الفصل 5 | من 25 فصل

رواية وجلا الليل الفصل الخامس 5 - بقلم زكيه محمد

المشاهدات
17
كلمة
3,495
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

على طاولة الطعام، ينغمس الجميع في تناول وجبة إفطاره، ومشاعر جمة تحلق فوق رءوسهم، ورائحة الغل النتنة التي تغطي على المكان. كانت تلتهم الطعام كعادتها دون أن تلاحظ تلك الأنظار المصوبة نحوها، ساد الصمت قبل أن تقطعه تلك التي هتفت بتوبيخ دون أن تراعي لشعور ابنتها وأنها أحرجتها وسط ذلك الجمع: -بزيدانك وكل هتروحي لوين تاني؟ تحول وجهها إلى اللون القرمزي حرجًا وتمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها من فرط الخجل، نهضت تتخبط بدون

هوادة وخرج صوتها المتألم: -عن أذنكم أنا ماشية يا أبوي. هز رأسه بدون اكتراث، لتسرع هي راكضة بأقصى استطاعتها وعندما توارت عن الأعين، جلست بإهمال على العشب تتنفس بسرعة، ترثي حالها ككل مرة، ما ذنبها؟ أكل هذا لأنها بدينة! سئمت تلقي الإهانة سواء بالداخل أو بالخارج، فأصبحت ترتدي ملابس فضفاضة للغاية حتى لا تظهر سمنتها ولكنها لم تسلم من أذيتهم طوال تلك المدة.

علت شهقاتها وملئت المكان، انتفضت في مكانها عندما لامست كف صغيرة ذراعها علمت لمن صاحبتها، رفعت وجهها نحوها فجلست الصغيرة قبالتها ومدت يديها وأزالت عبراتها قائلة بحنو: -متبكيش تاني يا شمس. ثم مدت لها بالطعام قائلة بخفوت وهي تهمس لها بجوار أذنها وكأنه سر عظيم: -متقوليش لحد أنا علطول هجيبلك الوكل إهنة من غير ما حد يدرى. ابتسمت لها بحب ومسحت على خصلاتها الناعمة، وربتت على يديها التي تحمل الطعام قائلة:

-لاه أنا شبعت يا جنا كُلي أنتِ. ذمت شفتيها قائلة بعبس طفولي محبب: -لاه أنتِ مأكلتيش حاجة أنا شوفتك زين. نهضت من مكانها تجنبًا للجدال مع تلك الصغيرة التي تنتبه لكل شيء وقالت بتهرب: -هروح المزرعة، يلا أدخلي أنتِ عند جدتك قبل ما أبوكِ يوعالك وتبقى مشكلة. قالت ذلك وانصرفت بقلب مفطور، لا تعلم من أين تبدأ مداواته؟

من جانب التنمر الذي تتعرض له من الصغير قبل الكبير، ولا على حديث والدتها الذي يسم بدنها، ولا على ذلك الحبيب الذي كلما ظنت أن طريقهم تقلصت مسافته تجد بلدان بينهما؟ تنهدت بأسى وهي تعنف ذاتها ككل مرة قائلة بتوبيخ: -وه يا شمس ميتا هتفوقي؟ بلاها هم ووجع بزيدانا اللي إحنا فيه. أنهت كلماتها ورسمت شبح ابتسامة على فيها، وتابعت سيرها نحو المزرعة.

يتناول طعامه بهدوء ظاهريًا، وبداخله يخوض قتالًا عنيفًا كي لا يصرخ بحبها أمام الجميع الآن، تطلع لشقيقه بامتعاض لم اختارها هي من بين كل الفتيات؟ لم يريد أن يحرمه من سعادة يتوق لعيشها معها؟ هوى قلبه بين قدميه عندما سمع صوت ضحكتها الخافت، تجهم وجهه وهو يتذكر طلب أخيه من والده، لا سيتصرف بسرعة لن يدعها تذهب كالسراب من أمامه، سيحاول فعل المزيد للفوز بها، لا لن يتركها له فهي ملكية خاصة به وانتهى الأمر.

تنظر له بكبرياء أنثى قاتل، وهي تبتسم بخبث لعلومها مدى سيطرتها وهيمنتها على سلطة قلبه، وهذا ما أشبع غرورها الأنثوي، وجعلها تتكبر أكثر على تكبرها الذي لا سطح لديه ليقلل من جماحه، ولم لا وهي الجميلة مقارنة بشقيقتها في الهيئة فهي تهتم بذاتها بكثرة مستغلة الأسلحة المتواجدة لديها، نظرت لوالدتها بنظرات ماكرة وترسل لها بمقلتيها رسالة تنص على أن كل شيء يصير كما هو مخطط له، لتبادلها الأخرى ابتسامة خفيفة، وهي تهز رأسها بأن هذه هي ابنتي.

سارت بخطوات شبيهة للسلحفاة، تشعر بأنها شاه مقدم على النصب، تباطأت أنفاسها حتى كادت أن تنعدم، تجر قدميها بصعوبة نحو موتها المحتم، قبضت على السكين التي بالحقيبة، وكأنها جندي يحرسها وسيقوم بالدفاع عنها بكل ما أوتي من قوة، أخذت تلتف يمينًا ويسارًا في ذعر، وهي تشعر بكم هائل من الأعين تحوم حولها، لوهلة فكرت في العودة وليفعل ما يفعل، ولكنها عندما تذكرت شقيقها شعرت بدوار شديد، لعلومها بالنتائج المترتبة على ذلك إن شم خبر.

وصلت للمكان المطلوب، الذي يخلو من أي صوت عدا نبضات قلبها التي في سباق مع الزمن، هزت رأسها بتصميم قائلة بتوبيخ: -أنا إيه اللي أنا بعمله دة؟ لازمًا أعاود دلوك. وما إن استدارت لتغادر، صرخت بفزع حينما أطبق بكفه الغليظ على ذراعها الرقيق، وهتف بخبث: -على وين يا حلوة؟ ما لسة بدري! تململت حتى نجحت في فك يده التي كانت بمثابة جمر، وهتفت بغضب منها ومنه: -رايد إيه يا راضي؟ شملها بنظراته الوقحة من أعلاها لأسفلها قائلًا بعبث:

-يعني واحدة جايه لواحد حتة مقطوعة زي دي في عز القيالة هيكون رايد منها إيه! كادت أن تفقد وعيها إثر استيعابها لكلماته، وأردفت بهمس تترجاه أن يتركها: -حرام عليك يا راضي، أنت معاك خوات بنتة ترضى حد يعمل فيهم إكدة؟ رفع شفته العليا بابتسامة تهكمية قائلًا: -والله لو خواتي زيك كنت دفنتهم مطرحهم. اتسعت عيناها بهلع قائلة: -هملني أمشي يا راضي وأنا والله ما هقول لحد واصل.

قهقه بصخب وما كان صدى ضحكه إلا نيران أحرقتها، تراجعت للخلف بذعر وقد حسمت أمرها في الهروب، إلا أنها وقعت في عرين الأسد، علمت بأنها النهاية لا محال وسيقتل روحها، ولكن قبل أن ينفذ ما يجول بمخيلته، ظهر شقيقها من العدم والذي كان مفاجأة لهما، على الرغم من الوهل الذي تعانيه، إلا أنها اطمأنت لوجوده إلى جوارها. توجه نحوهما وسحب شقيقته بعيدًا، وطالع الآخر بكمد عاصف وجلجل بصوته كله: -بتتعدى على عرضي يا راضي؟

طيب وديني ما أنا ههملك النهاردة. قبل أن يسدد له اللكمة هتف "راضي" بسخرية: -طيب ما تتفرعنش قوي إكدة وتعمل فيها سبع الرجالة، مش تشوف إختك اللي ختماكم على قفاكم وبتتحدت وياي في التلفون؟ جن جنونه وقد تلبسته الشياطين توسوس له بالسوء، فتابع بغضب حارق: -بتقول إيه يا عرة الرجالة أنت؟ أثارت كلماته حفيظته، فردد بمكر: -لو مش مصدق خد أها أتوكد بنفسك يا طايع.

قال ذلك ثم أعطاه الهاتف، وعندما سمع ورأي لم يستطع تصديقه، أتلك التي زرع بها ثقته العمياء، يجني منها النكران والخيانة لعدهم! تطلع لها بأعين تتسائل، فتهز رأسها بندم ليعلم أن ذلك حقيقي وليس حيلة ابتدعها هو، احتل السعير مقلتيه التي أظلمت كليل داج، وعلى حين غرة صفعها بشدة حتى ترنحت وسقطت أرضًا، والغريب أنها لم تبك فهي تستحقه، ويا ليته صفعها منذ البداية لعادت لرشدها وما أقدمت على ذلك الجرم في حقه وحق عائلتها.

التف هو لذلك الواقف والذي يتابعهم ببسمة انتصار، ولكنها مُحيت عندما تلقى كدمة شديدة منه، وصرخ بوجهه مرددًا باحتداد: -هاقتلك يا راضي محدش هيحوشك عني النهاردة. دلفا الإثنان في شجار دامي، متساوي الأطراف متعادل الكفتين، هذا يسدد وذاك يرد له الضربة ضربتين، وبعد وقت قضياه في معركتهم هذه، دفعه بعيدًا عنه ليخرج سلاحًا يحمله في جيبه، وصوبه نحوه مرددًا بتهديد: -لو ما خدتش إختك وغورت من إهنة هقتلك.

أردف بخشونة وقد صعدت دمائه إلى فوهة غضبه لتصب حممه على عروقه فتزيد من لهب النار المشتعل به: -دة أنا اللي هشرب من دمك وملكش دية حداي. وفي محاولة منه للحصول على السلاح الذي بحوذته، وما بين شد وجذب حدث ما لا يحمد عقباه، إذ اخترقت الرصاصة أحدهم اتبعها صرخة مدوية منها، شقت سكون الأراضي الزراعية التي يتواجدون بها.

يمتطي جواده والذي تعلق به كثيرًا منذ أن أتى لهنا، يستمتع بتلك الخضرة التي تحيط بالمنزل، بعد أن أخذ إجازة من عمله المرهق في عيادته الخاصة والمستشفى العام. من خلف النافذة تراقبه بعد أن لمحته يمشي، وهي تقف كالتمثال تعلم ما تفعله خاطئًا ولكنها تتبع قلبها الذي سيقودها للموت حتمًا، انتفضت في محلها عندما هتفت إحداهن بجوار أذنها: -بتعملي إيه إهنة يا وجد؟ تراجعت للخلف وهي تبصق في مقدمة ثوبها، قائلة بهلع

وهي تمسد على قلبها الهزيل: -وه يا خالتي ضرعتيني، مبعملش حاجة هكون بعمل إيه يعني! مصمصت شفتيها بسخط قائلة: -طيب يا عين خالتك روح شوف شغلك بدل وقفتك دي اللي ملهاش لازمة. جعدت أنفها قائلة من بين أسنانها: -حاضر يا خالة. تحدثت بضجر وهي تمد لها سلة بلاستيكية: -روحي هاتي شوية خضرة من برة عشان نعملوا السلطة.

انفجرت الألعاب النارية بعينيها فرحًا وهي تكاد تقفز صائحة بسعادة، فهذه فرصتها ليراها وتراه عن قرب، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، إذ دلفت والدتها في الوقت المناسب تهتف بصرامة وهي تتطلع لها بتحذير: -لاه يا سكينة هاتي أنا اللي هجيب الخضرة.

قالت ذلك ثم تناولت منها السلة، وتوجهت للخارج والغضب يخيم عليها، وسرعان ما تلقاها الحزن على صغيرتها الهشة، التي تشبه غصن الشجرة الغير مستكين، فإن عصفت به الريح تحطمه، وهذه هي التي لم تتعلم من تجارب الحياة بعد، تخشى على فؤادها حين يصيبه الخذلان، يا ليت بإمكانها نزعه من داخل مضغتها وتمحيه من ذاكرتها، لارتاحت ونامت قريرة العين، فيكفي ما عانته هي فلا تريد المثل لها، بل تريد لها كل ما هو خير.

جلست بضيق شديد وهي على وشك البكاء، فوالدتها اقتنصت منها فرصة كادت أن تغتنمها، ذمت شفتيها بعبوس وهي ترى طرقهم منقطعة وصعب أن تتلاقى عند أي منعطف، تنهدت بوجع وهي تقوس ثغرها بابتسامة ساخرة، ورددت في قرارة نفسها بأن تدع الأمور تسير كما ترغب. بالخارج تسير بدلال وتقدمت نحوه ما إن رأته، ليتوقف بصعوبة كي لا يدعسها بالخيل تحته، هتف بتوبيخ وحدة: -وه إتجننتي إياك! مش تبعدي من الطريق هبابة ولا موعياليش؟ هتفت بنبرة خافتة وخجولة:

-لاه وعيتلك عشان إكدة جيت ناحيتك. غمز لها بطرف عينه قائلًا بمكر: -أتوحشتك إياك! فرشت مقلتيها الأرض حرجًا وابتسمت بخفوت، بينما تابع هو بصبابة وتنهيدة عشق: -يا أبوي! لاه مهقدرش أنا على إكدة خفي علي يا بت عمي. ضحكت بنعومة أذابت جدران قلبه، لتردف بعدها بعتاب: -بس أنت كأنك ما لاقيتها وحطيت يدك في المية الباردة وممتحركش. ضيق عينيه قائلًا بعدم فهم: -قصدك إيه يا نورا؟ رفعت حاجبها بانفعال ورددت:

-قصدي طلب أخوك ولا أنت لحقت تنسى! بالفعل نسى لتأتي هي بمثابة الصفعة التي تذكره بهذا الموضوع، والذي لم يجرؤ أن يتحدث فيه معهما حتى الآن، لا يمتلك الشجاعة الكافية في أن يخبر أخيه بأن يتخلى عن طلبه، لأنه هو أحق بها وليس هو، يشعر بأنه مقيد غير قادر على الحركة، فهو في المنتصف أيخسر شقيقه أم يخسرها هي؟ تحاشى النظر بمقلتيها كي لا يجلدانه بسوط العتاب، وردد بتوتر:

-لاه منسيتش يا نورا، بس استني علي هبابة إكدة يكون ساويت الأمور. أردفت بغيظ منه: -اه ويكون يحيى نفذ اللي رايده مش إكدة؟ صاح بعنف فيها فقد وصل لزروة عصبيته: -وبعدهالك عاد! أنا ماشي. قال ذلك ثم انطلق مسرعًا للخارج، بينما قبضت على كفها بغضب قائلة: -وبعدهالك عاد، لا أنت متحرك ولا واخد خطوة، شكل منابنا هيطلع على فشوش.

بالداخل نشب حريق تصاعدت أدخنته، وفاحت رائحته النفاذة، ليس بالمطبخ وإنما في صدرها عندما رأتهم يتبادلون الحديث، والإبتسامة لا تفارق ثغريهما، ودت لو تذهب وتنهره بأن لا يتحدث معها ولا مع أي أنثى، وأن تقوم بجر تلك الواقفة معه وتبرحها ضربًا، ولكن بأي حق؟ وهنا تكمن الإجابة التي علمتها تمام العلم واحتفظت بها لنفسها. عادت أدراجها تجر أذيال خيبتها، والتي لم تتوقع أبدًا أن تأخذ ذلك المسار وتسلكه.

دلفت بتعب وإرهاق بعد العمل الشاق الذي بذلته في المزرعة، في سبيل أن تطمئن على الحيوانات وتطعيمها، جلست على الأريكة تلتقط أنفاسها وقد غلب عليها النعاس.

أتت والدتها وعلى وجهها ابتسامة مشرقة على غير العادة، تساءلت عن سببها وقد نبتت القلق بداخلها، جلست إلى جوارها وما هي إلا لحظات حتى تبعها والدها الذي جلس بتجهم، وهو يتذكر ما حدث قبيل ذلك بقليل، حيث دلف وعلى وجهه إمارات التعجب من طلب أحد معارفه، بأنه يريد الزواج من ابنته، لم يرد عليه وكأنه سمعه بشكل خاطئ، ولوهلة خُيل له أنه يطلبها لابنه، ولكنه سمعه في هذه المرة أنه يريدها لنفسه، لم يعطيه ردًا في الحال وتركه متخبط،

وعندما وفد للمنزل وأخبر زوجته، أطلقت الزغاريد فرحًا بهذه المناسبة فأخيرًا ستتزوج، ولن تظل ليعايرها النسوة بها، وعندما هم بالاعتراض أخرسته بحدتها المعتادة، بأنه لا يعرف مصلحة ابنته وأنه رجل له صيته بالبلدة، فما كان أمامه سوى أن يلتزم الصمت.

تنحنحت بحرج من تطلعهما الشديد بها، وهتفت بتوتر ودهشة: -في حاجة ولا إيه! هتفت "زبيدة" برحابة صدر وحنو لم تستشعره منها مؤخرًا: -كل خير يا بتي إن شاء الله. هزت رأسها بفضول قائلة: -خير يارب. أردفت بفرح: -في عريس جايلك. وقع عليها الخبر كمن قاموا بقذف مرجل مملوء بماء مغلي وألقوه بوجهها، فاحترقت جميع خلايا جسدها على إثره، ماذا تقول؟ لا تصدق، لا بالتأكيد سمعت بشكل خاطئ، إذ رددت بوجل: -قولتي إيه يا أما؟

كررت جملتها عليها، لتعي أنها لم تتخيل وإنما هو واقع لا مفر منه، وأين المفر؟ فقد أُغلقت جميع الأبواب بوجهها! أردفت بخفوت وهي تخشى الإجابة: -مين؟ تابعت وهي تلفظ باسمه بفخر: -الحاچ سليمان أكبر تاجر فيكِ يا بلد. بهتت ملامحها وتحولت إلى الاصفرار كالليمونة، لا تصدق أن كل هذا الفرح الذي يشع منها من أجل ذلك الذي بعمر والدها! رددت باعتراض: -بس يا أما دة كبير دة قد أبوي. جعدت أنفها بضيق قائلة:

-وفيها إيه يعني الراجل ما يتعيبش وفرصتنا وجات لحد عندنا نقولها لاه! نهضت قائلة برفض قاطع: -لاه يا أما أنا مموفقاش على حد، استحالة أتجوزه. أردفت بسخرية طاعنة إياها بخنجر ألمها بمنتصف صدرها: -هو إحنا لاقين، دة كويس أنه رضي بيكِ، دة ولا واد في النجوع جه وأتقدملك يبقى تحمدي ربنا، يلا أجهزي الأسبوع الجاي قراية فاتحتك. نظرت لها مشدوهة وكأنها برأسين، ما هذا الذي تهذي به؟

مستحيل أن تقبل به، ليس لأجل ذاك الحبيب الأبله والذي رفضت من أجله زملائها بالجامعة والمعيد والدكتور الذين لم تخبر بهم أي أحد، ليأتي ذاك ويسرق كل ما بنته في لحظة لا لن تستسلم ولو بموتها، توجهت نحو والدها قائلة بدموع حبيسة: -أبوي أنت راضي على المهزلة دي؟ رايد تجوزني لواحد قدك ويمكن أكبر منك؟ ما هم أن يرد عليها، أسرعت هي متدخلة بصرامة:

-أنتِ هتتجوزيه غصب عنك ورجلك فوق رقبتك، أبوكِ أدى الراجل كلمة ولا رايدة تصغريه قدام الخلق. تطلعت له تستشف إجابته، وحينما وجدته صامتًا وضعت كلتا يديها على ثغرها بعدم تصديق، وهي تتراجع للخلف، ومن ثم صعدت لغرفتها تفكر في حل لتلك المصيبة. ألقت بنفسها على الفراش وانفجرت في موجة بكاء عنيف، بصوتها كله تخرج ما كبتته طيلة تلك المدة، سمعت طرق الباب فهتفت بصراخ: -مريداش حد هملوني لحالي.

دلفت هي تصطنع ابتسامة بسيطة، وقلبها ينزف ألمًا عليها فقد سمعت ما دار بالأسفل، وكم هي تشفق عليها وهي تشعر بقلة حيلتها تجاهها، فبأي حق ستتدخل؟ هتفت بهدوء وتماسك وهي تشاهد انهيارها الذي تنشطر له الأفئدة: -طيب ولا أنا حتى ريداني؟ تطلعت نحوها لتنهض من مكانها قائلة برجاء: -ألحقيني يا مرت عمي، ألحقيني أحب على يدك، مريداش أتجوزه هموت روحي لو جوزوهولي، أيوة هموت روحي وأرتاح وأريحهم.

لم تستطيع أن تصمد، فجلست بجوارها واحتضنتها بحب، وأخذت تمسد على ظهرها بحنو قائلة بدموع: -بس خلاص بزيدانك يا بتي متحرقيش قلبي عليكِ. رددت بتوسل كان بمثابة سيف غمدته في صدرها: -خليهم يرفضوه ومش هاكل تاني واصل عشان ما أتخنش، بس خليهم يقولوا لاه، أحب على يدك قولي لعمي يقول لأبوي لاه. تساقطت عبراتها بتعاطف، وهي تشعر بتهشم قلبها لحديثها ذاك، وتابعت بحنان وهي تشدد من احتضانها:

-حاضر يا بنيتي هقوله بس هدي حالك، هتموتي روحك يا بتي بزيدانك. إلا أنها لم تتوقف فتركتها تفرغ ما يجول بخاطرها، لعلها ترتاح بعد ذلك وبعد وقت هدأت وتيرة بكائها، وغفت بين ذراعيها لتمددها برفق على الوسادة، ومسحت عبراتها بعاطفة أم جياشة، وحررت وشاحها لتتنفس براحة، تنهدت بعمق وهي تفكر مليًا في حل لهذه المشكلة، ولتخلص تلك العصفورة من براثنهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...