أهيمُ .. وقلبي هائم .. وحُشاشتي تهيمُ .. فهل يبقى الشقيُّ المبعثر؟ وهل يهتدي غاوٍ أضاع حياته بحيث يضيعُ الطامح المتجبر؟ وهل تسكن الدنيا ويسكن صرفها ويسكن هذا النابض المتفجر؟ وهل تُطفيء الأيامُ نيرانَ ظلمها وتطفأ نارٌ في دمي تتسعر؟
تأتِي على المرء لحظة، يكون فيها على شيءٍ حالك السواد في وجهه، هائمًا في الطرقات يبحث عن ضالته فما يجد إلا وحوش الهم في انتظاره، فيولي مدبرًا يفر بقلبه منها، لكنها تلاحقه ولا تهدأ حتى تستقر في السويداء من قلبه، فتحيل حياته جحيمًا. لم يصدق بلال إنها قد خدعته وهو الذي قدم لها قلبه مطمئناً، وأسبغ عليها بكل حنان قلبه ولم يبخل، قدم لها قلبه فإذا بها تعيده حزيناً، كئيباً، فارغا.. أوَ إنها أعادته!
هل عاد قلبه إليه حقا، أم بقى معها؟! لم يدرِ كيف خانته بكل تلك البساطة، أم كانت الخيانة من طبعها وهو الذي ران على قلبه العمى؟! كان ينهب الطرقات بسيارته دون هدى، لم يهتدِ لسبيلٍ يؤويه إلا بيت الله، فأوقف سيارته أمام المسجد، وغادرها بقلبٍ مثقل بالهموم التي جعلت قلبه يشيخ.
في تلك الأثناء كانت إسراء تسيرُ وسط السائرين، وفي زحامٌ من الناس، تبكي حبًا لم تناله، وتبكي قلبًا ينزف من ندبة ستظل باكية إلى آخر رمق في جوفها، ليت الدموع ترحمنا.. ليتها تدرك إنها تجعلنا نعاني.. مؤسف أن يهيمُ المرء بين الناس باكيًا، بقلبٍ يرفرفُ كالذبيح، وروحٍ تهيم دون أن يجد من يواسي.
كادت أن تدلف إلى بنياتها، لولا ذاك التجمهر الذي جذب عينيها إليه كالمغناطيس، فكفكفت دمعها سريعًا، وأقبلت نحو الملأ بقلبٍ يخفق بالرعب، وقد أنبأها حدسها إن شيئًا سيئًا سيكون من نصيبها.
لا تدري لما قدماها كانتا تسيران ببطءٍ شديد، وأنسلت بين الناس، وهي تشرأب برأسها، وفي هلع اتسعتا عيناها أول ما وجدت أباها هو ضحية هذا التجمهر، فأطلقت صرخة شقت قلبها إلى نصفين وهي تهرع إليه، حتى تم إسعافه سريعًا، وجلست هي ورفيقتها أمام حجرة العمليات باكيتين. ثم فجأة ضمتها ندى وتعالى نحيب الاثنتين يُبكي الصمُّ الصلاب، ويدمي أعتى القلوب. تكالبت نوائب الدهر عليها بلا هوادة.. بلا رحمة.. أو شفقة.. وهي ذات قلبٍ هش..
ينوء من أي طامة تعتريه.. والأدهى إنها أضحت وحيدة، بقدر اتساع الحياة بمن فيها.. فلا ضير إذًا من البكاء عساه يخفف من آهات نفسها.. ومن بين شهقاتٍ متتالية، وبصوتٍ مبحوح، همست بألم يشوبه حزن دفين: "بلال طلقني يا ندى.." ثم أبتعدت عنها ناظرة إلى عينيها مباشرةً، وأتبعت بصوت يفلق الحجر: "فاكرة آخر فيلم صورته مع الممثل (علي الصاوي)
، وقتها أنا لما فوقت لنفسي مكملتش تصويره، وفسخت العقد، بعض المشاهد اللي كانت مصورة فيها متنشرتش طبعًا بس معرفش إزاي بعض صور المشاهد دي وصلت لبلال وطلقني." سكتت تنتحب وتشهق بقلبٍ يحتضر، ثم أردفت تقول: "بلال... طلقني من غير ما يسمعني ومن غير ما أوضح له، وقالي مش عايز أشوف وشك تاني، بلال اتخلى عني يا ندى."
دفنت وجهها ورفات فؤادها بين كفيها، تواري دمعًا بات يرهق نفسها، ويقتل روحها، تداري حبًا لم تأخذ منه إلا الشقاء والعذاب، والدموع. أحتضنتها ندى، وقالت بعينان تذرفان: "هوني على قلبك يا إسراء بلال هيهدى ويرجع لك، وعمي محمد هيخف." لكنها قالت وهي تتشبث بها، وتغرز أظافرها في ملابسها، كمن ينهش في أحزانه علها تغادر:
"ليه كل ده بيحصل معايا يا ندى، أنا مش وحشة للدرجة دي، كل اللي اتمنيته من ربنا حياة هادية سعيدة، بس ليه بيحصلي كل ده، انا مبقتش قادرة أتحمل، حاسة إن قلبي هيقف من الوجع ده، لو بابا حصل له حاجة أنا هموت، انا عارفة إنه هو مش الأب الكويس بس دا أبويا ومليش غيره." ربتت ندى على ظهرها، وشددت من عناقها، وهي توازيها بكاءً. كم ودت لو كان بلال بجانبها في تلك الجائحة، لو يطمئن قلبها ببسمة من محياه، لكن أنى لها به الآن؟!
رحم الله قلبًا بالدموع بات ينبض.. أعان الله كل مبتلى بداء القلوب.. انطفأ سراج قلبها فما عاد له نور.. فرحمة الله على قلبها حتى يهدأ.. رحمة الله على دمعٍ يتنزل بلا مرفأ يضمه.. ماذا لو كانت الحياة متوقفة على كلمة طبيب، ونجاة إنسان؟ ماذا يحدث لو توقف النبض عن الحياة، ويعود القلب خافقًا من جديد بعودة أحدهم؟!
في بعض الأحيان يقف الزمن حينٌ من الدهر عِند لحظة لا يعود شيء بعدها كما كان؛ قد يفقد فيها المرء نفسه ولا يجدها؛ لإنها تتخبط في سُبل الحياة؛ بحثًا عن من سرق منها الروح! ثمة ذكريات تُحينا إن غاب عنا رُفقاءها! وأشتاق لهم كل مكانٍ مروا به! مضت أسابيع دون أي جديد يذكر في حالة أبيها، ودون أي خبر من ذاك الحبيب الغائب، ويا مرارة النفس في غيابه! وفي لحظةٍ ما، تجدد الأمل بداخلها، والممرضة تخبرها سريعًا:
"والد حضرتك فاق يا أستاذة إسراء! وأطلت اللهفة من عينيها وهي تهرع نحوها، ممسكة بكتفيها، وبثغرٍ افتر عن بسمة أشرقت من ينابيع أحزانها، غمغمت: "بجد بتتكلمي جد بابا فاق؟ طب هو كويس!؟ وأختنقت العبرات في عينيها، والممرضة تهز رأسها إيجابًا مفصحة في هدوء: "تقدري تشوفيه، ولكن د. عصام طالبك في مكتبه الأول."
وإستدارت إسراء تسيرُ في الرواق المفضي إلى مكتب الطبيب، وطرقت بابه في هدوء، حتى أتاها صوته بإذن الدخول، وجلست أمامه على المكتب، وتلقت منه نبأ إصابة أبيها بالشلل، لكن ذلك لم يفتر من عزيمتها، ولم يكدر فرحتها بعودته لها بخير.
وتطلعت إلى أبيها الذي رقد في فراش صغير، في حجرة العناية المركزة، وقد غاصت في أوردته إبر المحاليل، واستقر فوق أنفه وفمه قناع الأكسجين، وبدا على وجههِ الشاحب الإعياء الشديد، وهو ينظر إليها بعينين شبه مغلقتين، فلاذت به وانكبت على كفه تلثمه وتبكي، وهي تحمد الله بصوتٍ عال اخترق أذنه، ومر في خلده غريبًا وهو يتذكره.. بإنه لم يحمد ربه يومًا. لم يقل قط الحمد لله.. لم يشكره على نعمه الكثيرة التي منَّ بها عليه..
وقد كان يلقاه دون كلمة شكر واحدة فيا له من جاحد. أيجحد بنعمة ربه؟! وربت على رأس ابنته بكف، وبالكف الآخر نزع قناع الأكسجين، وانبعث صوته بثقلٍ وضعف يُردد: "إسراء، بلال فين؟ فرفعت رأسها إليه، ثم أطرقتها في خزى، وهي تتمتم: "بتسأل عنه ليه؟! متتعبش نفسك بالكلام لحد ما تبقى كويس! فأغمض محمد عيناه لثوانٍ، وأستطرد بصوتٍ ضعيف: "قُلتلك هو فـ.. فين يا بنتي؟! لازم أقول له حاجة! فزاغ بصرها هربًا، وترددت في أن تفصح بهدوء:
"أنا وبلال انفصلنا! واتسعت عينا محمد في رُعب، لو مات الآن من سيهتم بابنته غير بلال؟! لو رحل لمن سيتركها؟! لقد تأكد الآن إن بلال هو الزوج الذي قد يأمن عليه بابنته وهو مطمئن لإنه رجل في زمنٍ قلة في الرجولة، وانحسرت في ركنٍ قصي. هز محمد رأسه في رفضٍ تام، وقال بصوت يوحي بالبكاء الصامت: "انا السبب لو موت مش هسامح نفسي.." وهمت إسراء بردعه عما يقول، لولا أن تابع: "بلال صدق الصور اللي بعتها ليه أنا السبب."
وأبتعدت إسراء في صدمة، وتراجعت بظهرها ممتقعت الوجه، تبغي الهرب من كل شيء، يا قسوة الألم حين يكون سببه حبيب ظنناه يومًا إنه لن يطعن. توقفت ندى أمام باب منزل بلال مترددة، لكنها لم تدع الحيرة تبلغ منها مبلغًا بليغًا، إذ حسمت أمرها سريعًا وطرقت الباب، وأنتظرت ثوانٍ حتى أنفتح، وطالعها عمرو وهو يقول ببسمة بريئة: "مش أنتِ ندى صحبة إسراء؟! فهزت ندى رأسها ببطء، وهي تتمتم ببسمة: "أيوا أنا." ومالت نحوه لتهمس أمام وجهه:
"بلال موجود؟ فهز الصغير رأسه نفيًا، ودفع الباب مفسحًا الطريق لها، قائلًا: "لأ، بس ادخلي استنيه جوه." ترددت ندى في الدخول وما كادت أن تفعل، أوقفها قول عايدة، قائلة بغلظة: "استنى يا عمرو، عايزة بلال ليه يا بنتي؟! ازدردت ندى لعابها في حيرة أستبدت بها بغتة دون سابق إنذار، وهمست بصوتٍ خفيض بعد هنيهة من الصمت: "كنت عايزة في موضوع يخصه هو وإسراء." غمغمت عايدة بضيق:
"بلال مش موجود، واللي بينه وبين إسراء خلاص انتهى، حتى إنه خطب وكتب كتابه بعد أيام، بمعنى إنه نسي إسراء، فقوليلها تنساه وتشوف حياتها، وربنا يرزقها باللي أحسن منه." خفق قلب ندى بارتياع، وانفرجتا شفتيها بكلام، بُتر قبل أن يبلغ حلقها مع قول عايدة: "وصلّي لها سلامي ودعوة لكتب الكتاب مع السلامة يا بنتي." وصفعت الباب في وجهها، وهي تبكي في صمت، لم تعتاد أن تعامل أحد هكذا، لكن هذه حياة ابنها، وهي تريد له السعادة، وزوجة صالحة.
انتزعها من شرودها وبكاءها، قول عمرو وهو يردد في ضيق: "عملتي كده ليه يا ماما، حرام.. حرام عليكِ بلال بيحب إسراء." عادت ندى إلى المستشفى زائغت العينين، منشغلة الفكر في حلٍ لتلك الطامة التي ستلطم قلب رفيقتها لطمة ستطيح بكل ما تبقى منها، تخطو بقدمين عاجزتين تجرهما جرًا كي تتحرك، وتوقفت أمامها شاردة، فبادرتها إسراء قائلة بعينين خاليتين: "ندى.. كنتِ فين؟!
فتجمعت العبرات في مقلتي ندى، وأخذت مآقيها تنزفها بهدوء صامت، وانبعث صوتها كأنه يأتي من مكانٍ سحيق: "روحت أأقابل بـ.. بلال." لما أحست بإن اسمه يعيد لقلبها الحياة، كأنها حية في عالم الأحياء، فشع الأمل في عينيها، وبلهفة أطلت فيهما، وبوجهٍ مشرق، همست: "بجد، قابلتيه؟ سألك عني؟! طب هو كويس، قلك إيه؟
أسبلت ندى جفنيها، فهوت أدمعها في غزارة، وشحب وجه إسراء، وأصاب الإعياء قلبها، أدركت إن الرد سيهدم قلبها، وسيطمس دقاته، وسيواري حبًا بين الثنايا يقبع. رفرفرت ندى بأهدابها لوهلة، وتحاشت النظر إلى عينين رفيقتها، وهي تُلقي بما في جعبتها بنبرات متهدجة: "بلال خطب يا إسراء وهيكتب خلال اليومين دول، حاولي تنسيه علاقتك معاه وصلت لمنتهاها و...
صمتت وهي تبصر، اتساع أعين إسراء كأنما سيخرجان من محجريهما، وتراجعت بظهرها وهي فاغرة فاه، وشُحن وجهها بالصدمة والخزى، وخُيل إليها إن قلبها قد توقف عن النبض! بل تصورت إن رفيقتها ستسقط صريعة... هزت إسراء رأسها في انهيار، وأخذت تردد مأخوذة: "مش ممكن مستحيل، أنتِ كدابة بلال مش هيتجوز غيري لا....
وهوى دمعها يفطر القلب، ثم أطلقت صرخة مدوية تردد صداها في الأنحاء، وزُلزلت الأرض شفقة، وحاولت ندى أن تضمها، أن تواسيها، أن تجعلها تهدأ، لكنها ما أن بح صوتها مادت بها الأرض وأغشى عليها بين يدين ندى، التي نادت تستنجد بالناس التي تجمعت حولهما. إن يفقد المرء قلبًا، أن يعتريه إعياء لا دواء له، أن تغيب روحه ويظل جسده فوق الأرض كصنمٌ متحجر، لهو شيءٌ عظيم.
انهيار عصبي أصاب إسراء، من وقع الصدمة على قلبها، صدمة سحقت قلبها حتى استحال إلى شظايا يُصعب إصلاحها، ككوكب كانت تدور جل أفلاكه حوله، ثم سقطت من شاهق وباتت هباءً منثورا. ما أقسى أن يتوجع المرء في من أحب! ما أضنى القلب حين يعاني من ألم الفراق. لم يعد بلال لها، سيكون لأخرى، لن تراه مجددًا ولن ترتوي من ملامحه مرة أخرى، لكن لما ملامحه قد حُفرت على جدران قلبها بماء العشق فلم تعد تبرحه، كيف إذًا تنساه.. تنسى حبه؟!
تطلعت ندى بعينين مغروقتين بالدمع إلى إسراء الراقدة على الفراش الطبي، بعينين تحدقان في السقف دون حراك، وبجسدٌ خامد، متهدل، متهالك، كأن كل ما بها بات فارغًا، ولم يعد لها شيء بالحياة. لا شيء أضحت تريده... ولا شيء أصبح لها... يضيقُ صدرها بأنفاسٍ مختنقة.. دنت ندى من فراشها، وجلست في مواجهتها، وقالت، وعينيها تسيلان بالدمع: "فوقي لنفسك بقا يا إسراء، قومي وواجهي ضعفك، بلاش تستسلمي حاربي نفسك."
ولم تتلق ردًا، إلا دموعٍ انحدرت على وجنتي إسراء، ردًا عما تفوهت به، فتنهدت بعمقٍ وهي تنهض لتطمئن على محمد الشهاوي.
عندما تحسنت حالة إسراء، وتعافى أبوها وانقضت فترة النقاهة، اتخذت قرارًا بالسفر ووضعته قيد التنفيذ فورًا؛ لذا وقبيل خروجها للمطار ودون أن تعي شيئًا، ذهبت ندى فورًا إلى منزل بلال، كأنها تسابق الزمن وعقارب الساعة، وبينما تصف سيارتها جانبًا وجدت بلال في ذات اللحظة يترجل من سيارته وهو يلف المفاتيح بين إصبعه في حلقة دائرية، فنادته بصوتٍ به لهفة: "بلال."
فألتفت إليها وقد ضاقت عيناه بغلظة، فوجدت إن لحيته قد طالت، ومن عينيه تطل نظرة حزينة، وغمغم بضيقٍ وبرود: "ندى، خير؟ قالت ندى في رجاء: "الحق إسراء هتسافر." فرد عليها في برودٍ غليظ: "وأنا مالي." ربما قد فلح في الرد عليها ببرود لكنه لم يستطع محو تلك النظرة الملتاعة التي تفعمت في عيناه، وهم أن يستدير، لكنها لحقته ووقفت أمامه، وهتفت في ثورة من الغضب: "أنت مالك إيه؟ يعني إيه مالك دي! بقولك إسراء هتسافر أنت تقدر تمنعها."
فصرخ في وجهها: "بصفتي إيه همنعها، أنا وهي كل اللي بينا خلاص، وأكيد هي اللي بعتتك باللعبة الحقيرة دي مفكرة إني هجري على طول واللحقها واترجها ترجع ليّ.." تراجعت ندى خطوتين إلى الوراء، وأرتج عليها مليًا، ثم همست في ازدراء: "أنت بتظلم بسهولة كده؟! بتألف وتقنع نفسك باللي بتألفه؟! لأمتى هتفضل ظالمها." جز بلال على أسنانه، وهدر وهو يتجاوزها إلى بيته: "لمي لسانك، وأمشي من قدامي." وقبل أن يهم بفتح باب بيته، توقف
على صوتها وهي تقول بحدة: "الصور اللي أنت شفتها دي كلها حقيقة فعلًا بعتهالك محمد الشهاوي مع الحقير عماد." فاستدار إليها وفي عينيه تساؤل حذر، بينما تابعت ندى بأمل، وبعينين مختنقة بالعبرات: "الصور دي كانت من آخر فيلم إسراء صورته قبل اللي حصل لها، لكن الفيلم متعرضش لإنها فسخت العقد." أطرقت برأسها حينما احتد بكاءها، واسترسلت بصوتٍ متهدج:
"كانت إسراء قابلتك وتغيرت وعملت كل اللي تقدر عليه عشان متصورش الفيلم والتعاقد يتلغي، وعمي محمد استغل الصور دي وبعتهالك، بس إسراء بريئة ومخانتكش... مخانتكش عشان إسراء بقيت واحدة تانية.. واحدة بتخاف ربنا وحسابه قبل أي حاجة وعشان حبتك من كل قلبها." صمتت تسكب دمعها، فتقدم بلال نحوها واكتست ملامحه ألم العالم برمته، وهو يهتف في شغف: "هي فين؟
أخبرته ندى إنها في المطار على وشك المغادرة، فذرها وحيدة وأخذ يعدو عدوًا شطر سيارته ولجها على عجلٍ وأدار محركها وانطلق.
انطلق بلال يتجاوز بسيارته كل السيارات التي تعيق طريقه، كما لو إنه مجنونًا، غير عابئ بتلك الاحتجاجات والشتائم، التي أخذ أصحاب السيارات يلقونها ويعبرون عنها بأبواق سياراتهم، وقتها لم يكن يسمع شيء كأنما قد أصابه الصمم، ولم يكن يعي ما يدور حوله، وقد تمكنت فكرة واحدة رأسه، وسيطرت عليه، ونزعت كل ما عداها من أفكار أخرى، وهي يجب ألا يدعها ترحل، وأنَى له بحياة دونها! إن غابت غاب معها كل شيء..
الحياة، وقلبه، وروحه، والعالم بأسره! ليتها تدرِ كم يحبها، وغيابها تلك الفترة ذره كريشة تتقاذفها الرياح كيفما تشاء. ما أن توقفت سيارته أمام باب المطار، حتى غادرها مسرعًا، دون أن يعبأ حتى بالتأكد من إغلاق الباب، واندفع داخل صالة المطار، وعيناه زائغتان بالبحث عنها بين الوجوه...
يفتش عنها في كل وجهٍ يقابله، لكنه لم يعثر عليها، وإحباط هائل ملأ جوانحه جعلت كتفاه تتهدلان كجندي عاد منهزمًا، منكسرًا من معركته، وأطرق بدمعة حبيسة داخل مقلتيه، وما أن رفع رأسه حتى رآها وقد جلست على أحد المقاعد شاردة، وقد ظللت سحابة من الحزن وجهها الجميل، بجوارها أبوها في مقعده المتحرك. متى كان محمد الشهاوي يجلس على مقعد متحرك؟! تساؤل دار في خلده وهو يهرع إليها، ووجد نفسه يصرخ مناديًا إياها: "إسراء.. إسراء."
لم تصدق إسراء ما تسمع أذنيها؟! أهذا صوته أم إنها تتوهم؟ وتحوَّلت إليه بوجهها الحزين الكليل، غير مصدقة، وسرعان ما تحولت قسمات وجهها إلى الفرح الشديد، كطفلة عاد والديها، بعد فترة من الضياع، وشع من عينيها كل الحب وهي تهمس باسمه بصوتٍ خفيض، ووقفا مقابل بعضهما البعض، وغشاهما صمتٌ عجيب، وران عليهما الهدوء، وقد ألتقى عيناهما في أسفٍ عظيم يفطر القلب، وانفرجت شفتاه بأسفٍ صادق نابعًا من الأعماق، وعيناه ترجوان السماح، متمتمًا:
"إسراء أنا أسف سامحيني." وتردد لثوانٍ قبل أن يردف في خفوت أستلذه قلبها الذي أخذ يتأمل ملامحه في هيام، ويحفرها بين الجوانح وفي الشغاف: "أنا عرفت غلطي وندمان على كل كلمة قولتها ليكِ، وكل جرح سببتهولك، أنا أسف بجد.. أنا عرفت كل حاجة من ندى، متعرفيش الفترة اللي عدت كانت حالتي فيها إزاي كنت إنسان بقلب ناقص نبض، وبصدر ناقص هوا وبروح مش لاقية مأوى.. ارجعي معايا وخلينا نبدأ من جديد."
تساقطت العبرات على وجنتيها، وقد تراجعت بظهرها خطوة، وهمست بصوتٍ ألَم بهِ كل وجع:
"أنت أجمل حاجة حصلت ليّ ووعيت عليها في الحياة، ولكن أنا مينفعش أرجع أنا رايحة لمكان هجدد فيه إيماني وحياتي واستقامتي، أنا لو رجعت معاك دلوقتي حياتنا هتبقى وحشة مش هنبقى مرتاحين، هتعيش دايما بشك في قلبك ناحيتي، بس أنا مش زعلانة لإن مش ذنبك ولا ذنبي أني اتجهت للتمثيل، دي الغلطة الوحيدة اللي عملتها في حياتي وغالبًا هدفع تمنها فيك، أنا أسفة بس أنا مقبلش أعيش مع واحد شاكك فيّ، أنت تستاهل واحدة أفضل مني."
وخرج صوته ضعيفًا، واهنًا وهو يقول: "متقوليش كده معاكِ حق انا غلط لما شكيت فيكِ كان لازم اسمعك، بس مش هتتكرر." لكنها ردت بثقة: "هتتكرر لإن بينا ماضي وحش كنت أنا بطلته، والماضي ده هيفضل مخليك شاكك فيّ مهما اعمل." ربما معاها حق، هو بداخله شكٌ غريبٌ تجاهها في كل تصرفاته، لكن ليس بعد الآن. أراد أن يقول أي شيء لكن ما بال الكلمات قد أحتبست، عندما بدأت تقول ببسمة مشرقة:
"الحاجة الوحيدة اللي هوعدك بيها إن قلبي اللي حبك مستحيل يحب غيرك، سلام يا بلال افتكرني بكل خير واوعدك إني هرجع، لكن يوم ما هرجع ولو اتقابلنا تاني هتلاقيني إسراء تانية، مش إسراء الضعيفة." وتراجعت بظهرها بنظرة وداع أخيرة، والتفتت وهي تغمض عينيها بقوة، لينحدر دمعها في غزارة على وجنتيها، وأمسكت بقبضتيها مقعد أبيها المتحرك، الذي كان يجلس منكسرًا في خزى، وقد أقسم ألا يتدخل في شئون ابنته مرة أخرى.
وقبل أن تتحرك أوقفها صوته وهو يقول بنبرة تقطر ألمًا: "متتمشيش." وسمع صوت تنهيدة عميقة ندت عنها، قبل أن تتحرك أمام عينيه وهي تجر مقعد أبيها أمامها، فناداها بصوتٍ ضعيف منكسر: "إسراء.. إسراء." فالتفتت إليه برأسها وفي عينيها نظرة حزينة. وأقلعت الطائرة وقد حملت معها جزءًا من نفسه وكيانه، وتهالك بلال على أحد المقاعد بعينين متفعمة بالدمع الذي أبى الخروج من محرابه.. وقد عاد خاسئًا وهو حسير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!