا، دي لسة مرجعتش من الشغل."

"شغل إيه اللي يقعد لحد دلوقتي؟ الساعة داخلة على تسعة." خرجت من أمين بعفوية لم يقصدها، وغضب لاح على صفحة وجهه، لترتسم ابتسامة خبيثة على وجه مجيدة، أخفتها سريعًا وهي تراقب رد فعل أنيسة التي استدركت لتنظر بساعة هاتفها ثم قالت بقلق، قبل أن تضغط على أحد أرقامه: "هي بصراحة مش بعادتها تتأخر للوقت ده، ولو حصل بتيجي مع طارق." غمغم بسخط وحنق لم تنتبه له المرأة: "ومين طارق ده كمان؟

زجره مجيدة بنظرة محذرة رغم استمتاعها بغضبه، ليغلق فمه موجهًا انتباهه لردود المرأة على الهاتف: "أيوة يا لينا اتأخرتي ليه يا بنتي؟ ........... بتقولي إيه؟ طب وطارق مجابكيش معاه ليه؟ ............ يا نهار أسود، يعني انتي معرفتيش اللي حصل؟ ........... طب شوفيليك صرفة بقى وحاولي تلاقي أي مواصلة." قاطعه أمين بلهفة سائلًا: "أنا آسف لو بتدخل، بس هو إيه اللي حصل يعني؟ أبعدت الهاتف عن أذنها لتشرح الوضع باختصار:

"أصلها بتقول إنها مزنوقة بقالها ساعة في عربيتها ومش عارفة تتحرك بيها، الشارع مسدود عشان في شخصية مهمة بمركز حساس هتعدي فيه، ولما تطلب أوبر برضه مش بيعرف يدخلها." من تحت أسنانه خرج صوته بانزعاج وتهكم: "ولما هو كده، استنت ليه لما تتأخر بالشكل ده؟ ولا اللي اسمه طارق اللي بتقولي عليه ده موصلهاش معاها ليه؟ همت أن تجيبه ولكن صراخ لينا من الناحية الأخرى جعلها تعود إليها قائلة:

"أيوة يا لينا أنا معاكي يا بنتي، أنا بس محتارة هترجعي إزاي دلوقتي؟ ......... يعني هتفضلي مستنية؟ "تستنى فين؟ معلش يا ست أنيسة اديني التليفون معلش." فاجأها بطلبه كما صعقت مجيدة لرد فعله وهو يتناول الهاتف من المرأة بسلطة دون انتظار موافقتها ليرد بخشونة نحو المتحدثة من الجهة الأخرى: "أيوة يا أستاذة خليكي قاعدة في عربيتك واقفلي عليها لحد أما أجيلك......... انتي لسة هتجادلي؟

أنا بقولك استني مكانك لا توقعي نفسك في مشاكل، وانت اسم الله عليكي متتوصيش....... استنى بقولك." قالها لينهي المكالمة بعنف ثم تحول نحو المرأة بتحول أدهشها: "أنا آسف لو اتعصبت عليكي...... بنظرة ساهمة طالعته أنيسة بصمت قطعته مجيدة بسؤالها: "يعني انت بجد رايح تجيبها؟ تناول علاقة مفاتيحه والهاتف خاصته ليرد بعملية وهو يتحرك بأقدامه ليتركهما: "يدوبك يا ماما عشان ألحق أروح أجيبها، عن إذنكم بقى." "إذنك معاك يا حبيبي."

تمتمت بها مجيدة بذهول وهي تتابع أثره حتى اختفى، قبل أن تعود لأنيسة التي ما زالت صامتة بازبهلال تخاطبها بابتسامة متوترة: "اطمني يا حبيبتي، هو هيعرف يجيبها إن شاء الله ويرجع بيها." خرج صوتها أخيرًا لتردد بتمني: "إن شاء الله، يارب." غمغمت مجيدة بداخلها: "ربنا يستر بس وما يلبسوش هما الاتنين بجنانهم ده قضية أمن دولة، أو يعكروا صفو العلاقات مع دولة أجنبية." ***

بداخل المشفى وخارج الغرفة التي كانت تُسعف بداخلها شقيقتها، كانت كاميليا تقطع الردهة ذهابًا وإيابًا، تفرك بكفيها مرددة بقلق وصوت باكي، رغم المحاولات المضنية منها للاحتفاظ بقوتها حتى لا تنهار وتسقط، نتيجة هذه الأحداث التي تمس النقطة الحساسة إليها وهي أشقاءها. "يا رب استر يا رب، نجيلي أختي يا رب، نجيهالي والنبي يا رب." علقت زهرة بتهوين، فقد كانت جالسة بابنها الصغير على مقاعد الانتظار:

"يا حبيبتي اهدي، أختك هتقوم وتبقى بخير إن شاء الله." بأعين تسيل منها الدموع بعدم توقف، تطلعت إليها تردف بألم:

"أصل انتي جيتي متأخر وما شوفتيهاش يا زهرة، دي كانت عاملة زي العروسة البلاستيك، مفتحة عينيها وفاقدة وعيها في نفس الوقت، لا تعرفيها صاحية ولا نايمة، في حياتي ما شوفت كده، دا أنا هموت لو جرالها حاجة، مكانش لازم أسيبها خالص. ياريتني اتنازلت وبوست على إيديها عشان تصالحني، ياريتني ما كنت سبتها، ياريتني ما كنت سبتها......

قطعت بالبكاء بحرقة، تغلق فمها بقبضتها لتكتم صوت شهقاتها، فنهضت زهرة بقلب موجوع عليها لتضمها إليه بذراعها الحرة من كتفيها تهون بالكلمات الحانية: "يا حبيبتي براحة على نفسك، سيبي أمرك لله وهو القادر على رجوعها بخير ولم الشمل من تاني." "يا رب يا رب."

تمتمت بها بتمني مع استمرار بكاءها، وقد وجدت الآن قلبًا يشاطرها الحزن، وكتفًا تستند عليه في أصعب الأوقات التي تمر بها، ثم ما لبثت أن ترفع رأسها منتبهة على رجوع شقيقها بصحبة طارق الذي رافقه في القسم الآخر من المشفى، لإسعاف ذراعه المصاب، وقد التفت الأربطة الطبية حوله. تحركت لتقصر المسافة بينهما وتحتضنه بكفيها من وجهه سائلة بجزع: "عامل إيه دلوقتي يا حبيبي؟ لسة برضه دراعك بيوجعك، وليه مجبسه؟ هو الدكتور قال إيه؟ تكفل

طارق بالرد يخاطبها بتماسك: "احمدي ربنا إنه كسر عادي مش مضاعف، لكان زمانه في العمليات دلوقتي، كلها كام أسبوع ويبقى عال، الدكتور طمنا، اطمني انتي كمان." "أطمن! قالتها بعدم تصديق وكأن كلماته جاءتها على الجرح الملتهب عادت للبكاء مرة أخرى لتحتضن شقيقها وتقبله مرددة: "يا رب يخليك ليا يا حبيبي، ويطمني عليك انت واختك." تنهد طارق باستياء وعجز يقتله، لعدم قدرته على رفع الحزن عنها، تدخلت زهرة مخاطبة محمد بفخر:

"حمد الله ع السلامة يا بطل، جاسر حكالي ع اللي عملته، هو قاعد دلوقتي في الشقة اياها مع إمام عشان يعرفوا مين حامد ده، ومش هيستريحوا ولا يهدالهم بال غير لما يجيبوه، هو والست اللي كانت معاه." "بس إحنا بلغنا البوليس يا زهرة." قالها طارق لتقارعه زهرة برغبة قوية في بث الاطمئنان بقلب محمد وصديقتها: "وماله يا طارق، البوليس يدور واحنا كمان ندور." ردت كاميليا بعدم اكتراث الآن سوى بصحة شقيقتها:

"أنا المهم عندي دلوقتي أختي، أي حاجة تيجي بعد كده." همت زهرة أن ترد ولكن خروج الطبيب من الغرفة جعلها تتوقف لتعدوا مثل الجميع في اتجاهه لمعرفة الجديد. "ها يا دكتور طمنا." نطقت بها كاميليا تسبق ثلاثتهم في السؤال، وجاء رد الطبيب بعملية لا تخلو من اللطف: "اطمنوا يا جماعة متقلقوش، إحنا ولله الحمد قدرنا نتعامل مع الحالة ونتصرف مع المادة اللي دخلت جسمها وسببت كل اللي عليها من أعراض." سأله طارق بقلق شديد:

"هي إيه المادة دي يا دكتور؟ زفر الطبيب يخرج كتلة من الهواء بصدره ليجيبه باستياء: "في الحقيقة يا أستاذ طارق المادة دي خطيرة جدًا، وما حدش بيقدر يجيبها إلا من الخارج ولازم يكون حد واصل كمان، بإذن الله البوليس يقدر يجيب الناس المجرمين اللي عملوا فيها كده ويتحاسبوا على جريمتهم." سألته زهرة أيضًا: "طب هي صاحية يا دكتور عشان نقدر ندخلها؟ "أكيد طبعًا هتشوفها، بس نص ساعة كده على الأقل على ما تفوق، عن إذنكم بقى."

قالها الطبيب وتحرك مغادرًا لتغمغم كاميليا في أثره بغضب: "أكيد المجرمين دول لهم علاقة بجوزها، أنا قلبي حاسس، بل أكاد أكون متأكدة من كده." *** بخطوات مسرعة والغضب يتطاير من عينيه، اقترب حتى وصل إلى سيارته ليفتح بابها بعنف قائلًا بنزق: "اتفضلي يا ست هانم، اتفضلي يا برنسيسة، خلصينا بقى." طالعته بأحجار الفيروز الآتي تتوهج نيرانهم بغضبها هي الأخرى لتقول بتأفف: "كلمني كويس لو سمحت، يا إما والله لكون.... "تكوني إيه؟

صاح بها مقاطعًا وقد فاض به ليتابع بهيئة المغلوب على أمره: "تكوني إيه يا لينا؟ عايزة ترجعي تاني ولا تتخانقي مع أفراد الأمن اللي مضايقينك، اللطم على خدي عشان تستريحي؟ هو انتي لسة ما اكتفيتيش؟ صرخ الأخيرة بأسلوب كوميدي جعلها تتماسك بصعوبة عن الضحك بوجهه، فلانت لهجتها في الرد عليه: "أنا مبحبش أتخانق مع حد ولا قصدي أعمل مشاكل، وع العموم هركب اهو عشان نقفل خالص ع الكلام."

اعتلت السيارة لتجلس في المقعد الأمامي بجواره، ليتخذ مقعده هو الآخر خلف عجلة القيادة، فخرج صوته بنصح هذه المرة: "أنا مش بتحشر في اللي ميخصنيش، بس انتي كان لازم تقدمي في انصرافك، التأخير ده هو اللي عك الدنيا معاكي." عادت لحالتها الأولى في الغضب لترد بشراسة قطة متحفزة لأي كائن حي يمر من أمامها:

"أولًا أنا متأخرتش بخطري ولا عمري قعدت للساعة دي أصلًا، إحنا كان عندنا اجتماع وطارق حصل معاه ظرف وحش خلاه يجري مع مراته ع المستشفى، ف اضطريت أنا أقفل الملفات المطلوبة على قد ما أقدر، وبعدها اتفاجأت بالوقت، ولولا الإجراءات الزفت دي كان زماني في البيت من ساعتين." اقترب برأسه منها مقربًا وجهه بعدم تردد ليرد ببعض المنطق علّها تفهم:

"الإجراءات دي مش تعسف من الجهات المسؤولة، دا تأمين لشخصية دبلوماسية، ودي حاجة ضرورية، دا غير إنهم محددين طريق بديل، ما رجعتيش فيه ليه؟ تكتفت تقول بحرج مبتعدة بعينيها عنه: "الطريق التاني طويل أوي، وأنا النهاردة مكنتش عاملة حسابي في البنزين، يمكن كنت وقفت في نص السكة، ساعتها كانت هتزيد العكة معايا."

ناظرها قليلًا بصمت قبل أن يتركها ليشعل محرك السيارة، ويركز انتباهه على القيادة، وصبت هي اهتمامها على ربط حزام الأمان الذي حاولت به عدة مرات وفشلت في ربطه مما جعل الآخر يصيح بها: "في إيه؟ مش عارفة تربطي الحزام." "لأ مش عارفة، ومش فاهمة هو ليه كده بيعك معايا." "تاني يعك، إحنا مش هنخلص في الليلة دي؟

قالها ليضرب بقبضته فجأة على عجلة القيادة بسيارته وتوقف فجأة، ثم مال نحوها ليربطه بنفسه، غمره عطرها ليستشعر قربه منها وهذه الهالة من الجمال الآسر، جميلة لدرجة اللعنة، كما أنها مشاكسة بدرجة غير عادية، على قدر ما تستفزه، على قدر ما تجعل الدماء تضخ بأوردته وكأنها تحييه حياة فوق الحياة التي يعيشها. شعر بالأرتباك في البداية، ولكنه استطاع التماسك، ليرد بمناكفة وانفاسه الحارة تشعر بها على بشرتها:

"هو جامد آه وشديد، بس لما تتعاملي معاه بحنية، بيفك بسرعة ويلين." قالها ليبتعد فجأة وقد نجح فيما فشلت به، ابتلعت ريقها بتوتر شعرت به جراء قربها منها، وكلماته الأخيرة تعاد بذهنها، شاعرة أنها بقصد آخر، ربما يكون غير بريء على الإطلاق. *** "إيه من الأماني ناقصني تاني وأنا بين إيديك عمري ما دقت حنان في حياتي زي حنانكو لا حبيت ياحبيبي حياتي إلا علشانكو قابلت آمالي وقابلت الدنيا وقابلت الحبايب

ما قابلتك وأديتك قلبي يا حياة القلب أكتر من الفرح ده ما أحلمش أكتر من اللي أنا فيه ما أطلبش" كانت الكلمات تصدح من المذياع الذي يشعله أبو ليلة في هذا الوقت ككل يوم بشرفته، يدخن شيشته ويردد من خلفها، ولا يدري بالجالس في الشرفة المجاورة يردد معه، وكل حرف من المعاني يمس وجدانه بقوة، وصورة أميرته تداعب خياله في سعادة لا ينكرها، حتى لو كان ارتباطه بها دربًا من دروب المستحيل، يكفيه القرب منها، وسماع نفس الشيء الذي تسمعه.

*** وفي الناحية الأخرى كانت هي الأخرى مندمجة مع لحن الكلمات التي بدأت تعجبها هذه الأيام، رغم أنها لم تكن أبدًا من محبي الأغاني القديمة. صدح هاتفها فجأة برقم غريب ومميز قطبت تنظر إليه قليلًا قبل أن تستجيب لفضولها وترد: "الوو مين معايا." "الوو يا صبا عاملة إيه؟ انتفضت مجفلة وقد علمت بهوية المتصل من نبرة الصوت التي أصبحت معروفة لها الآن، ابتعلت لترد برسمية: "أهلاً يا فندم، حضرتك عايزني في حاجة." ضحك

يزيد من غيظها قبل أن يرد: "كده على طول يا صبا حتى من غير ما تردي على سؤالي، ع العموم يا ستي أنا متصل عشان أطمنك." "أطمن على إيه؟ "أطمنك على صاحبتك يا صبا، هو انتي نسيتي ولا إيه؟ صدحت صوت ضحكته مرة أخرى قبل أن يختم: "مستنييكي بكرة الصبح عشان تعرفي التفاصيل، تصبحي على خير يا صبا." قالها وأنهى المكالمة، وقد تجهم وجهها وتعقدت ملامحها بغضب لتعلق: "والله عال، وكمان عرفت نمرتي عشان تتصل بيا؟ الله يخرب بيتك يا مودة .....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...