الفصل 12 | من 43 فصل

رواية و بها متيم انا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم امل نصر

المشاهدات
27
كلمة
5,198
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 28%
حجم الخط: 18

كفاية يا إبراهيم، يا إبراهيم كفاية. يووه وبعدين بقى. كانت تردد بمقاومة ضعيفة، تحاول فك ذراعيه عنها، تبتعد بوجهها عن مرمى قبلاته والتي كانت تجد طريقها على عنقها وجيدها حتى الزرارين المفتوحين في أعلى العباءة. مع ازدياد جرأة اللمسات شعرت بالخطر، فاشت「دت قوتها حتى دفعته عنها ليسقط على مجموعة من أشولة الحبوب. ما قولتلك كفاية يا أخي الله. بأنفاس لاهثة ووجه متعرق تطلع إليها بذهول وعدم تصديق.

يخرب بيتك، إيه اللي انتي عملتيه ده يا بت؟ هتفت بدفاعية أمامه وهي تعدل من هيئتها التي بعثرها هو. إيه يا عنيا؟ بوقفك قبل ما تتمادى أكتر من كده، ولا انت عايز تضيعني؟ ابتلع ريقه يلملم شتات نفسه هو الآخر بأن أخرج سيجارة وأشعلها يخرج فيها غيظه، فتابعت إليه بلهجة أخف. إيه؟ كل ده مكفكاش للصلح؟ ارتفع طرف شفته يناظرها بعدم رضا، قبل أن يقول. وانتي بقى مسمية إن ده صلح؟ شهقت لتتخصر بعباءتها السمراء تقول مستنكرة.

أمال انت تسميه إيه بقى يا عنيا؟ جايالك برجلي لحد عندك في المخزن اللي في ضهر دكان أبوك، يعني ممكن أي حد يشوفني، وساعتها تضر سمعتي، ده غير ال...... توقفت بقصد ملمحه عما حدث منذ قليل، ثم تابعت. ولا انت كمان هتنكر. بنظرة وقحة مرر عينيه على معالم الأنوثة لديها والبارزة بوضوح رغم العباءة السمراء، الشيء الوحيد الذي يجذبه بها، فقال بمكر وهو ينفض رماد سيجارته.

لا مش هنكر يا أمنية، بس ده يجي إيه بقى جنب كرامتي اللي بعترتيها على باب شقتكم، لما خلتيني أروح واقفًا يقمر عيش، واتهمتيني إني عايز أسوء سمعتك، انتي بقى شايفاني كده! وأنا اللي جاي أطمن وأسلم عليكي. تاني يا إبراهيم! هتفت بها بسأم لتزفر وتردف بتعب. واحنا مش أصلحنا خلاص، ده انت زليت أمي عليها وعذبتني عذاب، وأنا أتصل وأترجى وقلبك القاسي غير بجملة وحيدة بعد ده كله: "لو عايزاني تعاليلي المخزن" وأديني جيت و....

أرضيك بإيه تاني؟ على طرف لسانه كان يود أن يخرج ما يدور برأسه ويحتاجه منها الآن، ولكنه تمالك ليجيب بخبث وتروي في انتظار المنفعة. هو انتي ليه محسساني إني وحش أوي كده؟

مع إنك أكتر واحدة عارفة إني هممني المصلحة، وعارفة إني خطبتك مخصوص عشان أجيبلك حقك من اختك الحرامية اللي سارقاه، عايز أبقالك ضهر بدل ما انتي وأخواتك وخالتك كده عاملين زي الشحاتين عندها، وهي تعبي في كرشها من مال أبوكي، يا بت ده أنتو بتخدموا بلقمتكم عندها..... أنا مبخدمش حد. هدرت بها بوجه أظلم بالكره والحقد تتابع. أنا قاعدة زي الست في بيت أبويا، ولا يهمني شهد ولا حتى ألف غيرها. رقص حاجبيه ليكيدها بقوله.

بس أمك بقى شغالة خدامة عندها، هي وأخواتك، ولا هتقدري تنكريها دي كمان؟ امتقع وجهها وتبدلت ملامحها للقهر وتصيح به. انت عايز إيه يا إبراهيم؟ تبسم بشيطانية وقد أسعده تأثير كلماته عليها، فقال. يعني هعوز إيه يا ختي؟ أنا بس كنت برد عليكي، أديكم شفتوا أهو، خير أبويا زايد ومغطي، المخزن متعبي بالبضاعة يعني مش محتاجلك، أنا بس شفقان عليكي عشان محبش الظلم. ردت تمتم بمسكنة وهي تعدل بحاجبها.

ربنا موجود بقى، هو اللي بيخلص الحقوق، ما أنا لو أمي ناصحة كانت لمت الليلة من أولها، خدت حقنا منها، لكن تقول إيه بقى.... قاطعها بقوله. طب ما تشتغلي انتي معاها عشان تعرفي تجيبي حقك وحق أخواتك منها. اعترضت باستهجان مرددة. انتي عايزاني أنا أشتغل؟ لا يا حبيبي أنا متحملش شغل ولا قرف، هي ناقصة تعب وهدة حيل وكمان حر وشمس يأثروا على بشرتي ولا جمالي. بابتسامة جانبية ساخرة، ردد خلفها. لا وانتي جمالك مقطع الدنيا.

توقفت بنظرة غاضبة تحدجه قائلة. هو انت قصدك تتريق عليا يا إبراهيم؟ سمع منها واعتدل مستقيمًا ليجيب وهو يتجه نحو الباب الخارجي للمنزل. لا يا ختي ولا أقول ولا أعيد، أنا بس مستغرب كلامك وخوفك الزيادة ده على نفسك ولا هيئتك، مع إن أختك يعني أهي بقالها سنين في الكار بتاع ده اللي استلمتوا أصغر منك ومع ذلك لسة بخيرها ومتغيرش فيها غير حبه السمار اللي غطوا وشها الأبيض من الشمس وبرضوا حلوة.....

قال الأخيرة مشددًا عليها وهو يحاول في قفل الباب الكبير، حتى انفتح والتف إليها، فوجدها متغضنة تعوج فمها بامتعاض مرددة. حلوة! بقى بعد كل المرار اللي شايفينه ده منها، بتقول حلوة. تنهد بغيظ يقول بقرف. وإيه دخل ده بده؟ أنا بتكلم ع الشكل بطلي غباوة.... ويالا بقى هوينا أطلعي عشان أنا كمان أطلع، قبل ما أتخنق. ابتعلت الإهانة بمعاملته الجافة معها تلقي بنظرة نحو الشارع الذي كان خاليًا فقالت قبل أن تغادر.

طب متنساش بقى تتصل بيا بعد ما توصل الدكان. مش هنسى يا ختي. تمتم بها لتذهب من أمامه ويتابعه بعينيه حتى وصلت إلى الشارع الرئيسي واختفت به، ليأخذ أنفاسه ويخرج هو أيضا، يغمغم بحنق وهو يغلق الباب من الخارج. قال جمالها وبشرتها، فاكرة نفسها السفيرة عزيزة المحروسة!

في غرفة المكتب الصغير، كانتا الاثنتان على يجلسن على الأريكة القديمة المتهالكة يتناولان بنهم في الأطباق البلاستيكية الطعام الحارق، وأصوات الضحكات تصل إلى خارج الغرفة. اممم، الله يخرب بيتك وبيت اللي يأمنك على أكله، بوقي اتحرق يا زفتة. صرخت بها شهد بأعين تدمع وكفها تضرب على جدار الحائط بجوارها، والأخرى تقهقه بتسلية ولا تستطيع التوقف، فصاحت بها متابعة. يا بت الشطة حرقت بقي، أوقفها إزاي؟ أجابتها لينا من بين ضحكاتها.

أوقفي الأكل يا أمي، وصاحبتك هتقوم بقى بالواجب متخفيش، أنا هتخلص ع الاتنين عادي أوي معايا. كمان، بجاحة ولكي عين تطمعي في اللي في إيدي، ده انتي على كده قاصدة بقى؟ أجابت بهز رأسها وضحكة منتشية ترتسم على ملامح وجهها وتقول. آه بصراحة يا صاحبتي، أصل الكشري المرة دي يجنن بجد. عقبت شهد ساخرة تردد. كشري! ودا بقى فيه كشري! ده بقى شطة بطعم الكشري، ربنا يحميكي لشبابك، أنا معدتك اتحرقت.

كانت لينا تتناول بتلذذ لتزبد من غيظها وهي التي تتناول ملعقة وتتوقف دقائق، حتى تستطيع تتناول الأخرى، فرغم المعاناة كانت تستمتع هي الأخرى. أنهت طبقها لينا لتضعه الفارغ في سلسلة المهملات القريبة منها، فقالت لشهد بامتنان على طريقتها. مرسي إزاي يا شهد ع العزومة الجميلة دي، الواحد كان محتاج جرعة الحرارة، وأنه يشعر بلذة الألم في...... في مصارينه. قالته شهد مقاطعة لها لتضحك الأخرى وهي تسقط بجسدها بجوارها، وتقول بموافقة.

هو فعلا كده.... عرفتي تعبري ع اللي جوايا يا شهد. سمعت لتقول بدهشة ترافق ابتسامتها. أقسم بالله انتي الناس مغشوشة فيكي، اللي يشوفك من برا بشكلك ولا لبسك الخوجاتي ده، ميفتكرش أبدًا إن ذوقك كده على فكرة. بكفيها الإثنان فركت لينا على شعر رأسها الكستنائي لتسقطه أمامها ثم تعيده للخلف بجنون، قائلة. أنا عارفة نفسي كويس I am special، (أنا مميزة) حطيها قاعدة في دماغك دي يا صاحبتي.. يعني لازم أكون مختلفة عن كل الناس.

ارتفع حاجبي شهد وانخفضا سريعًا، لتعقب ضاحكة. انتي مش مميزة يا قلبي، انتي مخك ضارب. وضعت لينا قدمًا فوق الأخرى لتقول بزهو. حتى مع دي، برضوا مميزة. همت شهد أن تستمر بمناكفتها، ولكن صوت الهاتف منعها، تناولته لتجيب بدون أن تركز في الرقم. الووو... إزيك يا شهد... سمعت الأخيرة لتجيب بارتباك وقد علمت بهوية المتصل. أهلًا ست مجيدة عاملة إيه؟ جاءها الرد بصوت عاتب. كويسة يا ستي، بس لازم يعني أنا أتصل عشان تسأليني.

ردت شهد بحالة شديدة الحرج. أنا آسفة والله يا ست مجيدة لو كنت مقصرة في السؤال بالتليفون، بس ربنا العالم، أنا كل ما أشوف البشمهندس حسن بسأله عنك وأسأليه بنفسك. في الناحية الأخرى تبسمت الأخرى بملء فمها، وقد أعجبها ردها، فهمت أن تزيد بدلالها ولكنها توقفت على صوت السعال الخفيف وتبعه قول شهد وهي تخاطب شخصًا ما بجوارها. لينا، إزازة المية والنبي. إيه لينا؟! غمغمت بها مجيدة ثم انتظرت قليلا، حتى ارتشف شهد من الماء، لتخاطبها.

هنيئًا يا قمر. الله يهينيكي يا حجة. قالتها شهد لتجفلها مجيدة بقولها. هو انتي قاعدة فين دلوقتي يا شهد انتي وصاحبتك؟ تطلعت شهد بدهشة نحو صديقتها وهي تجيبها. أنا قاعدة في مكتب الشغل، وصاحبتي معايا، بس انتي عرفتي منين إن لينا صاحبتي؟ تجاهلت مجيدة الرد ع السؤال، وقالت تزيد من دهشتها. بقولك إيه أنا ليا عندك حق عرب، عشان قولتلك اعزميني عندك وانتي معبرتيش. والله يا حجة أنا.....

متكمليش يا شهد، أنا مش بضغط عليكي، أنا بس عايزاكي تصالحيني. تعرقت شهد بشدة، فكلمات مجيدة المفاجئة لها، مع حرارة الكشري، جعلت الاضطراب يبدوا جليًا على ملامح وجهها، حتى انتبهت لها لينا لتناظرها باستفهام، فهتفت لتلوح لها بكفها للانتظار، قبل أن تجيب. طب انتي عايزاني أصالحك إزاي يا ست مجيدة؟ ها إيه رأيك بقى؟

قالتها ميرنا وهي تدلف لداخل الملهى والذي كان فارغًا من رواده، سائلة الأخرى التي كانت تجول معها بعينيها بانبهار على شيء حولها لتردد ضاحكة بلهاء. رأيي في إيه بس؟ ده عامل زي اللي بنشوفه في التلفزيون، لأ ده مش زي، ده أحلى كمان.... ضحكت ميرنا لتجلس على أحد المقاعد واضعة قدم فوق الأخرى تزيد من انبهار مودة لتسألها بفضول. لكن انتي بتقدمي الخمرا وتقعدي مع الزباين تفتحي أزايز؟ أفتح إيه؟

تفوهت بها الأخرى لتطلق ضحكة مجلجلة، حتى لفتت انتباه رجل البار الأجنبي، قبل أن يعود لمواصلة عمله في ترتيب طاولة البار أمامه وتنظيفها، ثم اردفت. يا بت افهمي، أنا شغالة نادلة، يعني أقدم الطلبات وبس، انتي في مكان محترم يا بنتي، الحاجات اللي بتقولي عليها دي، تحصل في الأماكن اللي برا مش هنا. اومأت مودة بتحريك رأسها، فقالت بأسف. طب معلش بقى سامحيني لو كنت غلطت، أنا مفهمش أوي في الكلام ده.

تبسمت ميرنا وهي تجذبها لتجلس على الكرسي المقابل لها، فقالت. انتي طيبة أوي يا مودة، وأنا عمري ما أزعل منك عشان الصفة دي اللي عندك بالذات، عكس صاحبتك دوكها، يا ساتر. قصدك مين؟ صبا؟ آه هي صبا دي، متقنعة ورافعة مناخيرها كده لفوق، بتسلم عليا بطرف صوابعها بقرف، ليه كده يعني؟ بصراحة أنا زعلت منك يا مودة لما عرفتيني عليها. قالتها بلهجة عاتبة أثرت في الأخرى لتقول.

والله ما متنقعرة، هي بس شايفة نفسها عشان أبوها مدلعها أكمنها آخر العنقود، ده غير إن حالته كويسة مش مخليها محتاجة حاجة، مشافتش الغلب زي حالتنا ولا اتمرمطت من شغلانة لتانية دي حتى الوظيفة اللي مسكتها دي، جاتلها كده بالواسطة من الأستاذ شادي اللي أخته تبقى جارتها. أردفت الأخيرة ببؤس فقالت الأخرى تدعي الشفقة عليها. يا حبيبتي، ده انتي باينك شقيتي وتعبتي أوي، لهو انتي معندكيش أخوات ولا أب يصرف عليكي زي المحروسة دي.

مصمصت بشفتيها تصدر صوتًا لتقول. يا حسرة، إنه أخوات ولا أنه أب؟ ده أبويا مشافش وشي من ساعة ما اتولدت، طلق أمي وهي حامل بيا، المسكينة فضلت تعافر عليا وعلى تربيتي لحد ما ماتت وأنا عمري تلتاشر سنة، وسابتني مع ستي بقى نناقر في بعض، أنا قليلة الحظ في كله أساسًا.

أبدت لها ميرنا ملامح متأثرة بشدة عكس ما كان يدور برأسها، فهذه الفتاة نكاد أن تشبّهها في الظروف، لكن باختلاف الطباع والمظهر، فميرنا رغم كل الظروف التي مرت بها كيتيمة تربت في ملجأ وكان جمالها هو سبب شقائها في البداية نظراً لطمع الرجال بها، لتكن عرضة للاستغلال منذ صغرها، قبل أن تعي جيدًا لتستغل هي هذه الصفة بحنكة تعلمتها مع قسوة الزمن، لتستعمل ذكائها جيداً في جلب المال بعدم الاستهانة بإمكانياتها، فلا تستسلم أو تكن متاحة للجميع، لا بل كانت تترقى في هذا المجال رويداً رويداً، حتى صارت كجارية الملوك، ثمنها غالي وسعرها أغلى.

هو أنا صعبت عليكي لدرجادي؟ قالتها مودة حينما طال الصمت وقد أقنعتها ملامح الأخرى بذلك. أخفت ابتسامتها ميرنا لتقترب نفسها نحوها قائلة. بقولك إيه يا مودة، انتي دخلتي قلبي بجد، وأنا بقا عايزاكي تفتحي قلبك معايا وتقولي كل اللي في نفسك، أنا أكبر منك والدنيا علمتني بكتير أوي عنك، يعني هفيدك بجد. أومات مودة رأسها بلهفة فتابعت الأخرى. يالا بقى احكيلي عن نفسك أكتر، وقوليلي إزاي اتعرفتي باللي اسمها صبا دي.

خرجتا الاثنتان من خارج المصعد، لتحط أقدامهن على الطابق المنشود، فقالت لينا التي كانت تفور وتغلي بداخلها. أنا مش فاهمة، إيه اللي خلاني أوافقك وأجي كمان على بيت معرفوش ولا أعرف حد فيه، ده إيه العبط ده؟ تبسمت شهد تجيبها همسًا. وأنا كمان والله ما فاهمة إيه اللي خلاني أوافقها، بس انتي شوفتي بنفسك زنها، وإزاي قدرت تلفني بذوقها. ضحكت لينا ساخرة تقول لها. قال وبيقولوا عليكي مقاول قال، ده انتي طلعتي خيبة.

يمكن أكون خيبة صح، بس بصراحة بقى هي صعبت عليا لما قالت إنها وحيدة ونفسها نيجي ونونسها، أهو نجبر بخاطرها وخلاص. قالتها شهد وقد اقتربت من باب الشقة، لتوقفها لينا تقول بحذر. هما دقيقتين وبس، وهمشي وأسيبك بعدها لو فضلتِ قاعدة، أنا مش ناقصة كلمتين في جنابي من طارق ولا يسلط عليا والدتي.

اومأت لها شهد برأسها بموافقة، قبل أن تضغط على الجرس في الخارج، فلم تنتظر كثيراً حتى وجدت مجيدة تفتح لها بابتسامة من الأذن إلى الأذن مرحبة بلهفة. حمد الله ع السلامة يا قمر، نورتوني. تبسمت لها شهد تتقبل عناقها والترحيب الحار، قبل أن تتركها وتذهب الأخرى قائلة بأعين متوسعة. هي دي بقى لينا؟ قالت ولم تكد تكملها حتى أجفلت الأخرى تخطفها بعناق آخر وتقبيل على الوجنتين مرددة. يا ختي عليكم وعلى حلاوتكم، نورتوني يا بنات، نورتوني.

على مقعده بوسط البهو الضخم يباشر التحضيرات ويمارس عمله بالتحدث عبر الهاتف وبالحاسوب، وعينه تجول بلا هوادة في انتظارها، في انتظار رؤيتها، وقد تيبست قدماه منذ الصباح، ليظل محله، لا هو بقادر على الذهاب إلى عمله ولا هو بقادر على الذهاب نحو الغرفة القابعة بها، رغم أن عملها يحتم عليها الآن عدم الجلوس في مكتبها إلا للضرورة، إذن ماذا يمنعها. أيوه يا كارم، هاجي يا بني متقلقش........ يا سيدي عارف بميعادنا متقلقش.......

يا عم نتابع الشغل من الفندق، ما انت عارف إن عندنا حفلة ضخمة....... لازم أباشر كل حاجة بنفسي طبعًا........ يا سيدي أنا مهتم المرة دي وعايزها تبقى حدث عالمي، أقفل بقى عشان جايلي عميل مهم. أنهى مكالمته سريعًا فور أن انتبه عليها، وأخيرًا رآها.

كانت قد خرجت على ميعاد البريك الخاص بالموظفين في هذا الوقت بعد أن أنهت جزءًا كبيرًا من العمل، حتى أصاب الصداع رأسها، تبحث عن مودة التي اختفت عنها ولم تتصل كعادتها بها منذ الصباح، وصلت إلى بهو الفندق، فتقابلت عينيها بهذا المتغطرس جالساً في الجهة القريبة منها يرتشف من فنجان قهوته وأمامه الحاسوب على الطاولة الصغيرة، فالتفت رأسها بضيق، وقد أصبحت تراه كثيراً وبشكل متكرر هذه الأيام، في نفس المكان القريب من الجهة التي تذهب وتجيء بها نحو غرفة عملها، تشعر بغربة في هذا الفندق الذي يبدو كمدينة بسكانها، وهي لا تجد راحتها سوى في هذه الغرفة التي تجمعها بجارها الغريب...

شادي! أشرق وجهها بمجرد رؤيتها له يتحدث مع أحد الأشخاص، لم تدري بنفسها وهي تتقدم بخطواتها حتى هتف باسمه منادية. مستر شادي. قالتها فالتفتت الرؤوس نحوها، حتى إذا انتبه هو استأذن سريعاً من الرجل ليقابلها في نصف المساء، ثم أشار لها على أحد الزوايا حتى توقفا بها ليجيبها بغيظ. مالك يا صبا، بتندهي ليه قدام الناس كده؟ أسدلت أهدابها عنه وقالت بحرج. آسفة لو أحرجتك.

تمتم بالاستغفار يهدأ من فوران صدره الذي يغلي مع انتباهه للنظرات المصوبة نحوها، وتمالك ليرد بلهجة لينة بعض الشيء. لا مفيش إحراج ولا حاجة، أنا بس استغربتك لما ندهتيني فجأة كده، هو انتي كنتي عايزاني في إيه؟ رفعت عينيها الجميلتين إليه لتأسره في النظر إليهم، فلم ينتبه جيداً لما تقوله. مش عايزة حاجة شخصية، بس أصل حضرتك مش باين من الصبح ودي مش عادتك. لوح برأسه أمامها باستفسار حتى تعيد ما قالته وقد ذهب تركيزه بلا رجعة.

يا فندم بسألك، انتي ليه مجتش مكتبك من الصبح؟ ابتسامة جانبية اعتلت ثغره وقد أسعده قولها، حتى ولو كان المقصد يختلف تماماً عما يتمناه بداخله، فتحمحم، ليجيبها برزانة تختلف تماماً عن الصخب الذي يدور بداخله. أنا مش فاضي من الصبح يا صبا زي ما انتي شايفة كده، بدور زي النحلة في كل حتة عشان ترتيبات الحفل، ما انتي عارفة. عارفة طبعًا، وده اللي مخليني مضايقة عشان أنا دوري إني أكون معاك في الترتيبات والتعب ده، لكن انت....

لا يا صبا. هتف بها يقاطعها بحدة متابعاً. مية مرة أقولك، انتي خليكي في الشغل الإداري، أنا مطلبتش مساعدتك غير في دي وبس؟ طب ليه حضرتك؟ من غير ليه؟ أردف بالآخيرة ملوحاً بكفه أمامه لتقطع الجدال، كتمت زفرة احتقان أمامه، لتتكتف بغيظ مرددة. تمام يا فندم زي ما تحب. أخفى داخله بصعوبة ابتسامة بتسلية، وقد بدت أمامه كالطفلة المتذمرة، بعد أن أزاحت بنظارها عنه لا تقوى على أن تخفي ضيقها منه، فقال يناكفها.

هتعملي زي العيال الصغيرين بقى لما يزعلوا؟ عادت لترفع عينيها أمامه، مشيرة بسبابتها نحوها بتساؤل. أنا برضو بعمل زي العيال الصغيرين؟ ليه بقى؟ عملت إيه إن شاء الله؟ قالتها بانفعال زاد من تسليته، وزادت ابتسامته مع عودتها لكنة الجنوبية، حتى كاد أن ينسى وضعه بوسط البهو، ولكن الأعين الفضولية حولهم جعلته ينتبه، فقال مغيرًا دفة الحديث. انتي فطرتي النهاردة يا صبا؟

رغم استغرابها لتبدل الحديث فجأة، ولكنها ردت بالنفي بهز رأسها، فتابع هو. طب بقولك إيه؟ أنا عن نفسي هموت من الجوع، اسبقيني ع المكتب وأنا هجيب لنا كام سندوتش نفطر بيهم. اعترضت على الفور. لا طبعًا متجيبش، أنا أساسًا مليش نفس. طب مش عايزة كوباية شاي تقيلة، زي اللي بتشربيها دي كل يوم؟ تبسمت هذه المرة موافقة، فقال مستطرداً بهدوء. تمام يا ستي، اسبقيني بقى وأنا هاجي بالسندوتشات والشاي. تاني سندوتشات. امشي الله يخليكي.

قالها بحزم مزيف رغم ابتسامته، لتذعن وتنصرف من أمامه بابتسامة هي الأخرى نحو غرفتها بالعمل، لتشعل حريقًا بناحية قريبة، داخل قلب هذا الذي كان يراقب من محله، بتركيز شديد لكل همسة وكل كلمة تتبعها ابتسامة، لينفث غضبه مع دخان السيجارة التي بدلها بفنجان القهوة، فيُشيعها بأنظاره حتى اختفت. رأسه تشتعل بالأفكار التي تجعله يلعن موقعه الذي يقيده عن التصرف بحرية، وما يود فعله الآن. حسم فجأة ليتناول هاتفه ويتصل عليها.

أيوه يا ميرنا انتي فين؟ ........ ومرزوعة عندك بتعملي إيه مع البت دي؟ ........... طب خلصي معاها وتعالي بلغيني بكل حاجة. تشعر بالفرح، لا بل هي تود الرقص حتى تتعب وتتعب أقدامها، رؤية الفتاتين معها وداخل الشقة وما تلمسه بإحساس الأم نحوهن يجعلها تجزم أن هذا هو الاختيار السليم. ما تدوقي الكيك يا لينا، مبتأكليش ليه؟ هو انتو مش عاجبكم الطعم يا بنات؟

قالتها بإلحاح لم تكف عنه منذ أن أجلستهم بصحبتها في غرفة المعيشة، التي تقضي بها معظم وقتها. ردت شهد بابتسامة صادقة. والله يا ست مجيدة طعمه حلو، احنا بس اللي مش قادرين ناكل أي حاجة دلوقتي؟ قارعتها تقول بعدم تصديق. ومش قادرين ليه بقى؟ يعني مش كفاية مردتوش تتغدوا معايا، حتى الحلو مش قادرين عليه. تدخلت لينا هي الأخرى تقول بذوق رغم استغرابها يللموقف كله.

يا حجة احنا اتغدينا قبل ما نيجي، انتي ساعة ما اتصلتي، شهد كانت بترد عليكي وعلبة الكشري في إيدها. كشري! قالتها مجيدة بابتسامة، قبل أن تتابع. ما شاء الله، باين عليكم مرتبطين أوي ببعض، هو انتوا أصحاب من امتى؟ معلش يعني لو بسأل، أصلي بصراحة بقى أنا ارتحتلكم قوي يا بنات. تبسمت لها الفتاتين وردت شهد تجيبها.

احنا أصحاب من زمان قوي، يعتبر متربيين مع بعض، رغم إن لينا تسكن في حتة راقية شوية، وأنا في منطقة شعبية، لكني بصراحة صداقتنا بدأت من ابتدائي، والست والدتها كان ليها فضل كبير عليا بحنانها بعد وفاة أمي الله يرحمها. سألتها مجيدة بتأثر. هي أمك ماتت من امتى يا شهد؟ أجابتها شهد بصلابة اكتسبتها مع مرور السنين. والدتها توفت وهي في رابعة ابتدائي، متحملتش الولادة، ماتت هي والجنين.

بأعين غائمة تهدد بتساقط الدموع رمقتها مجيدة بإشفاق، فقالت لينا بلهجتها المرحة. مالك يا ست مجيدة؟ إجمعي كده، أمال لو تعرفي بقى إن أبويا وأخويا حصلوا والدتها بعد كده بشهور في حادثة عربية هتقولي إيه؟ توقفت تناظرها بعدم تصديق تسألها. معقول! انتي بتتكلمي جد؟ ضحكت لينا ومعها شهد التي خشيت أن تفهم المرأة خطأ.

ودي حاجة هيبقى فيها هزار يا ست مجيدة، احنا بس بنتعايش مع الدنيا، وبنضحك على همنا بدل ما يكسرنا، ما هو كل شيء برضوا بأمر الله. سمعت مجيدة تردد خلفها. ونعم بالله يا حبيايبي، ربنا يخليكم لبعض. تمتمتن خلفها. أمين يارب. ثم انتفضت فجأة لينا مستئذنة. طب احنا يدوبك بقى نمشي يا طننت. نهضت خلفها شهد أيضا، لتتبعهم مجيدة باعتراض. كده على طول؟ ودا اسمه كلام؟ هو انتو لحقتوا تقعدوا؟ بررت لها لينا باعتذار.

والله ما أقدر، أنا متأخرة أساساً عن اجتماع ضروري في الشركة اللي بشتغل فيها، ده أنا ممكن آخد جزاء أساساً. عبست مجيدة لتنقل بأنظاره نحو الثانية. وانتي كمان يا شهد ممكن تاخدي جزاء؟ ردت شهد بتشتت واحراج. لا طبعًا مفيش بس لازم أمر وعندي شغل متكوم... قاطعتها مجيدة بوجه بائس تقول بصوت ضعيف. ده أنا ملحقتش أقعد معاكم دقيقتين، يعني يا ربي، مكتوب دايماً كده عليا الوحدة.

قالتها بمسكنة أثرت في الفتاتين ليتبادلن حديثاً بالأعين وتفاهم، جعل لينا تقول أخيراً. خلاص يا خالتي متزعليش، شهد هتقعد معاكي شوية، وأنا بقى أبقى أعوضها بمرة تانية. بعد قليل وبعد أن تركت شهد مع المرأة خرجت لينا في المصعد، في الطابق الأرضي وقد كانت في طريقها نحو باب الخروج قبل أن توشك على الاصطدام بأحد الأشخاص، والذي ارتد على الفور مردداً بالاعتذار. أنا آسف معلش. رفعت عينيها بغضب مرددة بغيظ.

طب وقبل ما تتأسف بقى، مش تاخد بالك من خطوتك، بدل ما تدخل كده زي القطر السريع. توقف أمين ليخلع عن عينيه النظارة السوداء، يتحقق جيداً من صاحبة الصوت وقد عرفها من هيئتها، ويبدو أنها هي أيضا عرفته لأنها توقفت تناظره بتحدي، حتى سألها بدهشة. انتي إيه اللي جابك هنا؟ تخصرت لتجيبه ببرود عكس ما يدور بداخلها نحوه. وانت مالك؟ كانت عمارتك هي ولا ده بيت أهلك!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...