في غرفة المكتب الخاصة بوالده قديمًا، والتي أصبحت مقره الدائم الآن، يتابع أعماله الكثيرة من خلالها، كي لا يبتعد عن زوجته في هذه المرحلة الهامة من علاجها بعد الخروج من المشفى منذ عدة أسابيع. حتى وهي في كنف والدته، والتي أصرت على مجيئهم منزل العائلة من أجل مساعدته أيضًا في رعايتها ورعاية الطفل الصغير عمار، ومع ذلك أبى أن يقصر في حقها، ولذلك فضل مباشرة العمل من هنا، ومن يريده يأتي إليه.
كعدي عزام الذي كان يراجع معه عددًا من العقود في هذا الوقت. "كده كل حاجة تمام، يعني نخش المناقصة بقلب جامد." قالها مخاطبًا عدي بحماس، والذي رد بفتور أصبح من أهم سماته الشخصية هذه الأيام. "خلاص، يبقى أنا هبتدي في الإجراءات من بكرة." ختم عبارته وهو يدفع الملف الذي كان بيده على سطح المكتب بضيق. انتبه له الآخر ليترك هو أيضًا ما كان يعمل عليه، ويرمقه عدة لحظات بتفحص. ثم ما لبث أن يسأله بفضول استبد به:
"هو أنت لسه برضوا متأثر بموضوع البت أيّاها؟ تجمد يطالعه بنظرة خاوية، وأعين فقدت لمعة الشغف والحياة الصاخبة، ليزفر طاردًا كتلة كثيفة من الهواء المشبع بإحباطه، قبل أن يقول أخيرًا: "وإيه الفايدة؟ اتأثر ولا متأثرش، ما خلاص..... سأله مرددًا باهتمام: "خلاص إيه؟ زاد عبوس الآخر، ليطرق بأطراف أصابعه على السطح، طرقات رتيبة مملة، والكلمات تخرج بصعوبة منه:
"أنا عرفت إنها كتبت كتابها امبارح على الزفت جارها، شادي اللي ساب الشغل عندي وراح اشتغل في فندق منافس، بوظيفة أعلى، نظرًا لكفائته اللي أنا عارفاها كويس." اكتنف كارم شعور جارف بالأسف، فخاطبه بما يشبه الاعتذار: "أنا مكنتش أعرف إن الموضوع اتطور معاك للدرجه دي؟ بس يعني... دي مش آخر الدنيا، والستات على قفا من يشيل." "لا يا كارم، عمر الموضوع ما كان كده." قالها عدي بصدق ما يعتمل بصدره، ليستطرد بصوت طغى عليه الشجن:
"أنا دلوقتي بس اتأكدت إن امتلاك سيدات العالم كله، بملكات الجمال اللي فيه، ما يساويش نظرة واحدة من ست أنت بتحبها وتحبك بجد. وإن إحساس الكره لما تشوفه في عيون الست الوحيدة اللي حركت مشاعرك، مفيش في الدنيا أبشع منه." ابتلع مرارة حلقه متذكرًا حديثه الأخير معها، حينما علم بحضورها في أحد الأيام، كي تنهي إجراءات فسخ العقد مع الفندق، فركض بخطواته السريعة كي يلحق بها قبل أن تغادر وكأنه يتشبث بفرصته الأخيرة معها.
دفع بقوة باب الغرفة لدرجة أخافت حمدي، لينتفض ناهضًا عن مقعده خلف المكتب مرددًا بجزع: "عدي باشا، إيه؟ في حاجة؟ لم يلتفت له، بل انصب تركيزه على من كانت جالسة مقابله، تناظره بتحدي ولم تتحرك بها شعرة واحدة، فرد يجيب الآخر، وعينيه لم تتزحزح عن عنها: "سيبنا لوحدنا دلوقتي يا حمدي." اعترض الأخير بعدم تقبل: "أسيبكم إزاي يعني؟ صبا أساسًا بتخلص ورقها وماشية." هم أن يوبخه بعدم اكتراث لمكانته ولا منصبه، ولكن صبا كانت الأسبق:
"عادي يا أستاذ حمدي، ما فيهاش حاجة......... ده مهما كان برضه، كان رئيسي وصاحب الشغل اللي كنت باكل منه عيش." كلماتها المنتقاة بذكاء؛ ألجمت حمدي عن المعارضة، وساهمت في ارتخاء الآخر، وقد اتخذه بادرة جيدة منها، ثم بالطبع استجاب الأول، ليخرج محترمًا رغبتها، وثقة تامة في رجاحة عقلها. فور اختلاء الغرفة عليهما بادرها بالسؤال الملح: "إنتي بجد مخطوبة لشادي يا صبا؟ ردت بهدوء وصراحة أيضًا:
"هي لسه مبقتش خطوبة رسمي، يدوبك كلام في بدايته." توسعت عينيه بذهول، ودائرة الأمل تتوسع بداخله، ليردف: "طب كويس أوي، يعني ينفع يا صبا تقبلي طلبي، مدام لسه مفيش اتفاق ولا خطوبة رسمي، قولي آه وأنا مستعد أنفذ كل اللي تقولي عليه، أكيد عرفتي كويس أوي دلوقتي، إن أنا محتاجالك قد إيه وعايزك إزاي؟ سألته بما يشبه الاختبار: "في السر برضه ولا عرفي؟ نفى سريعًا، وقد تغلب الشوق على العجرفة التي كان يتمسك بها:
"زي ما تحبي يا صبا، لو عايزة إشهار والدنيا كلها تعرف أنا مستعد." "دلوقتي؟ تمتمت بها، فطالعها بعدم فهم، قبل أن تردف نحوه بانفعال: "حضرتك جاي دلوقتي تعرض عليا الجواز؟ بعد ما زقيت ميرنا عليا أنا وصاحبتي؟ احتج بعنف، ينكر بكذب مكشوف: "يا صبا البت دي كدابة، بلاش تصدقيها، دي أكيد بتألف من دماغها، أنا لو مش عايزك في الحلال، مكنتش جيت أعرض عليكي الجواز من تاني أهو." تكتفت بذراعيها، ترمقه بتتمعن لتزيد من توتره،
قبل أن يخرج ردها: "عارف يا عدي باشا، أنا ممكن أصدق كلامك، في إني عجبتك أو ممكن تكون حبيتني على فكرة، مع إن دي مش متأكدة منها، بس اللي أنا متأكدة منه، هو إنك شفتني واحدة زي أي واحدة تقدر تجيبها بفلوسك، طبعًا عشان الفرق الخرافي في المستوى، ودي مقدرش ألومك عليها، بس أنا كمان محدش يلوم عليا لما أبقى معتزة بنفسي ومبقلش بواحد يشوفني أقل منه، حتى لو كان بيعشقني بجد، مش كمان كل محاولاته في القرب مني كانت بالغلط........
يا باشا ده انت حتى لما حاولت تصلح، جيت واتقدمت لأهلي إنك تتجوزني في السر وغرورك صور لك إننا ما هنصدق ونتمسك بالفرصة." للمرة الأولى يتمكن شخص ما؛ من جعل عدي عزام يشعر بالخزي، لقد كانت قوية لدرجة جعلته يسبل أهدابه عن مواجهتها في إحدى المرات، قبل أن يتمسك بغروره الواهي في الإنكار، رغم فشله. لقد كانت رحيمة حينما أنهت لقاءه بها سريعًا، وقد استغنى عن هذا الكم من الحقيقة التي ألقتها بوجهه.
على قدر رزانتها في الحديث، على قدر قسوة الكلمات التي كانت تلسعه كالسياط لعلمه التام أنها محقة، في كل حرف تلفظت به. لقد كان يبتغي التغير والتمرد، ونسي أن التغير لابد أن يكون بداخله. "عدي انت سرحت؟ تساءل بها كارم لينتشله من دوامته، قبل أن يجفله رنين الهاتف أيضًا، فتناوله سريعًا يجيب الاتصال الغريب من زوجته: "الوو.... أهلا يا ميسون." وصله صوتها بصراخ: "عدي، الحقني يا عدي."
بخطوات وئيدة، حريصة، خرجت من حمام الغرفة، تلف رأسها بالمنشفة البيضاء، بعد أن أنعشت جسدها بالماء الدافئ، والمعبأ بالروائح العطرية التي تعشقها، كي تستعيد بعض من روحها القديمة، بجرعة من الرفاهية والدلال، فقد سأمت المشفى وملازمة الفراش طوال الفترة الماضية. ما زال الدوار يكتنفها على أقل حركة، رغم اختفاء بعض الأعراض الأخرى مثل الرنين في الأذن والإرهاق الدائم وكثرة النوم، والحساسية من الضوضاء وضعف التركيز والذاكرة، وغيرها من الأشياء التي كانت تفقدها صوابها في بعض الأوقات. وتبقى معه الصداع الذي يأتي ويجيء، رغم كل الاحتياطات والعلاجات.
"حاسبي يا رباب." تفوه بها مرافقًا لذراعيه التي تلقفتها فور أن اهتزت بسيرها، وتابع بسؤاله بعد أن تفحص وجهها جيدًا: "لسه برضه الدوخة؟ رفرفت بأهدابها قليلًا ثم أومأت رأسها بخفة. لم ينتظر مزيدًا من الشرح، دنا بذراعه الآخر يحملها من أسفل ركبتيها، والمئزر الأبيض الذي كانت ترتديه، ثم ذهب بها إلى الفراش يريحها عليه بكل حذر، وقال معاتبًا: "ما استنتيش ليه على ما أطلع لك؟ مكانش ليه لزوم أبدًا تعملي أي مجهود من غيري." أشرق
وجهها بابتسامة ضعيفة لترد: "ويعني أنا عملت إيه بس؟ أنا أقصى حاجة بس غطست في البانيو." "برضه كان لازم تستنيني وأنا أساعدك." قالها منشغلًا بشد الغطاء على جسدها، فضحكت بصوت مكتوم، لتردف بمشاكسة: "انت باينك استحلتها يا كارم، وأنا اللي فاكرة إنك بتساعدني لكرم أخلاق منك، مش لأغراضك الدنيئة." بادلها هو الآخر الضحك ليندس بجوارها أسفل الغطاء، الذي غطى نصفه، وقد استلقى بنصف نومة، وقال معترفًا:
"بصراحة آه منكرش، دي كانت من أجمل المهمات على قلبي." خبأت ابتسامتها مع تذكرها للمجهود الخرافي الذي قام به، طوال الفترة الماضية، ليوفق بين رعايتها ومزاولة عمله بالمنزل. فالتفت ذراعها حوله لتريح رأسها في عناقه، وتمتمت بهمس: "أنا تعبتك أوي معايا يا كارم، حملتك فوق طاقتك، بصراحة مكنتش اتخيل إن عندك روح المساعدة والصبر ده كله عليا." قبلها فوق رأسها بخفة متقبلًا نقدها، ليقول:
"فاهمك أنا على فكرة، بس اللي عايزك تفهميه إنتِ، هو إني عمري ما اتعرضت للمواقف دي مع الناس اللي بحبهم، والدي لما تعب مخدتش يوم بليلة واتوفى، وماما ربنا يخليها لسه موضعتنيش في موقف اختبار زي اللي اتحطيت فيه معاكي، أنا لو بإيدي كنت شلت كل الألم منك وخدته ليا بعيد عنك." زادت من التشبث به، متنعمة بدفئه ورائحته التي تعشقها، تردف ردًا على كلماته: "بعد الشر عليك يا حبيبي، حمد لله أنا متقبلة اختبار ربنا."
تبسم بمكر يبعد رأسها بخفة ليطالع وجهها الجميل قائلًا: "بس بيني وبينك يعني، فين الصعوبة اللي بتتكلمي عليها دي؟ ده أنا بشتغل يدوب ساعتين، وبعدها أطلع عندك، أدلع نفسي بقعدة حلوة معاكي، يا في الجنينة تحت، أو في الأوضة هنا، آخد لي حضن، أو بوسة من خدود القمر.... أو شفايفه."
قالها ودنى برأسه يقتطف قبلة متمهلة شغوفة رغم حرصه الشديد، حتى لا يؤذيها، فرأسها لم تستعد حالتها العادية بعد، ليتبعها عدد آخر على أنحاء وجهها، يبث بها عشقه الكامن بين أضلعه، داخل هذا الصغير الذي أصبح يضخ الدم من أجلها، ومن أجل أسرته الصغيرة. "كارم." أجفل فجأة على صوت والدته، يتبعه طرق على باب الغرفة، تسحبت من جوارها بهدوء، حتى فتح للأخرى، والتي دلفت خلف طفله الصغير: "بابي." "يا قلب بابي."
قالها وهو يتلقفه بين ذراعيه، ثم قام برد التحية لوالدته بقبلة على جانب وجهها، قبل أن تسبقه للداخل قائلة: "عاملة إيه مراتك النهاردة؟ إيه أخبارك يا حبيبتي؟ همت لتعتدل بجذعها ولكن المرأة أوقفتها: "أوعي تتحركي خليكي زي ما انتي، أنا أساسًا كلمتين وماشية على طول." "ليه طنط؟ هو انتي لسه قعدتي؟ أضاف كارم هو الآخر: "أيوه يا ماما اقعدي الأول، وبعدها اتكلمي براحتك."
"يا حبيبي أنا مش تعبانة، أنا بس كنت عايزة آخد رأيك في مشوار كده، أصل الست مجيدة كلمتني بنفسها، ده غير الدعوة اللي وصلت من أيام، هتقدر تحضر النهاردة فرح أولاد عمك، أمين وحسن؟ سهم بنظرته نحوها، ثم انتقل نحو زوجته بشيء من التوتر، وقبل أن يعترض سبقته هي: "مش أمين ده اللي هيتجوز لينا سكرتيرة طارق؟ دي زهرة وجوزها كمان هيحضروا مع كاميليا، خلينا نروح مع طنط يا كارم." احتج قائلًا بحدة: "إزاي يعني؟
هو انتي حمل سهر ولا أغاني وزيطة، ثم أمين نفسه ده أنا مش قابل أروح فرحه، لو كان أخوه بس كنت عديتها." أشاحت بوجهها عنه تتمتم بكلمات غير مفهومة، جعلته يردف سائلًا بحنق: "بتبرطمي تقولي إيه يا رباب؟ ردت بهمس وكذب: "مبقولش حاجة، واعمل اللي أنت عايزه." كز على أسنانه بضيق فتدخلت والدته تأخذ حفيدها منه: "براحتكم انتوا الاتنين، أنا هاخد عمار ونروح لوحدنا، على الأقل يتعرف على الأطفال اللي زيه من العيلة." تحركت ذاهبة وقبل
أن تصل للباب أوقفها بقوله: "استني يا ماما." التفت تجيبه: "نعم." ألقى بنظرة خاطفة نحو التي ما زالت على صمتها، تكظم غيظها، وتنظر في أي جهة إلا نحوه. فقال زافرًا بسخط: "إحنا كمان رايحين معاكي." تطلعت إليه بلهفة فتابع حازمًا: "ساعة بالكتير ونكون راجعين." قالها وتحرك يسبق والدته في المغادرة، والتفت إلى كنتها تبادلها ابتسامة النصر وقد نجحت خطتهما. في منزل ناصر الدكش.
خرجت من غرفتها القديمة، بعد أن أرضعت صغيرتها، تهتف بأسماء أهل المنزل من شقيقاتها الفتيات: "يا رؤى، يا أمنية، انتوا فين يا بنات؟ "احنا هنا في أوضة شهد يا فريال." تحركت على الصوت لتلج إليهم، وتتسمر على مدخل الغرفة ترمقهم بدهشة: "يا ما شاء الله، فاتحين درج الفلوس بتاع اختكم، وبتندهوا عليا كده عادي؟ طب أنا هفتن عليكم." ضحكت أمنية معقبة وهي تحصي عدد الأوراق النقدية التي في يدها:
"روحي افتني يا اختي، هي عالم بكل شيء، أنا أساسًا واخداهم لعبد الرحيم عشان يلف بيهم ع العمال ويقبضهم، ما انتي عارفة يا عسل، اختك في الصالون دلوقتي ومش فاضية." "أنا كده معايا ست آلاف." هتفت بها رؤى، قبل أن تتناولهم من أمنية لتضعهم على الحزمة التي معها، لتردف: "ع الثمانية اللي معايا، يبقى كده أربعتاشر، حلو أوي على أجرة العمال، إحنا لسه ورانا مصاريف كتير." رمقتها شقيقتها الكبرى بإعجاب، لتكمل بخطواتها حتى وصلت لتجاورهم
على الفراش قائلة بفخر: "ما شاء الله عليكي يا أمنية، خدتي ع الوضع وبقيتي تتكلمي زي شهد بالظبط، باين الشغل نفعك." أبت الأخيرة أن تتطرق للماضي المخزي بنظرها، وردت بقوة جديدة عليها: "طبعًا أكيد، الشغل للست أحسن من أي شيء، وأي راجل حتى، وأنا الحمد لله مش بشتغل عند حد، أنا بشتغل في ملك أبويا الله يرحمه، وبكرة المكتب بتاعه، يبقى أكبر مكتب مقاولات فيكي يا جمهورية بإيد بناته إن شاء الله، أسيبك بقى."
قالت الأخيرة وهي ترفع الحقيبة التي امتلأت بالنقود أعلى كتف ذراعها، ثم لفت حجابها على عجالة وخرجت على الفور. عقبت فريال في أثرها: "أختك يا رؤى اتغيرت وبقت شخصية تانية، دي حتى في شكلها الخارجي، عودها خس وبقت مظبوطة." ردت رؤى بابتسامة مبتهجة: "ومتخسش ليه؟ وهي استلمت تقريبًا معظم الشغل مع الشهد، وطول النهار على رجليها، ما هي الانتخة زمان هي اللي كانت متخناها." أومأت فريال تهزهز في ابنتها بتفهم، قبل أن تقول:
"سبحان الله، بعد ما فاقت من الوهم بتاع الحب مع الزفت إبراهيم، اللهي ربنا ياخده، أختي حست بنفسها، ياريتها انصدمت بحقيقته من زمان." "كل حاجة بتيجي في وقتها." تفوهت رؤى بالعبارة، ثم تناولت منها الصغيرة تداعبها وتشاكسها وسألتها أثناء ذلك: "ماما فين؟ مش سامعة صوتها يعني؟ مصمصة فريال بشفتيها، لتقول بامتعاض: "آه هي اللي عايزة الصدمة صح؛ هي أمك، تصدقي بالله الست دي لحد الآن بتكلم خالتك، وحزينة ع اللي حاصلها هي وابنها."
سمعت رؤى وامتعض وجهها بضيق تتمتم: "ربنا يهدي." بداخل المحل الذي افتتح حديثًا، خطت حتى توقفت بجوار العارض الزجاجي، تستند عليه بمرفقها، مستغلة انشغال الأخرى بترتيب بعض البضائع من هدايا وأغلفة وعلب أدوات مكياج مختلفة، تأملتها قليلًا بتسلية، قبل أن تجفلها بصيحتها ممازحة: "عندكم شامبو يا آنسة؟ شهقت مودة بخضة، قبل أن تلتف إليها بوجه مذعور، لكن سرعان ما استعادت توازنها، لترد مستجيبة للمزاح وتهتز بجسدها،
مقلدة للمشهد المشهور: "لأ يا ختي، عندنا دباديب." ضحكت صبا بملء فمها، حتى ظهرت أسنانها البيضاء، لتردف بمرح: "أموت أنا في قفشات الأفلام." رمقتها مودة بتفحص، يعجبها هذا الإشراق الذي يزين ملامح صديقتها، فقالت بمشاكسة: "أنا شايفة الحلوة مزاجها عالي النهاردة، إيه؟ ناوية تحققي أمل الأستاذ شادي وتخرجي معاه؟ أطلقت شهقة تصنعت بها الصدمة، لتنكر قائلة: "أطلع مع مين يا ست مودة؟ عايزة بت أبو ليلة تطلع مع عريسها؟
اللي كتب كتابه عليها بس امبارح كمان؟ مش كفاية إنه رضي بيه وسلمه جوهرته النفيسة؟ كمان عايزاه يسمح بالسرمحة والكلام الفارغ ده؟ "يا شيخة! قالتها بتهكم، قبل أن تتابع وتسألها بفراسة وتوجس: "بت انتي، كلامك مش راكب على بعضه معايا، إيه اللي وراكي؟ ..... "قلم يا مودة." انتفضت مذعورة، وخرجت هذه المرة شهقتها بغير افتعال، لتستدير إليه وتجده أمامها مباشرةً، يرمقها بأعين مشتعلة، يعتلي تعابيره الغيظ مكررًا
نحو مودة التي أردفت تحييه: "أهلًا يا أستاذ شادي نورت المحل." "أهلًا بيكي يا مودة، ناوليني قلم حبر لو تسمحي." أردف بالكلمات وأبصاره لم تحيد عنها، فقد كانت شهية بشكل موجع، وجهها المشرق بابتسامة ساحرة كشمس أخرى تضيء المكان من حوله، تلهث بابتهاج طفلة انتهت من الركض واللعب، اللون المميز بعينيها، يشع بشقاوتها المحببة، حتى وهي تجعله يدور حول نفسه بأفعالها. "إيه بتبصلي كده ليه؟
سألته تدعي عدم الفهم وقد امتدت يده على العارض الزجاجي وكأنه يحاصرها، ليجيب بتحفز: "هي مين اللي مينفعش تخرج مع خطيبها؟ حتى وهو كاتب كتابه عليها امبارح؟ وعشان ما هي جوهرة نفيسة؟ توسعت عينيها تتصنع الإجفال لتردف: "يا نهار أبيض، هو انت سمعت الكلمتين اللي قولتلهم من شوية؟ ...... ده كانوا هزار." طالعها بتشكك، يجسر نفسه حتى لا يتأثر، وقد كانت كقطعة السكر أمام عينيه، فتابعت تزيده:
"وعلى فكرة الهزار مكنش مع مودة، ده كان معاك انت، عشان كنت متأكدة إنك جاي ورايا، بعد ما عديت قصادك، وعملت نفسي مش واخدة بالي منك وانت بتفتح باب العربية، قبل ما تمشي على شغلك." كالعادة تأخذه بيدها إلى البحر وتعيده عطشان، كما يقال في الفلكلور الشعبي، زمجر بوعيد وتشكيك يتمتم: "عارفة يا صبا لو ما بطلتي عمايلك دي هيحصل إيه؟ بتحدي نابع من ثقتها في عشقه، رددت بلهجة يغمرها الدلال: "يعني هتعمل إيه يا أستاذ شادي؟
أنا مغلطتش فيك، أنا بت مؤدبة وماشية في طوع أبويا اللي قاعد في بيته، فيها حاجة دي؟ لم يرد على الفور، بل ظل على تواصله البصري معها عدة لحظات بملامح مبهمة، قبل أن يغلبه طبعه وابتسم ليردف متوعدًا: "خليكي في طوع أبوكي اللي مطلع عيني ده، ومحرم عليا حتى القعدة معاكي، كلها تلت أسابيع، شايفة؟ رفع كف يده أمامها ليشير على الأصابع الأخيرة مرددًا: "التلاتة دول بس يعدوا يا صبا، وأنا هطلع عليكي انتي وأبوكي القديم والجديد."
"خلاص على ما يعدوا يعدلها ربنا، عن إذنك." قالتها وتحركت مغادرة على الفور، لتختفي كالزئبق في كل مرة يلتقي بها، زفر أنفاس خشنة وظلت أبصاره معلقة بأثرها، يضغط بأسنانه على شفته السفلى مغمغمًا: "ماشي يا صبا، ماشي." حينما التف نحو الأخرى وجدها ممسكة بالقلم صامتة، وقد بدا أنها كانت مندمجة في المشاهدة، امتدت ذراعه نحوها، ليفيقها بقوله: "القلم يا مودة." "ها." "بقولك القلم يا مودة." "آه آه خد اهو."
تناوله منها، ثم أخرج ورقة نقدية أعلى من سعرها، وضعها أمامها، ثم غادر على الفور. "طب استنى خد الباقي طيب." حينما لم يتراجع أو يلتف، جعدتها لتضعها في جيب سترتها، وابتسامة غزت محياها تردد: "الله يخرب عقلك يا صبا، جننتي الراجل."
عادت لترتيب المتبقي من بضائعها، تلقي بنظرة شاملة على مملكتها الصغيرة، بعد أن تمكنت أخيرًا من الحصول بمساعدة من صبا التي أصبحت شريكتها بالسر وشادي معها، بالإضافة إلى النقود التي حصلت عليها من جدتها بمجهود مضني، ليصبح مشروعها الصغير، بداية لحياة جديدة لها، وقد وجدت أملها به، كل أشياء الفتيات بحوزتها، بالإضافة للعائد الجيد الذي يمكنها من حياة كريمة، والأهم من كل ذلك، أنها حلال. "مزعل عروستك ليه يا أمين؟
قالها حسن ويده على مقبض الباب الذي كان يغلقه، ليدلف إليه بداخل الغرفة التي اقتحمها دون استئذان: التفت إليه الآخر من أمام مرآته، يهتف بضيق: "يا عم ما تزعل ولا تتلفق، هي حرة." طقطق حسن بفمه، يصدر صوتًا مستنكرًا ليخاطبه بمهادنة: "يا بني براحة بس، هو إيه اللي حاصل بالظبط لكل ده؟ أنا شهد لما كلمتني، مفهمتش منها حاجة، وبصراحة الخناق في اليوم ده بالذات مينفعش." أجفله بهتافه الساخط:
"لأ ينفع، مع المجنونة دي ينفع أوي، طب هي متوترة وبتخانق دبان وشها، أنا إيه ذنبي؟ كل دقيقة اتصال، الوو شوفت يا أمين اللي حصل مع البنت اللي بتظبط الفستان؟ شكلها مش هتلحق تظبطه، أنا بقول نأجل الفرح أحسن يا أمين، الوو مبترودش ليه يا أمين؟ ضرب بكفيه أمام شقيقه الذي كان يضحك، غير قادر على التوقف، واستطرد بغيظه:
"حتى لما روحت أوصلها على صالون التجميل، اتخانقت مع الراجل اللي بيضرب ولد صغير في الشارع، وكانت عايزة تسلمه للبوليس، ولما اتدخلت معاها اكتشفت إنه أبوه، والولد نفسه اتخض لما سمع حكاية القسم، وبرضه مش مقتنعة، فين على ما قعدت أحايلها عشان تسيبه، وبعد ما وصلتها ما ارتحتش ساعة، ولقيتها بتتصل بيا وتصرخ، الحقني يا أمين، اتاريها اتخانقت مع الست اللي صبغت شعرها بدرجة لون مش عاجبها، وخد عندك بقى، أنا شعري باظ ومش هينفع أكمل الليلة، أنا بقول نأجل يا أمين."
"من غير حلفان لو كانت قصادي، لكنت طبقت في زمارة رقبتها." ضحك شقيقه حتى بانت نواجذه، فتناول ذراعه ليجلسه على التخت بجواره يخاطبه بلهجته الهادئة: "طب صلي على النبي كده واهدى، أنت عارفاها أكتر مني، قلبها أبيض، بتقوم تقوم وتنزل على مفيش، ده غير إنها متوترة زي أنت ما قولت بنفسك، وده حقها، عشان يعني ما كل حاجة تمت بسرعة، والخطوبة والجواز في شهر واحد، قدر ده يا عم." طرد من صدره زفرة متعبة، ليفرك كفيه ببعضهما، ثم تمتم بتفهم:
"اللهم صلي عليك يا نبي، ما هو ده اللي مصبرني عليها، مجنونة وبتقلب في ثانية، دلوعة ولذيذة، وفي نفس الوقت حرشة وبتلسع." أسْهب في الوصف بعدم انتباه، وقد غفل عن الآخر، والذي تبسم باتساع فمه، يستدرجه بمرح: "حلو أوي ده، وإيه تاني كمان؟ استدرك ليناظره بقرف مرددًا: "هو إيه اللي حلو أوي، امشي يللا من جنبي، امشي وروح اشغل نفسك بعروستك، مالك أنت ومالنا يا بارد؟
وفي صالون التجميل، كانت بحالة من البكاء الذي لا يتوقف، حتى بتوسلات المرأة مديرة المكان لها، كي تهدأ وتعمل على إصلاحه بلون آخر، على الرغم أنه نال استحسان الجميع، من عاملات أو زبائن مثلها، وكلمات الثناء تنصب عليها وعلى العروسة الهادئة بجوارها كما تم تصنيف شهد اليوم، والتي لم تكف عن تهدئتها: "اهدي يا لينا، ربنا يسعد قلبك، كل ده بكاء؟ بتجيبي الدموع دي منين بس؟
بنهنهات عالية والمحارم الورقية التي كانت تمسح بها على وجهها، قد ملأت الأرضية أسفلها، ردت بصوت عاتب: "هو السبب يا شهد، مش معبرني، وكأنه زهق مني، ده إحنا لسه متجوزناش رسمي، أمال نبقى في بيت واحد هيعمل معايا إيه؟ ختمت بوصلة بكاء عالية جعلت شهد تضرب بكفها على ذراع المقعد الجلدي الذي تجلس عليه بتعب، لتعود إلى محدثها في الهاتف: "أيوه يا حسن، لسه زعلانة ومش راضية تهدى....... إيه؟ خاطبتها تعيد ما أخبرها به:
"بيقولك افتحي الفون وشوفي الرسايل عليه." سمعت منها لتستجيب لطلبها على مضض، ثم رفعت رأسها إليها بدهشة قائلة: "إيه ده؟ ده أمين باعت صورتي ع الواتس وبيقول إنه يجنن، صورتي باللون الجديد وصلت له إزاي؟ ردت شهد بانفعال: "أنا اللي صورتك يا لينا عشان آخد رأيه، وأهو بيقول إنه عاجبه، ردي بقى عليه دلوقتي، أكيد هو اللي بيرن عليكي." قالتها وقد نبهها صوت الهاتف، فردت الأخرى بزهول اكتنف ببهجة تخفيها: "ده هو اللي بيرن بجد.....
أنا هروح أكلمه جوه في غرفة اللبس براحتي." أشارت لها بكفها لتخرج تنهيدة قوية، تغمرها الراحة، ثم عادت لزوجها: "أيوه يا حبيبي، أهي قامت ترد عليه، عشان يصالحها براحته." وفي مكان آخر خارج مصر، وفور أن حطت طائرته العاجلة على أرض البلدة التي بها زوجته وأولاده، دلف داخل القصر المهيب بقلب وجل، أول ما التقاه بعينيه كانت هي وقد كانت تنتحب على أحد المقاعد في البهو الكبير، بجوار جدتها، تحتضن طفلها الأكبر إياد.
"إيه اللي حصل يا ميسون؟ قالها وألقى التحية باللغة التركية نحو المرأة العجوز، قبل أن يتلقف صغيره الذي ركض إليه على الفور، ليرفعه على ذراعيه، ويضمه ويقبله. هتفت به زوجته بانهيار: "زياد يا عدي، زياد اتخطف يا عدي." سهم بنظراته لها بعدم استيعاب، ليجد الصغير يؤكد له بقوله: "بابا الناس اللي أخدوا زياد كانوا عايزين ياخدوني أنا كمان، واحد فيهم قالي تعالى معايا هوصلك لبابا."
زاد اتساع عينيه وانظاره اتجهت نحو مجموعة الرجال الضخام في الجهة الأخرى، كانوا ملتفين حول جد ميسون في اجتماع لأمر جلل، فدارت رأسه باستدراك متأخر، وقد تنبه أخيرًا للخطأ الذي تسبب به، بفضل رعونته وغروره. في المساء. وبداخل القاعة التي امتلأت عن آخرها بالمدعوين لهذا الحفل الصاخب، بزواج الشقيقين، على أجمل صديقتين، شهد ولينا، وقد جمع بينهما القدر كما تمنوها بليلة ما في الطفولة، وكانت الصدفة أن تحققت بالفعل الآن.
كل أسرة أو مجموعة ضمتها طاولة، والفرح اعتلى جميع الوجوه المحبة.
جاسر وطارق يقومان بمهامهما على أكمل وجه، كشقيقان للعروس لينا، شقيقات شهد الثلاث يملأن الأجواء حولهن حيوية وصخب، وقد تجمعت قلوبهن المتشتتة أخيرًا بامتنان نحو شقيقتهن الكبرى. أما صبا وعائلتها من رجال ونساء التفوا على طاولة واحدة يرأسها والدهم، مسعود أبو ليلة وزوجته، فكانت تقتنص النظرات بخبث نحو من احتل طاولة أخرى بالقرب منهما مع شقيقه الوحيدة، وقد أتى بدعوة مخصوص من المهندس حسن، يرمقها بغيظ في انتظار الاختلاء بها بعيدًا عن والدها، وكل دقيقة يرسل لها بإشارة الثلاثة أصابع كتهديد لها، لتتقبلها بالضحك غير مبالية، لتزيد من تصميمه.
وعلى الطاولة التي جمعت عائلة الريان، كانت زهرة تزفر بسخط متمتمة بلوم نحو عمها عامر والد زوجها وجد الأحفاد. "استغفر الله العظيم يارب، ياريتني ما جبتهم، أنت يا عمي اللي جبرتني، دول يباتوا في البيت من المغرب، ما يجوش أفراح، ولا يخرجوا أساسًا."
قالتها بإشارة نحو التوأم المزعج، واللذان لم يكفا عن المناوشات الخطرة كل دقيقة فيما بينهما، وهي كالعادة تحاول درء الشجار من أوله، إما بخطابهم بلين ورجاء، أو نظرة محذرة بالعقاب، ولكن لا فائدة. تبسم لها الرجل كالعادة ليرد بهدوئه المعتاد: "طب وأنا مالي يا زهرة، أنا يا حبيبتي لما صممت على مجيء الأولاد، كان قصدي على البرنس الكبير، مجد حبيب جدو، وأصغر نمرة قلب جدو ده كمان." قالها وهو يهدهد ظافر الصغير.
افتر ثغرها بابتسامة صفراء تنقل أنظارها بين الاثنين الذان أصبحا يتابعان الحديث دون فهم جيد، لتردد خلفه: "يعني الكبير حبيب جدو، والصغير قلب جدو، وجوز المصايب دول، إيه محلهم من الإعراب؟ تولت لمياء بالنيابة عنه الإجابة قائلة بلوم: "اخص عليك يا عامر أنت وزهرة، رامي ورنا دول حبايب تيتيه من جوه، رامي اللي هيبقى بطل في الكاراتيه، ورنا اللي هتبقى ملكة جمال، بس هما هيسمعوا الكلام ويبقوا شاطرين النهارده، مش كده يا ولاد؟
"صح يا تيتة." قالها رامي بخشونة أكبر من سنه، وتلاعبت توأمته بقصة شعرها، وقد أعجبها الوصف، لتسألها بدلال: "يعني أنا حلوة يا تيتة؟ ردت متغزلة بها: "يا قلبي انتي قمر، وطالعة شبهي كمان، بس خليكي أمورة زي البنات الحلوين، وسيبي الخناق للولاد الوحشين." أومأت الصغيرة برأسها بابتسامة منتشية، وكأنها استجابت للنصيحة وظهرت عليها الطاعة. عقبت والدتها بتهكم:
"يا حبيبتي دي ما صدقت، طب يا ريت بس تحافظ على فستانها سليم النهاردة من أي خناق ولا بقع أكل." ضحك ثلاثتهم، يتبادلون المزاح، حتى اقتربت أنيسة تصافحهم ومعها مجيدة التي جاءت ترحب بهم كذلك، بمودة صافية توزع الابتسامات على ثلاثتهم حتى تناولت الصغير تقبله، مخاطبة والدته: "قمور ما شاء الله عليه، ده أصغر الأحفاد مش كده؟ توجهت بالأخيرة نحو عامر، والذي رد يجيبها بفخر:
"أيوه طبعًا، والتوأم دول يبقوا إخواته، ده غير البطل الكبير كمان مجد أكبرهم، بس ده مشغول مع والده وعمو طارق في استقبال المدعوين، ما هي لينا دي تبقى بنتنا احنا كمان." تبسمت مجيدة بمودة صافية للرجل، لتضيف على قوله أنيسة بزهو داخلها، وقد أسعدها ما تفوه به: "طبعًا ده مفيش جدال، بنتك زي ما هي بنتي." تدخلت لميا أيضًا تشاركهم: "ربنا يتمم لها بخير يا أنيسة، وانتِ يا ست مجيدة ربنا يفرحك بأحفادك قريب." "ياختي يسمع منك ربنا."
تمتمت بها الأخيرة بتمني، تدعو الله أن يكمل عليها فرحتها بمجموعة تملأ البيت صخبًا ومرح.
في خارج القصر، تحديدًا في الحديقة الأمامية، وبعيدًا عن أنظار الجميع، يحاول مرارًا وتكرارًا في الاتصال على مجموعة الحمقى التي اتفق بغباء معهم منذ فترة، للقيام بهذا الفعل، والذي لم يقدر شناعته إلا الآن، بعد أن التمس نتائجه المزرية بنفسه، يشعر بأن قلبه يكاد أن يتوقف من الرعب لمصير طفله، فهذا الاختفاء الغريب، وعدم توصله إلى أي طرف منهم، حتى وبعد أن ذهب إلى مسكنهم في المنطقة الفقيرة ولم يجد أحد، زاد من إحساس الذنب لديه، وفزع شديد بداخله، خشية السيناريو الأسوأ إن حدث، من أشخاص لا يعلمهم، ولا تربطه بهم سوى صلة المال، أي من الممكن استبداله إن وجدوا من يدفع أكثر، يا إلهي......
كيف غفل عن هذه النقطة. "يارب احفظ لي ابني." تضرع بها داعيًا بخشوع إلى ربه، قبل أن يجفل على صوتها: "عدي."
التف إليها، ليبصرها تتقدم بخطواتها المنهزمة أمامه، وجهها الشاحب، وشعرها المبعثر بعدم اهتمام، عينيها الذابلة من كثرة البكاء، منكسرة وهشة؛ لدرجة جعلته يشعر بقبضة قاسية تعتصر قلبه، كيف لهيئتها المزرية تلك إن تحرك الحمائية بداخله نحوها، يلعن غروره وعنجهيته المتوارثة، وقد كانت أهم أسباب فشله، حتى في زواجه بامرأة كانت تعجبه حقًا قبل ذلك، بل وكان يراها أميرة من قصص الخيال، قبل أن يتزوجها ويزهد فيها وكأنه انتهى منها، رغم وجود الأطفال بينهم.
"عايزة إيه يا ميسون؟ تفوه بالسؤال فور أن توقفت أمامه، رفعت رأسها المطرقة لتطالعه بحزن شديد وشفاه مرتعشة تخرج الكلمات منها بصعوبة: "أنا عارفة إن عندك حق، لأني فعلًا زوجة مستحقة، كنت بتهمك بالأنانية، وأنا نفسي مكنتش بعمل اللي يقربني منك..... قطعت بشهقة بكاء كتمتها بقبضة يدها، فتدخل لإيقافها: "مش وقته الكلام ده يا ميسون... "لأ وقته." قاطعته بحدة لتفصح عما يعتمل بصدرها الآن:
"كان لازم أعرف إن العلاقة بين الراجل والست، لازم يبقى فيها تنازل من الطرفين، حتى لو الطرف الأول معملهاش، من الواجب إن الثاني يجرب، أنا ولا مرة جربت، كل مرة كنت بستناك انت اللي تيجي وتبادر، بإيدي خليت المسافة تكبر بينا، أنا ست مستحقة." خرجت الأخيرة ببحة مخنوقة جعلته يزرف دمعة من طرف عينيه، ليضمها إليه بوجع ينخر بين أضلعه مرددًا: "لا يا ميسون متقوليش كده، متقوليش كده يا ميسون، انتي تستحقي واحد أحسن مني كمان."
نزعت رأسها لتنفي بها: "لأ يا عدي أنا عرفت نفسي، وعشان كده بقولهالك أهو، موافقة ع الطلاق، وموافقة تاخد الأولاد مني، لأني أستاهل كل اللي يجرالي." جذبها بعنف ليهدر بها بصرامة: "مفيش أولاد هيبعدوا عنك، هنلاقي زياد، والاتنين هيتربوا معايا ومعاكي." قالها ليزيد من ضم رأسها على صدره، حتى بللت قميصه بدموعها، وقد كانت ترتجف بين يديه، وهو أيضًا معها حتى أجفل الاثنان على صوت صغير قريب منهما!
صرخت ميسون فور أن رأت طفلها يخترق الباب الخشبي الصغير للحديقة ويتقدم بخطواته نحوهما: "مامي وبابي أنا جيت." "زياااد." ركضت لتعتصره بين ذراعيها تشدد عليه بلوعة أم كادت أن تفقد طفلها، فتوقف عدي يطالعه بعدم تصديق، ينتظر دوره في العناق والتقبيل، وتزامنًا مع ذلك تفاجأ بآخر شخص يتوقعه، يخترق الحديقة خلف طفله الذي كان يهمس لوالدته: "عمو هو اللي جابني يا ماما." "مصطفى."
دمدم بها نحو المذكور، والذي توقف يرمقه بنظرة مظلمة، وملامح مغلفة أنبأته بحقيقة ما توصل إليه شقيقه. يتبع في الجزء الثاني من الخاتمة. ياريت بقى تعليق يبين حبكم لرواية. الخاتمة الجزء الثاني.
بداخل الحديقة، وبعد مغادرة الجميع، وقف الشقيقان في مواجهة غير محسوبة من جهة الطرف الثاني وهو عدي، فلم يكن يتصور في أقصى خيالاته أن يصل الأمر إلى شقيقه الأكبر؛ فيتصرف بحنكته المعتادة ويأتي هو بالطفل، بنجاح يلازمه كالعادة، وهو الحامي والمسيطر، رافع رأس العائلة بنزاهته وعقليته الفريدة في التفكير السليم، عكسه هو في كل شيء، فاشل حتى في تدبير الخطط! "مش ناوي تسألني، جبت الولد إزاي؟
كان السؤال كفخ شعر به عدي، أو بالأصح، هو بداية لجره نحو الحديث المتوقع، ولكنه تجاهل يدعي عدم الفهم بقوله: "وهسألك ليه تاني؟ ما انت جبت الفايدة لما شرحت من شوية لميسون عن علاقاتك المتشعبة في البلد واللي مكنتك من معرفة مكان الولد في أسرع وقت، بجد أنا مش عارف أشكرك إزاي؟ جمود جسده والتعابير المنغلفة على ملامحه، لم تتغير ولو حتى بشبه ابتسامة ساخرة، بل كان يطالعه بهدوء ما يسبق العاصفة، حتى تكلم أخيرًا:
"بتلف وتدور معايا في الكلام معايا يا عدي، حتى وانت عارف إني وصلت للحقيقة بنفسي، يعني مش محتاج تأكيد منك ولا سؤال." علم عدي أنه لا مناص من التهرب والإنكار، طالما شقيقه يحدثه بهذا الهدوء الخطر، وجميع الطرق سوف تذهب به لنفس النتيجة، فخرج سؤاله بفضول ملح: "طب مدام كده يبقى تقولي انت عرفت إزاي؟ ما هو مش معقول يعني في ظرف ساعات قليلة تنزل من مصر وتيجي بالولد على هنا، وكأنه كان مستنيك في المطار."
رمقه مصطفى بتعجب قبل أن يفتر فاهه بابتسامة جانبية ساخرة لم تصل لعينيه قائلًا: "مشكلتك يا عدي إنك دايمًا بتاخد بالظاهر زي الست والدتنا بالظبط، ما بتركز في بواطن الأمور، ولا في تحليل الشخصية اللي بتكلمك، يعني أنا مثلًا لما أقولك بإني عرفت بموضوع الولد منك انت شخصيًا مش هتصدقني، لأنك متأكد إنك ما اعترفتش بحاجة قدامي، وهو ده فعلًا اللي حصل، لكنك ناسي إني فاهمك وحافظ أكتر من خطوط إيدي، يعني عارف بطريقة تفكيرك."
توقف برهة يراقب تعقد ملامح الآخر، وهذا الصمت منه دون أي اعتراض أو مجادلة على غير عادته، وكأنه متقبل تقريعه، فتابع: "كان ممكن أقدر موقفك، رغم اعتراضي على الطريقة الكارثية، بس ده لو كنت هتحافظ عليهم وتعوضهم عن افتقاد والدتهم، مش تتجوز وتعيش حياتك وتدمرهم." زفر عدي يخرج دفعة من الهواء المشحون بإحباطه، ورد مصححًا: "معدتش في جواز خلاص يا مصطفى، دي كانت فكرة وراحت لحالها، أهم شيء عندي دلوقتي هو الأولاد."
"مش فاهم، يعني خلاص قررت تسيبهم لميسون؟ سأله بتوجس، رغم ارتيابه لهذه النبرة المنهزمة، وأتت الإجابة تزيد من حيرته: "لا يا مصطفى، مش هسيبهم ولا هسيب مراتي، طمن قلبك." تحرك بخطوتين ليقف بجوار إحدى أشجار الحديقة، يضع كفه على جزعها، ليردف بتنهيدة خرجت من العمق: "أنا خلاص عرفت نصيبي، وحمد لله نصيبي مش وحش للدرجة اللي تخليني أهرب ولا أصر على الفراق، أينعم أنا كنت نفسي في الحب.....
أعيش المشاعر اللي كنت بشوفها دايمًا في عينيك انت ومراتك...... بس خلاص بقى." وضحت الرؤيا جلية أمامه الآن، ليستنبط بعقله الراجح؛ أن شقيقه بدأ يستفيق من غفوته، فرد بنبرة تجلى فيها الحنان الأخوي:
"إنت قولت إن نصيبك مش وحش، وأنا شايف إن دي كلمة قليلة عليه، لإنك في نعمة يا عدي، مراتك وولادك من أروع ما يكون، ولو ع المشاعر اللي نوهت عنها، فدي تقدر تخلقها مع ميسون بكل سهولة، خصوصًا وإني عارف كويس إنها بتحبك، يعني في انتظار إشارة بس منك، وتلاقيها فكت جمودها، بل وسلمت كل حصونها ليك، ولو بتثق في رأيي، فده شيء أنا متأكد منه."
لاح على وجه الآخر الاقتناع، ولكنه ظل صامتًا، ليرتب الأفكار برأسه جيدًا هذه المرة، كي يصلح ما فات بنهجه الجديد، ناسيًا عنجهيته القديمة وتعاليه حتى على أقرب الأشخاص إليه. أما مصطفى وبعد أن اطمئن لجانب شقيقه، استل هاتفه من جيبه، ليتصل بالقطعة الغالية من قلبه، حبيبته وزوجته: "الوو يا مصطفى، انت أخيرًا اتصلت؟ هتفت بها عبر الأثير بنبرة أجفلته، ليجيبها على الفور بتبرير:
"أيوه يا حبيبة قلبي ما انتي عارفة اللي حصل، وع العموم آسف لو اتأخرت باتصالي عليكي، المهم بقى انتي عاملة إيه؟ ردت بصيحة أعلى من سابقتها، وكأن الأمر جلل: "أنا محتاجالك بسرعة يا مصطفى، عايزة أحضنك أووي،" وعودة إلى الوطن. وبالتحديد داخل القاعة مع أجواء حفل الزفاف، وهذه الأغنية الرومانسية، التي كانت تصدح بقلبها، وزوج العروسان يتراقصان عليها.
"هادي اللي في بالي بالمليقمر ومن السما نزل ليدي بِاسم الله ما شاء الله تشوفها تسمي وتصلي" "ما دي اللي في بالي بالمليقمر ومن السما نزل" "يدي بِاسم الله ما شاء الله تشوفها تسمي وتصلي" "عشان أوصفها مالهاش حلكلام اغانيا كله اقلدي" "خير في حياتي جاني وهل ومن حظي انه متشالي" "عشان أوصفها مالهاش حلكلام اغانيا كله اقلدي" "خير في حياتي جاني وهل ومن حظي انه متشالي" المهندس حسن، وشهد العسل عروسه.
تتمايل برقة استعادتها على يده، وأناقة لم تغب عنها حتى وهي بملابس الرجال التي كانت تخفي بها أنوثتها، كي لا تكون مطمع لأي كان، أما اليوم فقد كانت ترتدي فستانها الأبيض، بهيئة ملكية تليق بها، حيث كان ضيقًا حتى الخصر، ثم يتسع بعد ذلك بطبقاته العديدة من الشيفون، والدانتيل المزين بالنقوش الدقيقة، وزينة الوجه الرقيقة كطبيعتها التي كانت تدفنها سابقًا، بين يدي حبيبها والذي لا يمل من تأملها، حتى والعينان منصبة نحوهما، يجعلها
تخجل مهما حاولت الإنكار: "بتبصي على إيه؟ ركزي معايا." قالها بهمسة محذرًا حينما التفت نحو شقيقاتها تبادلهم الابتسامة حينما لوحوا لها بطريقة كوميدية، لتعود إليه مرددة باضطراب: "أركز فين تاني يا حسن؟ إنت زهقتش تركيز؟ ضحك ينفي بهز رأسه: "لأ طبعًا، هو انتي لسه شوفتي زهقان؟ ده إحنا لسه مدخلناش في الجد، أمال لما ندخل بجد بقى، هيحصل إيه؟ قال الأخيرة بنبرة موحية جعلتها تستدرك على الفور، لتنهيه:
"خلي بالك يا حسن، الناس فاتحة عيونها أوي معانا، بتلقط كل إشارة، يعني أظبط كده." ضحك بملء فمه، ليزيد بتصميم: "لأ ما أنا مبيهمنيش، أصلي قلعت برقع الحيا من زمان، وأمي وأخويا عارفين عني أوي الحكاية دي، ناقص بس انتي تعرفي، وهعرفك؟ ختم جملته بغمزة بطرف عينيه فاجأتها، لتكتم شهقة الإجفال، مع ضحكة لم تقوى على كتمها، مرددة بيأس: "إنت مفيش فايدة منك يا حسن، ناوي تفضحنا." شاركها الضحك يومئ رأسه يؤكد تخمينها.
وبالجوار كان الزوج الآخر، الضابط أمين، وعروسه لينا، والتي كانت آية من الجمال هي الأخرى، بفستان لا يفرق عن ما ترتديه شهد سوى أنه كان عاري الذراعين وجزء مكشوف في الأمام مما جعل هذا الأمر سببًا في عدد من المشاجرات والمناوشات بينها وبينه، فقد كان على حافة الانفجار، يكبح شياطين غضبه بصعوبة في عدم الفتك بها أمام الجميع، وكان هذا ما يظهر جليًا في لمساته والكلمات الموجهة إليها:
"آه، ما براحة يا أمين، إيدك ضاغطة أوي على ضهري." بأعين يكسوها الاحمرار المخيف، وغضب يقطر مع كل كلمة يردف بها، همس مهددًا بوعيد: "احمدي ربنا إنها ضاغطة بس، يعني ما ترفعتش ونزلت على وشك بقلم، ولا طيرت صف سنانك بلوكامية." "يا عم بقى، هي توصل لدرجة دي يعني؟ قالتها ببعض العشم متغاضية عن تهديداته الصريحة، ولكنه عاد مؤكدًا دون تراجع: "آه لدرجة دي وأكتر كمان، تحبي تجربي لينا؟
أخفت بصعوبة ابتسامتها، فبرغم طبيعتها الحادة دائمًا في الشجار معه، إلا أنها هذا اليوم كانت متفاهمة بعض الشيء، لانفعاله المبالغ فيه منذ أن رآها، بصالون التجميل، حينما دخل ليأخذها منه، فهذا الفستان الذي غيرته في آخر لحظة بالأمس، لم يتسنى له رؤيته على الإطلاق سوى عليها اليوم، وقد كانت مفاجأة له بكل ما تحمل الكلمة، حتى أنها خشيت من أن يقتلها بحق أمام مديرة المكان التي جاهدت معه وشهد في فض الاشتباك، والذي انتهى بعد مدة من
الوقت والمحايلة للتقبل حتى وافق على تكملة اليوم بشرط تغطية المكشوف، تصرفت المرأة بذكائها لتغطي على الذراعين بكومين من الشيفون، ولكن تبقى الجزء الذي في الأمام والذي لم يجدا له حالًا على الإطلاق، حتى وافق به على مضض، مع تهديد ووعيد طوال الوقت.
ردت بلهجة يشوبها الدلال: "لأ يا سيدي مش عايزة أجرب، مدام أنت صعب أوي كده، كل ده ومكفيكش؟ وكأن بكلماتها تصب بالوقود لتزيد من اشتعاله، احمرت عينيه يدفعها بغلظة نحو صدره يهدر بصوت خفيض كازًا على أسنانه: "بلاش تختبري صبري أكتر من كده، أنا على آخري، سبيني ماسك نفسي بالعافية دلوقتي." دب الخوف بداخلها من هيئته ولكن طبيعتها العنيدة لم تثنها عن المواصلة بعتاب:
"ما أنت لو كنت فضيت نفسك شوية معايا امبارح، أو حتى بصيت ع الصور اللي كنت ببعتهم عشان تختار منهم، كنت نقيت على كيفك كمان، بدل ما تتفاجئ بزوقي." هم أن يزيد بانفعاله، ولكنه انتبه على صياح الجميع مع حمل شقيقه لشهد ليدور بها مع قرب انتهاء الأغنية، وجاء صوت لينا معقبة: "ده بيشلها وبلف.......
قطعت بشهقة مذعورة فور أن شعرت بنفسها هي الأخرى وكأنها تطير، وقد ارتفعت قدماها عن الأرض، بعد أن باغتها هو الآخر وحملها بذراع واحدة، ليدور بها مثل شقيقه، وسط الصياح والصفير وزغاريد النساء حولهم، لفت ذراعيه حول عنقه بابتسامة ساحرة تهديها له، وكأنها ميثاق تصالح، كي يرضى عنها، اهتز قلبه لها، رغم الجمود الذي يدعيه، فعقله الخبيث ما زال متمسكًا بالانتقام، ولكن بعد انتهاء الحفل.
مشهد هما أبهر الجميع وأثر بهم، خاصة تلك التي كانت تتابع بحالمية هي الأخرى وأنظارها معلقة بمن كان يناظرها في الجهة المقابلة لها، وعيونه منصبة عليها من جهته، قبل أن تنتهي الفقرة، فيلوح لها بيده كي تترك مقعدها وتأتي خلفه، مستغلًا انشغال والدها مع ضيوف الحفل، وابتعاده بمسافة كافية.
أذعنت مستأذنة من والدتها، بحجة الذهاب إلى المرحاض، ثم تسحبت تتبع أثره حتى انتهى بها المطاف بأن وجدت نفسها بالحديقة الخلفية للقاعة، تطلعت في الظلام تهتف منادية باسمه، بعد أن اختفى عن عينيها: "شادي يا شادي." ظهر فجأة من خلف العمود القريب، ليصبح أمامها على الفور، فلا يفرق عنها سوى سنتيمترات قليلة، طوله المهيب وحضوره الطاغي يبعث بقلبها ذبذبات لذيذة من الخوف والترقب، وقد بدا أنه على حافة الانفجار: "إيه بتبصلي كده ليه؟
تفوهت بها وهي ترتد بأقدامها للخلف، وهو على نفس خطواتها محتفظًا بالقرب المهلك، ليردف بتسلٍ اختلط بغيظه: "تفتكري هعمل فيكي إيه؟ وأنا جايبك من القاعة على المكان الضلمة هنا؟ توسعت عينيها الجميلة لتردف بدراما: "يا نهار أبيض، لتكون هتموتني يا شادي؟
أومأ برأسه، وابتسامة ارتسمت على ملامحه الخشنة، فجعلته أوسم الرجال بعينيها، ليستمر تراجعها مع خطواته في القرب منها حتى اصطدم ظهرها بالجدار خلفها، فاستند بذراعه عليه ليكمل حصارها، ودنى برأسه ليقارب مستوى طولها، فيسألها أخيرًا: "إيه؟ خايفة يا صبا؟ بأعين إلتمع فيها الشغف، ردت بثقة ودون تردد: "عمري..... عمري ما أخاف منك يا شادي." ضحك بدون صوت، قبل أن يعود لانفعاله ضاربها بكفه على الجدار بجوارها قائلًا:
"حتى وأنا عايز أخنقـ ك بإيدي دلوقتي ع العمايل اللي بتعمليها فيا يا صبا انتي وأبوكي؟ ضحكت تزيد من حنقه مرددة: "طب وأنا عملت إيه طيب؟ قاطعها يقبض على كفها التي كانت تلوح بها أمامه: "متقوليهاش الجملة دي قدامي تاني، سامعة؟ عشان دي أكتر جملة بقيت أسمعها منك، إنتي عايزة تشليني صح؟ "يدِي يا شادي." قالتها ليستدرك بضغطه على كفها التي احتجزت بيده الضخمة، تطلع بها، ثم رفع أبصاره نحوها، قائلًا بانتشاء: "ومالها إيدك بقى؟
مش أنا جوزك برضه ويحق لي إن أمسكها وأقرب كمان لو حبيت... "أها." خرجت منها لتتابع بلهجة ماكرة: "يبقى الحج أبو ليلة بقى معاه حج؟ وكأنها تعزف على أوتار نبضات قلبه التي تصرخ بمحبتها، يتقبل منها كل شيء حتى وهي تتعمد إغاظته، بألعابها المستمرة، وكأنها طفلة في ثوب امرأة كاملة الأنوثة. زاد بضغطه يكبح ابتسامة ملحة تجاهد للظهور، وردد بتوعد: "العبي وهيصي على كيفك يا صبا، بس خلي أبو ليلة بقى ينفعك لما تبقي تحت إيدي وفي بيتي."
همت لتنزع يدها عنه، ولكنه لم يسمح فقالت بتحذير: "خلي بالك، لو حد طب فوق راسنا دلوقتي هتبقى وجعة، وأبويا ما هيصدق، عشان تبقي تتوعدلي بقى براحتك بعد كده." ظل صامتًا، يأسر السحر بعينيها الجميلة، وقد ساهمت الإضاءة الخفيفة، لإضافة مزيدًا من الهالة العجيبة حولها، حتى خرج صوته بتأثر: "انتي طلعتيلي منين يا صبا؟ توقف برهة ثم أردف:
"قلبتي حالي وزرعتي في قلبي الحب اللي بيتقال عنه في الحواديت، وأنا اللي طول عمري بقول عنه كلام فارغ ويصلح بس للروايات." لم ترد ببنت شفة وقد جذبها الصدق في عينيه، لتظل صامتة تبتغي المزيد، مزيدًا من عشقه الذي يعيد تشكيلها من جديد، فإن كان هو يتعجب من حالته نحوها، فهي الأخرى متفاجئة من حجم المشاعر التي تكتشفها يوميًا في التعلق به.
وفي خارج القاعة حيث التقت أمنية بمساعد شقيقتها سابقًا ويدها اليمنى هي حاليًا، عبد الرحيم، بعد أن أخبرها عن أمر ما في العمل، يجب الإسراع في البت فيه، ألقت عليه ببعض التعليمات كي ينفذها صباحًا، قبل أن يتركها عائدًا إلى منزله، وتعود هي إلى حفلها. كانت تسير شاردة، وقد أصابها ما كان يحدث مع شقيقتها الكبرى، تفكير وقلق، مع كل بداية عمل تتولى أمره، وقد أصبحت الآن هي المسؤولة الوحيدة حتى عودة شهد. "حاسبي يا آنسة."
صدرت من أحد الأشخاص، فقد كانت على وشك الاصطدام به، استدركت لتتراجع على الفور مرددة باعتذار: "معلش معلش أنا آسفة مخدتش بالي والله." ردد خلفها مصححًا بجرأة ينتقدها: "لأ انتي كنتي سرحانة، مش موضوع مخدتيش بالك." لم يعجبها قوله، فانتصبت بوقفتها رافعة حاجبها، تردف بشراسة: "سرحانة ولا مش سرحانة، انتي مالك؟ ما أنا اعتذرت وفضيناها على كده." لم يأبه لفظاظتها، بل فاجأها بأن اقترب برأسه نحوها، مضيقًا عينيه بتركيز يسألها:
"هو أنا ليه حاسس إني شوفتك قبل كده؟ هو انتي جيتي عندنا القسم من قريب." تفاجأت حتى ارتدت رأسها للخلف تبتلع ريقها بحرج قائلة: "قسم مين؟ وانت إيه دخلك بالاقسام أساسًا؟ ذاكرته القوية تنشطت حتى علم بهويتها ليجيب عن سؤالها بتركيز شديد، غير منتبهًا للإصفرار الذي غزا ملامحها، مع انسحاب الدماء من وجهها، وذلك بنبش هذا الغريب وتذكيره لها، بهذا الأمر المخجل:
"أنا النقيب عصام، بس مش انتي برضه البنت اللي فتحت دماغ خطيبها اللي حاول يتهجم على اختها." ارتفعت وتيرة أنفاسها، وقد بلغ الحنق بداخلها آخره، فقالت بلهجة معتزة رغم الألم الذي كان ينخر بعظامها، في عودتها لماضي تكرهه، وتتمنى طمسه من تاريخها لتنسى معه هذه الحقبة من الحمق والغباء وغياب العقل:
"أيوه أنا اللي فتحت دماغ خطيبي، وعندي استعداد أعملها مية مرة تانية، لو حد حاول يتحرش بيا بكلمة واحدة حتى، أنا أو أي حد يخصني، عن إذنك بقى."
قالتها وتحركت تتخطاه ذاهبة بعدم انتظار، غافلة عنه، وقد توقف محله يطالع انصرافها بإعجاب شديد، فهي لا تعلم أنه كان متابعًا للقضية، بحكم صداقته لأمين وذلك لأن الأمر يخص زوجة شقيقه، رآها مرة أو مرتين أثناء التحقيقات وكانت في حالة مزرية، ليست هي من يراها الآن على الإطلاق، معتزة بنفسها، ورأسها مرفوعة رغم خجلها من عمل يشرف أعظم العائلات، وفوق كل هذا جميلة بحق. "أخيرًا جيتي يا كاميليا؟
هتفت بها زهرة فور اقتربت منها الأخيرة لتجلس بجوارها وتأخذ مكانها حول طاولة العائلة، أشارت لها بالانتظار قليلًا حتى تلتقط أنفاسها، فقد كانت تلهث بتعب. أثار القلق بقلب لمياء لتسألها: "حبيبتي ليه كده؟ هو انتي كنتي بتجري ولا إيه؟ نفت برأسها وتولت زهرة مهمة الرد عنها: "لأ طنط مش جري، بس هي الحمل بتاعها صعب المرة دي، وأي مجهود بيأثر عليها." "يا قلبي، ربنا يعينك ويكمل حملك على خير، ده أنا فرحت قوي لما قالي طارق."
قالتها لمياء بتأثر، فتدخل زوجها يقول بمرح: "أيوه يا بت يا كاميليا، شدي حيلك بقى وهات لنا قمورة لظافر كمان، عشان مجد وأخوه يبقوا عدايل." قالها عامر وانطلقت ضحكات الجميع حتى أتى على أثرها جاسر وطارق الذي التصق بزوجته ليعلق سائلًا: "إيه يا جماعة؟ ما تضحكونا معاكم." أجابته زهرة تنقل أنظارها منه وإلى جاسر: "أصل إنكل عامر بيحجز من دلوقتي، عايز مراتك تجيب بنت تانية لظافر، بعد ما خلاص ضمن مجد لفريدة."
سمع زوجها ليضرب كفًا بالآخر معلقًا بدهشة: "انتي كمان يا زهرة بتقولي ضمن؟ في إيه يا جدعان؟ ده العيال لسه مكبروش، ولا يفهموا أي حاجة من الكلام ده." رد عامر بتصميم مخالفًا له: "وانت مالك انت؟ كبروا ولا مكبروش أنا قررت وخلاص، ولا انت عندك اعتراض يا سي طارق انت كمان؟ نفى الأخير بهز رأسه: "لأ يا عم وأنا أقدر، خد البت واللي جاي في السكة كمان، إن كان ولد ولا بنت حتى، انت تؤمر يا باشا." "أيوه كده."
قالها عامر، لتضج الطاولة بضحكاتهم، حتى زوج الأطفال، مجد الذي كان واقفًا برزانة كعادته، وفريدة التي كانت تضحك بخجل وكأنها تعي المقصود من الكلمات. بطاولة بعيدة شيئًا ما على الحفل الصاخب، والأصوات القوية للسماعات، حيث كانت تتابع الأجواء الرائعة بابتسامة تزين محياها، بجوار زوجها الذي كان جالسًا على مضض، يحصي الدقائق والثواني حتى تكمل ساعة، ثم يذهب بها مغادرًا كما اشترط عليها مقدمًا. عقبت بحالمية تلفت انتباهه:
"الله يا كارم، شكلهم يجنن وهما بيرقصوا مع بعض، وولاد عمك دول طلع ذوقهم يجنن، البنات قمامير." ناظرها من طرف عينيه بامتعاض، وظل على حاله من الصمت، فاستطردت هي: "ولا كاميليا، اللي يشوفها يقول أخت العروسة، واقفة مع لينا هي وطارق، ولا كأنهم أهلها بجد، ولا العروسة التانية مرات المهندس أخوه، بصراحة الفرح كله يجنن يا كارم." التف إليها وقد فاض به، ليهمس بضيق لا يقوى على إخفاءه: "في إيه يا ستي؟
عمالة توصفي وتشعري ولا كأنك حضرتي أفراح، يجي إيه ده في فرحنا، اللي مصر كلها تشهد بيه." ذهب عنها العبث، وطغى ملامحها شيء من حزن دفين داخلها، حتى ظهر في ردها له: "أنا مش بتكلم على قيمة في الفرح ولا اللي اتصرف فيه، أنا بتكلم على العفوية، الفرحة اللي طالعة من القلب وبتظهر على الوشوش، إحنا فرحنا كان أسطوري يا كارم، وانت مقصرتش معايا في أي حاجة ربنا يخليك، بس أنا كان ناقصني أوي الحتة دي."
وصله مقصدها الصريح، وعلى الرغم من تأثره بوجهة نظرها، إلا أنه رد بفظاظة باختلاف تام عما يدور بداخله من شفقة نحوها: "مفيش حد بياخد كل حاجة يارب، وعمر السعادة ما كانت كاملة مع أي بني آدم، ولا انتي كمان مش شايفة نفسك سعيدة؟ شعرت بغيرة مستترة خلف غلظة كلماته، فلطفت قائلة بابتسامة عذبة تعلم جيدًا بتأثيرها عليه: "وهو ده سؤال برضه يا روح قلبي، ده انت فرح عمري كله، مش سبب سعادتي وبس."
ارتخت عضلات وجهه المتقلصة، وتحرك جفنيه بحركة بسيطة جعلتها تدرك حجم اضطرابه، على عكس فعله، حينما أظهر تجاهلًا ليلتف نحو متابعة الحفل، دون الرد بكلمة، وزادت هي من سحرها، بأن أطبقت بكفيها على ذراعه المستند أعلى الطاولة، لتريح برأسها عليه، وكي تذكره باحتياجها الدائم إليه. رق قلبه لفعلتها، ودنى بوجهه طابعًا قبلة خفيفة على أعلى رأسها، قابلتها بابتسامة، قبل أن تنتبه لزوج السيدات الآتي يقتربن مع والدة زوجها:
"مين دول يا كارم؟ سألته فانتصبت رأسه يجيبها بهمس حذر: "دي الست مجيدة والدة العرسان والتانية باينها والدة لينا عروسة أمين." اعتدلت بجذعها وشعور بالحرج ظل يكتنفها لا تعلم سببه، ولكن سرعان ما تبدد كل ذلك مع اقتراب مجيدة ترحب بود وابتسامة عذبة بها وبكارم: "حمد الله على
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!