الفصل 14 | من 21 فصل

رواية والتقينا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
22
كلمة
2,339
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

تفاقم الغضب في جوانح بلال، وانتفخت أوداجه وهو يتجه إلى القهوة، الذي علم أن عماد بداخلها. ولجها وكل خلجة من خلجاته تشف عن عصبيته، وهو يركل بقدمه إحدى المقاعد، لتتصاعد شهقات الرجال ذهولًا من حالة بلال، التي لأول مرة تطفح على الملأ. فقد كان معروفًا بينهم بحسن الخُلق، هادئ لا يميل للعدوانية، ونادرًا ما يتشاحن مع أحدهم.

ما أن لمحه عماد مقبلًا نحوه كعاصفة هوجاء، ترك قدح الشاي من يده، وهو يبتسم ابتسامة منفعلة، خائفة، مغمغمًا: _أبو نسب تعالَ اتفضل. _ما أنا هتفضل على روحك بإذن الله. صرخ بها بلال وهو يجذب عماد من تلابيب ملابسه. وعماد يهتف متوترًا، وجلًا: _اهدى يا بلال في إيه مالك، بتمسكني كده ليه؟ فدار به بلال ثم دفعه خارج القهوة، هاتفًا: _ولك عين تسأل في إيه؟ دا أنا هندمك على اليوم اللي اتجوزت فيه أختي. فنهض عماد منفضًا كفيه من سقطته،

وهو يردد: _آه هي اشتكتلك؟! إيه يا عم وانت مالك مراتي وبربيها. لم ينطق بلال، لم يقو على سماع المزيد. فلم تكد العبارات تنفذ إلى أذنيه، حتى انقض على عماد مبتغيًا تهشيم ذراعيه اللذان ارتفعا على أخته. وتلاحما بشجارٍ عنيف، كان الظافر فيه بلال لولا الرجال الذين تجمعوا حولهم في حلقة دائرية، وطائفة تمسك بعماد النازف، وأخرى ببلال. وبينهم سعيد، وبلال يصرخ: _هطلقها يا ابن الـ***. وعماد يجيبه في عناد:

_مش هطلقها وبيني وبينكم المحاكم، وهطلبها في بيت الطاعة ويا أنا يا أنتم. أفلت بلال من بين الرجال وهم أن يمسك فيه مرة أخرى، لولا سعيد الذي شل حركته من الخلف وهو يهتف: _اهدى يا بلال الأمور مش بتتحل كده. وجاهد بلال كي ينفلت من بين ذراعي الرجال وسعيد وهو يصرخ: _هتفاهم معاه بس سبوني. _لا حول ولا قوة إلا بالله، اهدى يا بلال يا بني مش كده.

قالها أحد الرجال وهم يجذبونه داخل القهوة، بينما فر عماد من المكان من شدة الخوف رغم العناد الذي تولد في قلبه بعدم تطليقها. جلست إسراء في مكتب وكيل النيابة في انهيار تام، ودموع لا ترقأ، ولسانها يردد في صدق: _اقسم بالله ما أعرف الحاجات دي جت في شنطتي إزاي. فتنهد وكيل النيابة في ضجر، وهو يميل إلى الأمام مشبكًا كفيه أمام وجهه، وعاد يسألها في هدوء: _يعني أنتِ بتأكدي أن المخدرات اللي في شنطتك مش ليكي؟

أومأت إسراء برأسها إيجابًا. فتفرس وكيل النيابة النظر فيها، قبل أن يقول: _كل مجرم بيجي هنا لازم يقول الكلمتين دول يا فنانة، ووحدة زيك فجأة سابت التمثيل ما هو طبيعي عشان لقيتِ شغل فلوسه أكتر. صرخت إسراء في إعياء: _بس أنا مش مجرمة ومسبتش التمثيل عشان اللي بتقول عليه ده. صدقني معرفش الحاجات دي لقيتوها في شنطتي إزاي؟

تراجع وكيل النيابة في مقعده، وصمت مليًا بدا بتفكير عميق، وهو يمعن النظر فيها كأنما ينفذ إلى أعماقها ويسبر أغوار نفسها، ثم هز رأسه، وقال بلهجة حادة: _تمام خلينا نقول إنها مش ليكي فعلًا، مين هيكلف نفسه يشتري مخدرات ويحطها في شنطتك لمجرد إنه يدخلك السجن؟ أنتِ بتتهمي حد؟ ومع سؤاله أشرق الأمل في قلبها، وتجمدت العبرات في عينيها وهي ترفع رأسها نحوه، قائلة بلهفة: _أيوه في حد أنا بتهم هشام. المخرج هشام البسيوني.

فتراجع وكيل النيابة في مقعده، ورمقها بنظرة ثاقبة، وهو يقول في تريث: _المخرج هشام البسيوني مرة واحدة؟ وليه هشام هيعمل حاجة زي دي؟ ولا يكسب إيه لما يسجنك؟ ثم ضغط على زرٍ دخل على إثره جندي فورًا مؤديًا التحية العسكرية وهو يضرب كعبيه في الأرض، هاتفًا: _أوامرك يا فندم. فأشار وكيل النيابة له على إسراء، مستطردًا: _دخلها الحجز. وهتفت إسراء كمن أصيب بمس من الجن: _حجز؟! حجز إيه اللي أدخله لأ، لا طبعًا. وأبعدت كف الجندي،

وهي تصيح: _أبعــــــــــد عنـــــــي أنا مش مجرمة مش مصدقني ليــــــــــــه؟ ومدت بها الأرض فجأة، وسقطت مغشيًا عليها. _أنا حامل يا أميرة، يعني مستحيل هطلق منه، ليه يا ربي رزقتني بحاجة تربطني بيه، ليه؟ هتفت بها سهير بحزنٍ يفطر القلوب، وبعبرات تتدفق بالأسى من عينيها، وهي تنهار باكية على فراشها. وأميرة تقف متخصرة، مصدومة. وعندما استوعبت ما قالته سهير، هتفت باستنكار:

_هو إيه اللي مستحيل تطلقي، ربنا رزقك بطفل خلاص دا نصيبك إيه هنكفر؟ احمدي ربنا دا رزق وجالك. فردت سهير وهي تضم ركبتيها إلى صدرها وتدفن وجهها بين مرفقيها: _لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، الحمد لله يا رب الحمد لله. وظلت على هذه الحالة لفترة، قبل أن ترفع رأسها إلى أميرة، وقد جفت دموعها، وهي تقول: _عمري ما تخيلت إن يوم ما أكون أم هكون شايلة كل الحزن ده في قلبي، وابني يكون من أب جشع بعيد عن أي إنسانية.

جلست أميرة القرفصاء بجانبها، وهي تغمغم: _يا ستي خلاص بقا أنسيه أنتِ دلوقتي هتطلقي منه والواد هيتربى وسطنا، طلعي عماد من دماغك بقا عشان مش هيقدر بعد كده حتى لما يشوفك يرفع عينه فيكِ. فلُجمت سهير لوهلة، وقالت مطرقة الرأس، بيأس: _بس أنا مش هسيب عماد، مش هكون حمل على بلال أنا وابني هيتحمل قد إيه؟ خليه يشوف حياته دا كان اختياري وأنا مسؤلة عنه لوحدي. فهبت أميرة واقفة، وهزتها في عنفٍ، ونهرتها قائلة:

_أنتِ مجنونة يا بنتي حِمل إيه؟ دا بلال يا سهير هو أنتِ لو معرفتيش اخوكِ أنا اللي هعرفك؟ دا هيموت من الفرح لما يعرف بحملك دلوقتي وهيشيلك جوة رموش عينيه. بطلي هبل وأخذ قرارات بتدمرك قبل ما تدمرك. همت سهير بالتفوه بشيءٍ ما، ولكنها أثرت الصمت ولاذت بالسكون وهي تهز رأسها موافقة لأميرة التي ضمتها في حنان، وأخذت تتلو عليها بعد آيات القرآن الكريم. دخلت إسراء برفقة الجندي إلى مكتب وكيل النيابة، الذي استوى في جلسته، مغمغمًا

وهو يشير لجندي: _اطلع أنت، اتفضلي يا آنسة إسراء. فجلست إسراء على المقعد أمامه، وهي ترمق بنظرات خاوية محامي الدفاع الجالس أمامها في وهن، بينما وكيل النيابة يقول: _عاملة إيه دلوقتي؟ فأسبلت إسراء جفنيها في إعياء، وبضعف أومأت برأسها، دون أن تقوى على التفوه بكلمة، كانت خائرة القوى. وتنهد وكيل النيابة في عمق وهو يشبك كفيه أمام وجهه، مرددًا في تمهل:

_إحنا طبعًا عملنا اللازم وعلى كلامك واتهامك حققنا في الموضوع والمشتبه به هشام البسيوني، ولكن كل ادعاءاتك خطأ. رفعت إسراء رأسها إليه في حدة، ونبأها هاجس مخيف، أن القادم من حديث وكيل النيابة سيهدم كل حياتها حتمًا. فاذدردت لعابها وهي تراه يتراجع في مقعده ويحرك سبابته وإبهامه على ذقنه، ويقول وهو يتفرس فيها:

_المخرج هشام البسيوني مش موجود من شهر في مصر، هو مع عيلته بيقضي وقت لطيف معاهم خارج مصر خالص. أي إنه مسافر من قبل كل ده ما يحصلك، وبالتالي مستحيل يكون هو اللي حط لك المخدرات وكل أقوالك ما هي إلا ادعاءات باطلة. هبت إسراء واقفة متسعة العينين، وصرخت في صدمة، وانهيار: _يعني إيه مسافر من شهر؟ بقولك حاول يقتلني كان في أوضتي وضرب بابا و... وأجفلت متراجعة مع صراخ وكيل النيابة وهو يضرب بكفه على سطح المكتب:

_ألزمي السكوت وإلا رميتك في الحجز بتهمة تانية دلوقتي، أنتِ مفكرة نفسك فين؟ ولاذت بالصمت وهي تنظر له بقلبٍ فارغ، وأحست أن الدموع التي تنسكب من عينيها تسحب روحها ببطءٍ شديد. ولم تشعر بخروج وكيل النيابة بعدما استأذن منه المحامي بالتحدث معها على انفراد. وقف المحامي مشيرًا لإسراء بالهدوء وهو يغمغم: _لو سمحتِ اقعدي عايز أسألك كام سؤال مهمين احتمال يفيدونا في القضية. جلست إسراء، وهي تقول في أسى:

_ما خلاص القضية لبساني اظاهر مفيش منها خروج. زفر المحامي بضيق، ثم سألها قائلًا: _اليوم اللي لقوا فيه المخدرات في شنطتك، خرجتي من البيت؟ ولا حد كان عندك؟ تنبهت إسراء لسؤاله، وعلى الفور استرجع ذهنها أحداث اليوم، قبل أن تهز رأسها، مغمغمة: _لا، لا محدش جه إلا عمو مدحت وهو مدخلش أوضتي ولا سبتُه دقيقة وبعدين مستحيل يكون هو، وأنا مخرجتش في اليوم ده. _طيب، تشكي في مين من الخدم؟ تسألت إسراء بانهيار: _أشك في مين؟ وهزت

رأسها في عنف وهي تقول: _أنا مش عارفه مش قادرة أشُك في حد، مش قادرة. ووارت وجهها بكفيها وازداد نحيبها في يأس، لقد خسرت حياتها. خسرت آمالها وأحلامها. ستدفن حية ما بين أربع جدران لا حياة بها. رجع بلال ليلًا بعد ما انتهى من عمله منهكًا، لم يكن يدري ما الذي حل بإسراء. والعجيب أنه قد تناساها في غمرة هم أخته الجاثم على قلبه وعقله. قبل رأس والدته، وبادل شقيقه عمرو الحضن، وجلس وهو يسأل عن سهير، قائلًا: _امال سهير فين؟

فردت عايدة في هدوء: _في أوضتها يا بني. فنهض بلال وهو يقول ببسمة: _هدخل أطمن عليها. وتوجه إلى حجرتها، وأطل من الباب لكنه وجد الغرفة خالية، فتلاشت بسمته وهو يدفع الباب ويدلف للداخل مناديًا باسمها، وقد استبد به القلق. ولم يكد يخرج من الحجرة ليخبر أمه ألا أنه حانت منه التفاتة على المرآة، وجذبته ورقة ملصوقة عليها. جذبه بلهفة، والتهمت عيناه محتواها الذي كان: _بلال، أنا رجعت إلى عماد، أتمنى أنك تسامحني.

وتأججت نيران الغضب في عينيه وهو يكور الورقة في قبضته، ويصرخ في انهيار وهو يركل بقدمه كل ما يقابله: _لـــــــــــــيـــــــــــــه ماشي ماشي يا سهير، بتهيني أخوكِ؟ ثم جلس على حافة الفراش بقهرٍ، ودفن وجهه بين كفيه، مع سؤال والدته في لوعة: _بلال، مالك مالك يا حبيبي في إيه، آه. تأوهت في ألم وهي تسقط إثر تعثرها في شيءٍ ما، فوثب بلال مهرولًا إليها وبعد أن اطمئن عليها، هتف:

_بنتِك رجعت لجوزها بنتك هنتني وصغرتني ورجعت ليه بنفسها. تصاعد رنين جرس باب شقة عماد، فهتف وهو يتجه لفتحه: _إيه جاي ياللي على الباب ارفع ايدك من على الجرس هي الكهربا ببلاش؟ وفتح الباب في حركة حادة، وارتفعا حاجبيه ذهولًا وهو يرى سهير أمامه، فغمغم بضحكة ظافرة: _أهلًا بالمدام اللي بتحب المرمطة، إيه اللي جابك؟ مفتكرش إني جيت خدتك من بيت أبوكي ولا حاجة، ولا قولتلك ارجعي، على العكس كنا ناويين على طلاق!

وابتلعت سهير الإهانة في أسى، وخرجت الكلمات من حلقها في صعوبة وهي تقول: _عماد أنا رجعت لك عشان أنا حامل. فتبسم عماد وتألقت عيناه وهو يجذبها من ذراعها في قوة إلى الداخل، موصدًا الباب في عنف، وصاح: _والله خبر بمليون جنيه، بس إياكِ تفكري إنك عشان حامل فهغفر للي عملتيه ولا هتعيشي هنا ملكة. وطاف حولها وهو يتابع: _أنتِ هنا هتعيشي خدامة، والخدامة أحسن منك كمان.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...