وقع عليه الاسم كوقوع الصاعقة وكأن هناك أحد قد أطلق عليه وابل من الرصاص دفعة واحدة. فشعر وكأن الغرفة قد ضاقت عليه وأن الهواء أصبح يُسحب من بين رئتيه. فهتف بعدما استغرق لحظات يحاول فيها إلمام شتات حاله: –أنت إيه اللي فكرك بالبني آدمة دي دلوقتي؟ وإزاي أصلًا تجيب سيرتها قدامي بعد السنين دي كلها؟ “عاصم” بتفكير وهدوء محاولًا استشفاف جوابه من طريقته: –حمقتك دي لوحدها إجابة كافية لسؤالي يا مراد.
واللي خلاني أسألك سؤالي ده هو حالتك يا صاحبي اللي أنا شايفك بيها دلوقتي. “مراد” بعصبية: –كلامك في الموضوع ده مش مقبول يا عاصم خد بالك. “عاصم” على نفس نبرته السابقة: –أوماااال إيه هو اللي مقبول يا مراد من وجهة نظرك. المقبول أنك تعيش وتفني عمرك مع واحدة أنت مش حاسس بيها ولا شايفها حتى. “مراد” بسخرية: –وهي اللي كنت حاسس بيها عملتلي إيه يعني يا عاصم. ثم ضحك بإستهزاء. –مبقتش فارقة صدقني.
أديني على الأقل ربيت بنت أخويا بدل ما كنت هعيش عمري كله مغفل بربي عيل مش من دمي ولا يمس ليا بصلة. “عاصم” بتفكير: –أهووو أنا بعد السنين دي كلها لسه عقلي مش قادر يستوعب اللي حصل. إزاي يحصل كده. إزاي قصة الحب اللي شهدت عليها من أولها تتدمر وتنتهي بالشكل المخذي ده. أحنا في الجامعة كنا بنحسدكم على حبكم وعلاقتكم اللي كان كل اللي يشوفها يتمنىٰ يعيش ربعها. “مراد” بسخرية: –أديك أهو قولت بعظمة لسانك كان.
يعني زمن ماضي خلص من زمان. تعرف يا عاصم. لفظ بها بعدما تنهد بحرقة ثم تابع بوجع: –أنا مريض بالتفكير يا عاصم بفكر في كل حاجة ممكن تأذيني وفي كل التفاصيل اللي بتخنقني. حاسس أني ضيعت عمري كله في مكان مش مكاني والإحساس ده بيتعبني أكتر وبيحزني على نفسي. فتابع ونبرته مختنقة: –الوجع مالوش صوت يا عاصم بس بيخلينا نبكي ونزعل لسنين. أوعي تفتكر أني لسه بفتكرها ولا حتى بتخطر على بالي.
أنا كل ما بفتكرها بفتكر معاها قد إيه كنت بحبها وقد إيه أنا دلوقتي بقيت بكرهها. أنا في جوايا كره ليها عمري ما كنت أتوقع أني هكنه جوايا في يوم من الأيام لحد. “عاصم” بحزن على حالته: –كرهك ليها معناه أنك لسه بتفتكرها وأنها لسه في دماغك يا مراد. لأن الكره ده مشاعر وعاطفة جوه كل واحد فينا ومادام بتكرهها يبقى لسه مستهلكة مشاعرك وتفكيرك. وتأكد بأنك يوم ما هتكرهها بجد هتستخسر فيها حتى كرهيتك. “مراد” وهو يرجع بظهره للوراء:
–أنا مش عايز أكرهها ولا أحبها ولا حتى بقت تعنيلي في شيء. ربنا يسهلها بقاااا مكان ما راحت. “عاصم” بتساؤل: –طب وشـهـيـرة. “مراد” بنبرة حازمة: –شـهـيـرة مراتي يا عـاصـم وأم مـريـم ومكانتها عندي كبيرة جدًا. “عاصم” بنبرة ذات مغزىٰ: –بس مش بتحبها يا صاحبي والفرق كبير أوي بين الحب وبين المكانة الكبيرة. “مراد” وهو يتجاهل حديثه ويعاود فتح الملفات الموضوعة أعلى سطح مكتبه مصطنعًا التركيز عليها: –مش فارقة كتير يا عاصم.
في الحالتين هي مراتي وكفاية أوي عندي أنها أم مـريـم وصانتني وصانت اسمي وعيلتي وشيلانا كلنا. ثم أضاف وهو ينظر إليه من جديد: –قولي أنت لو بني آدمة زي دي متتقدرش مين اللي يتقدر في نظرك. “عاصم” محاولًا الوصول إلى ما يريد سماعه منه: –بس شـهـيـرة مش ملاك يا مُـراد. شـهـيـرة غلطت زمان مع مُـعـتـصـم غلطة وأنت بتدفع تمنها دلوقتي من عمرك. “مراد” بحزم وصرامة: –مسمحلكش يا عاصم تقول عليها نص كلمة.
احترم يا سيدي أنها مراتي وشايلة اسمي دلوقتي. وبعدين هقولهالك تاني كل الحلو اللي عملته مع عيلتي ومع أبويا ولسه بتعمله لحد النهارده يخليني أحترمها وأشيلها فوق رأسي يا عاصم. وكفاية أوي عندي أنها من ساعة ما دخلت بيتنا وشالت اسمي وأنا ما شوفتش منها غير كل خير. “عاصم” بحزن: –يا مراد أنا يصعب عليا أشوفك بتضيع عمرك وأنت بتراضي كل اللي حوالين منك وناسي نفسك. “مراد” وهو يوقع الأوراق الموضوعة أمامه محاولًا عدم ترك مساحة للحديث
في الموضوع أكثر من ذلك: –أنا جربت أراضي نفسي يا عاصم قبل كده قولي أنت إيه كانت النتيجة. وبعدين أنا الحمدللّٰه مرتاح ومستقر في حياتي وبيتي هو كمان مستقر هحتاج إيه تاني أكتر من كده. “عاصم” وهو يهم بالوقوف حتى يعود لاستكمال باقي أعماله: –اللي يريحك يا صاحبي. أنا كل اللي يهمني أني أشوفك مبسوط ومرتاح من غير ما تكابر ولا تكذب على نفسك.
عودة إلى إيطاليا وتحديدًا بداخل الفرع الرئيسي لسلسلة مطاعم “صـولا” حيث يجلس “سـلـيـم” مترأسًا لطاولة الاجتماعات وجميع عاملين وعاملات المطعم ملتفون حوله يدونون خلفه ما يلقيه عليهم من ملحوظات باهتمام كبير إلى أن هتف فيهم بحزم باللغة الإيطالية. “Tutti gli appunti che ti ho dato ora saranno esauriti da domani fino al mio ritorno presto dall’Egitto.” الجميع بتهذيب: –Va bene signore. “سـلـيـم” برسمية ونبرة عملية:
–Va bene, facciamo lavorare tutti adesso. وبالفعل انصرف الجميع إلى أشغالهم وعاد “سـلـيـم” إلى مكتبه جالسًا على مقعده خلف المكتب متأرجحًا بالمقعد يمينًا ويسارًا وهو يعبث بساعة الرمل بين يديه مفكرًا في الحوار الذي دار بينه وبين والدته منذ قليل.
فهو يشعر بألم لها وعلـيها. دومًا ما يتشارك معها أوجاعه لكنها دومًا ما كانت صامتة. دومًا ما كانت تكتم وتكتم بداخلها أوجاعًا بحجم البر والبحر معًا. لم يتذكر ولو لمرة واحدة شكواها أو تضجرها من حياتها ومعاناتها بأكملها. دومًا ما كانت راضية، صابرة، تحملت وتحملت الكثير والكثير من أجله.
يُقال دومًا بأن المرء يحمل صفاته من اسمه وهي حقًا هكذا. فهي تملك من الأصالة والعفاف ما يكفي ليغطي نساء العالم بأكمله. هي مصباح حالها والمقود الذاتي لإشعال نفسها. فهي لا تستمد طبيعتها ولا مشروعيتها إلا من نفسها. ونفسها فقططط. يُقال في الأم دومًا بأنها الوطن ولكن في حقيقة الأمر هو يرىٰ بأنها العالم بأكمله. أو هي عالمه الخاص. هي مأمنه، وأمنه، وأمانه، وإيمانه كل هذا يستمده منها هي فقط.
يريد لو بإمكانه جعل الابتسامة لا تفارق وجهها أبدًا. ولكن في حقيقة الأمر هي دومًا ما تكون مبتسمة، باسمة، مستبسمة ولكن ابتساماتها لا تخلو من سقطاتها وانكساراتها وأوجاعها.
يستطيع أن يتذكر كم من مرة رأىٰ بوضوح ضحكاتها المنكسرة. كم من مرة استشعر قهرتها وفرحتها الناقصة. تذكر كيف شقت وعانت في صباها فقط لأجل تحقيق نفسها والوفاء بالتزاماتها تجاه صغيرها. يتذكر جيدًا كم من مرة رآها تغفوُ دون تناول طعامها حتى توفر له وجبة الصباح. يتذكر كيف كانت مثل أعتىٰ الرجال في عمر من المفترض بأنها تعيش به أجمل أيام صباها. كيف كانت له بمثابة الأب والأم طيلة الستة وعشرين عامًا المنصرمين.
يا اللّٰه كيف لامرأة مثلها أن تفعل كل ما فعلته هي فقط من أجله. كيف لامرأة أن تصرف في سنوات عمرها من أجل فقط أن تربي بدمع أعينها صغيرًا ليصبح رجلًا في مثل عمره كمثلها. هو وحده من يعلم جيدًا مقدار آلامها لفراق بلدتها ووطنها وكم هو حنينها إليهم. آبعد كل ذلك لا تريد منه أن يثأر لها. آبعد كل ذلك تستكتر عليه تعويضها عن ما عانته ومضىٰ من حياتها. آبعد كل ذلك لا تريد العودة إلى أرض وطنها من جديد. لااااا. لااااا.
الآن فقط ستعود إليها كرامتها من جديد وسترفع رأسها وسط الأهل والناس والعالم بأكمله. الآن فقط سيُرجع حقه وحقها الذي تم الاستيلاء عليه من قبل دون أدنى حق في ذلك. سيعوضها عن كل ذلك الآن وسيبرأ جرح قلبها وستشفىٰ من آلامها قريبًا وهذا وعد قد وعده لنفسه منذ زمن. فاق من شروده على نبرات دافئة أصابت وتينه بالصميم وهي تهمس له بحب: –حبيب قلبي لسه زعلان. “سـلـيـم” وهو يهب واقفًا مقتربًا منها بحنان محيطًا بيديه كفوفها بكل حب:
–عمري. عمري ما أزعل منك أبدًا يا أمي وأنتي عارفة كده كويس. أنا لا عشت ولا كنت من غيرك يا حبيبتي. “أصـالـة” وهي تحتضنه بكل مشاعر الحب التي بداخلها: –وأنا من غيرك أموت يا روح أمك أنت. أنت سبب حياتي ومن غيرك مماتي يا سـلـيـم. “سـلـيـم” وهو يبتعد عن أحضانها مقبلًا لكفوفها بحنان: –بعد الشر عليكي يا أمي. أنا من غيرك مسواش حاجة صدقيني. “أصـالـة” بحب وهي تتذكر لتلك الكلمة وكأنها تعود لترن بأذنيها من جديد:
–أنا وأنت روحنا مربوطة ببعض يا سـلـيـم. بس الحياة مش بتقف على حد. ثم أضافت بحب وهي تجذبه من يديه جالسة به أعلى الأريكة البنية في زاوية الغرفة: –بكرا هتتجوز وتأسس لعيلة وهيكون عندك ولاد كتير هيعوضوك عن غيابي وعن وحدتك من غير صحاب ولا أخوات طول عمرك. حياتنا عبارة عن محطات يا سـلـيـم وكل واحد فينا بيجي ميعاده وينزل في محطته والقطر بيكمل محطاته من تاني. “سـلـيـم” بحب ودعابة: –أنتي مالك قلبتيها جد كده ليه صـولا.
وبعدين أنتي هتعيشي لحد ما تجوزيني وتشوفي عيالي وتجوزيهم وتشوفي عيالهم وتجوزيهم كمان. “أصـالـة” بدعابة هي الأخرىٰ: –ده أنت كده عايز تخللني جمبك زيّ الساور كروت. “سـلـيـم” بحب وهو يقبل يديها: –ربنا يجعل يومي قبل يومك يا أمي يارب. “أصـالـة” بلهفة وهي تضع يديها أعلى فمه في محاولة منها لإسكاته عما يتفوه به: –أسكت يا سـلـيـم متكملش. ثم تابعت بعتاب: –هو أنت فاكر أني هقدر أعيش في الدنيا دي يوم من غيرك.
ده يوم ما مُـعـتـصـم مات جدك مات وأدفن بالحيا في وقتها وضهره اتكسر رغم هيلامنه وجبروته. ليه عايز تكسرني زيه. “سـلـيـم” بحنان وهو يجذبها إلى أحضانه: –معاااااش ولا كان يا أمي اللي يكسرك. ثم أضاف بنبرة ذات مغزىٰ: –ممنوع أي حد فينا يموت لحد ما الحق يرجع لصحابه والكرامة تعود من تاني يا أمي واللي اتكسر زمان جواكي يرجع يتصلح من تاني. “أصـالـة” بوجع وهي بين أحضان صغيرها:
–في كسور مهما حاولت تصلحها ما بترجعش سليمة زي الأول يا سـلـيـم. في كسور مستعصية صعب القلب يستوعبها ويستحملها. بتكتشف بعد فترة إنك محتاج ديزل عشان يشدك ويقومك ويوقفك على رجلك من تاني. لأن ببساطة اللي اتكسر ده مش كوباية أزاز. ده كسر “ثقة وأمان وعهود”. وتبقى أصعب لو اللي كسروك هم العزاز. كسرة العزيز على القلب أشد وأصعب من كسرة الغريب يا سـلـيـم صدقني. ثم همست له بنبرة حانية: –في حاجات مينفعش فيها تعويضات يا حبيبي.
في حاجات مش قابلة للعوض زيّ كرامة الإنسان. يا يعيش بيها عمره كله في عزة نفس وشموخ. يا يعيش محني ورأسه مطاطية في الأرض مش قادر حتى يرفعها يشوف نفسه في المرايا. “سـلـيـم” بثقة وعيناه يملؤها الإصرار: –وأنا وعدتك يا أمي أن كرامتك هترجعلك من تاني. وقريب أوي هتشوفي كل اللي كسروكي مكسورين، ومذلولين قصاد عيونك. وهتتفرجي على كرامتك وهي بتترد ليكي وترجعي ترفعي رأسك من تاني وسط الناس والدنيا كلها.
ده وعد شرف مني ليكي يا أمي صدقيني. “أصـالـة” بحب: –وأنا مش عايزة من الدنيا غيرك أنت يا نور عيني. “سـلـيـم” وهو يقبل يديها بحنو وفخر: –يبقى تحضري نفسك عشان طيارتنا بعد بكرا الساعة ٩ الصبح. “أصـالـة” بصدمة: –بسرعة كده. لحقت تحجز امتى. –من شوية حجزت ليا ولكي ولنوح. يعني يا دوب تحضري شنطتك أنتي وهو عشان هنرجع بلدنا أخيرًا بعد غياب سنين. وزي ما وعدتك مش هنرجع غير وأنا وأنتي راسنا مرفوعة يا صـولا. “أصـالـة” بفخر بصغيرها:
–أنت طول عمرك رافع رأسي يا سـلـيـم. ثم أضافت بسعادة مؤقتة يشوبها الكثير من الخوف وهي تعلم ذلك جيدًا: –على قد ما أنا خايفة من السفرية دي. على قد ما أنا متحمسة لأني راجعة بلدي بعد غياب سنين. فتابعت بحماس منطفئ: –متتصورش يا سـلـيـم مصر وحشاني إزاي. “سـلـيـم” بإبتسامة فرحة لسعادة والدته: –فرحتك عندي دي بالدنيا كلها يا صـولا. “أصـالـة” وهي تضع قبلة حانية أعلى وجنته بمحبة كبيرة:
–ربنا يخليك ليا يا نور عين صـولا ويفرحني بيك زيّ ما بتفرحني دايمًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!