الفصل 1 | من 45 فصل

رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الأول 1 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
34
كلمة
3,879
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

الطيور تكبر لتغادر العشّ... ربما تنطبق تلك النظرية على البشر أيضًا. لكنها أبدًا لا تمت لعائلة "الجزار" بصلة، حيث أنهم كبروا جميعًا، لكنهم لا يزالون هنا ببيت العائلة.

اليوم هو الجمعة.. وكحال كل جمعة دون أن يتم استدعاء نفر واحد.. من تلقاء أنفسهم يجتمعون كلهم.. رجالًا ونساءً وأطفالًا بعد أداء الصلاة حول مائدة الفطور الشعبية المعدة والعامرة بكافة أنواع المأكولات على مختلف الأذواق، فكلٌ قد أدلى بما يشتهيه لسيدة البيت الثانية والمسؤولة عن كل شيء هنا.. "هانم السويفي" ابنة النظير القاطن بمنطقة مجاورة لا تبعد كثيرًا، وأيضًا الزوجة الأولى لكبير "الجزارين".. "سالم الجزار" شخصيًا.

الكل يجلس في هدوء.. ينظرون إلى الطعام باشتهاءٍ.. لكن لا أحد يجرؤ على لمس أي شيء قبل مجيء كبيرهم. فلم يمر وقت كثير إلا وظهر أخيرًا.. في مشهد مهيب يلج "سالم" عبر بوابة مرتفعة مزدوجة. كان قد بدل جلبابه الأبيض ليرتدي عباءته السوداء ذات النسيج الحريري اللامع. لقد أتم الثامنة والخمسين منذ أشهر قليلة.. لكنه وللدهشة لا يبدو عليه سنه أبدًا. لا يزال قوي البنية.. شامخًا كجبلٍ.. حتى الشيب لم يغزُ إلا لمنابت رأسه الأمامية فقط.

رغم أنه يتاجر بالسموم، والأعمال القذرة كلها كانت بالسنة له ميدانًا يلعب فيه بمفرده ويحكمه منذ زمنٍ طول. كان الحفاظ على صحته البدنية والعقلية بالمقام الأول لديه. ليس هو فقط... بل كان قانونًا قد سنَّه وطبقه على جميع أفراد عائلته. أذعنوا جميعًا خاضعين لمقولته الشهيرة التي تنص بالحرف: "إحنا نسفَّر الناس كلها.. بس مانسفرش! تأهب الجميع للقيام له احترامًا، لكنه أبقاهم بمجالسهم بإشارة من يده.

بينما يده الأخرى تمسك بسمبحة وفمه يتحرك بالابتهالات الصامتة. جلس بمكانه متربعًا على رأس المائدة الأرضية. اضطر الآخرون للانتظار لحظات إضافية. ثم أخيرًا رفع "سالم" رأسه ومرر نظراته على وجوه عائلته. شقيقه الأوسط "إمام" وأسرته المكونة من شاب وفتاة حاضرين. شقيقه "عبد الله" الذي يليه بالعمر حاضر هو وزوجته فقط.

إذ لعلة فيه قد حُرم من نعمة البنين، لكنهما ظلا متمسكين ببعضهما رغم ذلك، وحتى اليوم لا يراهما أحد إلا متحابين مخلصين لبعضهما بعض. في صف مقابل.. جلست أسرة "سالم" كتفًا بكتف. زوجته إلى جواره تمامًا، وأولادهم الأربعة متراصين أمامهما، ثلاثة ذكور وفتاة صغيرة. وبالرغم من أنه لاحظ هذا منذ جلوسه.. لكنه انتظر حتى تأكد. وبعد مرور الوقت الذي يسمح للأخير بالحلول أمامه... لم يحدث ذلك. فإذا به يرفع صوته ذي النبرات الصلبة قائلًا:

-أومال فين رزق يا ولاد؟! برز صوت "فاطمة" ابنة "إمام" مجيبة على سؤال عمها بصوت متهلل وعيناها كأنما تنبضان بقلوب الهيام: -رزق رجع معاكم من صلاة الجمعة ويدوب غير هدومه ونزل طوالي يا عمي. عبس "سالم" وهو ينظر ناحيتها مرددًا: -نزل طوالي على فين يعني؟! تداخل صوت "مصطفى" ابنه الذي يلي "رزق" قائلًا بازدراءٍ بيّن: -عنده ماتش يا حاج.. الكابتن رزق ماسك شعار "أبطالها لحد ما نبطلها"! تجاهل "سالم" دعابة ابنه الحاقدة،

ليبدي ردة فعل حانقة: -أنا مش قلت 100 مرة الماتشات والكلام الفاضي ده يتمنع من الحتة خالص.. إحنا فين هنا؟! غضن "مصطفى" عينيه وهو يتمتم لنفسه بغيظٍ: -على أساس تقدر تقول الكلمتين دول قصاد المحروس! التفت له "سالم" مستوضحًا: -بتقول إيه يا مصطفى؟! قلب "مصطفى" تعبيره بلحظة هاتفًا بابتسامة: -ولا حاجة يا حاج.. بقول يعني مافيهاش حاجة. أهي منها رياضة ومنها حاجة بتسلي رزق. إنت عارفه مالوش طقطان (صبر) على حاجة!

تكلّف "سالم" الضيق وهو يهز رأسه بيأسٍ: -مش عارف كيفه إيه في حاجة زي كده!!! يرد ابنه الأصغر "حمزة" بمرحٍ لا يخلو من الحماس: -كيفه يغلب طبعًا يابويا.. أصل الواد عجينة من ساعة ماتش الشهر اللي فات مش ناسيها لرزق وكان بقاله فترة يزن عليه ينزل ماتش تاني بس مش معاه. -أومال مع مين؟ -إمبارح جابله واحد متعب وجدع كده شكله يخوف. حطهم قصاد بعض قدام أهل الحتة على أساس يحط رزق قدام الأمر الواقع.. بس هو وافق عشان يجيب أخره المرة دي!

.. و قفز من مكانه مصفقًا بحماسة: -والله فكرتني يا حاج أما أقوم ألحق اللقطة الأولى.. دي بتبقى بالماتش كله... كانت هذه إشارة لسلوك أخيه الأكبر في اللعب، يراه البعض غريبًا، بينما البعض الآخر يراه مثيرًا وتكتيك لا يخطر ببال أحد. لم يكاد الولد البالغ من العمر تسعة عشر عامًا يقوم من مكانه إلا وجمده صوت أبيه الصارم: -اقعد ياض إنت.. أنا ما أذنتش لحد يقوم!!! كنَّ "حمزة" في مكانه ثانيةً وهو يغمغم بتهذيب: -آسف يا حاج!

تنفس "سالم" بعمقٍ وتمهل لحظةٍ، ثم رفع رأسه من جديد معلنًا: -عندي كلمتين وكنت عاوز الكل يكون حاضر ويسمع.. بس هاقولهم دلوقتي ولحاضر يعلم الغايب عشان خلاص مافيش وقت. -خير يا حاج! .. قالتها "هانم" وعلائم الريبة تطفر على وجهها متواضع الجمال. رد "سالم" بايماءة صغيرة دون أن ينظر إليها:

-خير إن شاء الله.. أنا إمبارح بس بلغني خبر وفاة كوثر الوديدي مرات عمك ناصر الله يرحمه. الوفاة ماحصلتش إمبارح. كان بقالها شهرين وأخوها عزام الوديدي كان ساكت كل ده عشان مانطالبش ببنتها "ليلة" وتيجي تعيش وسطنا هنا.. إللي وصلني إنه كان عاوزها لإبنه الكبير وخاف نظهر في الصورة قبل ما الموضوع يتم. .. وضحك مكملًا:

-مش عارف جاب الغشم ده منين.. مهما كانت ليلة دي لحمي وهي إللي باقيالي من ريحة أخويا. أهبل عزام ده. مايعرفش إني ببعت ناس تجيبلي أخبار بنت أخويا أول بأول. -طيب اتصرفت معاه إزاي يا خويا؟!! .. قالها "إمام" باهتمامٍ شديد. نظر له "سالم" وقال بحزمٍ:

-عيب تسألني سؤال زي ده يا إمام. بقولك دارى علينا موت أخته. كان عاوز يعمل كل حاجة سكاتي لأنه جبان وخايف مننا.. أنا يدوب بس رفعت سماعة التليفون وطلبته. قبل ما أقوله عايز ليلة رد وقال أجبهالك بشنطة هدومها لحد عندك يا معلم سالم. وفعلاً كمان شوية وهاتوصل إن شاء الله. تنفس "عبد الله" الصعداء وقال ببهجةٍ حقيقية:

-ده أحلى خبر سمعناه النهارده والله يا سالم.. بس بعد إذنك طبعًا ليلة هاتقعد في شقتي. إنت عارف ماعندناش حد ولا شباب كبار. مافيش غيري أنا وعبير. هاتونسنا وفي نفس الوقت هانراعيها كويس! ابتسم "سالم" له وقال بطيب خاطر: -أكيد يا عبده.. ما إنت عمها. وعبير ماتتخيلش عنك. أنا متأكد إنكوا هاتخدوا بالكوا منها وهي كمان هاتحبكوا أوي. ثم أشار بيده إلى الطعام وقال أخيرًا: -كُلوا بقى.. كفاية كلام أحسن الأكل يبرد!

_استغرقت التحضيرات للماتش هذه المرة وقتًا طويلًا. لكن بقى آخر شيء وهو إقامة الحلبة بمنتصف الحارة الفسيحة. تم هذا بسرعة وانقسمت لطرفين. الخصم العملاق كما وصفه "حمزة" لأبيه يقف ليدهن جسمه بالزيت يقابله في الجهة الأخرى "رزق الجزار". كان مشغولًا بأداء تمرينات الصدر والذراعين، بعد أن خلع كنزته الخفيفة، فتعرى جزعه العلوي تمامًا وظهرت لياقته البدنية المبهرة للعيان.

جسمه أبيض في الأصل، ولكنه الآن بدا برونزيًا محمّرًا من أثر الشمس الحارقة. خصيلات شعره الشقراء تلتصق بمقدمة جبينه، وتسيل من خلالها قطرات عرقه الساخنة، تعبر بين عينيه الزرقاوتان وأهدابه الناعمة، فتغزو أخيرًا لحيته الخفيفة وتترك ملوحة فوق شفاهه الدقيقة الوردية. ليسارع بتناول قنينة المياه من أحد الشباب الموالين له، يتجرع منها باستفاضة حتى أنهاها. ثم يلقي بها فارغة خارج الحلبة ويلتفت فجأة نحو خصمه.

على عكس الأخير لم يحاول أن يبدو مخيفًا، رغم مؤهلاته البدنية التي تعزز فكرة كهذه. لكنه آثر دائمًا أن يبدو رائقًا، فلم يزيده ذلك إلا فتنة وبهاءً. "رزق الجزار" منذ نعومة أظافره حلو الطلعة وجميل الشكل. إنه ذكر.. بل وصار رجلًا ذا سطوة وهيمنة بعد أبيه. حتى أنه أكبر إخوته. لكنه من شدة وسامته كان النوعان رجالًا ونساءً لا يستطيعون إشاحة أبصارهم عنه. وكأنه معجزة! إشارة واحدة من يده...

كان الجميع ينتظرها.. حتى تبدأ الجولة الأولى. وتنفجر الصيحات المشجعة والهتافات باسمه هو فقط. ثلاث ثوانٍ يتقاربا الطرفان في تأهبٍ. ليتصادما مرة واحدة. بينما يرخي "رزق" ذراعيه وقبضتيه تمامًا تاركًا خصمه ينال منه كما يشاء. حتى أنه سمح له برفعه في الهواء وإلقائه أرضًا بقسوة. تم كل هذا بإرادته، وكأنه كان يستعذب المعاناة واللكمات التي أصابت وجهه وفتحت جروحًا دامية بشفته السفلى وأنفه وأسفل حاجبه الكثيف.

لعل الشمس كانت تعمي عينيه قليلًا، إلا إن ذلك لم يمنعه من رصد وجه أبيه. حيث كان يقف في شرفة منزلهم الكبيرة بين العائلة. جميعهم قد أطلوا ليشاهدوا البطل بطل! كيف يكون بطلًا وهو في هذا الوضع؟!!! على كلٍ... لم يستمر طويلًا. بعد أن أخذ "رزق" كفايته من الضربات المنشودة... أطلق صيحة كأنما هي زئيرًا آدميًا. كانت بمثابة الدفعة التي مكنته بسهولة من ركل الخصم في بطنه، ليتراجع الأخير للخلف منكفئًا على ظهره.

ينتصب "رزق" الآن قائمًا بقامته الضخمة.. يمسح الدماء المنداحة من فمه بظاهر يده. بينما ينهض الخصم مستعدًا لإنهاء الجولة الأولى لصالحه. ولكن هيهات! ها هو "رزق" يبتسم له بعذوبة وديعة وهو ينظر بعينيه مباشرةً.. لا يمنح تلك الابتسامة لأحد عبثًا. قلما يبتسم أصلًا.. وكثيرًا ما يُسقط الضحايا!!! يشعر بموجة من الأدرينالين تندفع بشرايينه. لحظة التصادم الثاني... مارس "رزق" عليه السحب بأنواعه والرفع بأنواعه.

ولعله أثناء تسديد بعض اللكمات أفقده قسمًا من أسنانه العلوية. وبعد مناورات وخطف ودخول من أسفل الذراع والساق... سرعان ما انتابه الملل. فقرر أن يُنهي اللعبة الآن. في كلتا الحالتين كان الخصم قد انتهى.. وصار يترنح كالسكارى. ليصطدم به "رزق" مرة أخيرة.. يرفعه فوق كتفيه العريضين في وضعية القوس ويدور به في الهواء. ثم أخيرًا يسقطه فوق الحلبة بعنفٍ قضى على بقايا وعيه.

فيصيح "رزق" بغلظةٍ وهو يرفع قبضته الحديدية لأعلى معلنًا انتهاء اللعبة والفوز لصالحه ومن الجولة الأولى. حوله الحشد الغفير من قاطني المنطقة والمناطق المجاورة يصرخون ويللهون باسمه. الجميع يحتفي به، حتى أن البعض صعد إلى الحلبة ليحملونه فوق أكتافهم. لكنه لم يكن يعبأ ولا ينظر إلا صوب نقطة معينة في ذلك المكان المرتفع قبالته، حيث لا يزال والده يقف. ازداد زهوًا وغرورًا عندما رآه يشمله بنظرات الفخر والاعتداد.

-ضربة المعلم بألف! -ما يجيبها إلا رجالها يا زوّز! كانت تلك الكلمات الاحتفالية التي سمعها "رزق" من فم أخيه الصغير وابن عمه وصديقه المقرب "علي إمام الجزار". تركهم بغرفته وسارع نحو الحمام ليغتسل بسرعة ويلحق بميعاد العمل الذي كلفه به أبيه. تسرب دمه بكمية وفيرة مع المياه أسفل الدش. لكنه خرج نظيفًا ولامعًا كعادته. ارتدى ملابسه المؤلفة من سروال جينز غامق وقميصًا فاتح محلول الأزرار من الأعلى.

مشط شعره للخلف ونثر عطره المفضل بغزارة. وآخر شيء ليكمل هندامه علّق قلادته الثمينة المصنوعة من الذهب الأبيض في عنقه. وأرفق إلى معصمه الأيسر ساعته الذكية باهظة الثمن التي تتيح له قراءة ضغطه أحيانًا. وما إذا تسارعت خفقات قلبه تطلق إنذارًا لتنبهه. كانت هذه طبيعته.. الاهتمام بنفسه والتأنق كما تعود منذ صغره. لكن هذا كله ظنه البعض مفتعلًا لهدف الكيد فيهم.

وعلى رأسهم كان أخيه الأصغر منه بعامين.. والذي هدف طوال عمره ليصير ندًا له. ولو أنه لا يبالي به مطلقًا. لم يكن "رزق" أبدًا سهل الانقياد، ولم يسمح لأحد طيلة مدة مكثه هنا بأن يجره إلى الفخاخ. كان يقظًا وفطنًا. فطنًا كما كان يصفه جده الباشا! يغادر "رزق" غرفته ويهبط للطابق الأرضي. ذلك الطابق الذي اختارته جدته المسنة كي ما تسكن فيه وتقضي به آخر أيام عمرها.

كانت عادة لديه، قبل أن يذهب لأي مكان خارج البيت.. لا بد أن يدخل عندها أولًا ويلقي نظرة عليها كنوعٍ من أنواع الاهتمام والمودة الحقيقية التي يكنها لتلك السيدة. جزء إحسانها إليه في طفولته وصباه، فهي في وقتٍ من الأوقات حلت بمكان أمه. عليه الإقرار بأن في وجودها كانت مرارة حِرمانه من والدته أخف وطأة عليه. جدته الرائعة الطيبة. -دودي القمر! .. صاح "رزق" وهو يطل برأسه عبر فتحة باب غرفتها. -صاحية ولا نايمة يا نينة؟!!

كانت الغرفة مضاءة بنور شمس الظهيرة، وكان السرير يقع بركنٍ جانبي للغرفة. قبل أن يتمكن من رؤيتها تمامًا وصله صوته المتحشرج: -رزق! تعالى يا حبيبي. خش إنت محتاج إذني يابني. قولتلك إنت الوحيد اللي تدخل عليا وتخرج براحتك. ابتسم لها "رزق" وولج ماضيًا ناحيتها وهو يقول: -عاملة إيه يا نينة.. فطرتي وأخذتي الدوا ولا لسه؟ بادلته جدته الابتسامة.. وتدعى "دلال".

كان يطيب لها الدلال كاسمها، وكان هو بالذات يدَلّلها كما كان يعشق النظر بوجهها رقيق الملامح رغم التجاعيد. والوبر بالذقن أعطته يدها قبل أن يطلبها هو، فحنى رأسه ليطبع قبلة حانية فوق جلدها الطري المترهل. سمع صوتها تاليًا يجيبه: -أنا أول واحدة بصحى في البيت ده.. فطرت يا حبيبي وخدت الدوا. تسلملي يا غالي. ورفعت كفها لتمسح على شعره ووجهه، لعلها خربت تسريحة شعره.. لكن لا مشكلة.. لتفعل هي فقط ما تشاء.

-إنت روحت شلّفط وشك تاني يا رزق؟ ضحك "رزق" من الملاحظة التي أبدتها والطريقة نفسها، ليجلس أمامه على طرف السرير قائلًا: -روحت فين بس وشلّفط إيه يا دودي.. ده كان ماتش ملاكمة. لسا خلصان وكنت برا قصاد البيت. دلال بتذمرٍ: -والله ما أنا عارفة ملاكمة إيه دي إللي غاويها. -ملاكمة يا دودي! .. صحصح لها ضاحكًا. أشاحت بيدها قائلة: -أبصر زفت أنا هاحضر فيها دكتوراة.. المهم كسبت ولا لأ؟!! لا يزال يضحك من قلبه وهو يومئ لها:

-كسبت يا دودي. كسبت. .. وغمز لها. -إنتي ماسمعتيش الدوشة ولا إيه؟ -ما إنت عارف سمعي بقى على قدي. رزق لائمًا: -قولتلك مليون مرة تعالي أوديكي للدكتور. عارفة يا نينة.. مش هاتحسي إنك اتحركتي أصلًا. هاجبلك عربية إسعاف لحد هنا. دلال بإباءٍ شديد: -لا لا يا خويا.. حد الله بيني وبين الإسعاف والمستشفيات. أنا لو هاموت يبقى هنا في سريري ماتبهدلش برا. تلاشت ابتسامته تمامًا وهو يقبض على يدها قائلًا بعتابٍ:

-إيه يا نينة الكلام ده.. بعد الشر عنك. موت إيه بس.. طيب خلاص زي ما تحبي. أنا هاجبلك الدكتور لحد هنا. لم تتسنَّ لها فرصة الرد عليه إذ سمع بوضوح أصوات شجار بالحارة، ليعتذر منها فورًا ويسرع راكضًا إلى الخارج. °°°°°°°°°°°° استطاع أن يميز من صوت النزاع بأن المتسبب فيه أنثى. هناك بالوسط.. وقفت سيارة باذخة، أمامها احتشد الناس حول فتاة يبدو من شكلها ومظهرها عدم انتمائها لمنطقتهم.

بل لم يكن بها ما يشير إلى تدني المستوى من أي جانب. لكن أسلوبها الفج الذي تعاملت به مع ذاك الشاب الهزيل ذو الملامح الإجرامية، أخبر عن إجادتها وخبرتها بالعالم الذي يحيط بها. -ورحمة أمي ما هاسيبك إلا في القسم يا حيوان! .. كانت تلك العبارة على لسانها لا تردد غيرها. حتى جاء "رزق" مخترقًا الحشد. صار هو يمسك الشاب من ياخته، وهي تمسك بالأخرى، بينما يعلو صوته الخشن: -قسم إيه يا شاطرة.. إنت فاكرة نفسك فين هنا. اصبري ليكي روقة.

.. وصرف نظره إلى الشاب قائلًا: -عملتلها إيه يالا؟! اندفعت الفتاة مجيبة بانفعالٍ شديد: -الحثالة ده عاكسني وكان عاوز يحط إيده عليا.. وإنت تطلع مين أصلًا وإزاي تكلمني باللهجة دي. إنت ماتعرفش أنا مين.. طيب ورحمة أبويا وأمي هاتكون آخرتكم النهارده إنتوا الجوز. رفع "رزق" حاجبه وصار يتأملها أكثر الآن. لا ينكر جاذبيتها، ولكنه لم يستطع إمساك لسانه بعد أن تجرأت عليه، فقال بسخرية محقرًا من شأنها:

-اتكلمي على قدك يا حرمة.. إنتي أصلًا كلك على بعضك مافكيش إلا آااا... .. وصمت بطريقة إيحائية وهو يشير بعينه صراحةً إلى فتحة فستانها العلوية. انفجر الحشد ضاحكًا من نكاية "رزق" وتسديده المضبوط، بينما ألقت الفتاة بالشال الذي وضعته فوق كتفيها، فكثر عريها، وفردت ذراعيها وهي تطلق شهقة مغناجة، ثم صاحت بلهجة سوقية متقنة:

-لاااااااا يا حبيبي. ما يغركش شكلي ولبسي. مش كل الطير يا بابا اللي يتاكل لحمه. أنا آه حرمة زي ما بتقول بس مش أي حرمة.. اسأل عليا ده أنا ممكن أقل منك ومن اللي يتشددلك ولا تعرف تعمل معايا حاجة!!! صعقها بنظراته المحتدمة، ورفع قبضته الضخمة مكوّرًا إياها وهو يقول بغلظة مهددًا: -شيلوا البت دي من قدامي أحسن والله أكسَّرلها وشها! تبجحت عليه فورًا:

-بت في عينك يا سافل يا قليل الأدب. أديني واقفالك أهو.. وريني هاتكسَّرلي وشي إزاي! لأول مرة بحياته كان سينأى عن التحضر والمبادئ التي نشأ عليها وآمن بها. إذ بلغ منه الغضب مبلغه وقرر أن يؤدب تلك الفتاة البذيئة بأقسى طريقة كما أحطت من شأنه أمام الجميع. ولكنه قبل أن يتخذ خطوة واحدة تجاهها جمده هتاف أبيه الحاد: -رزق! التفت له في الحال، فإذا بالأخير يقبل عليه مقطبًا وجهه بغضبٍ وهو يقول بصلابةٍ:

-إنت اتجننت.. هاتمد إيدك على ليلة. على بنت عمك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...