إلى حيث تخاف! تلك المحنة التي مرت بها، مؤكد كانت لها فوائد كما ألحقت بها قسمًا من المساوئ، أبرزها أنها كانت ستفقد حياتها برمتها، لكن لحسن حظها هذا لم يحدث. وقد نجت! لم تكن ممتنة لنجاتها على يديه، أو لأجل إصلاح أي فساد بينهما، بل إن الحياة نفسها أمست تراها بنظرة مغايرة، وصارت تمنحها تقديرًا أكثر، ليس من أجل زوجها، إنما من أجلها هي. من أجل شخص "هانم" فقط...
تذكر نفس حفلة الاستقبال الشعبية الكبرى التي من قبل لابنها، اليوم أقيمت لها أيضًا، يزيد عليها كم الحب ومشاعر الولاء التي أمطروها بها قاطني الحي من الكبير إلى الصغير، وكأن "هانم" ليست زوجة الزعيم فقط، إنما هي أم وأخت وابنة. الجميع يحب "هانم".. إلا الرجل الوحيد الذي أحبته. ***
كم أحست بالحرج وهي ترتقي طوابق المنزل محمولةً على ذراعيه القويتين، وأمام أعين العائلة كلها، رغم اعتراضاتها، رغم أنها نطقت لأول مرة لكي تحتج على هذا فقط. إلا أنه لم يستمع إليها، وبتفاخر تجاهلها وفعل ما أراد، كانت مفاجأة لها لم تعلم عنها شيء. انتقالها إلى شقته. محرابه المقدس، الذي لا يشاطره أحد به. إنها الآن تلج داخله، بل داخل غرفة النوم حتى، غرفة النوم التي عبقتها روائح الغراء والدهانات الحديثة...
عبست مستغربة، فإذا بها تلقي نظرة تلقائية صوب الحائط الشهير. كان قد ترمم بالكامل وعُلّقت فوقه صورة "كاميليا" ثانيةً. اختلجت أنفاس "هانم" حين وجدت نفسها تتموضع فوق الفراش الوثير بعد أن تخلت عنها ذراعي "سالم". متسلحة البقية الباقية من شجاعتها، تطلعت إليه بلمحة من التحدي وقالت بصوت متذبذب:
-أنا ما رضيتش أعمل مشاكل قصاد العيال وإخواتك. أمك عارفة نيتي وأنت قبلها عرفت. كلم إخواتي يجوا ياخدوني يا سالم. أنا عايزة أطلق وده آخر كلام. مسّد "سالم" صدغه مطلقًا زفرة مطوّلة، لم يجد لديه طاقة للمجادلة، لكن اكتفى بالقول دون حماسة: -إيه رأيك نوفر النكد لوقت تاني يا هانم؟ إنتي رجعتي بيتك بالسلامة. و معايا دلوقتي. جمبي وفي سريري زي ما كنتي بتتمني دايمًا. إتبسطي بقى يا أم العيال... -إنت عمرك ما هتبطل غباء!
كأن دلوًا من الثلج هوى فوق رأسه إثر عبارتها الباردة المهينة، ورمقها بعينين جاحظتين بالغضب. -إنتي اتجننتي يا هانم؟؟؟؟؟؟ صاح منفعلًا. -جتلك الجرأة تشتميني!!!! ابتسمت ساخرة وردت عليه: -أنا مش بشتمك يا سالم. أنا بوصفك. انت لسه فاكر نفسك أهم حاجة في الحياة؟ على الأقل حياتي أنا. مابقاش ليك مكان فيها خلاص. إفهم.. خلاص. سالم برعونة: خلاص إيه يا مرى؟ عليا أنا الكلام ده؟ أومال مين اللي كان راقِد في المستشفى ومقطع شرايينه؟
أمي!!! قطبت حاجبيها في عبسة واهنة متحسّرة، لتقول بعد لحظة بنزق وهي تلامس أحد رسغيها المصابين: -ده كان أغبى تصرف عملته في حياتي. بعد جوازي منك يا سالم يا جزار.. طلقنــــي!! -أنا لآخر لحظة عامل اعتبار إن لسه أعصابك تعبانة وخارجة من المستشفى. سايبك تتكلمي براحتك وتفضي غلبك. لكن طلاق إيه اللي بتتكلمي عنه. أحسن لك تفوقي لنفسك بسرعة يا هانم. -سالم.. لو ما طلقتنيش هاكلم إخواتي يجوا ياخدوني! -إخواتك؟! علّق بتهكمٍ بيّن.
-هو إنتي متخيلة حتى لو كلمتي إخواتك وجوا حد فيهم يقدر يمد إيده وياخدك؟ إنتي على اسم سالم الجزار. أي حد يفكر ياخد حاجة عليها اسمي أقطعهاله.. وإخواتك عارفين كده كويس. دفعها اليأس وقلبها المجروح للقول بانفعال: -أنا ما عدتش طايقة العيشة معاك. لو عندك كرامة طلقني.. لو راجل بجد طلقني! صمت "سالم" لبرهة تفاديًا لعنفٍ وشيك. أرجع رأسه للخلف متنهدًا بعمق، ثم نظر لها من جديد. تهاوى جالسًا إلى جوارها على طرف السرير.
حاولت أن تبتعد عنه، لكنه قبض على معصمها واستبقاها بالقوة، ثم مد يده وأمسك بذقنها ليجتذب وجهها ويجعلها تنظر بعمق عينيه الحادتين، بينما يغتنم هو صوته الأكثر هدوءً وعذوبة وهو يقول:
-إسمعي يا هانم.. أنا وإنتي. والناس كلها عارفين قد إيه إنتي كنتي ست جدعة. وصبرتي معايا واتحملتي طول عمرك. شايلتك المسؤولية. وفوق طاقتك. وكنتي قدها. كنتي قد كل حاجة. عارف إني جيت عليكي وجرحتك كتير. وإنتي برضو استحملتي.. عشان بتحبيني. عارف إنك بتحبيني. -كنت! نطقت بلهجة مرتجفة.
تحداها: ولسه. لسه بتحبيني. مش هاتقدري تنكري أبدًا.. بس إنتي موجوعة مني. وعندك حق. أنا كنت بشع معاكي. ما تخيلتش إن بأذيكي للدرجة دي. يمكن عشان ما عرفتكيش كويس حتى بعد العشرة دي كلها... -عشرة! سخرت منه. -عشرة إيه دي يا سالم؟ قلتلك يتعدوا على صوابع الإيد الكام مرة اللي اتقفل علينا باب واحد. أنا ما عرفكش كويس يا سالم. ما أعرفش غير اللي الناس كلها تعرفه. شوفت دي؟ مرااااااتك. أم عيالك.. وما تعرفش غير الظاهر للناس وبس...
وأسبلت عيناها مصدرة زفيرًا محترقًا، ثم قالت نائحة دون الهرب من أصابعه الممسكة بذقنها حتى اللحظة: -إنت عايز توصل لإيه يا سالم؟ معقول عايز تفهمني إن ضميرك بيأنبك يعني؟ عايزني أسامحك. أوعدك إني مش هحاول أموت نفسي تاني؟ ولا خايف لو سبتني أعمل كده تاني؟ بص لو أي حاجة من دي أطمن أنا آ... -مش خايف من حاجة يا هانم! قاطعها بتلويحة من عنقه. ركز عينيه بعينيها مجددًا وقال بلطفٍ غريب عليها:
-أنا جايلك برجليا بعد العمر ده كله. عايز نرجع تاني. نقرب لبعض. من غير ما حد فينا يحاول يبعد. كفاية بُعاد يا هانم. -لسه فاكر تفوق دلوقتي يا سالم؟ تمتمت بمرارة. إنهمرت دموعها فجأة. ورددت وكأنها تخاطب نفسها كالمعتاد غير واعية لوجوده أمامها: -هو أنا لازم أفرفر قدامك عشان تحس بيا. لازم أموت يا سالم؟ متأثرًا بمحنتها، رسم ابتسامة متقنة على ثغره ليروّح عنها، ثم ضمها إلى صدره وأغلق عليها بذراعيه وهو يهدهدها كطفلة:
-مش هاتموتي يا هانم.. على الأقل أنا مش هشوف اليوم ده. هشششش. بس خلاص... كل حاجة هتبقى أحسن. صدقيني! وكان ينظر إلى صورة "كاميليا" أثناء حديثه، كأنما يقدم لها هي الوعود، بل أنه في الحقيقة نذر. نذر "كاميليا"... *** كانت السماء تسطع بزرقة مبهرة، بفستانها الشتوي ذي التنورة الجلدية، مشت إلى جانبه على امتداد الساحل النيلي، حافظت على مسافة قدمين بينهما.
وطوال الوقت منذ تقابلا لم تنطق بكلمة، فقط تسير على استحياء، راسمَة ابتسامة بلهاء على محياها المتورد خجلًا، وكان هذا يعجبه كثيرًا، كانت مسلية. حتى تجرأ وأمسك برسغها فجأة، فانتفضت بعنف كما لو لدغتها عقرب، ليهدئها في الحال دون أن يرفع يده عنها: -إيه مالك اتخضيتي كده ليه؟ أنا كنت هاقولك تعالي نقعد هناك في الكازينو ده بدل ما إنتي واخدة السكة عمياني كده! نظرت "سلمى" إلى "عاصم" بتوجسٍ وقالت مرتبكة:
-آ. أنا.. مش متعودة حد يلمسني كده. أبويا محرج عليا أسلم على ابن عمي بالإيد حتى!! أومأ "عاصم" مبديًا تفهمه على الفور: -أيوه طبعًا صح... وتركها بنفس اللحظة معاودًا إبقاء مسافةٍ بينهما، ثم قال بنبرة إعجاب: -يسلم الراجل اللي ربّاكِ على كده يا سلمى. جدعة.. إوعي تسمحي لحد يلمسك حتى لو أنا. عبست فوق نظراتها المضطربة وقالت وهي تنظر في كل الاتجاهات بلا هدف:
-وعلى فكرة برضه أنا أول وآخر مرة أكذب وأطلع من البيت أقابل واحد. أنا جيت بس أشوفك هاتقول إيه. إيه الموضوع المهم أوي اللي هايحدد علاقتنا! -طيب ليه سخنتي عليا أوي كده.. إهدي. ولازم تعرفي إني استحالة أكون سبب في أذاكي بأي شكل. أنا زي ما قولتلك من أول يوم داخل البيت من بابه. -إزاي داخل البيت من بابه وأنت ندهالي هنا؟! قابل نظرتها المشككة بابتسامته الجذابة وقال بوداعة:
-بصراحة ندهالك عشان وحشتيني أوي وكنت هاتجنن وأشوفك. لو ما كنتش شوفتك أكيد كان هايجرالي حاجة يا سلمى. تخضّبت وجنتيها بحمرة ملتهبة وهي تقول بتوتر: -يا سلام! وده ليه يعني. أصلًا أنت يدوب تعرفني وتعرف عني معلومات قليلة أوي. -بس كلها كانت كفاية وزيادة عشان أقع في غرامك. أنا حبيتك من أول نظرة وحلفت تكوني ليا. سلمى السنة دي مش هاتعدي إلا وأنتِ مراتي وفي بيتي بالمشيئة. -السنة دي! تمتمت مبهورة.
ليؤكد: أيوة.. كلها كام يوم ونيجي نطلبك من المعلم سالم. والميزة المشتركة بين عيلتي وعيلتك إن ما فيش اعتراف بفترات الخطوبة ولا التعارف. في جواز علطول... ولمح خصلة شعر تهدلت عبر حافة وشاح رأسها الرقيق. قطب حاجبيه واقترب منها بلا تردد، بينما خفق قلبها بعنف وقد فاجأها، أغلقت عينيها وأدارت رأسها كما لو خشيت أن تتلقى صفعة. لكنه في الواقع أمسكها بجانبي رأسها بحزم وجعلها تتطلع إليه من جديد مغمغمًا بصرامة:
-إثبتي.. في خصلة باينة من شعرك... خلاص. دخلتها! أجفلت حين لمست أنامله بشرتها الرطبة، لكنه ما لبث أن تركها وقد خلت لمسته العرضية من أي مشاعر محتملة، بيد أنه لا ينفك يثبت لها حسن نواياه. -إبقي خلي بالك من نفسك دايمًا. مش عايز حد يلمح منك سنتي واحد! ردت باستخفاف ينم عن عدم خبرة: -كل الناس شافوني وشافوا شعري يوم فرح إخواتي. وأنت كنت واحد منهم!! أحست بجبينها يندي عندما رأت وجهه يتموج بالغضب تدريجيًا، ثم سمعته يردد بحدة:
-حياتك من غيري حاجة. ولما دخلتها أكيد بقيت حاجة تانية خالص. دلوقتي كفاية تعرفي إنك ملكي. وبعد الجواز أنا هاتكفل بالشرح.. عشان تتأكدي مية في المية وتفهمي كويس يعني بقيتي ملكي يا سلمى! خائفة على نحوٍ غامض، حدقت به بصمتٍ دام للحظات، ثم قالت بتعجل: -طيب أنا لازم أرجع البيت دلوقتي. -إيه! تمشي بسرعة كده؟ إحنا ما كملناش ساعة على بعضها...
-أنا خرجت بالعافية أساسًا. قلت لستي على كتب مهمة لازم أشتريها للمذاكرة.. لولا كده ما كنتش عرفت أطلع من البيت. -طيب هاوصلك. -لأ طبعًا! هتفت مذعورة. -ده أنا لو حد شافني معاك يبقى آخر يوم في عمري. أنا هرجع زي ما جيت.. بالمواصلات. تنهد مستسلمًا: ماشي. بس طول السكة تبقي معايا على التليفون.. لحد ما توصلي بالسلامة وأطمن عليكي! *** ليس هناك ما هو أكثر بؤسًا من الشعور بالعجز.
أن تود أمرًا ولا تستطع حياله شيئًا، وقع المنع بالقدرية لكان أهون، لكن حين يعجزك شخص منك.. أخاك.. أو... أختك!!! بعد بضعة أشهر من اللقاء الأول. لم يغادر مطلقًا قرية العائلة العريقة، اختار أن يبقى معها بدوار "النشار" على أن يرضخ لمطلبها ويعود مجددًا إلى مستنقع أبيه.
كان في حيرة، مبلبل الفكر، وقد أفاده البُعد كثيرًا، رغم فؤاده المثقل ومشاعر المسؤولية ولوم الذات. لكن فكرة أنه لم يترك ما يخصه بالعراء وأنهم جميعًا في أمان بغض الطرف عن أي اعتبارات. كلها أسباب أثلجت صدره قليلًا. الآن فقط لم يعد يهمه سوى استعادة شقيقته، واستعادتها حقًا أكبر تعقيد قد يخوضه بحياته كلها، لأنها ليست كأي فتاة عرفها.. ولها طبيعة غريبة يختبرها للمرة الأولى حرفيًا. ***
أنسام ربيعية، وشمس الظهيرة الدافئة تظلل البيت العظيم، هناك بالتراث المفتوح جلس "رزق" يحتسي الشاي برفقة "النشار". بينما ناظريه لا يفارقان مستنسخة "كاميليا"! أمه. هذه أخته.. شقيقته هناك. بعد أن سقت الورود خاصتها. ها هي بمنتصف الرقعة الخضراء الزاهية، تجلس وفي حجرها الهررة الصغيرة، تطعمهم أيضًا وتسقيهم وتعطف عليهم. فما كان منه إلا إبداء العجب والغمغمة لنفسه. -لا حول ولا قوة إلا بالله.. يارب أعمل معاها إيه بس؟!!
-إنت بتكلم نفسك يا رزق! التفت "رزق" لينظر ناحية "النشار". مغمضًا جفناه بنسبة ثلاثون بالمئة ليبصر جيدًا في ضوء الشمس القوي، رد عليه: -لا أبدًا. ماتشغلش بالك يا عمي.. أنا تمام. -أصلك مش عاجبني اليومين دول وخايف أحسن تكون زهقت مننا. ده إنت مليت عليا البيت مع أختك. بصراحة مش عايزكوا تمشوا خالص... وضحك بطيبة. ابتسم "رزق" مجاملًا وقال:
-كله بإذنه يا عمي. أكيد مكتوبلنا نمشي. بس محتاجين شوية صبر. أنا آخر حاجة ممكن أعملها الغصب على نور في أي حاجة. عاوزها تيجي معايا برضاها ويكون اختيارها. -هو زي ما قولتلك أبوك مش معارض. وقال لي لو طلبتها أسيبها تمشي معاك. أنا ماليش فيها. رغم إني ربيتها وتعتبر بنتي أنا. بس في أي وقت هانفذ كلمة أبوك يا رزق. وقت ما تقول تمشي. نور هاتمشي معاك... تنهد "رزق" بثقلٍ مرسلًا نظرات موجعة صوب شقيقته:
-ولا مخلوق في الدنيا دي بقى يهمني أكتر من نور. ولا بقيت أعمل حساب لحد حتى لو كان سالم الجزار. أصلًا أهم حاجة شغلاني إني أبعدها عنه. أبعدها خالص!!! عقد "النشار" حاجبيه مفصحًا عما بصدره: -يا رزق إنت محمل أبوك الذنب كله. دي أول مرة أقولها لك. بس كلمة حق. هو آه سالم غلطان. لكن إنت سبب كل ده. أدار "رزق" عنقه محملقا فيه باستنكار: -أنا السبب؟؟؟ -أيوه. أبوك عمل كل ده عشانك. أنا ما شوفتش في حياتي كلها أب.
فضل عيل واحد على عياله كلهم بالطريقة دي. انت لو كنت اتحرمت من أمك هو وستك عوضوك أوي. لكن أختك المسكينة دي. ولا مليون حضن أب وأم يعوضوها حضن أبوها وأمها الحقيقيين... مشكلتك يا رزق إنك مش شايف غير جرحك ومش حاسس إلا بوجعك إنت وبس. جرب تحط نفسك مكان أبوك. جرب تشوف الدنيا بعين كل اللي عايشها غيرك. إنت مش لوحدك اللي اتحرقت بنارها. رغم كل حاجة عارف. عارف إن محدش بيحس بالنار دي إلا اللي اتكوى بيها! -في ضيفة وصلت يا كبير!
حمد "رزق" الله لمجيء الخفير الذي قاطع خطبة "النشار" بعبارته المنذرة. تطلع إليه "النشار" متسائلًا بغرابة: -ضيفة! مين هي يا صميدة؟! -قالت جاية من مصر. من طرف سيدي سالم. قالت بت سيدي ناصر الجزار الله يرحمه... -ليلة! صاح "رزق" غير مصدقًا وهب واقفًا بلحظة. كان هذا آخر ما توقعه حدوثه حقًا!!! -قولك إيه يا رزق؟! ببطءٍ صوّب "رزق" ناظريه نحو "النشار". وقال قالبًا عيناه بنمطٍ مخيف: -خليك مطرحك إنت يا عمي.. أنا هاقابلها!
وعاود النظر للخفير. -هي فين؟ -قعدتها في المضافة جنابك. *** عليها هي. فرضت مشاعر الشوق نفسها، لحظة أن رأته أمامها بشحمه ولحمه بعد كل هذه المدة، وإن كان في لباسٍ يشبه إلى حد كبير أبيه. لكنها لم تتحمل أكثر، وقطعت المسافة بينهما ركضًا هاتفة بلوعة: -ررررررررررررررررررززززززززززززق! لكن رفضه المفاجئ صدمها وجمدها محلها قبل أن تصل إليه تمامًا.
توقفت على بُعد خطوتين منه، وقد انسحبت الدماء من وجهها المحاط بخصيلات شعرها الثائرة، سمعته يسألها بصوته الجاف باللحظة التالية: -إيه اللي جابك هنا يا ليلة؟ ترفع حاجب وصبغ سخرية على لهجتها وهي ترد عليه: -بعد كل المدة دي من غير ما أشوفك ولا أسمع صوتك.. بتسألني السؤال ده يا رزق؟ أنا مراتك ولا نسيت. وكان في اتفاق بينا قبل ما تمشي.
-أنا مش فاكر غير إنك اتورطت في الاتفاق ده. وبغيابي كانت فرصتك تحلي نفسك منه.. تقومي تجيلي برجليكي؟ عاوزة إيه؟!! ببرودٍ جاوبت: عايزة جوزي! مدفوعًا بالغضب، انتفض واضعًا يد على خاصرتها، وأخرى خلف عنقها. جذبه بعنف لصقه ثم دمدم أمام عيناها المفتوحتان على مصراعيهما بصوتٍ كهسيس: -إنتي أصلًا عملتي غلطة كبيرة أوي.. لما رجعتي على ذمتي تاني. وإديتك فرصة ترجعي عن الغلط ده... بقيت كصخرة بين ذراعيه وهي تهتف
بقوة دون أن يرف لها جفن: -وأنا مسؤولة عن اختياري.. مش عايزة أصلح الغلطة دي وعايزاك. معقول تكون هربان مني كل ده.. مش مصدقة!! -طبعًا ماتصدقيش... غمغم وهو ينفضها بعيدًا عنه. أخذت تستعيد أنفاسها، بينما يرتب أفكاره، ليقول بعد لحظة قصيرة بحزم: -أنا رميت كل حاجة ورا ضهري يوم مشيت. حتى إنتي.. مابقتش مهتم أنبش في ماضيكي. ولا مهتم بيكي شخصيًا. إنتي حرة مني ولو عاوزاني أطلقك حالًا آ... -إنت كداب! قاطعته بهدوءٍ تُحسد عليه.
-إنت هاتموت عليا أصلًا. ولو مش حاسس دلوقتي لأنك لسه متخدر. الصدمات ما كانتش هينة عليك. وعارف؟ أنا لحد قبل الليلة دي ما كنتش أتخيل إني ممكن أحبك. بس لحظة ما ضغطت بصبعك على الزناد. وكنت خلاص بتروح قدام عينينا كلنا.. لحظتها حسيت إن حياتي أنا اللي هاتنتهي بنهاية حياتك يا رزق! مع تتمة كلماتها، صوبت نحوه نظرة تحتمل أي شيء إلا الشجاعة. وكأنها تجردت من كل دفاعاتها مرة واحدة أمامه.
مع ذلك رفض "رزق" أن يتأثر لمشاعرها، وواصل جلده مقتبسًا من خطبة "النشار" السالفة: -محدش بيحس بالنار إلا اللي اتكوى بيها يا بنت عمي! وسألها بفضول حقيقي: -إنتي عرفتي مكاني إزاي؟! بصوتٍ آلي قالت وهي تدس يدها بحقيبتها لتستل محرمًا ورقيًا: -أبوك.. سألت أبوك وعرفت منه. أبدى دهشة: أبويا عرفك مكاني؟ لأ وكمان سابك تخرجي من الحي ببساطة كده!!! أزالت قطرة من الدموع علقت بأهداب عينها اليمنى، ثم نظرت إليه مباشرةً وقالت برفق:
-لما عرف إني جايلالك سابني. الحقيقة يا رزق إن سالم الجزار فعلاً مستعد يعمل أي حاجة عشانك... عشانك إنت بس! أطلق ضحكة قصيرة متهكمة. لتعلن "ليلة" بعد لحظة صمت طويلة: -رزق.. نوسا المفروض تتنقل المستشفى عشان تولد. أبوك مش راضي يطلعها من البيت. قال حالف إنها ما تخرجش. وإنك إنت بس اللي تقدر تخرجها. مراتك وابنك في خطر. لو ما جتش معايا هاتخسرهم للأبد. زي ما خسرت كاميليا! عاجزًا عن تحييد بصره الشاخص عنها.
ميّز "رزق" مقدار الهدوء حولهما، وصار رأسه أثقل، فقد المكان والزمان معناه في هذه اللحظة. وربما عليه أن يضع رأسه بالماء الآن... قبل أن يتمكن وحش الخوف بداخله من تفجيرها بالأفكار السوداء. "نسمة". وطفله. في خطر. "نسمة" وطفله في خطر! ............
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!