الفصل 17 | من 45 فصل

رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السابع عشر 17 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
23
كلمة
2,422
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

ضجيجٌ مزعج ودق مستمر وأصوات معدات كهربائية، كلها أشياء ساهمت بإيقاظه بنسبة مئة بالمئة، ولكنه لم يأخذ كفايته من النوم، بالكاد أغمض عينيه قبيل الفجر بمدةٍ بسيطة. "كم الساعة الآن؟ تأفف "رزق" وهو يتمطى بصعوبة في هذه الأريكة التي لم تستوعب حجمه أصلًا، حيث ساقيه تمتدان متجاوزة حافتها ورأسه مائلًا بزاويتها بطريقة مؤلمة.

مد يده إلى الطاولة المجاورة، ودون أن يفتح عينيه راح يتحسس سطحها، حتى عثر على هاتفه. التقطه ووضعه أمام وجهه مباشرةً. وعند ذلك أجبر نفسه على إزاحة أجفانه المتثاقلة ليقرأ الساعة الرقمية عبر الشاشة المضاءة. "رباه.. 25 : 9 AM .. إذا لم يكن هاتفه قد خرب، وهذا مستحيلًا بالطبع! لم تسنح له فرصة استيعاب شيئًا آخر إلا وسمع صوت أبيه يعلو من جهة المطبخ:

"إنسى خلاص. مش هاتعرف تنام تاني. خدها من قاصرها وكفاياك فرك. تعالى يا رزق يلا.. أنا حضرت الفطار." زفر "رزق" بقوة ناقمًا على هذه الحياة كلها، حتى ساعات الصباح الأولى التي يعتبرها الأهم في يومه غالبًا ما تمر هنا بشكلٍ مزري.. كما يحدث الآن. قام في الأخير مستسلمًا للواقع والظروف القهرية.

كان لا يزال بثياب البارحة، فقط من دون حذائه وسترته الصغيرة، وقميصه كان محلول الأزرار كاشفًا عن صدره وبطنه المسطح المرصع بالعضلات السداسية خاصته. مشى مترنحًا وهو يحك فروة رأسه منشطًا منطقة الدماغ كلها، في أقل من دقيقة كان ماثلًا أمام أبيه بالمطبخ. شاهده من خلال نظراته المشوّشة قليلًا وهو يفرغ مقلاة العجة بصحنٍ كبير ويرش فوقها البقدونس.

ابتسم "رزق" ابتسامة لم تصل إلى عينيه، لينظر إليه "سالم" في هذه اللحظة ويبادر بالقول مبتسمًا بدوره: "طبعًا فاكر طبق البيض ده. ماكنتش بأكلك غيره أساسًا لما كنت صغير وعايش معايا لوحدك.. أول ما بدأت تزهق منه سيبتني ونزلت تقعد عند ستك. يا بايع يابن الـ... لم يتمالك "رزق" نفسه من الضحك وهو يرد عليه بصوتٍ متحشرج قليلًا: "وطول السنين دي كلها لسا مستواك في المطبخ زي ما هو!! "إتريق عليا كمان يا محترم." "مين قال إني محترم؟

وتجاوزه ماضيًا نحو حوض الجلي، فتح صنبور المياه ووضع رأسه تحت الرذاذ البارد لمدة دقيقتين، ثم أغلقه ورفع هامته مطلقًا تنهيدة منتعشة. الآن يشعر بأنه أفضل. وجد منشفة نظيفة بجواره، فتناولها وأخذ يجفف شعره ووجهه، بينما يربت أبيه على كتفه هاتفًا وهو يسحب كرسيًا لنفسه: "يلا بابني أقعد أفطر!

انصاع له "رزق" وجلس أمامه في الطرف المقابل للطاولة المربعة، بدأ بقدح قهوته أولًا، وعليه أن يعترف بأن صنع فنجانًا من القهوة هو الشيء الوحيد الذي يبرع فيه والده في الأعمال المنزلية قاطبةً. كان يستلذ بكل رشفة. وقد كان بحاجة إليه بالفعل. "قولي بقى عملت إيه ليلة إمبارح يا بطل؟ " قالها "سالم" بتساؤل وهو يقدم لابنه سندويتشًا من أصابع الجبن المطبوخ. أخذ "رزق" من أبيه وهو ينظر إليه مستوضحًا: "عملت إيه إزاي يعني؟!

"الله مش خرجت مع خطيبتك. إحكيلي عملتوا إيه! " وغمز له بطريقة موحية. رفع "رزق" حاجبه مبتسمًا وقال: "هانكون عملنا إيه يعني يابويا.. خرجنا ولفينا شوية ورجعنا. بس." "ياولا. على بابا بردو.. عايز تفهمني إنك بعد الصياعة والصرمحة دي كلها مع النسوان فوّت الفرصة دي كده." عمل الأخير على مجاراته قائلًا: "يعني كنت عاوزني أعمل إيه مش فاهم؟! رد "سالم" وقد غدت عيناه الذكيتان أكثر حدة:

"جرى إيه يالا هاتخشلي قافية ولا إيه.. أو أحسن تكون مصيبة حقة لو كنت بتتكلم جد وقضيتها حنان مع البت. إنطق ياض. ماعملتش أي حاجة؟! "إنت كنت عاوزني أغتصبها ولا إيه؟!

"لا يا حبيب أبوك. بس كنت فاكرك واد خلاصة أتاريك مابتحبش إلا الحاجات السهلة.. يا أهبل دخلتك بعد كام يوم. مافيش وقت. إنت ماقعدتش مع البت ساعتين على بعض هاتاخد عليك إزاي. ده أنا وافقت على فسحة إمبارح دي عشانك إنت.. قول أخوك مصطفى وبطة عارفين بعض. لكن ليلة دي ماتعرفكش.. إنطق يالا وقولي ماحصلش بينكوا أي تواصل؟! ضحك "رزق" بانطلاقٍ مجددًا وقال:

"إيه بس الكلام الكبير ده يابويا. إنت محسسني إني داخل حرب. يا معلم سالم كله بيجي بالحب.. إطمن. ليلة دي رغم شراستها عاملة زي حتة السكر. هاتدوب في إيدي قبل ما أحطها بؤي! أعجب "سالم" حديث ابنه الواثق كثيرًا، لكنه لم يمتنع عن الرد بصرامة:

"أهم حاجة عندي تظبط وضعك معاها. البت دي قوية ووارثة دماغنا الناشفة إللي مابنورثهاش للحريم.. لو حاولت تزق معاك كسرلها دماغها دي. ليلة الدخلة عاوز خبرك يوصلني الأول. هازعل أوي لو أخوك مصطفى عملها قبلك.. وبصراحة شكلك هايبقى وحش لو حصل." امتقع وجه "رزق" وهو يغمغم بضيقٍ شديد: "أيوة ده إللي كنت عامل حسابه بقى. الجو القديم والشغل المقرف ده.. على فكرة أنا مابحبش كده."

"لا ياخويا حب.. هو ده سلونا. لازم العيلة كلها تشاهد وتشهد! نخر "رزق" متذمرًا وقد فكر بأن يترك الطعام ويتركه ويغادر نهائيًا. لكنه، وللأسف، كان جائعًا. فقسر نفسه على البقاء حتى أنهى صحنه كله. قام وبدل ثيابه بالحمام، ثم خرج بملابسه العادية ولكنه، كالعادة، كان في كامل أناقته. وجد والده يجلس أمام التلفاز ويشاهد قنوات الرياضة كالمعتاد. فاقترب منه متسائلًا بانزعاجٍ: "الناس إللي فوق دول هايخلصوا إمتى؟

أجابه "سالم" وهو ينفث دخان النرجيلة عاليًا: "قولتلك 3 تيام كمان وكله هايبقى جاهز. هاتطلع مع عروستك إن شاء الله.. ولا أوام يعني زهقت من أبوك! لم يرد عليه واكتفى بهزة رأس ضجرة. طفق يبحث عن أغراضه الرفيعة استعدادًا للمغادرة، عندما سمع جرس الباب يدق. التقط سلسلة مفاتيحه بسرعة وهتف مجمدًا أبيه بمكانه: "خليك أنا هافتح! وانطلق تجاه باب الشقة. فتح فإذا به يصطدم بصبي من الحي، كان يعرفه جيدًا. "حمادة إزيك ياض!

" هتف "رزق" مبتسمًا في وجه الصبي. رد له "حمادة" الابتسامة قائلًا: "بخير يا معلم رزق.. تسلم." "خش طيب. عاوزني أنا ولا أبويا؟ "لأ يا كبير أنا جايلك إنت.. أبلة نسمة ندهت عليا وباعتالك معايا ده! ونبش في جيبه للحظة، ثم ناوله مفتاحًا تعرف عليه "رزق" فورًا. عقد حاجبيه بشدة وهو يأخذه من يد الصبي. "هي مشيت ولا في بيتها يا حمادة؟ " سأله "رزق" باقتضابٍ يكنف نزعة انفعال.

"لأ في بيتها. بس شكلها ماشية عشان قالتلي أروح أجيب لها تاكس." "طيب بص يا حمادة إمشي إنت شوف كنت رايح فين وما تروحش تجيب حاجة.. أنا هاشوفها عاوزة إيه." "أوامر يا كبير! وانصرف الصبي. بينما يعلو صوت "سالم" من الداخل وقد قام من مكانه: "هو إنت رايح فين يا رزق؟! لمس في لهجة أبيه تحذيرًا ضمنيًا، فأدار وجهه فقط تجاهه وقال بصلابةٍ: "ماتخافش.. راجعلك! وأشاح عنه ثانيةً، وقد كان بالخارج في ثانية صافقًا الباب في إثره.

لم يبال بنظرات الناس إليه وهم يرونه يهرول هكذا ناحية المنزل الصغير الذي استأجر به شقة لعشيقته. دقيقة واحدة وكان أمام بابها المفتوح على مصراعيه. ولج فورًا مناديًا اسمها: "نوسا.. نوسا... إنتي فين يا نسمة! كما توقع وجدها بغرفة النوم. تقف أمام السرير، تضع فوقه حقيبة ملابس كبيرة، تجمع بها كل أغراضها وقد ارتدت عباءتها السوداء ووشاح رأسها متأهبة تمامًا للرحيل!!! "إنتي بتعملي إيه يا نسمة؟!!!

" تساءل "رزق" وهو يحث الخطى صوبها. حتى وقف خلفها مباشرةً. حتى اللحظة لم يرى وجهها، وحين لم يحصل على ردها، امتدت يده من فوره واجتذبها من كتفها صائحًا: "مابترديش علـ آ ا .." وبتر جملته فجأة مصعوقًا لما شاهد وجهها الشاحب وعينيها المتورمتين من البكاء، حتى الآن كانت تبكي. "نسمة! " تمتم بتوتر. عجز عن إيجاد كلماتٍ أخرى، لتفتح هي فاها المرتعش قائلة بصوتٍ أبهك يكاد يُسمع: "مبروك يا عريس!

حدق بعينيها مطوّلًا. ليتقلص وجهه ألمًا عليها، كان قد فهم بالطبع ما تحاول تذكيره به. "نسمة آ أا عارف إنك .." اختنقت الأحرف بحنجرته، فكان عليه أن يصمت ويحاول من جديد بثباتٍ أكبر: "بصي يا نوسا. إنتي مش فاهمة الموضوع جه إزاي.. وأكيد مفكرة إني كنت بكذب عليكي. بس أقسملك بالله. أنا ماكنتش موافق على الجوازة دي. وحياة أمي.. إنتي عارفة إني مش بجيب سيرتها بالكذب! راحت تلوّك شفتيها في حركة متهكمة، ثم قالت:

"مش هاتفرق كتير.. النتيجة واحدة. وصدقني. أنا مش زعلانة.. ده المتوقع منك. إنت أصلًا ما وعدتنيش بأي حاجة. وقبل وبعد أي حاجة إنت تستاهل واحدة نضيفة. مش زيي أنا مـ آ ... "إسكتي يا نسمة! " قاطعها مكممًا فمها بكفه.

وأردف بحدة: "إنتي أعصابك تعبانة. وأنا مقدر صدمتك.. بس عاوزك تتأكدي من حاجة واحدة بس. أنا عمري ما هاتخلى عنك. قولتهالك وإنتي عارفة. إنتي تخصيني.. وكمان غلطتي في حاجة. أنا وعدتك.. وعدتك إني هكون هنا دايمًا. جمبك. وعدتك إني هاحميكي طول ما أنا عايش وإن مافيش أي حاجة ممكن تأذيكي في وجودي. وأنا موجود يا نسمة." أزالت كفه عن فمها بقوة وهاتفة بنزقٍ:

"وأنا بشكرك طبعًا على الكلمتين المتزوقين دول وأكيد هفضل شايلة جمايلك فوق راسي. بس كل ده مش هايغير أي حاجة. وأنا أحب إني أمشي لأن ماعنديش استعداد أقعد وأتفرج عليك وإنت في حضن واحدة تانية.. أصل وشرف أكتر مني! واستدار نحو الحقيبة لتتم إغلاقها. بينما يركل "رزق" قائمة السرير بقدمه بعنفٍ حطمها في الحال، ثم يلتفت ممسكًا برسغيها ودافعًا بها صوب الخزانة، أسندها على اللوح الخشبي، وحنى رأسه قريبًا من وجهها اللاهث المنفعل.

"مش هاسيبك تمشي! " همس بثقلٍ وقد انتفخت عروق عنقه ويديه خافقة بالتوتر والعصبية. "لو صممت على قعادي تبقى أناني. ولو طاوعتك هاخسر كل حاجة.. كل حاجة إللي خسرتها أصلًا يا رزق. فاهمني؟ واستنشقت نفسًا عميقًا وتابعت عبر دموعها المتساقطة: "إبعد عن طريقي يا رزق. خلاص إنت مش محتاج تقف الواقفة دي.. أنا هطلع من حياتك خالص وإنت ربنا يوفقك معاها." شدد قبضته أكثر حول رسغها وهو يقول عبر أسنانه المطبقة: "نسمة!

بطلي عبط بقى.. مش هاتمشي من هنا. مش هاسمحلك تخرجي من هنا أبدًا سامعة؟؟ ضحكت قائلة بسخرية: "ليه. هاتتجوزني مثلًا؟! "أيوة! " هتف بقوةٍ ودون أن يرف له جفن. وبدأ يخفف من ضغطه عليها، عندما لاحظ تعبير وجهها ينقلب مئة وثمانون درجة من الحزن والجزع إلى الدهشة والذهول. "إنت بتهزر صح؟ " تمتمت بعدم تصديقٍ. رد عليها عابسًا: "لو كنت بهزر معاكي قبل كده يبقى أنا بهزر دلوقتي! تشبثت بذراعه الآن حين أحست بساقيها ترتجفان،

تطلعت إليه مشدوهة وقالت: "طيب.. طيب إزاي؟! "أسئلتك ساذجة أوي. هما الناس بيتجوزوا إزاي!! "قصدي أهلك يعني و آ ا ... "خلاص يا نسمة كفاية كلام! " قاطعها من جديد بحزمٍ، ثم أعلن بصرامة: "كلمتي ليكي واحدة.. هاتجوزك. ومحدش له أي سلطان عليا!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...