الفصل 36 | من 41 فصل

رواية وجوه الحب الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم نور بشير

المشاهدات
19
كلمة
3,717
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

وصل إلى منزلهم حيث قصر آل نجم الدين، وصف سيارته وترجل منها. وما أن هم بغلق الباب من خلفه وكاد أن يرحل، حتى لفت أنظاره ذلك المظروف المطوي وراء مساحات السيارة. فقضب بين جبينه، ومد يديه سابحًا له من بين عصا المساحات الطويلة. وما أن اجتذبه وقام بفتحه، حتى رأى صورة فوتوغرافية لكنها مُنغمشة لا يتضح فيها شيئًا.

إلا أنه استطاع بصعوبة تخمين أن بها شخصان، على ما يبدو أن الشخص الأول امرأة والآخر رجل، لكنه عجز عن تحديد هويتهم فالصور مُنغمشة بالكامل. فأخذ يطلع عليها ويركز بها بدقة لعله يستطيع تحديد معالمهم، إلا أنه لم يستطع. فقام بقلب الصورة ليرى إن كان بها أي علامة تدل على المُرسل، إلا أنه لم يجد أي شيء يُذكر سوى عبارة قصيرة. فكان محتواها كالأتي: "توب الشرف غالي أوي يا إبن عابد ميلبسهوش إلا الغالي..!

أنا عايزك تبص في وشوش كل اللي حواليك كويس أوي وقلب في دفاترك القديمة وأنت بنفسك اللي هتعرف الغالي من الرخيص..؟! كان يقرأ كل حرف واقتضاب جبينه في تزايد، إلى أن فرغ من قراءتها. فعاد لينظر إلى الصورة ثانيًا مُحدقًا بكل أنحاء بها، لعله يستطيع إيجاد أي معنى لها، لكنه لم يستطع. فعاد فأخذ لحظات وهو يحدق بها بشرود، وبكل حرف وقعت عيناه عليه، وهو يشعر بلُغز كبير وعلامة استفهام كُبرى تكمن بداخله، كادت أن تصيبه بجنون على أثرها.

فالعديد من الأفكار تأتي وتذهب بداخل عقله، وغير قادر على إيجاد معنى واضح وصريح لها. فمن هي تلك المرأة وذلك الرجل الذي معها بالصورة؟ وما هو المغزى من تلك الرسالة؟ ومن أرسلها؟ أيعقل أن تكون تلك الصورة لـِـ "أصالة" وقد أرسلها له أحدهم ليفكره بما مضى؟ أم أنها صورة جديدة قد التقطها أحدهم لها وأرسلها إليه حتى يثبت له تورطها وأنها لم تتغير بعد؟

كل ذلك والشكوك تعبث به هُنا وهُناك، إلا أنه تأكد بالأخير بأن تلك الصورة حتمًا لها. فضغط بيديه عليها حتى تكورت في تمامًا، وهو يجز على أنيابه حتى ظهرت وبرزت عروقه بشدة من جانب جبهته. ومن ثم نطق بنيران تحرقه وبشدة: "ديل الكلب عُمره ما يتعدل فعلًا..؟!

وما كاد أن يرحل ونيرانه لازالت مُشتعلة، حتى تذكر شيئًا ما. فعاد ليطلع على الصورة من جديد بعدما قام بفردها ثانيًا، وسحب نفسًا عميقًا وهو يتابع بعيناه تلك الكلمات ثانيًا، عاجزًا عن إيجاد معنى لها. أيعقل أن هناك لبس في الموضوع وقد أُرسلت له الرسالة عن طريق الخطأ؟ إلا أنه تذكر بأنه هو المعني بتلك الرسالة، فهو يذكره هو شخصيًا دونًا عن غيره، وهذا اتضح في حديث مُخاطب صريح له عندما قال "يا إبن عابد"..؟!

رأسه كادت أن تقتلع من موضعها، وهو ينظر إلى كل هذا دون أن يفقه شيئًا، ولا يستطيع الإمساك بطرف خيط واحد يوضح له حقيقة الأمر. بالتأكيد تلك الصور لها، وهو كالغبي لازال يشعر بحنينه إليها وهي بين أحضان ذاك وذاك. كيف انخدع بها يومًا؟ كيف عشقها إلى هذا الحد؟ ياله من أحمق، فهو من أضاع سنوات وسنوات من عُمره وهو يعشقها، وهي لازالت على حالها كالسابق ولم تتعظ أبدًا!

الآن قد اتخذ قراره وسيفعل ما يجده صوابًا بعد ذلك، حتى لو كان غير موافق لرغبات القلب. فيكفي أنه يأخذ قراره من الآن وصاعدًا بعقلًا سليم..؟! عند هذا الحد قد حسم قراره، وقام بطوي الصورة وتخبئتها بداخل سترته إلى حين إشعار آخر، لعل يتبين له حقيقة ذلك الأمر. ومن ثم رحل إلى داخل القصر ونيرانه تحرقه دون رحمة، متوجهًا إلى غرفته مُباشرةً دون أن يتحدث مع أحد بنصف كلمة.

وما أن فتح الباب ودلف إلى الغرفة، حتى وجد "شهيرة" تجلس على المقعد. فرد بهدوء، على عكس ما بداخله من براكين، وهو لا يزال مُنشغل البال فيما حدث منذ لحظات. "مساء الخير يا شهيرة..؟ "شهيرة" لا رد، مما جعل الأخير يشعر بالتعجب. ولكن ما أثار قلقه حقًا، بشرتها الشاحبة للغاية، والتي تُحاكي بشدة بشرة الأموات الهاربة منها الدماء تمامًا. فهتف بها بقلق شديد على حالتها: "شهيرة أنتي كويسة..؟

"شهيرة" وهي تنتبه إلى كلماته، فهي كانت سابحة في عالم آخر، تعبث بها الأفكار هُنا وهُناك. تخشى وبشدة فكرة معرفته بما حدث معها وانفضاح أمرها أمامه. فخرجت نبرتها مُرتبكة، مُتخبطه: "هاااااا..بتقول حاجة يا مراد..؟ "مراد" بعدما خلع سترته وقذف بها أعلى الفراش بإهمال شديد، إلا أنه لازال مُفكرًا مُنشغل البال بما حدث. ومن ثم اقترب من "شهيرة" مُرددًا بقلق، وهو يُعيد عليها كلماته ثانيًا، مُتحسسًا بيداه بشرتها بلطف:

"بقولك أنتي كويسة..؟ "شهيرة" بإبتسامة باهتة، وهي تحاول التعامل على طبيعتها قدر المُستطاع، على الرغم من دهشتها بفعله، إلا أنها لمستها وبشدة. وتابعت بنبرة مُرتبكه، مُتخبطه: "هاااااا آااااه آااااه..أنا كويسة، كويسة جدًا الحمدللّٰه..؟! فهتف إليها "مراد" وهو يحاول إزاحة ما حدث عن تفكيره ولو قليلًا، وتابع بنبرة هادئة محاولًا تقدير مشاعرها وعدم جرحها دون قصد:

"شهيرة أنا عارف أنك متضايقة عشان مسافر فجأة من غير أي ترتيبات مُسبقه، خصوصًا أني مسافر مع أصالة وأنا مقدر الموضوع ده إزاي حساس بالنسبة ليكي، بس صدقيني ده غصب عني وعشان الشغل ومصلحة العيلة أنا مُضطر أعمل كل ده..! ثم أضاف وهو يمسك يديها ماسحًا عليها بحنان: "لو حبه تسافري معايا أنا معنديش أي مانع على فكرة، وممكن أكلم عاصم دلوقتي يحجزلك معانا على نفس الطيارة..!

"شهيرة" وهي تفكر في الأمر. فإبعاد "مراد" عن مصر في تلك الأيام خصيصًا سيكون في صالحها، ليكسبها بعض الوقت حتى تتمكن من تدبر أمرها وإيجاد مخرج لها من تلك المآذق، حتى إذا كان المُقابل تركها لتتنعم بزوجها ليومين، فهذا لن يضرها مُقارنةً بما تخبئه لها الأيام القادمة. ونطقت بعد أن ابتسمت ابتسامة هادئة، وهي تتقن دورها جيدًا، فما أصابها لن يؤثر على قدراتها قط:

"يا حبيبي قولتلك قبل كده أني بثق فيك أكتر من نفسي، ولو مصلحة الشغل في السفرية دي أنا عُمري ما همنع ولا هقف قصاد مصلحة عيلتي..! فأضافت متحججة لتجعله يقتنع ويمتثل لحديثها: "ثم أني مش هقدر أسيب البيت اليومين دول..! أنت ناسي أن عمي عابد دكتور العلاج الطبيعي هيبدأ معاه علاج رجليه من بكرة ولازم أكون موجودة معاه الأيام الجاية..؟! "مراد" بإمتنان حقيقي، إلا أنه عقله لازال مُنشغلًا بما حدث:

"أنتي أصيلة يا شهيرة وبنت ناس بجد، وأنا كُنت غبي لأني محستس بقيمتك دي قبل كده، بس أوعدك أني هرجع من السفرية دي مراد جديد أنتي أول مرة تعرفيه..! "أوعدك أني هنسى كل اللي فات وهبدأ معاكي حياتي من أول وجديد وكأننا لسه متجوزين وفي أول حياتنا.. هعوضك عن كل اللي ضاع من عُمرنا..! "شهيرة" تبكي بعدم تصديق وذهول حقيقي، وتابعت بوجع وتحسر: "أنت جاي تقولي الكلام ده دلوقتي يا مراد..؟! ليييييه..؟! ليييييه مقلتهوش من قبل كده..؟!

ليه محستش بوجعي طول السنين دي كلها..؟! ليه جاااااي تقوله دلوقتي ليه أهي أهي أهي..؟! قالتها وهي تجهش في بكاء مرير، مما أشعر الأخير بمدى بشاعة فعله. وجعله يشعر بتأتيب الضمير بقدر كل لحظة مرت عليهم طوال السبعة والعشرين عامًا المنصرمين. وتابع بتحسر ووجع على أوجاعها: "عشان غبي وأنا مُعترف أني غبي..! أنا كان معايا جوهرة محستش بقيمتها غير دلوقتي، كُنت عايش في وهم وفوقت منه يا شهيرة متأخر..!

ثم تابع بقوة وهو يهز رأسه بعدم تصديق ورفض، ممسكًا بيديها بقوة محاولًا حثها على الاستمرار معًا: "لأااااااا لأاااا..مش متأخر ولا حاجة، أنتي موجودة وأنا موجود وهنقدر نعوض كل حاجة مع بعض صدقيني..! كل حاجة كانت مش موجودة بينا السنين اللي فاتت دي مع بعض هنبنيها أيامنا الجاية وهنعيش الجاي كله مع بعض ومش هسمح لحد يدخل بينا مهما كان..!

ثم تابع بإبتسامة محاولًا جعلها تنبع من أعماقه غصبًا، فهو يتحايل على نفسه لتقبلها على عكس رغبات قلبه التي هي عكس عقله تمامًا. لكنه تذكر أمر تلك الرسالة وحقيقة "أصالة" من خدعته وجعلته يعيش بالوهم طويلًا. وتابع بنبرة يشوبها الحماس الظاهري الذي عانى لإخراجه بهذا الشكل لتكون طبيعية قدر المستطاع: "أنا هرجع من السفرية دي يا شهيرة ناسي كل حاجة..!

هنسى حياتي اللي عشتها قبلك وهنسى الماضي كله بكل الناس اللي كانت فيه، مش هفتكر منه غيرك أنتي ومريم..! وأول ما الشغل يمشي والشركة تقف على رجليها هسافر أنا وأنتي ونقضي أحلى شهر عسل في الدنيا ونعوض اللي فاتنا..! "شهيرة" بسعادة ناقصة، فالخوف والذعر لا يزالان يسيطران عليها: "أنت بتتكلم بجد يا مراد..؟! أنت فعلًا عايز تكمل حياتك الجاية معايا ونبدأ مع بعض من جديد..؟!

"مراد" وهو يحيط بيديه وجهها بحنان، وإبتسامته الخاطفة والمُهلكة للأنفاس تُزين ثغره، محاولًا بثها الحب والأمان: "أنا عايزك وعايز أبدأ حياتي الجاية وأنهيها وأنا معاكي..! "شهيرة" بسعادة لا توصف: "أنا بحبك أوي يا مراد..! بحبك وحبي ليك مفيش عقل يقدر يستوعبه ولا قلب يقدر يتحمله..! ثم أضافت وعبراتها تهطل بسعادة غير مُصدقة لكل ما يحدث، إلا أن لازال هذا الحدث عالق بذهنها يُعكر عليها صفو اللحظة:

"أنا مش قادرة أصدق اللي بسمعه بوداني..! مش قادرة استوعب اللي حصل ده كله وإزاي أخذت القرار ده..؟ فنظر لها "مراد" بإبتسامة مهزوزة، استشعرتها الأخيرة جيدًا، ولم يُعلق على كلماتها. فتابع بحب وهي ترتمي بأحضانه لأول مرة منذ زواجهم: "أنا عارفة أنك مش بتحبني وأنك بتجاهد نفسك طول الوقت عشان تحبني، بس أنا كفاية عليا أنك حاسس بيا ومش طالبة منك أكتر من كده..!

أنا عايزك تحس بس بحبي وتسيبلي نفسك وأنا هخليك تحبني وهنسيك كل اللي فات ده كله صدقني..! "مراد" وهو يغلق عيناه بمرارة عندما لاحت أمام أنظاره صورة "أصالة"، وتابع ولازالت مرارته عالقة بحلقه: "أنا واثق من ده يا شهيرة..!

"شهيرة" وهي تُشدَّد من احتضانه، فهي لأول مرة بحياتها تشعر وكأنها مُتخدرة تمامًا، وكأنها أصبحت بعالم آخر غير عالمنا، مليئًا بالنعيم الطرف. فهي تكاد أن تذوب وهي بين أحضانه كقطعة الجليد المُنصهر. فكيف إذا عشقها إذًا وأعطاها مكانة الزوجة قلبًا وقالبًا. وتابعت وهي كالمُسكرة حقًا: "أنت مش عارف حضنك ده عمل فيا إيه..؟! أنت رديت فيا روحي يا مراد وحييتني من جديد..!

فأبعدها "مراد" عن أحضانه وتابع بنبرة هادئة وإبتسامته التي بها الكثير من الوجع المخفي، لا يشعر به أحد سواه: "وأنا مش هتخلى عنك يا شهيرة أطمني..! ثم تابع وهو يضع قبلة حانية على جبهتها: "هروح أنا أغير هدومي وأنام لأني عندي طيارة الصبح بدري..! "شهيرة" بحب: "وأنا هحضر ليك شنطتك وبعدين هنام أنا كمان..!

فإبتسم لها "مراد" ابتسامة يملؤها الوجع والإنكسار. ومن ثم رحل إلى حيث غرفة ملابسه بعدما أخذ سترته ليُبدل ملابسه وينام. وما أن دلف إلى حيث غرفة الملابس المعنية، حتى وقف أمام المرآة ينظر إلى نفسه وكأنه يتعرف عليها أو يكتشفها لأول مرة. وتابع بوجع: "ورحمة أمي يا أصالة لهدوس على قلبي وأقهره عشان عصاني في يوم وحبك..! ولو كان قربي من شهيرة عقاب لقلبي لأنه عصاني يوم ما حبك، فأنا هعيش عمري كله أتعاقب بقربها ولا أني أحبك..!

وبالخارج، ما أن رحل من أمامها، حتى ابتسمت "شهيرة" بسعادة وهي تُردد بعدما استعادت صلابتها وتجبرها: "تبقااااا توريني بنت الـ... هتعمل إيه بتهديدها ليا بعد كده ومُـراد خلاص بقاااا في جيبي..! قالتها ومن ثم أسرعت إلى هاتفها وخرجت به إلى خارج الغرفة بأكملها، بل ذهبت إلى حديقة المنزل لتُحادث ذلك الوغد المُلقب بـِـ "رؤف" لتخبره بما حدث. وما أن فتح الخط حتى هتفت "شهيرة" بنبرة خافتة حتى لا يسمعها "مراد" الذي ذهب ليُبدل ملابسه:

"الو الو يا رؤف..! متقلقش مُـراد رجع وميعرفش أي حاجة..؟! ثم تابعت بحماس وهي غير قادرة على تصديق كل ما حدث معها: "أنت مش مُتخيل مُـراد عمل إيه معايا..؟! مُـراد طلب مني أدي علاقتنا فرصة وقالي أنه هيبدأ معايا من جديد وينسىٰ أصالة وهيديني مكانة الزوجة الحقيقية اللي استاهلها بجد..! "رؤف" ونيرانه تشتعل وتحرقه مع كل حرف تتفوه به:

"وأنتي مبسوطة أنك هتبدئي حياتك معاه يا شهيرة وأنتي مُهدده بين كل لحظة والتانية يتفضح المستور وتبان حقيقتك..؟! "شهيرة" بتعنت وإصرار والشرر يتطاير من عيناها: "مش هيحصل يا روف..! مش هيحصل صدقني..!

مُـراد طلب مني بنفسه أسافر معاه وأنا رفضت، وفي اليومين دول اللي هيسافر فيهم لوحده أنا هجيب قرار الموضوع وهنهيه، وساعتها وريني ست أصالة هتعمل إيه لما تشوف جوزها في حضني، أنا واثقة أني لو مقتلتهاش بإيدي نارها وغيرتها مني اللي هيقتلوها بالبطيء.." "رؤف" بسخرية: "أنا خايف لنارك تحرقك أنتي يا شهيرة وتحرقك أنتي، وتقومي عمياها خالص..! أنتي إزاي بتتكلمي ببرود كده، أنتي ناسية من ساعتين بس كانت حالتك عاملة إزاي..؟! "شهيرة"

بتجبر: "أديك قولت من ساعتين..! أنا دلوقتي اتولدت على إيد مُـراد من جديد ومش هسمح لحد يسرق مني سعادتي بعد ما لقيتها من تاني..! أنا في اليومين دول هاجي على نفسي وهستحمل قربها منه بس مش هسيبها تنتصر عليا أبدًا..! أنا مكُنتش مُتخيلة أن الدنيا هتديني السعادة دي كلها في الوقت ده بالذات، بس أنا واثقة أن دي إشارة من ربنا بيطمني بيها أنه معايا ومش هيخيب ظني فيه..! "رؤف" وهو يقهقه في الضحك عاليًا ويدخل في نوبة ضحك هستيرية:

"هيهيهيهيهي بقااااا شهيرة هـانـم الأنـاضـولـي بنفسها بتتكلم عن ربنا..! وهو أنتي اللي زيك يعرف ربنا..! أنتي لو تعرفي ربنا بجد مكنتيش عملتي كل اللي عملتيه ده..! أقولك على حاجة يا شهيرة دي مش إشارة من ربنا أبدًا، أو يمكن إشارة بس لو عايزة تعرفي معناها كويس أوي ركزي في توقيتها..! السم بيكون جوه العسل ومحدش بيلاحظ غير حلاوته بس مع الوقت العسل بيروح والسم هو اللي بيفضل يهري في جتتنا لحد ما نموت..! "شهيرة" بتجبر:

"إلزم حدودك يا رؤف وحاسب على كلامك، أنا محسبتكش الصبح عالكلمتين اللي بعبعبت بيهم، بس مش معنى أني سكت يبقا تسوق فيها..! "رؤف" بسخرية: "بلااااااا أسوق بلا أعوم.. أنتي خلاص يا شهيرة حبك لمُراد غمى على عيونك وقلبك ومبقتيش حاسة باللي إحنا وصلناله، بس لو هتغرقي فهسيبك تغرقي لوحدك يا حلوة لأني عملت اللي عليا ونصاحتك وأنتي مسمعتيش..! ثم تمتم بسخرية أكبر: "سلااااااام..!

وما أن هم بغلق الخط حتى هتفت به "شهيرة" والقلق يساورها من حديثه. فهي لأول مرة تشعر بالخوف بحياتها. لأول مرة تشعر بتزعزع مكانتها رغم أنها ستحظى بأكثر مما تمنت. لأول مرة تشعر بالذعر يتملكها طيلة سنوات عمرها التسع وأربعين عامًا: "أستني يا رؤف بليز أنا لسه مخلصتش كلامي..! "رؤف" بإستهزاء: "خلص الكلام يا قطة ومبقاش فيه حاجة خلاص تتقال..! "شهيرة" بقلق: "لأ فيه..! أنت ناسي اللي إحنا واقعين فيه..؟!

أنا مش هقدر أجازف بحياتي مع مُـراد بعد كل اللي وصلتله ده..؟! أنا مش مستعدة أخسره يا رؤف أرجوك ساعدني..! "رؤف" بوجع، إلا أن نبرته خرجت مُستهزئه مليئة بالسخرية: "أنتي مش قولتي أنك بقيتي مركز قوة بوجوده وريني هتعملك إيه قوتك دي دلوقتي بعد ما ينفضح أمرك..! "شهيرة" بغضب: "أنت ناسي أننا في الهوا سوا وأني لو أتفضحت أنت كمان هتتفضح معايا..! أخلص يا رؤف وقولي هنخرج من المغرس ده إزاي..؟!

"رؤف" بعدما تأكد من نجاح مُخططه وأنها لازالت في حاجة إليه. فهم في دائرة مغلقة ويجب على كل منهم الشعور بالمسؤلية تجاه الأخير والعلم بأن أثنانهم في نفس السفينة، وإذا تركها أحدهم واستسلم لمصيره، فسيخسر أثنانهم حياتهم. وإذا كابر أحدهم وتصارعا على القيادة، فستغرق بهم لا محالة. لذلك يجب عليهم التروي والتفكير جيدًا وشعورهم بحجم الوضع وتقديره وعدم الاستهانة به ليصلوا كلاهما إلى بر الأمان سالمين مُسلمين. وتابع بشر وهو يفكر في الأمر

بعدما تولى عجلة القيادة: "لازم عينيكي الأيام دي تبقي في وسط راسك ومتسبيش أي مكالمات أو رسايل بينا، وخليكي طول الوقت حوالين جوزك وركزي معاه الأيام دي عبال ما أنا أحاول أوصل لأي خيط ونعرف مين اللي ورايا الملعوب ده..! "شهيرة" بقلق واضح: "أكون حواليه إزاي وهو مسافر معاها..! على قد ما أنا عايزاه يبعد الأيام دي عن هنا، لكن أنا قلقانة من وجوده معاها..! هي ممكن تقوله كل حاجة لأنها واثقة أننا ورا كل اللي حصل معاها..!

"رؤف" وهو يحاول تطمينها متحدثًا بثقة كبيرة: "معتقدش أنها ممكن تعمل حاجة زي دي، وإلا مكنتش بعتت تهديد لينا. وبعدين أنا واثق أن اللي بعت هيرجع يبعت تاني، ووقتها إحنا لازم ناخد احتياطاتنا كويس أوي ونجيب آخره..! مفيش زمار بيغطي دقنه يا شهيرة..! ثم أضاف بصلابة: "روحي شوفي اللي وراكي وسبيني أمخمخ ونبقى نتكلم لو فيه أي جديد..!

قالها ومن ثم أغلق الخط وفعلت هي الأخرى مثله. وما أن التفتت بجسدها حتى تصعد إلى غرفتها، حتى وجدت صغيرتها "مريم" تقف وراءها، فشحب بشرتها وهربت الدماء من بين أوردتها، ولم تقوى على الحديث بنصف كلمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...