تسللت من بينهم خلسة دون أن يشعر بها أحد، مستغلة انهيار مراد بين يدي والده وإنهماك سهام في البكاء. أسرعت نحو سيارتها المتهالكة وانطلقت بها إلى الخارج، تشعل كشافاتها لترى بوضوح في سواد الليل الحالك. بمجرد أن خرجت بسيارتها من بوابة القصر العتيقة، أصبحت تنظر هنا وهناك في قلق، وكأنها تبحث عن شيئًا ما، إلى أن وصلت إلى آخر الطريق فوجدت مبتغاها.
ها هي غارقة بدمائها في وسط مستنقع من الأوراق والزجاجات الفارغة والقمامة. حيث أمر زوجها حراسه برميها بالقرب من سلة القمامة بالخارج، وبالفعل فعل الحراس ما أمرهم به سيدهم. فترجلت من سيارتها وأسرعت إليها، ثم جثت على ركبتيها هاتفة بها بهلع وقلق واضح. "مدام أصالة، أنتي كويسة؟ فتحت أصالة عيناها وسرعان ما عادت لغلقهم، وكأنها تسمعها وهي بين الوعي واللاوعي. فزفرت الأخيرة بارتياح، ثم همست لها بجدية.
"متقلقيش يا مدام، أنا معاكي وهننقلك للمستشفى حالًا." "أصالة" بنبرة خافتة مجهدة. "إبـ…ـني." "شهيرة" وهي تهم بجذبها حتى تدخلها بسيارتها. "متقلقيش، هيكون بخير. أرجوكي يا مدام ساعديني عشان أطلعك العربية."
ولكن ما من رد. فها هي سابحة في عالم آخر، وكأنها قد وجدت الوقت المناسب لتعلن فيه استسلامها وعدم رغبتها في البقاء أكثر من ذلك. فتحاملت شهيرة على حالها، فهي الأخرى تحمل بإحشائها جنين تخشى كثيرًا خسارته. فحاولت جذبها برفق إلى سيارتها عن طريق مساندتها، ولكن الأخيرة كانت مترخية وعضلاتها فيها من الليونة ما يكفي لجعل الأخيرة تتفركش أكثر من مرة، خصوصًا بأن وزنها ضعيف للغاية وقوتها تكاد تكون معدومة. فحاولت مرارًا وتكرارًا إلى أن نجحت أخيرًا في إدخالها إلى سيارتها من الخلف.
ومن ثم ركضت إلى عجلة القيادة وانطلقت بها صوب المشفى سريعًا. وبعد مرور ما يقرب من ساعة وثلث، كانت قد وصلت بها إلى مشفى القصر العيني العام. فترجلت من سيارتها وهتفت في رجال الأمن بصريخ وهلع متجهة إلى باب السيارة من الخلف. "حد ينده دكتور بسرعة، معاااياااا واحدة بتموت هناااا."
فهرول الجميع إليها حاملين لها أعلى الفراش المتنقل، ومن ثم توجهوا بها إلى غرفة العمليات. وتلك شهيرة بالخارج تزرع الرواق ذهابًا وإيابًا في قلق بادٍ عليها بوضوح. واستمر الأطباء بالداخل لما يقرب من ساعة ونصف متواصلة، إلى أن خرج الطبيب. فأسرعت إليه ناطقة بقلق ولهفة. "طمنيني يا دكتور من فضلك، هي عاملة إيه دلوقتي؟ الطبيب بعملية.
"حاليًا أقدر أقول أن وضعها استقر وكويس أوي أنها جت في الوقت المناسب. بس في شوية كدمات وجروح عميقة في مناطق متفرقة من الجسم وده هياخد وقت شوية على ما يخف." "شهيرة" بقلق مستفهمة أكثر عن حالتها. "طب والجنين؟ الطبيب بأسف. "للأسف الأم نزفت كتير وفقدنا الجنين." "شهيرة" وهي تضرب بكفها على فمها بصدمة. "يعني البيبي مات يا دكتور؟ الطبيب بعملية. "للأسف هي جاتلنا خائصة وكويس أننا قدرنا ننقذها." ثم أضاف برسمية.
"أنا آسف بس مضطر أبلغ الشرطة لأن من الواضح أنها تعرضت لعنف منزلي ولازم نضمن حقها." "شهيرة" بتفهم. "أكيد، أنا متفهمة ده جدًا يا دكتور، بس أنا من رأيي أننا نعمل تقرير دلوقتي نثبت بيه حالتها ولما تفوق هي اللي تقرر حابة تبلغ ولا لأ." الطبيب بإصرار. "بس ده حقها يا فندم لأن حياتها كان ممكن تضيع وفي حياة روح راحت بالفعل." "شهيرة" بترجي.
"أرجوك يا دكتور سيبها هي اللي تقرر من فضلك. حضرتك متعرفش إيه اللي حصل ولا إيه اللي اتعرضت له وأنا واثقة أنها هي هتقرر الصح وهتعمله." الطبيب برسمية. "ولو أن ده منافي لأخلاقيات مهنتي يا مدام، بس أنا مضطر أسيب مدام أصالة هي اللي تقرر." "شهيرة" بتقدير وامتنان. "شكرًا جدًا لتفهم حضرتك." الطبيب برسمية وهو يهم بالانصراف. "تحت أمرك يا مدام، ده واجبي." "شهيرة" وهي تنظر في أثره بقلق. "يارب أسترها وهات العواقب سليمة يارب."
وفي صباح اليوم التالي، بداخل غرفة أصالة الماكثة بها بالمشفى، حيث بدأت بالتململ في نومتها وهي بين الوعي واللاوعي. ولكنها نجحت في استعادة وعيها أخيرًا. ثم فتحت أعينها بعد بربشات عديدة. وأول ما وقعت عيناها عليه، هو ذلك الطبيب البشوش بمعطفه الأبيض الطبي التي تتذكر معالمه جيدًا من ليلة أمس. ثم تابعت وهي تهمس بنبرة منهكة، باكية، يشوبها الإعياء وهي تتحسس أحشائها بيدي مرتعشة. "إبني! إبني يا دكتور؟ الطبيب بإبتسامة بشوشة.
"حمدًا لله على سلامتك يا مدام أصالة." "أصالة" بنبرة باكية وهي ترفع رأسها بصعوبة لتواجه الطبيب، معيدة سؤالها والقلق ينهش صدرها نهشًا. "إبني كويس؟ الطبيب ببشاشة. "متقلقيش يا مدام، البيبي لسه موجود وله نصيب يجي الدنيا رغم كل اللي حصله." ثم أضاف بنبرة هادئة. "متقلقيش، أنا فهمت المدام اللي جابتك أن حضرتك فقدتي الجنين زي ما حضرتك طلبتي لما فقتي امبارح قبل ما نبدأ العملية."
"أصالة" وهي تتحسس بروز بطنها بابتسامة وعبراتها تهطل دون وعي من سعادتها لسماع ذلك الخبر. "الحمد لله.. الحمد لله يارب أنك حفظت على ابني.. يارب أنت عارف أنه أمل حياتي وسنيني الجاية فاحفظه ليا وقر عيني بيه يااااارب." الطبيب بابتسامة لفرحتها. "حمدًا لله على سلامتكم يا مدام." ثم أضاف بهدوء.
"امبارح المدام اللي كانت معاكي طلبت مني مابلغش عن الحادثة اللي حصلت معاكي وقال أثبت اللي حصل في تقرير طبي ملابسات الحالة وأن حضرتك اللي هتقرري نبلغ ولا لأ. فهل حضرتك حابة أرسل التقرير للمباحث ونقدم بلاغ تجاه شخص معين ولا ليكي رأي تاني؟ "أصالة" وهي تنظر إلى اللاشيء بعدما فرت دمعة هاربة من عينيها اليمنى بألم عندما تذكرت ما حدث لها بالأمس على يدي محبوبها. "أنا مش بتهم أي حد في اللي حصلي يا دكتور." الطبيب بشك.
"مدام أصالة، لو حضرتك خايفة تقولي الحقيقة فأنا معاكي والمباحث مش هتسيب حضرتك." "أصالة" وهي تنظر إلى اللاشيء بانكسار. "صدقني يا دكتور الموضوع كله قضاء وقدر. أنا طالبة بس من حضرتك تثبت حالتي في التقرير مش أكتر من كده." الطبيب وهو يبدو عليه عدم الاقتناع. "تمام يا مدام، اللي يريحك. حمدًا لله عالسلامة مرة تانية." فاقت من شرودها على صوت صغيرها مرددًا بحنان. "حمدًا لله عالسلامة يا صولا، نورتي بلدك وبيتك الجديد."
"أصالة" وهي تبتسم له بانكسار. "بلدي منورة بأهلها وبيتي هينور بوجودك فيه يا حبيبي." "نوح" بمزاح ودعابة. "أنا بقول أرجع إيطاليا تاني عشان شكلي ماليش مكان هنا؟ "أصالة" بفكاهة. "وهو أنت لحقت يا راجل أنت.. ولا أنت بتلكك بقاااا وعايز ترجع تاني إيطاليا ولناس إيطاليا واحنا مش واخدين بالنا؟ لفظت بها وهي تغمز له بعينيها اليسرى بمرح. "نوح" بمرح وهو يستند برأسه على شرفة السيارة.
"وهو في زي إيطاليا وجمال إيطاليا وهوا إيطاليا آاااااه..! أنهى حديثه بتنهيدة حارة مما أثار ضحك الجميع، فقهقهوا عاليًا في صخب. "سليم" بمرح بدوره. "آلااااه.. شكلك وقعت ولا إيه يا نوحي نوحي." "نوح" وهو يندب حظه. "وقعت إيه بس يا ابني، هو أنا بتاع الكلام ده.. ده أنا أخدتها زحلقة طوالي." "سليم" بحماس. "وووه وهو أنا آخر من يعلم في البيت ده ولا إيه؟ "نوح" بابتسامة كشفت عن أسنانه ناصعة البياض.
"إذا كان أنا نفسي مش بعلم، أنت هتعلم." ثم أضاف بعدما مسم شفتيه بتمزج. "مسم؛ أنا داخل قصة حب عنيفة مع أول طبق مكرونة بالمسقعة عملته الأسبوع اللي فات، إنما إيه هيفرقع الدنيا." "سليم" بتنكيت. "والله أنا خايف أنا اللي أفرقع منكم. وعلى سيرة الفرقعة ووصولنا مصر بالسلامة عايز أقول نكتة." الجميع بإهتمام. "اتفضل." "سليم" على نفس نبرته السابقة.
"بيقولك مرة واحد غبي بيلعب بالقنبلة وبيحدفها من إيده اليمين لإيده الشمال، فجى واحد تاني بيقوله خلي بالك لتنفجر فيك.. فرد عليه وقاله متخافش يا عم أنا معايا واحدة تانية."
فنظرت له "أصالة" نظرة مصدومة، تحاول ألا تضحك على نكتته السخيفة إلا أنها لم تستطع كبح ضحكاتها وانفجرت ضاحكة، فلحق بها الجميع مقهقهين على ضحكتها. فكانت ضحكات صادقة، تخرج من القلب لأول مرة منذ سنوات. وتمنت "أصالة" في حينها بأن يستمر الوضع على هذا الحال بين الضحك والمرح وأن يبعد عنهم المولى عز وجل فواجع أقدارهم، على أن تستطيع بوجود صغيرها إلى جوارها محو سنوات شقائها قبل غربتها بدون والده، متأملة في أن يعجل الله بنصيبهم من السعادة، فهي قد اكتفت من الآلام ما يكفي إلى نهاية عمرها.
وبمرور لحظات قليلة وصل بهم السائق إلى بوابة الفيلا خاصتهم، والتي هي مصممة على أحدث طراز معماري بشكل عصري يناسب سكانها جيدًا ويليق بهم. وما أن خطت "أصالة" بقدميها داخل المنزل حتى هتفت بإعجاب شديد. "مش معقول، البيت يجنن." "سليم" بحب وهو يقبل يدي والدته بحنان. "كل حاجة فيه زي ما طلبتي بالظبط."
ثم أضاف وهو يعرفها على تلك المرأة الأربعينية السمينة بعض الشيء، لما يقرب وزنها من 130 كيلو جرام تقريبًا، والتي تظهر بشاشتها بوضوح على معالم وجهها. "أحب أقدم لك عزيزة..؟ أحسن مديرة منزل ممكن تتعاملي معاها، وده مش كلامي أنا بس، ده كلام زياد صاحبي لأنها كانت بتدير بيت خالته قبل ما تسافر وهو كمان اللي رشحها لي." "أصالة" بود وهي تقترب منها محتضنة لها بحب وألفة وكأنها تعرفها منذ زمن. "سماهم على وشهم، مش محتاجة كلام."
"عزيزة" بتقدير. "إن شاء الله يخليكي يا ست أصالة، وأنا والله حبيتك جدًا من كلام سي سليم عنك." "أصالة" بمرح. "ست أصالة إيه وسي سليم مين؟ ثم أضافت بمحبة. "أنا اسمي أصالة وممكن تناديني بـ صولا زي ما سليم ونوح ما بينادولي." "نوح" بإعجاب وهو يجيب أصالة وبالوقت نفسه عيناه مصوبتان على تلك عزيزة، فعلى ما يبدو أنها أصبحت حقًا عزيزة ومنذ أول وهلة. "يا نعم." "سليم" بخفوت وهو يهمس إلى "نوح" دون أن يستمع إليه أحد.
"ألعب.. دي شكلها غمزت يا نوحي نوحي." فوكزه "نوح" بخفة موبخًا له بنفس نبرته. "اخرس أنت دلوقتي مش دورك." فرفع "سليم" كفه مغلقًا به فمه حتى لا تصدر منه أي كلمة لحين انتهاء تلك اللقطة. "أصالة" وهي تنظر إلى "نوح" بعدم تصديق، فهي ترى بداخل عينيه ولأول مرة نظرة لم تشاهدها بهم من قبل، وتابعت حديثها قائلة. "أحب أعرفك يا نوح، دي عزيزة وهتبقى مسؤلة عن البيت هنا." ثم تابعت وهي تنظر إلى "عزيزة" بود ممسكة بيد "نوح" بفخر.
"أحب أعرفك يا زوزو بأعظم وأحسن راجل ممكن تقابليه في حياتك.. نوح الحنوني مدير أعمالي وصديقي الصدوق." "نوح" وهو يترك يد "أصالة" متجهًا إلى تلك عزيزة مصافحًا لها بابتسامة بلهاء. "أهلًا أهلًا أهلًا ست عزيزة! ثم تابع وهو يضغط على يديها بحماس وعيناه كادت أن تخرج قلوبًا من بؤرتها دليلًا على إعجابه وسعادته بها، معرفًا بنفسه لها بمرح ولا تزال ابتسامته البلهاء مرسومة بوضوح على محياه.
"نوح الحنوني؛ شيفروليه 1500 سي سي؛ أرض النوبة، معايا الحزام الأخضر في الكاراتيه؛ تليفوني فاتورة ومعايا باقة نت لسه مجددها؛ واحتمال أركب راوتر هوائي آخر الشهر عشان الإرسال ضعيف..؛ ضعيف أووووووي." "سليم" بمرح. "ما تقولها الرقم القومي بالمرة وباسورد الفيسبوك."
فقهقه الجميع في صخب و "عزيزة" خجلت للغاية تريد أن تسحب يديها من بين كفوفه لكنه ممسكًا بها بإحكام. فأقتربت منهم "أصالة" ساحبة يد "عزيزة" وهي تردد بنبرة حاولت جعلها إلى حد ما جادة. "أنا بقول تعرف نوح على أوضته يا سليم وتقولهم يطلعوا الشنط على ما أتفرج أنا وعزيزة عالبيت ونحضر الغدا مع بعض." "سليم" وهو يتمالك ضحكته بصعوبة بالغة.
ثم أضاف وهو يمسك بيد "نوح" الذي غير قادر على إماتة عيناه عن "عزيزة" ساحبًا إياه صاعدًا به إلى الأعلى مردفًا في دعابة. "يلاااااا بينااااا نطلع وبلااااااش فضايح.. أحنا أجانب هنااااا يا عم ومش عايزين مشاكل."
وبالفعل صعدوا معًا ليُعرفه على غرفته. وانطلقت "أصالة" بعدما تماسكت ضحكاتها بصعوبة برفقة "عزيزة" لتشاهد معها منزلها وتتعرف عليه، وبدأت بينهم صداقة جيدة. فـ "أصالة" امرأة اجتماعية، حبابة، تدخل إلى القلب سريعًا، وكذلك "عزيزة" فمن يراها يعتقد بأنها فتاة بعمر الخمس وثلاثون عامًا، رغم سمنة جسدها إلا أن روحها وخفتها تطغى على ثقل جسدها وضخامتها. فنشأت بينهم كيمياء مميزة في الحال.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!