كان عمرو يمسك جسد شقيقته سهير التي تغط في سبات عميق، وهمس لها بخفية خوفًا أن يسمعه أخوه بلال: _سهير، سهير.. قومي عايز أقولك حاجة. لم يتلق ردًا سوى همهمة ناقمة من إزعاجه، فأعطته ظهرها. فعاود يهز كتفها هاتفًا: _يا سهير بقا قومي عشان تعرفي مين عندنا! صعد جاثيًا بجوار فراشها، ولا يزال يحاول دون ملل في إفاقتها: _يا سهير قومي عشان تشوفيها، والله أنا شفتها فوق. لما لم تجد بدًا من إجابته، أجبرت نفسها قسرًا لتنزع نفسها
عن النوم وتجيبه في نعاس: _مين، مين دي يا عمرو؟ فصاح عمرو ملهوفًا: _إسراء، الممثلة إسراء الشهاوي. فظنت بأنه يهذي ولم تصدقه، فما لها ومال الممثلين هي... أين هم وأين هن.. فما الذي يأتي بممثلة لمنزلها وهي لا شك لا تدري حتى بوجودهم من الأساس! فجذبته لحضنها بعدما التفتت تجاهه، وهي تهمس بتثاؤب: _نام يا عمرو يا حبيبي تعالَ. فهتف عمرو مهتاجًا: _يا سهير أنام إيه، بقولك الممثلة فوق في شقة بلال.
وذهبت عبارته سدى، مع انتظام أنفاسها وذهابها في النوم. فظل كالح الوجه حتى زاره النوم هو الآخر. جلست إسراء على الأرض حائرة تفكر، فيمن ممكن أن يكون القاتل! وجال بخاطرها كل من تعرف الجميع دون استثناء، حتى أبيها. لا تدري لماذا فعلت كل ذلك مع بلال، لكنها توسمت فيه خيرًا. ذاك التوسم الذي أنبأها إنه رجل يعتمد عليه، لكنها لن تنسى صنيعه قط، سيظل له عظيم الأثر في نفسها.
ضحكت وهي تتذكر اللحظات القلائل التي استفزته فيها، لا تعلم لماذا تحب أن تثير ثائرته. واستحضرت طيفه في ثنايا قلبها، وراحت تتأمله. كان شابًا في أواخر العشرينات، ذات بشرة قمحاوية، ذقن نامية زادته وقارًا، وعينين ضيقتين تظللهما رموش سويداء تحيطان بمقلتين سوداوين...
وفي سوداويته تاهت هي. كان فارع الطول، عريض المنكبين إلى حد ما. ملابسه بسيطة جدًا من بنطال جينز أسود مع تي شيرت أسود اللون مشمرًا عن ساعديه، ورغم بساطته إلا إنه أنيق ساحر. وأسبلت أهدابها على صورته كلا تغيب وغفت. في صباح اليوم التالي، غادر بلال إلى عمله، وكانت شقيقته سهير تعد الطعام في المطبخ، عندما دخل عليها عمرو راكضًا وهو يسأل في حماس: _يا سهير، شفتيها ولا لسه؟! فتسألت سهير في تعجب وهي تقلب طبق الفول:
_شفت مين يا بني! أنت مالك من إمبارح! قولي الأول بلال مشي؟ فهز عمرو رأسه وهو يقول سريعًا: _أيوه أيوه، صلينا الضحى في الجامع ومشي على طول. فرفعت نظرها إلى السماء من نافذة صغيرة تتوسط الجدار، وقالت في دعاء صادق نابع من صميم قلبها: _يا رب أسألك بكل اسم هو لك أن تفتح له أبواب رزقه، وتعوضه على أيام الشقا دي، وترزقه ببنت الحلال. فآمن عمرو على دعائها بيقين، وعاد يسألها في فضول يكاد يقتله: _ها مقولتيش شفتيها!
فصرخت فيه سهير بانفعال وهي تترك ما بيدها وتستدير له في عصبية: _يا دي النيلة هي مين دي اللي هشوفها! فرد عليها عمرو وهو يشوح كفيه ويدب بقدمه الأرض: _بتزعقي ليه؟ بسألك لو شفتيها اللي فوق دي. فتخصرت وهي تضيق عينيها وتسأله بحذر: _هي مين دي اللي فوق؟ فرفع عمرو حاجبه في غيظ، وغمغم: _معرفش، روحي شوفي أنتِ مين فوق! فهتفت به في غضب: _عمرو ما تستهبلش! قول في إيه فوق. فصاح عمرو وهو يعدو خارج المطبخ: _معرفش.
فلحقت به وأمسكته من تلابيب ملابسه، وسألته وهي تهزه في حنق: _ولا تكلم في إيه؟ فأفلت يديها بزهو مصطنع وهو يقول: _طب بس ابعدي إيدك كده وهقولك. _قول يا آخرة صبري. هتفت على مضض، فمال على أذنيها كمن سيفضي بسر خطير، وهمس وهو يظلل بكفه على فمه: _الممثلة اللي بتيجي على التلفزيون اللي اسمها إسراء فوق، شفتها إمبارح في شقة بلال. فلم تصدقه وهي تضيق عينيها ناظرة إليه بإمعان، وسمعته وهو يقول منذرًا:
_وهعرف بلال إنك بتتفرجي على التلفزيون. _ده لو لسه كان فيك روح يا حبيب أختك. جأرت بتلك العبارة سهير وهي تهب ناهضة رافعة قدمها في الهواء ليتطاير فردة نعلها، فتلتقطها وتعدو وراءه، ووالدتها الكفيفة تصيح وهي تحمي عمرو الذي تشبث بها مستنجدًا: _يا بنتي أنتِ صغيرة بتجري وراء أخوكِ. همت سهير بالرد عندما سمعت صوت الباب يفتح ويغلق، فخرجت مسرعة وتعجبت كل العجب عندما وجدت بلال الذي نزع نعليه واستدار إليها ملقيًا السلام:
_السلام عليكم. وضربها على رقبتها بخفة ضاحكًا، وهو يضيف: _إيه يا بنتي مبلمة كده ليه؟ فزالتها الدهشة بسرعة، وغمغمت: _أنت راجع بدري النهاردة ليه؟ مش من عوايدك. فانعقد حاجبه، وسألها: _آه أصل نسيت حاجة كده. _نسيت إيه، وإيه اللي في إيدك ده؟! فرد عليها وهو يتجه للدرج مسرعًا: _حاجة وخلاص، طالع دقايق ونازل.
كان سبب عودته إنه تذكر تلك البلوة التي ابتلى بها، وإنها بالطبع ستصحو جائعة، فأحضر طعامًا وعاد ليعطيه لها. وأختفى من أمامها، وبقت هي تفكر حائرة، ولم تلبث أن صاحت: _هو في إيه فوق؟ وليه عمرو من إمبارح بيقول كلام غريب. وفي طرفة عين كانت اتخذت قرارها واتجهت إلى الأعلى. وفي الأعلى كان بلال يطرق الباب بخفة، حتى فتحت له إسراء وهي تتمطى، مغمغمة في نعاس: _هوف، في إيه دلوقتي بتصحيني بدري كده ليه؟
وأقتربت من الباب وأسندت رأسها عليه، وأسبلت جفنيها وهي تهمس: _مش كفاية إني معرفتش أنام من نوم الأرض اللي كسر ظهري. شهقة عنيفة ندت من وراءهما، لم تكن إلا من سهير الذي أسرعت بإلتهام باقي الدرج، وتتفحص إسراء التي أُجفلت وقد أذهلتها المفاجأة. بينما أطرق بلال في غضب. ما يخشاه قد حدث!
وأخته ستختلط بتلك الفتاة حتمًا. وما حاول تجنبه لم يفلح والأمر انكشف. فأخذ نفسًا عميق، وأطلق زفرة حادة مفرغًا فيها انفعاله وضاقت نفسه بكل ألم. هذه الفتاة خطر على أهل بيته، حدسه يخبره بذلك. هو رآها ليست من الفتيات المحتشمات الذين يبدو عليهم الأخلاق الحسنة، ورغمًا عن ذلك لم يظن بها سوءًا، فربما هي أقرب إلى الله منه ومن ألف فتاة محتشمة، فخبايا السرائر لا يعلم بها إلا رب السرائر. لكنه لا يود المخاطرة.
وشعر بالاختناق فجأة فأسرع مبتعدًا عنهن وهو يقول: _أنا همشي، عرفيها أنتِ سبب وجودك. لم تصدق سهير عينيها وهي تفركهما محملقة في إسراء أمامها، وقد طار عقلها من الدهشة، وراحت تحوم حولها وهي تهتف: _إيه ده دا أنتِ بجد ولا أنا في حلم ولا إيه اللي حصل بالضبط! وقفت قبالتها وراحت تتلمسها بأعين برقتان، وتقول: _دا أنتِ بجد، أ.. أنتِ الممثلة إسراء صح؟
ولا أنتِ وحدة شبهها، مهو طبيعي أنا مش بحلم وأنتِ مش هنا، ما هو أصل إيه اللي هيجيبك في مكان زي ده! انكمشت إسراء على نفسها، وتبسمت في تهجم وهي تومئ برأسها، هامسة: _أيوه أنا. فصرخت سهير في انفعال: _لا، لا أكيد أنا بحلم مستحيل لا، لا. وانقضت عليها فجأة وجذبتها في حضنها في قوة، بل اعتصرتها. فـتـأوهت إسراء، مغمغمة بحنق: _هتكسري ضلوعي كده. فأبتعدت سهير عنها وظلت لثوانٍ تتأملها في هيام، حتى تنبهت لضمادة رأسها،
فسألت في جزع وهي تتحسسها: _إيه ده إيه اللي على رأسك ده وريني! أنتِ تخبطي ولا إيه؟ فتلمست إسراء بدورها الضمادة وردت عليها ببسمة حالمة: _لأ عملت حادثة، بس أفضل حادثة عملتها، حادثة بحبها أوي. عقدت سهير حاجبيها في تعجب وهي تسألها: _الحادثة غالية عليكِ!! مش غريبة دي؟ فهزت إسراء رأسها رافضة، وتبسمت بتنهيدة عميقة وهي تقول بنبرة شغوفة: _مش غريبة خالص، أصلها عرفتني على أخوكِ.
فأستعادت سهير صرامتها، وهي تعقب في حذر، كأنما توشك على الانقضاض عليها، مدافعة عن شقيقها: _أخويا! أخويا أنا تقصدي، بلال ذات نفسه؟! فأومأت إسراء إيجابًا، وتعلقت في ذراعها وهي تردف: _تعالي أما أحكيلك اللي حصل وليه أنا هنا. قصت أسراء على مسامع سهير كل شيء. من لحظة الحادث وحتى جلستهن تلك. فتفجر كل الأسى في نفس سهير، وهي تهمس في إشفاق: _كل ده، بس مين وليه اللي بيحاول يقتلك؟!
هزت إسراء منكبيها ببسمة خفيفة باهتة وهي تزم شفتيها، وافتر ثغرها عن بسمة صادقة ودودة، وسهير تسترسل: _بس مكنتش متخيلة الممثلين زينا كده عادي ومتواضعين وكل الصفات الحلوة دي. فردت إسراء ببساطة وهي تقلب شفتيها: _ليه إحنا مش بشر زييكم! بس مش كلهم طيبين ومتواضعين، في وفي طبعًا فالناس أصناف، والقلوب متفاوتة. فقامت سهير وهي تؤيد قولها: _معاكِ حق والله سبحان الله عز وجل. وجذبتها من معصمها، وهي تقول:
_تعالي أعرفك على ماما وعمرو. ثم أوقفتها فجأة وسألتها في حذر: _هو بلال يعرف أنتِ مين؟ ازدردت إسراء لعابها في توتر، وهزت رأسها في قلق، فمالت عليها سهير، وقالت بصوت خفيض: _طالما ميعرفش يبقى يستحسن ميعرفش لإن هو بيخاف علينا أوي. وضحكت متابعة: _بيخاف من الفتن تدخل بيتنا فنتفتن. دا غير إن التلفزيون عنده محرم مش بيقعد قدامه خالص أصلًا ولا بيتفرج عليه.
كانت متعجبة من تلك المودة والألفة التي لاقتها بها سهير. متعجبة كل العجب. فهي تضاحكها وتحادثها بكل مرح وبساطة كأنما تعرفها منذ سنوات، وكان لذلك أثر جميل في نفسها فلم تشعر بالغربة بل بالانتماء. بإنها كانت تحيا في غربة موحشة وها هي تجد الوطن. أقسى ما قد يحياه المرء هو غربة قلبه وسط أهله فيكون فارغًا من كل شيء، موحشًا مرتحلًا دائمًا في البحث عن وطن السكينة فيعود خالي الوفاض، لكن هذه المرة في ارتحاله لم يعد. لقد وجد الموطن. وأبى أن يعود، وأنّى له أن يعود وهو بين أحضان السكينة ينهل. وفي حضن عينيها يحيا. فهنيئًا لمن وجد موطنه. فغربة النفس قاسية.
كان بلال يجلس خلف عجلة القيادة قابضًا عليها بقبضتين تعتصرانها من شدة الغضب. لقد نشد دائمًا الأمان لعائلته بعيدًا عن ملاذات الحياة التي لا تشبع ولا تغني من جوع، فما بال الدنيا تعصف بالفتن الهوجاء داخل بيته. لماذا لا تعصف بعيدًا عنه. لما الدنيا لا تتركه وشأنه!
توغل الحزن في مسام روحه، وسرى في دمه وأحس بالخطر يحوم حوله، وقبضة باردة اعتصرت عنقه وهو يشعر بالاختناق، وبغصة أليمة في حلقه، وماجت أعاصير شتى مشاعر القلق في نفسه تموج كأمواج البحر المتلاطمة.
كان في انتظار إحدى زبائنه التي يقلهم كل يوم في ذات الموعد والحين. وأحس إنه بحاجة إلى كوب من الشاي عل سخونته تذهب بنيران روحه الملتهبة، فترجل من سيارته وعبر للجانب الآخر، ودخل القهوة وأتخذ طاولة خارجها وطلب كوبًا من الشاي وانتظر متأملًا سيل السيارات المندفع أمامه. كم تشبه قطار عمره الذي مر دون أن يقف به على إحدى المحطات. كأنه لا يبالي براحته. بهدوئه. بسكينته.
كانت شاشة التلفاز منشغلة وراءه، وهو لم يبال، ولم يلق حتى نظرة واحدة إليها. حتى صكت مسامعه عبارة المذيعة تقول: (خبر عاجل اختفاء غامض للممثلة إسراء الشهاوي يثير القلق، فبعدما عرف الجميع إنها في المستشفى إثر حادث على الطريق اختفت ولا أحد يعلم أين هي! فدعونا نرحب بوالد إسراء...
عند هذا الحد توقف سمعه عن السمع وأستدار برأسه. وتلقى الطامة الكبرى وهو يرى صورتها تأخذ نصف شاشة العرض، وهب واقفًا والشرر يتطاير من عينيه وهو يدقق النظر في صورتها المعروضة. هي بذاتها، بملامحها الطفولية، وبملابس تكشف أكثر مما تستر. فأخرج هاتفه وكتب اسمها في خانة البحث وراح يستقصي كل أخبارها. وكل صورها الفاضحة مع الشباب وغير. والغضب يتفاقم في داخله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!