الفصل 1 | من 21 فصل

رواية والتقينا الفصل الأول 1 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
29
كلمة
2,009
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

نسمة ريح طيبة هلت، باردة منعشة تترع فؤاد المرء بالسرور والانتعاش، تطاير على إثرها وريقات الشجر اليابس التي تساقطت فوق الأرض، زقزقة العصافير تطرب الأذان وهي تحوم حول إحدى المساجد، الشمس لم تتكبد عنان السماء، لكن ضوء الصباح ملأ الأفق بلون جميل مريح للنفس.

برز شاب على أسكفة المسجد، يرتدي حذاءه اللامع السواد، ولسانه يردد بخشوع بعض الأذكار، وانتصف واقفًا وقد أسبل جفناه ملتقطًا نفسًا عميقًا من هواء الصباح ماليئًا به رئتيه، وزفره بتمهل، ولسانه لا ينفك عن ذكر الله، وعبر باب المسجد بخطوات هادئة رصينة، ثم أوقفه صوت طفل صغير يقبل من داخل المسجد، صائحًا: "أخي بلال، انهاردة في تسميع؟ فأفتر محياه الأسمر عن بسمة رائعة، وهو يومئ برأسه قائلًا بوجهه الصبوح:

"طبعًا يا عمرو في موعدنا، فأحفظ حلو وإلا…" فضحك الصغير، وهو يقول مداعبًا وقد كان خفيف الظل، حلو الدعابة: "بلال، يا أخي وإلا إيه؟ أنت مش بيهون عليك تزعق حتى فينا، هقعد أحفظ أنا والعيال لحد ما تيجي." "تمام يا عمرو، وبلاش مشاغبة." انصرف بلال متوجهًا إلى سيارة لقمة عيشه، واستقلها وهو يذكر الله بصوت مسموع، وأدار محركها منطلقًا بها، وهو يدعو الله التوفيق، وفتح باب الرزق من أجل عائلته التي يعولها.

لم يكن عمله كسائق لأنه فاشل، حاشاه. لقد تعب وكد حتى حصل على شهادة الهندسة، لكن بدون واسطة في هذا الزمن يجعل المرء مركونًا على رف النسيان والإهمال، فلم ييأس وها هو ذا راضيًا بما كتبه الله له، المهم هو راحة النفس، ورضى القلب، ودون ذلك فلا يهم. *** "بصي يا ماما، مش دي إسراء اللي بتيجي على التلفزيون؟

هتف بها طفلًا صغير مهللًا داخل ذلك النادي الشهير في قلب القاهرة، واستقبلت النجمة إسراء الهتاف بفرحة غامرة وهي تبتسم بإشراق له. فسارت نحوه وهي ترفع نظارتها فوق رأسها الأسود الحرير المنسدل بنعومة فوق ظهرها، أنفها دقيق رقيق صغير، وجهها مستدير منير كالقمر، عيناها واسعتان براقتان تظللهما رموش سوداء طويلة، أما لونهما فهما سر جمالها، فقد كانتا بنيتين لامعتين على الدوام.

قدها نحيف، وقامتها قصيرة لم ينقصان من جمالها البراق شيء. سلمت على الصغير وعانقته بمودة، وصافحت والدته والتقطت معهما بعض الصور، ثم أخذت تعدو خارج النادي لتتابع ركضها بعيدًا عن ضوضائه.

وبينما هي تعدو، غافلة عن عينين ترصدانها رصدًا من داخل سيارة مغلقة النوافذ فلا يظهر من يقودها، والتي تحركت رويدًا رويدًا وراءها. توقفت إسراء تلتقط أنفاسها وهي تتجرع بعض الماء من الزجاجة التي كانت في يدها، عندئذ تناهى لها صوت سيارة تقبل نحوها، فالتفتت سريعًا وتقهقرت مبتعدة من أمامها وهي تغمغم: "إيه الغباء ده؟

لكن السيارة دارت حول نفسها، واتجهت نحوها، فاتسعت عيناها في ذعر وارتياع، وركضت بكل ما أوتيت من قوة والسيارة تلاحقها. كان الطريق خاليًا في ذاك الوقت، فكانت تصرخ في انهيار مستنجدة دون جدوى، وحاولت مناورة السيارة وهي تبتعد يمنى ويسرى وتركض في كل اتجاه، حتى تيقنت أن سائق السيارة لا يبغي شيئًا إلا قتلها شر قتلة.

سقط في نفسها، وحل الرعب قلبها، وهوت دموعها بكل خوف. وبينما هي تلتفت اصطدمت بها السيارة بكل قوة، فضُرب جسدها في مقدمتها ثم سقطت جثة هامدة. وتوقفت السيارة ما أن تأكد صاحبها إنه صدمها، وفُتح بابها وكاد يترجل لولا تلك السيارة التي أقبلت. ***

عندما رأى الرجل الذي صدم الممثلة إسراء بسيارته السيارة المقبلة، إذ فر هاربًا وقد هاب أن يراه، تاركًا جثة إسراء وقد تفجر من رأسها الدم وفار. توقفت سيارة بلال وهرع منها مسرعًا في لهفة وجزع، ومال على وجهها المصبوغ بدماءها وهو يردد: "لا حول ولا قوة إلا بالله، إن لله وإنا إليه راجعون."

وتجمع الناس حوله ملتفين حول جسد إسراء، التي تم إسعافها في سرعة بعد ما تعرف عليها الممرضات والأطباء، وعلموا بشهرتها. وتبرع بلال لها بنصف كيلو من دمه، وأحضر كل ما تحتاج إليه من علاج، ودفع ثمن عمليتها مما تبقى معه.

وجلس أخيرًا يلتقط أنفاسه. ثوانٍ وكان شارد الفكر وهو يتذكر إنه كان عليه أن يجلب دواء الكبد لوالدته. لكن لم يتبق معه شيء. بل لقد أخذ سلفة من رفقائه حتى يدفع عملية الفتاة التي لا يدري عنها شيئًا. فأدحر التفكير عنه متوكلًا على الرزاق عز وجل. وراح يردد من صميم قلبه الأذكار، وهو على يقين إن الله سيرزقه من حيث لا يشاء، وعلاج والدته سيحضره في وقته إذا شاء الله سبحانه وتعالى.

وبقي طيلة اليوم في المستشفى، لم يغادرها إلا لمامًا حين كان يحادث والدته ليطمئنها عليه. ولما استبد به التعب، وغزا النوم أجفانه، أغلقهما مستدعيًا النوم الذي جاءه مرحبًا. وفي غبش الليل نهض منتفضًا على صوت أنثوي يطلب منه أن يستيقظ ويفتح عينيه، وابتدرته الممرضة، تقول: "يا أستاذ الأستاذة إسراء فاقت، وعمالة تصرخ مش عارفين مالها، لو سمحت تعالَ شوفها، لإن مفيش حد معاها غيرك." فنظر لها بلال لثوانٍ، ثم لم يلبث أن سألها:

"هو محدش كلم أهلها للآن ليه؟ أجابته الممرضة نافية: "كلمناهم يا فندم، بس محدش جه يشوفها، هياخدوا وقت عشان يوصلوا لإنهم في بلد تانية." ضيق بلال عينيه في ضيق، وهو يغمغم: "وأنا عليَّ أعمل إيه دلوقتي؟ هزت الممرضة منكبيها في حيرة، قائلة: "معرفش تعالَ شوفها."

مسح بلال وجهه بكفه في غلظة وهو يكظم غيظه، ونهض سائرًا وراء الممرضة التي قادته إلى إحدى الغرف الصادر منها صوت بكاء رقيق، وتركته وانصرفت. فتسمر مكانه ولم يدرك ماذا عليه أن يفعل! وخفق قلبه في قلق. لم يكن من الشباب الذين لهم علاقات مع النساء. بل إنه شاب ذا خلق يخاف إن يخطئ في الحديث مع إحداهن فيغضب منه الله. فمن خاف الله فعل كل شيء تقربًا إليه.

ازدرد لعابه وهو يستعين بالله، ويطرق الباب بظهر سبابته، ثم دفع الباب وهو منكس الرأس، ملقيًا السلام: "سلام الله عليكِ، تسمحيلي أدخل." ولما لم يتلق ردًا، وطال وقوفه، تجرأ على رفع رأسه لينظر إليها، وتلاقت الأعين.

وللقاء العيون حديث. حديث لا يعلمه إلا القلوب. فكفت إسراء عن بكاءها الخافت، وتأوهت بألم بسبب الألم الحاد في رأسها الذي تحيطه الضمادات، وتأملته بمقلتين بريئتين مليئتين بالدموع الحبيسة. وفي نفسها هابته مهابة لم تهب مثلها لأي رجل في عمرها الحافل بالرجال. قطع الصمت الذي ساد فجأة صوت بلال الرخيم، قائلًا: "أهلك جايين كلها شوية وقت وهيكونوا هنا." وأتبع يقول والأسى يصبغ وجهه:

"للأسف أنا مقدرتش أشوف الشخص اللي خبطك بالعربية. كان مجرد حادثة، والحمد لله إنك نجيت." بتر عبارته صيحة إسراء المنفعلة: "حادث؟ حادث إيه؟ ده حد بيحاول يقتلني." رفع بلال نظره إليها، ولم ينبس لدقيقة، تاركًا إياها تفرغ ما بداخلها من دموع، ثم قال في هدوء: "سواء كان حادث أو قتل عمد فكل ده تقدري تبلغيه للشرطة." قاطعته ضحكة متهكمة نَدَت عنها، وهي تكرر في سخرية: "شرطة! هأ.. وهتعملي إيه الشرطة؟

تنهد بلال وهو يسمع آذان الفجر يعلو في الأرجاء، فأغمض عينيه دون مبالاة بها وراح يردد وراء المؤذن في خشوع باطن وظاهر. وما إن انتهى، حتى فتح الباب وهو يقول: "أنا همشي دلوقتي طالما حضرتك بقيتِ بخير حال." وما هم أن يخطو للخارج، استوقفته صيحتها صارخة: "استنى أنت رايح فين؟ أكيد مش هتسبني لوحدي؟ فرفع حاجبه ذاهلًا وهو يكرر في تعجب: "مش هتسبني لوحدي؟ والتفت إليها مغمغمًا: "تقصدي إيه؟ همت أن تجيبه لكنه قال مستدركًا:

"أنا هنزل أصلي الفجر، وراجع لإن الشرطة هتيجي تاخد أقوالنا وبعدها همشي." وخرج مغلقًا الباب وراءه وهو في حيرة من أمرها. *** بقت إسراء في سريرها تفكر وتخطط لما ستفعله. هي لا تريد أن تعود للمنزل بسبب القاتل الذي لا تدري عنه شيئًا، ولن تشعر بالأمان. ومتى شعرت به من الأساس؟! هو لم يزرها يومًا. ولم تذق شعوره. ولم تحياه. وتفجر في نفسها الأسى كله. ***

توقف ضابط الشرطة جوار فراش إسراء ليأخذ أقوالها، وشرع يسألها إذا كانت تشك في أحد معين، لكنها نفت ذلك، وأخذ الكاتب يدون وراءهما ما يقولون. حتى سألها الضابط وهو يشير إلى بلال الواقف في آخر الغرفة مطرق الرأس، ولسانه لا ينفك عن ذكر الله: "أنتِ تعرفي الشخص اللي أسعفك هنا، مش يمكن هو اللي خبطك بالعربية، عشان كده أسعفك بسرعة؟ رمقت إسراء بلال الذي لم يلتفت إليها قط في غيظ من لامبالاته، وأسرعت تقول: "مستحيل يا فندم."

فسألها الضابط مندهشًا: "ليه مستحيل يا آنسة إسراء؟ انبعث صوت إسراء وهي تقول في رقة: "مستحيل لإنه…" وتعمدت الصمت ثوانٍ، استرقت خلالها نظرة إلى بلال، وازدردت لعابها وهي تلي قولها بخوف: "لإنه خطيبي…"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...