بوجه مشرق وهيئة تخطف النظر إليها كالعادة، ظهرت أخيرًا، تدلف من مدخل الفندق مع هذه الفتاة صاحبتها. بالابتسامة الرزينة تبادلها الحديث في أمر ما كانت مندمجة فيه، حتى تفرقت كل واحدة نحو قسمها، لتتخذ طريقها نحوه، في اتجاه الغرفة التي تعمل بها. هل هذا اشتياق أم هو شيء أمر منه؟
لا يصدق أنه يشعر بهذا الألم. لقد سافر وأجبر نفسه على مصاحبة أجمل النساء في البلدة التي مكث فيها لعدة أيام، ومع ذلك لم تخرج من تفكيره ولو لدقيقة، حتى وجد نفسه يعود على الفور، ليقضي ليلة الأمس ساهرًا حتى الصباح وقد جفى النوم جفونه، ليجلس منذ السادسة هنا في انتظارها، ليُملي أنظاره منها ومن جمالها الجاذب، بشخصية تختلف عن جميع النساء التي قابلها أو سمع عنها. عنيدة كالصخر، بشجاعة تنقص العديد من الرجال. لا يدري من أين ظهرت له.
أما صبا، والتي تفاجأت برؤيته، اكتنفها شعور غريب بالقلق فور أن وقعت عينيها عليه. وقد مرت أيام عديدة لغيابه منذ رفضها للعمل سكرتيرة في إحدى شركاته، فقد اختفى بعدها، ولم تره، ولا تعلم أن كان سافر أو التهى في باقي أعماله العديدة كما تسمع. ولكنها كانت تشعر بالراحة في غيابه. أما الآن وقد عاد ليتخذ مقعده في نفس الركن القريب من طريقها، يحدق بها بهذا الشكل السافر، لا تتأمل خيرًا في القادم على الإطلاق، أبدًا.
لقد وجدها، وجدها أخيرًا، في غرفة طفله، بعد بحثه عنها في غرفتها والأماكن التي تتواجد بها. جالسة على فراش الصغير تصفف له شعر رأسه الكستنائي الجميل، والمربية تقف بالقرب تتابعهم. تحمحم ليلفت النظر إليه من الثلاثة، قبل أن يشير إلى المرأة لتخرج، وجلس هو بجوارهم. داعب شعر الطفل يقبله أولًا ثم وجه الحديث إليها: "صحيت من النوم ملقتكيش يعني." بشبه ابتسامة رمقته سريعًا لتجيبه، وفرشاة الشعر ما زالت تمررها على رأس الطفل:
"عادي يعني، صحيت بدري، قولت أجي ألبس عموري وأعمله تسريحة تجنن عشان لما حد يسأله عنها في الحضانة، يقولهم مامي هي اللي عملتها، ولا إيه رأيك يا قلب مامي؟ أومأ الطفل لها بابتسامة، لتميل عليه وتقبله من وجنتيه المزينتين أمام زوجها الذي كان يطالعها رافعًا حاجبيه. وانتظر حتى انتهت وانصرف الولد ذاهبًا لحضانته، ليقول متهكمًا: "عمار باين انبسط قوي من التسريحة، أكيد النهاردة هيبقى يوم مميز في تاريخه." سمعت
لتضيق عينيها بغيظ قائلة: "مفيش داعي للتريقة على فكرة." ضحك يزيد عليها ببروده قائلًا: "أنا مبتريقش، أنا بس مستغرب هرمونات الأمومة اللي هبت في يوم وليلة كدة." هتفت بحمائية وانفعال، فقد بالغ في استفزازها بقوله: "هرمونات! إنا مامة عمار حقيقي يا كارم، حتى لو مش لاقية الوقت الكافي إني أقضيه معاه، فدا برضه ميديكش الحق إنك تستهزأ." أصدر صوت طقطقة بفمه، ليداعبها بطرف سبابته ويخاطبها بهدوء:
"ليه بس التنشنة والزعل، إهدي يا بيبي، دا أنا بهزر معاكي." لف ذراعيه حول خصرها من الخلف يقربها إليه متابعًا: "يعني دا الحق عليا عشان قمت من نومي مشتاقلك، وفضلت أدور عليكي في الفيلا كلها وأسأل الخدم لحد ما عرفت إنك هنا." مرر بشفتيه على جيدها المكشوف من فتحة بلوزتها الواسعة، وعلى رقبتها أيضًا يقبلها، حتى همس بجوار أذنها بإغواء: "إيه يا قلبي؟ هو أنا موحشتكيش؟ ولا انتي مش ملاحظة إننا بعاد عن بعضنا بقالنا أيام؟
حاولت فك تشنجها لتغتصب استجابة معه، وذهنها تدور به الأفكار بحيرة فتتساءل، كيف له أن يكون بهذه الحرارة معها، ويخونها مع امرأة أخرى؟ كيف لها أن تصدق كلمات العشق التي يلقيها على مسامعها، وذهنها مع المرأة التي خانها معها؟ ومن أين لها الاندهاش أو الحيرة؟ وهي لم تكن الأولى له، بل هو معتاد على ذلك من قبل حتى معرفته بها بزمن. تذكرت كلمات شقيقها ليتحفز عقلها في الاستفادة بأكبر قدر منه في الجانب الوحيد المتبقي لها، وهو المال.
انتزعت نفسها عنه فجأة ليناظرها باستغراب، فخرج صوتها بارتباك: "آه بصراحة افتكرت دلوقتي ميعاد عيد ميلادي اللي قرب، نفسي تبقى هديتك ليا أكبر من كل السنين اللي فاتت، أنا عايزة مصر كلها تحسدني عليها." ضيق عينيه باستفهام متسائلًا بعصبية: "يعني عايزة إيه؟ جيبي م الآخر." "عايزة يخت زي بتاع الممثلة اياها، ويتعمل فيديو وأنتي بتقدمهولي وأنزلُه على حسابي والمتابعين يشيروه في كل حتة."
تبسم يوزن بعقله طلبها الجنوني، وقد راقه العرض، يضحك عليها به وبنفس الوقت تكن دعاية هائلة له، حتى ينتشر اسمه كرجل أعمال ناشئ يقدم هكذا هدايا لزوجته، فيصبح الحديث عنه علكة في الأفواه. صغيرته الجشعة، من أين تأتي بهذه الأفكار؟ أومأ بضحكة متوسعة يجيبها: "وهعزم في الحفلة أجمد رجال الأعمال في مصر كمان، إيه رأيك؟
هللت بمرح لتلف ذراعيها حول رقبته تبادله بلهفة مصطنعة جموح قبلاته البرية، لتشعل جنونه بها، فيزيد بضمها، ويده تزداد جرأة عليها، حتى إذا وصل إلى نقطة اللا عودة، ابتعدت فجأة، ليطالعها لاهثًا بأعين توحشت بالرغبة، فقالت بدلال وقد قررت تعظيم استفادتها منه: "حاجة تاني كمان، بس ياريت وحياتي عندك متكسفنيش."
لم يثنيها تجهم وجهه واشتعال عينيه، وقد بدا أنه على حافة الانقلاب للوجه الآخر، فزادت على نعومتها بأن أراحت كفها على صدره، لتتمتم بالرجاء، وضعف الأنثى التي تصل إلى مبتغاها بحنكتها: "عايزة ابني النهاردة يبقى معايا يا كارم، أرجوك يا قلبي، تخلي مشوار مامتك ليوم تاني، أنا زهقانة من كل حاجة، وعايزة ألعب مع الولد شوية، ممكن."
بداخل غرفتها وهي تتناول شيئًا من خزانة الملابس لترتديه من أجل المقابلة الثقيلة على قلبها، لكنها مضطرة لها. واليد الأخرى تمسك بالهاتف على أذنها تتحدث به: "يا ست مجيدة، الأمر ده كان واجب عليا أنا مش عليكي... تشكري يا ستي، والله ما أنا عارفة أودي جمايلك عليا انتي والست أنيسة فين؟ ... حاضر حاضر مش هقول كدة... عيوني هجيبها معايا، ماشي...
أنهت المكالمة لتزرر أكمام القميص الذي ارتدته سريعًا ثم لمت شعر رأسها كذيل حصان، لتسحب شهيقًا مطولًا، ثم أخرجته، قبل أن تتحرك مستعينة بالله، في ضبط أعصابها: "يارب عيني وقويني." خرجت منها قبل التحرك متجهة نحو الصالة؛ المنعقد بها الجلسة العائلية بقيادة عابد الورداني والذي ما أن رآها نهض عن كرسيه يتلقفها مهللًا: "بسم الله ماشاء الله عليكي يا ست البنات، حمد الله على سلامتك يا بنتي." اقتربت تصافحه بابتسامة مرحبة:
"الله يسلمك يا عمي، تشكر ع السؤال." رد عابد وهو قابضًا على كفها، واليد الأخرى يتحدث بها بانفعال: "سؤال إيه بس يا بنتي دلوقتي؟ أنا كان نفسي أجيبلك ع المكان اللي كنتي فيه وأعمل الواجب بحق، واسألي اختك كام مرة أنبه عليها وهي تقولي مينفعش الزيارة، ما كنتي قعدتي بين أهلك وناسك أحسن." بابتسامة جانبية ساخرة خطفت نظرة بطرف عينيها نحو باقي الحاضرين، قبل أن تجيبه بمغزى:
"معلش يا عمي، ما هو لما الأرض تضيق علينا، لازم الواحد يدور ع المكان اللي يستريح فيه، حتى لو كان المكان ده مش بيته، مكدبش عليك، أصل اللي اتضحلي دلوقتي، هو إن الغريب أحن أوي من اللي بنفتكرهم قرايب وفي بيت واحد واكلين معاهم عيش وملح، منورين."
قالت الأخيرة بقصد واضح وصل لأمنية ووالدتها التي بلعت ريقها باضطراب، لا تصدق هذا القصف المباشر من شهد أمام زوج أختها، ووالد خطيب ابنتها، لتبادل النظر بحرج مع شقيقتها سميرة والدة إبراهيم والذي كان جالسًا في جانب وحده يراقب بتجهم مضيقًا عينيه. عابد، والذي فهم عليها ليلقي بنظرة غاضبة نحوهن ونحو ولده ليقول بضيق: "معلش يا بنتي، خلي قلبك أبيض وسامحي، دي مصارين البطن بتتخانق."
"دي لما يكونوا من بطن واحدة يا عم عابد، اقعد اقعد." قالتها لتجلس بثقة أمامهم، وقد وضح مقصدها جليًا ليزيد من توتر الأجواء، فخرج صوت سميرة بابتسامة زائفة تخفي احتقانها بالداخل: "حمد الله ع السلامة يا شهد، ألف بركة إنك قمتي على رجليكي." "الله يسلمك." قالتها شهد مقتضبة بابتسامة صفراء لتلتف برأسها نحو الرجل دون أن تعيرها أدنى اهتمام: "وانت عامل إيه بقى يا حج عابد؟ وإيه أخبار صحتك."
"سيبك مني ومن أخبار صحتي، أنا جايلك النهاردة وكلي عشم تقبلي وساطتي، إبراهيم جاي برجله لحد عندك عشان تتصالحوا، دا إحنا حبايب ونسايب، ولا إيه؟ سمعت منه لتنقل بنظرها نحو الأخير تخاطبه: "أهلاً يا إبراهيم." "أهلاً بيكي." قالها ليتابع بلهجة حادة:
"أنا جايلك النهاردة عشان دي الأصول، أبويا قالي تعالى معايا يا إبراهيم نصالح شهد، قولت وماله يابا، دا أنا راجل ومن الواجب عليا إني أكون رؤوف مع أهل خطيبتي اللي بحبها، وكل اللي ييجي من ناحيتها، خصوصًا بعد ما عرفت إنك تعبتي، اتخانقنا مع بعض، مين الغلطان بقى خلاص مش مهم، أنا راجل قلبي أبيض." بشبه ابتسامة ساخرة، تطلعت شهد نحو شقيقتها التي افتر فاهاها ببلاهة لحديثه، ثم التفت إليه قائلة:
"كتر خيرك، ما انت بتفهم أوي في الأصول." استشاط غضبًا لتقريعها الغير مباشر، لتشتد ملامح وجهه، وعينيه تطلق شررًا نحوها، فتدخل عابد يقول ملطفًا: "ما أنا قولتلك يا شهد، أنا جايلك واسطة ما بينكم يا بنتي، دول شوية نكد، وبيحصل كتير ما بين القرايب." صدر صوت أمنية بغباء مدافعة: "إبراهيم معملش حاجة، مش كفاية إنه جاي بنفسه يصالحها... "أسكتي يا أمنية."
هتف بها عابد مقاطعًا لها، ليحدجها بنظرة جعلت الخوف يشل أطرافها، التفت نحو إبراهيم تبتغي الدعم، ولكنه تجاهلها عن عمد، لتغلق فمها مضطرة بأعين دامعة شاعرة بالقهر، وتابع عابد بعدم اكتراث: "ها يا شهد هتقبلي واسطتي؟ بابتسامة اعتلت ملامحها ردت بثقة تجامل الرجل لتزيد من غيظ الآخرين: "العفو يا عم عابد، دا أنا قابلة بالخطوبة نفسها عشان خاطرك، يبقى برضه أكسفك في حاجة زي دي." هلل عابد بامتنان:
"حلاوتك وحلاوة لسانك اللي بينقط شهد يا شهد، أنا بقول من الأول بت بميت راجل، الله يباركلك يا بنتي ويحرسك من كل شر، ويرحم أبوكي زين الرجال، يا خير ما خلف." أثناء عمله الميداني داخل الفندق، تصادف بها تسير بأحد الأروقة وقد عرفها من ظهرها، بخطواته السريعة وصل إليها على الفور يسألها: "انتي جاية منين يا صبا؟ أجفلت لتكتم شهقتها قائلة بضحكة مكتومة: "انت كنت فين؟ وطلعت إمتى؟ تبسم باتساع لفعلها العفوي يقول:
"أنا في كل حتة ممكن تلاقيني في الفندق، عملي متشعب ما انتي عارفة، المهم انتي كنتي فين؟ تحركت لتتابع سيرها وهو تحرك معها، قبل أن تجيبه: "أصلي كنت في المطبخ عند الشيف منصور." "و روحت المطبخ ليه بقى يا صبا عشان تقابلي الشيف منصور؟ سألها بحدة انتبهت إليها، ولكنها تغاضت لترد بلهجة هادئة، ولكن بحرج: "بصراحة روحت آخد منه وصفة لأكلة نفسي أعملها، و خليته يجولي الطريجة، عشان كل مرة بتبوظ مني." أثارت فضوله ليسألها باهتمام:
"أكلة إيه دي؟ مش انتي بتقولي ملكيش في المطبخ؟ بدلال فطري بطبيعتها الناعمة والخاصة في كل شيء، ردت تزيد من عذابه في القرب منها: "ما أنا بقيت أدخل دلوقتي وأحاول، بس بصراحة دايماً بفشل، جولت لما أكلم الشيف يمكن يفيدني بشوية نصايح مع الوصفة اللي طلبتها منه." "وفادك؟ سألها فردت: "فادني طبعًا دا أنا خدت ورقة وقلم، وفضلت أكتب كل كلمة من وراه وعبيت في النوتة كذا صفحة، وهو جالي تعالي كل يوم وأنا هرد عليكي حتى لو شغال."
"متروحيش تاني." قالها بحدة وبدون تفكير، لتجادله معترضة: "وليه بقى مروحش؟ فاجئته برفضها، وسؤالها المباغت له، فبماذا يرد؟ أيبرر بأسباب يخترعها من عقله؟ أم يخبرها بالحقيقة، والنار التي تحرقه لمجرد ذكر إعجابها برجل غيره حتى لو كان بقامة وعمر الشيف منصور؟ فقال بمهادنة:
"يا صبا افهمي، الشيف منصور راجل جميل وزوق مع الناس كلها، وعمره ما يكسف حد، بس دا مش معناه إننا نستغل كرمه ونلهيه عن شغله، ثم تعالي هنا، هو المطبخ دا كان فاضي ولا كان مليان بمئات العمال والطباخين المساعدين." خرجت الأخيرة بانفعال لم يستطع السيطرة عليه، فتلعثمت هي ترد بخجل: "هو فعلًا كان مشغول جدًا، بس عجبني اهتمامه رغم كدة، بس خلاص بقى مش مهم، هبقى أكلمه ع الوتس." "انتي خدتي كمان نمرته؟
هتف بها بعصبية جعلت صوته يعلو في قلب الرواق المؤدي لغرفة عمله، وردت هي: "أيوة طبعًا وفيها إيه؟ دا نمرته مشهورة ومعروفة أساسًا، بس هو جالي، أنا هرد على أي سؤال تبعتيه، ومش هتجاهل زي ما بعمل مع معظم المتابعين." "ألشيف منصور قالك كدة؟ قالها وقد توقف فجأة عن السير، وتوقفت هي أيضًا لتجيبه ببرائة، غافلة عن النيران التي كانت تسري بجسده، كحمم سائلة تحرقه: "أيوة طبعًا وفيها إيه؟ دا راجل محترم وكويس جدًا."
قالتها لتطالع الجمود الذي تلبسه، وقد تسمر أمامها دون حراك، انفاس صدره تعلو وتهبط بتسارع مقلق، في محاولة قاسية لضبط النفس، يحجم نفسه حتى لا يحتد أو ينفعل عليها في الرواق وأمام المارة، وكيف له أن يفعل؟ وسحر عينيها يفقده صوابه واتزانه. "مالك؟ ساكت ليه؟ سألته حينما طال انتظاره، ليعود إلى رشده يخاطبها بحزم: "أمشي يا صبا أمشي، أمشي عشان وقفتنا هنا أساسًا متنفعش." سمعت منه لتذعن لقوله بتفهم، كي تتحرك وتسبقه،
فغمغم هو من خلفها: "ماشي يا شيف منصور، حسابك عليا." في غرفة المعيشة وبعد انتهائهم من وجبة العشاء، على مائدة مجيدة التي كانت عامرة بكل ما لذ وطاب، ليأتي الدور الآن على الحلو، بعدة أصناف صنعتها أنيسة مع طبق الفاكهة، وحديث بمودة صادقة لا يخلو من المزاح والعودة بالذكريات. "اهو أنا بقى، مضحكتش كدة يا ست مجيدة بقالي زمن."
"يا حبيبتي ربنا ما يفرق جمعتنا عن بعض، أنا وانتي يا أنيسة كان لازم نلتقي مع بعض من زمان، بصراحة بقى قلبي حبك من أول ما شوفتك." "وأنا كمان ربنا يديم المودة." قالتها أنيسة لتتدخل لينا بسؤالها الفضولي: "طب أنا من أول ما دخلت عندكوا، وعيني وقعت ع بلكونة الصالة، وأنا هتجنن وأسألك، عن مشتل الزهور اللي ماليها، دا شكلهم يجنن." ضحكت مجيدة بمرح لتنهض فجأة قائلة لها:
"تعالي معايا وأنا أعرفك على جميع أنواعهم، دول ولادي اللي براعيهم بعنيا." تلقفت لينا الدعوة الكريمة بكل سرور لتنهض، فتدخلت رؤى بفعل طفولي: "طب وأنا، ما أنا كمان عايز أشوف الورد وأنقي واحدة منه." جلجلت مجيدة ضاحكة، لتشير لها بيدها: "تعالي انتي كمان معانا، وأحلى وردة لأحلى رؤى." ذهبت رؤى لتلحق بهن، فلم يتبقى سوى حسن وشهد وأنيسة التي أمسكت بجهاز التحكم لتُقلب على قنوات الشاشة الكبيرة حتى وجدت أحد الأفلام
وادعت المشاهدة بتركيز: "ألله، الفيلم ده حلو أوي." استغل حسن ليقترب بجلسته نحو شهد ليأخذ فرصته أخيرًا في الانفراد بها: "أنا مبسوط أوي يا شهد إنك قبلتي العزومة، لا يمكن تتصوري فرحتي بقعدتك كدة ع الكنبة جمبي وفي بيتنا دي تسوى عندي إيه." ابتسمت بخجل وقد أجفلها بقوله، وصدق ما يردف يبدو جليًا على ملامح وجهه الوسيم، فحاولت الرد بلهجة عادية، لتتجنب الانزلاق معه في حديث بدأ يتخذ منحنى آخر:
"العفو يا بشمهندس، الكلام ده كان واجب عليا، بس الست الوالدة بطيبة قلبها سبقت، بس ملحوقة، المرة الجاية عندي إن شاء الله." وصله تجنبها الواضح لمقصده، فتبسم بضعف يتناول طبق الحلو يقول بإحباط بدأ ظاهرًا في نبرة الصوت: "وأنا في أي وقت هلبي الدعوة يا شهد، حتى لو العزومة حصلت بعد الشغل ما بينا ينتهي." "ربنا يبارك فيك."
قالتها بحرج وابتسامة باهتة لتتناول طبقها هي الأخرى، تلهي نفسها بالتناول منه، قبل أن تنتبه على نداء مجيدة التي تركت الفتيات في الشرفة: "ممكن يا شهد، تيجي معايا عشان عايزاكي في كلمتين." بعد أن انتهى دوام عملها، وبدلت ملابس العمل للعادية الأخرى فكانت في طريقها لمغادرة القسم الذي تعمل به، حتى تعود إلى منزلها، برفقة صديقتها وجارتها صبا. "إزيك يا مودة."
قالتها ميرنا تفاجئها، وقد اعترضت طريقها توقفها، بأن تصدرت بجسدها أمامها، تمنعها عن مواصلة السير. حدقت بها مودة بتوتر واستغراب لأمرها، قبل أن تجيبها بعد مدة من الوقت: "حمد لله يا ستي، كويسة، انتي بقى إيه أخبارك؟ "أنا زعلانة على زعلك يا ستي، وحاسة نفسي حمارة إني لبخت معاكي في لحظة غضب وطلعت عن شعوري." استرسلت بهم مرة واحدة، لتجفل مودة التي كانت تنوي على صدها وقطع الصلة معها، وقد اقتنعت بكلمات صبا بعد شجارهم الأخير،
فقالت بحرج: "متقوليش كدة، عادي يعني، الخناق ده بيحصل دايما مع الزملا والأصحاب." "وأنا بقى معتبراني زملا ولا أصحاب؟ تلعثمت تردد بأعين تهرب من المواجهة، أمام امرأة حددت طريقها، واتخذت منهجها الخاص بها، فلا تفعل حساب أصول أو أعراف أو حرام أو حلال، بل وتتحدث بثقة عكس من ضاعت بها الثقة لضعف شخصيتها، وترددها في اتخاذ القرارات الحاسمة:
"آه أكيد صاحبتي يا ميرنا، دا أنا أكلة في بيتك عيش وملح، وأنا بنت أصول وأفهم أوي في الحاجات دي." مالت برأسها لتقابل عينيها بخاصتيها، وتقبض على نظرتها الهاربة لتأسرها، فقالت بلهجة معاتبة يشوبها اللوم:
"بس أنا عمري ما اعتبرتك صاحبتي، بالعكس يا مودة، أنا من أول ما اتعرفت عليكي وعرفت بظروفك اللي هي مقاربة لظروفي في حاجات كتير، اعتبرتك أختي، عمرك شوفتي أخت عايزة الضرر لأختها، حتى لو حصل سوء تفاهم أو خناق أو حتى قطعوا هدوم بعض، برضه بيرجعوا ويصفوا وينسوا، انتي بقى ليه شايلة مني وعايزة تبعدي؟
شايفاني ست وحشة على كلام الست صبا اللي قررت من دماغها ونصبت نفسها حاكم عليا، عشان ترميني بتهم باطلة، طب انتي شوفتي عليا حاجة بعينك؟ ابتلعت ريقها باضطراب، فهذه المرأة تحاصرها بحنكة وخبرة تنقصها بسنوات ضوئية حتى تلحق بها، لتنفي بهز رأسها بتوتر: "لأ بصراحة ما شوفتش حاجة." تبسمت بانتعاش وهي تفرد نفسها، لتخفف الحصار عنها، وقالت ملطفة بعض الشيء وهي تتلاعب بخصلات شعرها الحريري الغزير:
"أنا يمكن أكون شقية، ودي حاجة متعبنيش على فكرة، مش أحسن ما أبقى خام، وساعتها أي حد ممكن يضحك عليا بكلمتين ويستغلني، ساعتها مين هيعوضني خسارتي بقى؟ وأنا واحدة وحدانية ومليش ضهر اتسند عليه، لا ليا أب يدلعني ويصرف عليا، ولا جار يشيل ويغطي عليا في الشغل." مقصدها الأخير كان جليًا بقوة لتفهمه مودة، فتطرق رأسها بحزن، وقد لامست كلمات الأخرى الجزء الموجع لها دائمًا، وهو الوحدة وغياب الأهل، وقلة الحظ أيضًا، فخرج صوتها بضعف:
"ما خلاص يا ميرنا، هو انتي لازم تفكريني بوكستي." أخفت الأخيرة ابتهاجها، لترسم الجدية وقد وصلت لنقطة جيدة معها، فقالت بانفعال تدعيه: "افهمي بقى، هو أنا لو قصدي أقلب عليكي المواجع، هقولك إن أنا زيك؟ فكي كدة يا بت وبطلي، أنا جاية أساسًا عشان أصالحك، رغم عتبي عليكي برضه." ابتسمت مودة بضعف ودون رد، فتابعت بتحفيزها، يالا بقى خلينا في المهم، قبضتي مرتبك ولا لسة؟ هذه المرة أشرق وجهها بابتسامة حقيقية بفرح وحماس تجيبها:
"أيوه قبضت، المرتب حلو أوي، وهقدر أجيب منه حاجات كتير." "الف مبروك يا ستي وتتهني بيهم." قالتها ميرنا بابتسامة واسعة، لتردف: "لو لسة باقية ع الاتفاق، أنا مستعدة من بكرة أو النهاردة حتى، أتسوق معاكي وأجيبلك كل اللي يليق عليكي ويخليكي قمر."
توقف بسيارته، ليترجل منها عائدًا من عمله، بهيبة اكتسبها بحكم وظيفته وحسن أخلاقه قبلها، يسير برزانة، متخذًا طريقه نحو مدخل البناية التي يقطن بها مع عائلته وقد تأخر اليوم بدون قصد منه، وذلك لاجتماعه الهام مع رئيسه. لفت نظره فجأة بعض وجوه المارة وبعض الشباب الواقفين حتى حارس البناية، رؤوسهم للأعلى في اتجاه شرفتهم. غلت الدماء برأسه، برؤيته للسبب المؤدي لذلك، وهذه المجنونة الشقراء، تتشمم حزمة من الورود بيدها، بانتشاء
جعلها غير منتبهة لهذه الثورة بالأسفل، ومشهدها يبدو كلوحة فنية، أبدع في صنعها فنان مخضرم. زفر حانقًا ليتحمحم، فخرج صوته بزمجرة شرسة أجفلت الحارس ليخفض رأسه، ملوحًا له باحترام، فظل هو على نظرته الخطرة يحدج الرجل بها حتى تخطاه ليدلف داخل المبنى ويختفي داخل المصعد، فيلتقط الرجل أنفاسه أخيرًا، متمتمًا بالحمد أنها مرت على خير.
فتح بمفتاحه ليلج داخل المنزل، وبخطواته الواسعة اتخذ طريقه نحو الشرفة، وبغضبه يقتحمها، لتشهق رؤى التي كانت جالسة على عقبيها تتأمل أحد الزهور النادرة، وقد فاجئها الظل الطويل لتجفل منتفضة حتى انكسر واحد آخر خلفها مع ارتدادها للخلف أسفل أقدام لينا، لتهتف بزعر: "يا نهار أبيض دا القصرية انكسرت." خرج صوت رؤى بارتعاش وقد أصابها الجزع لتسببها عن غير قصد في تحطم هذا الشيء الثمين: "أنا أسفة والله مكنتش أقصد."
زفر أمين يجلس على عقبيه ليلملم المكسور، وينقذ النبتة بزهورها مرددًا: "متتأسفيش يا رؤى، الغلط كان مني أنا." "غلط إيه؟ هتف بها حسن وقد أتى على صوت التهشيم بصحبة أنيسة التي ضمتها على الفور إليها، فتولت لينا الإجابة بانفعالها المعتاد: "الباشا طب علينا زي العفريت من غير أحم ولا دستور، خض البنت فوقعت القصرية وراها." "أنتي تستكي خالص، عشان انتي السبب في كل اللي حصل."
صدرت منه بعصبية وهو يضع النبتة بطينها داخل أحد الأصايص الفارغة، فصاحت به معترضة: "وأنا السبب ليه بقى إن شاء الله؟ "عشان وقفتك في البلكونة، لميتي علينا الشارع كله، بيتفرجوا ع الأجنبية الحلوة التي بتشم الورد ومستكنصة بريحته، في بيت الظابط وآخوه المهندس." قالها سريعًا فلم ينتبه لما سقط منه في الوسط دون أن ينتبه بأنه غازلها دون أن يدري، أخفت أنيسة ابتسامتها، وخرج صوت لينا بارتباك رغم عنادها المعتاد:
"أنا مخدتش بالي م اللي انت بتقوله، بس حتى لو كان يعني، دا ميديكش الحق إنك تخضنا كدة." تحرك فمه، بنية أن يرد، ولكن حسن كان الأسبق: "خلاص يا جماعة حصل خير، انسوا كل حاجة،، يالا بقى نكمل قعدتنا، تعالي انتي متخفيش." تفوه بالأخيرة نحو رؤى، ليقبلها بحنو أعلى رأسها مخففًا عنها، قبل ان تذهب مع أنيسة، وتلحق بهم لينا؛ التى رمقته بغيظ كعادتها، وهو لم يقصر في مبادلتها الفعل. حتى خلت الشرفة على الشقيقان ليحدجه حسن بقرف قائلًا:
"روح شطف نفسك من الطين اللي بهدل هدومك، وتعالى حصلنا." أومأ برأسه ينفض كفيه سائلًا: "والدتك فين يعني مشوفتهاش، لا هي ولا شهد." "والدتي مختلية مع شهد في أوضتها، خلص انت بس." قالها حسن واستدار ليغادر، ولكن الآخر أوقفه، بأن أمسكه من يده ليسأله بفضول: "هي الست أنيسة جابت إيه النهاردة من الحلويات اللي بتعملها؟ نظر حسن ليده وطرف الكم الذي لوثه الآخر بالطين ليصيح به ناهرًا بحنق: "يخرب بيتك."
وفي غرفتها، وقد كانت مختلية بها في حديث مشبع بالذكريات الجميلة، حتى أنهم لم ينتبهوا لكل ما حدث في الخارج. وقد كانت جالسة على طرف الفراش بجوارها، تضع الصندوق الخشبي بحجرها، وتخرج منه الأشياء الثمينة والتي لا تقدر بثمن في عرفها. "شايفة يا شهد، اهي دي بقى صورتنا في يوم الفرح، ودا المنديل بتاع كتب الكتاب." ضحكت شهد وهي تتأمل المنديل الأبيض بتطريزه القديم لتردد باندهاش: "يا نهار أبيض، دا إزاي فضل معاكي لحد دلوقتي؟
"المحافظة عليه يا حبيبتي، وعلى كل حاجة بحبها، دا أنا أي حاجة من ريحة الغالي، أحفظها في عيوني مش بس في الصندوق." قالتها مجيدة باعتزاز جعل شهد تطالعها بتأثر، قبل أن تتنبه جيدًا على الصورة القديمة، لتتمتم: "دا جوزك الله يرحمه فيه شبه كتير من حسن دلوقتي، وانتي كنتي أمورة أوي وانتي صغيرة." "اه يا حبيبتي، كنت سفيفة ورفيعة، قبل ما الزمن يتدحدر بيا وأخلف جوز الحلاليف ولادي."
ضحكت شهد من قلبها، والسبب خفة دم مجيدة، المرأة المتواضعة، والتي تتحدث بعفوية دون تفكير أو جهد في المزاح، ترفع الحواجز، بتباسطها دون تكلف، وكأن ما يجمعها معها هو العديد من السنوات، وليس شهور قليلة، فردت متغزلة: "بس انتي لساكي زي القمر برضه، طب يارب أنا لما أوصل سنك، أبقى في حلاوتك كدة." "هتبقي أحلى كمان، دا انتي قمر أساسًا يا شهودة."
قالتها مجيدة وهي تخرج الصورة الأخرى، وقد كانت عائلية، تجمعها بزوجها وابنيها الاثنان. تطلعت بها شهد بتركيز، فهذه أول مرة ترى فيها صورة حسن وهو صغير، دغدغة جميلة شعرت بها، لينتابها فضول شديد لمعرفة المزيد عنه في هذه الفترة، هل كان شقيًا كبقية الأطفال؟ أم عاقلًا كشخصيته الآن؟ ولكنه كان بريئًا بشدة، هذا ما تخبرها به هذه الملامح الدقيقة الوسيمة.
استدركت أنها قد أطالت بتأملها، ومجيدة لم تُنبهها أو تقاطعها، بل كانت تحدق بها صامتة، فخرج صوتها بارتباك: "انتي ست جميلة وعيلتك كمان جميلة زيك... أكيد جوزك كان محظوظ بيكي." لم ترد بل ظلت تطالعها بصمت عدة لحظات، لتزيد من توترها، قبل أن تقول: "انتي عارفة يا شهد أنا ليه ندهتك واستفردت بيكي بعيد عن الكل هنا في أوضتي، عشان أفرجك كمان ع الصور وصندوق الذكريات بتاعي؟ اهتزت رأسها بعدم فهم، فتابعت مجيدة:
"أنا بعزك أوي يا شهد، ومن أول ما شوفتك وأنا حاسة إن في صلة بتجمع ما بينا." "وأنا كمان والله، ربنا يديم ما بينا المودة." قالتها شهد وقد وصل إليها المغزى العادي للحديث، غير هذا الذي تقصده مجيدة على الإطلاق، والتي جاء ردها بابتسامة قبل أن تبأتها بالقول: "ممكن أسألك سؤال يا شهد، بس أمانة عليكي تجاوبيني بصراحة ومن غير تفكير ولا حسابات من دماغك، أصل بقى مكدبش عليكي، الأمر دا يهمني أوي." بريبة وتوجس أومأت شهد رأسها باستسلام
لإلحاح المرأة قائلة: "حاضر يا ست مجيدة هجاوبك بصراحة." استغلت الأخيرة موافقتها لتبأتها بالسؤال على الفور: "انتي بتحسي بأي مشاعر كدة ناحية حسن ولا لأ؟ أجفلت لترتد برأسها للخلف وشفتيها تتحرك باضطراب، لا تدري بما تجيبها، فهذا السؤال لم يكن في حسبانها على الإطلاق، لتتمتم مستهبلة تدعي عدم الفهم: "مشاعر يعني إيه؟ ممش فاهمة." "لأ انتي فاهمة يا شهد، وبلاش استعباط عشان أنا محلفاكي أمانة."
تعرقت مع ازدياد الحرج، وقد تمكنت مجيدة من حشرها في زاوية ضيقة لتقر وتخرج مكنونات بداخلها تخشى الاعتراف بها حتى لنفسها. "جرا إيه يا شهد؟ لدرجادي السؤال صعب، ولا هي محتاجة تفكير من الأساس، دي حاجات تتحس كدة لوحدها، معقولة انتي محستيش بيها؟ قالتها مجيدة مواصلة الضغط، لتزيد عليها وهي التي كانت تخرج الكلمات بصعوبة من فرط ارتباكها، وهذا ما تلعب عليه الأخرى: "مش حكاية إني محساش ولا فاهمة، بس هو يعني... "بس هو إيه؟
انتي حاسة إن حسن بيحبك ولا لأ؟ بإقرار واستسلام أومأت شهد برأسها تتمتم: "يعني... بقيت كتير بحس بكدة أو ممكن يكون إعجاب عادي." "حلو أوي، طب انتي بقى، بتفرحي لما بيوصلك شعوره ده، ولا بتجزي وبتقرفي؟ "لأ أقرف دا إيه يا ست مجيدة؟ حسن راجل محترم واخلاقه غاية في الروعة رغم عصبيته أحيانًا وتزمته معايا في الشغل، بس هو قمة في الأخلاق، يعني إحساس القرف دا أبعد ما يكون في قلبي من ناحيته." سمعت مجيدة لتهلل بمرح،
وقد أوقعتها في الفخ: "الله أكبر، يعني بتحبيه." ذهلت وافتر فاهاها بانشداه لتردد بعد ذلك تبتغي النفي: "يا ست مجيدة حب إيه بس؟ أنا معرفش اللي تقصديه ولا بتتكلمي عنه ده، عن إيه بالظبط؟ "هو برضوا قالي كدة! قالتها مجيدة بضعف وقد تبدلت ملامحها للعبوس والإنكسار، لتثير الفضول لدى شهد كي تسألها بعدم فهم: "هو مين اللي قالك؟ وقالك إيه بالظبط؟ مطرقة رأسها بحزن وهي تحتضن الصندوق القديم في حجرها، لترفع عينيها إليها بنظرة مترقرقة
بالدموع تقول بعتاب: "حسن هو اللي قالي، لما صرح لي بمشاعره وأنا قعدت أتنتط من الفرح، عشان أ فاتحك عن رغبته في الارتباط بيكي، قالي متحاوليش يا ماما وتحرجي نفسك، أنا نفسي مش لاقي فرصة معاها، وأخاف عليكي من كسرة الخاطر." "بعد الشر عليكي من كسر الخاطر، هو ليه بيقول كدة بس؟ هتفت بها شهد مستهجنة بغضب، هذا القول الذي أدخل الحزن بقلب المرأة والتي تابعت: "هو بيقول كدة عشان هيموت عليكي وبيحبك، وانتي ولا حاسة بيه."
بانفعال شديد استنكرت شهد رغم فرحتها بهذا الاعتراف من حسن على لسان والدته: "على فكرة بقى، هو مزودها أوي، ومش من حقه يزعلك كدة ويخليكي تشيلي مني، هو اتكلم ولا فاتحني أساسًا عشان يفتي من مخه ويقول إنني رافضة." التقطت مجيدة الهفوة التي كانت في انتظارها منذ بداية الحديث، لتهلل قائلة: "يا حبيبة قلبي يا شهودة، يعني انتي مش رافضة الارتباط بيه، وهو اللي طلع حمار، وربنا أنا كان قلبي حاسس، يا قلبي انتي...
ختمت بالاخيرة وهي تجذبها من ساعديها إليها لتُقبلها من وجنتيها، تدعي التغافل عن الصدمة التي ارتسمت على ملامحها، حتى انعقد لسانها في الرد عليها، لتكمل عليها بأن نهضت فجأة لتفتح باب الغرفة تهتف وتنادي بصوت عالي: "يا حسن يا أنيسة، يا ولاد تعالوا هنا، عندي خبر ليكوا يجنن، شهد وافقت ع الجواز من حسن، تعالي يا بشمهندس وشوف خطيبتك." "خطيبتك." تمتمت بها، وقبل أن تستوعب حتى لتفكر، وجدت أنيسة أول المقتحمين للغرفة، مرددة لمجيدة:
"يعني شهد وافقت بجد؟ طب وربنا أنا كنت واثقة منها دي يا مجيدة، يا ألف نهار أبيض، يا ألف نهار مبروك." قالتها لتعانق المرأة تبارك وتهنئ، قبل أن تتركها متجهة إلى شهد المذهولة،، لترفعها إليها وتعانقها بحضن أمومي تغمرها بالقبلات: "ألف مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك يا بنتي الغالية، حسن طيب وانتي تستاهليه، وهو يستاهلك." "انتي بتتكلمي بجد يا ماما؟
صدرت من حسن الذي ولج هو الآخر، بفرحة تتراقص بعينيه، لتطالعه شهد ترفرف بأهدابها وكأنها في عالم موازي، لتتلقى كلماته وقد اقترب منها، وتناول كفها بين يديه، يعبر امتنانه بموافقتها: "أنا مش عارف أشكرك إزاي يا شهد، أنا حاسس قلبي هيوقف من الفرحة عشان وافقتي، ربنا يخليكي ليا يارب."
ختم بقبلة على ظهر كفها، طالعت أثرها بصمت، لتبدو كمن تلقت ضربة على رأسها تترنح بعدم اتزان أو استيعاب، وتتوالى عليها المباركات والتهنئة من الباقين، رؤى ولينا وأمين، بلا استغراب أو تساؤل، وكأنهم هم أيضًا كانوا على علم. "الف مبروك يا أبلة شهد، ربنا يتمملك بخير أنا فرحانة أوي." "مبروك يا أجمل شهد، يا صاحبة العمر يا غالية." "مبروك يا شهد، حسن أخويا آه، بس انتي هتبقي أغلى منه، دي تاخديها قاعدة من دلوقتي."
"أنا هعمل كل جهدي عشان تبقي أسعد واحدة يا شهد، ربنا ما يحرمني منك." وفي جانب وحدها وبعد أن وصلت لغرضها، فكانت تتابع بابتسامة رضا صامتة، لتنضم أنيسة بجوارها تهمس قائلة: "والله وبرافوا عليكي يا مجيدة، عرفتي تلفي البت إزاي يا ولية؟ ابتسمت بثقة، تجيبها: "مكناش ينفع معاها غير كدة، بعدين هحكيلك بالتفاصيل، المهم دلوقتي، أنا عايزة السرعة، ياما نفسي أتلم على مأذون الليلة، عشان أخلص بقى."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!