تحميل رواية وجوه في العتمة بقلم منة ممدوح pdf
بقلم منة ممدوح
الفصل 1 — رواية وجوه في العتمة الفصل الأول 1 - بقلم منة ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
رنين هاتف متواصل قطع تركيزها في كتابتها لإحدى المقالات المهمة بالنسبالها واللي كانت هتنشرها في الجريدة اللي شغالة فيها. عقدت حاجبها بإنزعاج وخلعت نضارة القراية في حين مسكت تليفونها وبصت بتعجب للرقم الغريب. فتحت الخط وجواها فضول كبير، فجه صوت غير مألوف بيقول: _ مدام يقين عبدالرحمن؟ ازداد تعجبها وقالت: _ أيوه نعم؟ _ البقاء لله. الرائد يوسف منصور استشهد… رجعت لشقتها بعد يوم طويل قضته في الجريدة، بتتصنع كتابة المقالات ولكن في الحقيقة كان جواها هدف تاني خالص. هدف بتسعاله بقالها خمس شهور تقريبًا. فتحت...
رواية وجوه في العتمة الفصل الأول 1 - بقلم منة ممدوح
رنين هاتف متواصل قطع تركيزها في كتابتها لإحدى المقالات المهمة بالنسبالها واللي كانت هتنشرها في الجريدة اللي شغالة فيها.
عقدت حاجبها بإنزعاج وخلعت نضارة القراية في حين مسكت تليفونها وبصت بتعجب للرقم الغريب.
فتحت الخط وجواها فضول كبير، فجه صوت غير مألوف بيقول:
_ مدام يقين عبدالرحمن؟
ازداد تعجبها وقالت:
_ أيوه نعم؟
_ البقاء لله. الرائد يوسف منصور استشهد…
رجعت لشقتها بعد يوم طويل قضته في الجريدة، بتتصنع كتابة المقالات ولكن في الحقيقة كان جواها هدف تاني خالص.
هدف بتسعاله بقالها خمس شهور تقريبًا.
فتحت باب شقتها ولوهلة اتهدلت اكتافها بحزن لما لقت الشقة بلا روح على عكس قبل الحادثة اللي قلبت حياتها رأسًا على عقب.
شغلت الأنوار ودخلت على أوضتها وهي بترمي شنطتها على الكنبة وبتقعد على السرير بإنهاك واضح.
رفعت عيونها للصورة اللي محطوطة على الكومودينو في أوضتها.
كانت صورة زفافها على الراجل اللي عاشت معاه أسعد سنتين في حياتها.
الرائد يوسف منصور، اللي في غمضة عين اتاخد من بين إيديها في حركة غدر.
دمعت عيونها غصب عنها، وهي بتفتكر الذكريات السعيدة اللي جمعتهم سوا وشافت قد إيه كانت عيونها بتلمع وسعيدة في صورة فرحها على عكس حالتها دلوقتي والسواد اللي متشحة بيه.
مسحت دموعها بطرف صوابعها وقامت اتجهت لدولابها، فتحته ولوهلة ظهر قدامها صور كتير متعلقة على ضهر الدولاب من جوا، وحواليها اسهم وكلام كتير مكتوب بخطها هي.
وكل الصور الموجودة كانت لنفس الشخص المجهول.
شاب باين عليه في منتصف التلاتينات تقريبًا ببنية قوية ونظرة حادة، شعره اتغزى بالشيب شوية واللي كان متصفف بعناية، كانت صور ليه في أوضاع مختلفة، مرة ببدل رسمية، ومرة بجلاليب بيضا او داكنة ده غير الوشاح اللي لافه على راسه.
كان يشبه اهل البدو!
للحظات اتغيرت نظرة الحزن اللي في عينيها لتانية مشتعلة بنيران حقد وغضب دفين، كإنها شافت عدو ليها قدامها.
وأي عدو! ده عامر الزيات بنفسه.
عنده أكبر مزارع للزيتون والنخيل ده ظاهريًا.
أما في الباطن، أكبر مهرب أسلحة في شمال سيناء واللي لحد دلوقتي مفيش غبار عليه.
إلا لما قدر يوسف يمسك عليه دليله.
وقتها بقى مصيره الغدر.
ضمت قبضة إيديها وجزت على أسنانها بعنف وبأعصاب مشدودة قالت:
_ صدقني يا عامر، محدش هينهيك غيري!
ضربت بقبضة إيديها بعنف وبكل مشاعر الحقد اللي جواها على الصورة بتتخيله إنه هو اللي قدامها بالفعل.
بتتمنى اللحظة دي اللي تشوفه فيها ببدلة الإعدام وهي واقفة قدامه تتشفى فيه بعد ما قدرت تثبت تورطه في القذارات دي.
خدت هدومها واتحركت لحمام أوضتها وهي بيتعاد في بالها ذكريات سنة فاتت.
كانت قاعدة على أعصابها مستنياه بعد ما اتأخر بشكل يقلق في حين إنها حاولت تتصل بيه أكتر من مرة ولكن رقمه كان خارج نطاق الخدمة.
ففضلت مكانها في الصالون على أعصابها عيونها مسلطة على الباب.
وبعد وقت طويل انتفضت من نومها بعد ما غفلت وهي مكانها لما حست إن الباب بيتفتح.
وقفت بسرعة واشرقت ملامحها لما شافته بخير قدامها.
_ يـوسف!
جريت عليه وضمته بقوة وهي بتقول بصوت ضعيف من القلق:
_ كده تقلقني عليك يا حبيبي! كنت هموت من خوفي ليكون حصلك حاجة!
بعدها عنه بحنان وملس على خدها وهو بيبتسملها وبيقول:
_ متقلقيش يا حبيبي أنا كويس.
ولكنها حست إن فيه حاجة غلط. نظرة عيونه المتوترة، القلق اللي ظاهر عليه ووشه الشاحب، فتساءلت بقلق:
_ مالك يا يوسف؟
قبل ما يتكلم رفعت إيديها قدام وشه وقالت بحزم:
_ من غير كدب، أنا حاسة إن فيه حاجة.
وكمان تأخيرك ده مش طبيعي وأنت معندكش مأموريات الفترة دي!
سكت واتنهد باستسلام بعد ما عرف إنها استحالة تسيبه من غير ما تجيب قراره.
فشاورلها تقعد وبالفعل اتحركت معاه وقعدت وهو جنبها.
سكت شوية تحت نظراتها المتفحصة ولما حست بالضجر قالت:
_ هاا قول يا يوسف!
وبعد تردد كبير اتعدل في جلسته، ضم كفوفها بين إيديه وقال:
_ يقين أنا مش عايزك تقلقي.
بس الموضوع ده لازم تعرفيه عشان لو حصلي حاجة تبقى عارفة السبب.
حست بانتفاضة جوفها من الرعب واتكلمت بهلع:
_ لو حصلك حاجة؟ إيه الكلام اللي بتقوله ده يا يوسف؟!
ضغط على جفونه وبعدين بص في عيونها وهو بيقول:
_ شغلي اتنقل من السويس للعريش.
بس مش دي المشكلة.
في عيلة معروفة هناك، اسمها الزيات.
كبيرها يبقى عامر الزيات، العيلة دي مشهورة أوي بإنتاج التمور والزيتون ده المعروف، بس اللي الناس متعرفهوش إنهم بيتاجروا في السلاح من سنين طويلة جدًا ومحدش قدر يمسك عليهم حاجة.
واللي قدر يمسك دليل يدينهم بينهوه في وقتها.
شهقت بهلع ورددت وهي باسطة كفها على شفايفها:
_ يا نهار أسود. لا لابالله عليك يا يوسف خليهم ينقلوك لأي مكان تاني، أو ملكش دعوة بيهم خالص بالله عليك.
شدد على كفها وهو بيقول بضيق:
_ مقدرش يا يقين ده شغلي.
أنا ظابط شرطة مش عيل صغير، ووظيفتي هي إني اوصل لمجرمين زي دول واقضي عليهم واخلص البلد من قذارتهم.
بس مش دي المشكلة!
قربت منه بوجه شاحب:
_ مشكلة؟ هو فيه كمان مشكلة؟!
ضم شفايفه بأسف وقال:
_ وصلهم خبر إني هتنقل هناك وكلموني.
هما مقالوهاش صريحة بس من الباطن إنهم هددوني يا أبقى في صفهم لهياخدوني عدو ليهم.
شهقت بارتياع ونزلت دموعها وهي بتهز راسها برعب حقيقي برفض للي بيحصل.
رأف هو بحالها، فمد إيده وملس على خدها ومسح دموعها برقة وهو بيقول:
_ أنا مش بقولك كده عشان أخوفك.
بس عشان تاخدي بالك من نفسك كويس لو حصلي حاجة.
أنا مش مشكلة أموت أو لأ.
المهم متتئذيش أنتِ…
حطت إيديها اللي بترتجف بعنف على شفايفه تمنعه من إنه يكمل كلامه، وبدموع سايلة على وشها اتكلمت:
_ لأ لأ يا يوسف متقولش كده مش هيحصلك حاجة إن شاء الله.
متقولش كده أرجوك قول لي إنك هتبقى بخير وهتعرف تبعد عن أذاهم.
قولي بالله عليك!
حالتها كانت تدل إنها هتدخل في بدايات إنهيار، فضمها بسرعة لصدره وهو بيقول:
_ متقلقيش، مش هيقدروا يعملولي حاجة.
شددت من ضمه ودفنت وشها في صدره وهي بتبكي برعب، فطبع هو قبلة على مقدمة راسها وبص قدامه بشرود وهو بيكمل:
_ إن شاء الله…
نزلت دموعها اللي اختلطت بمياه الدش اللي كانت واقفة تحته، لحد دلوقتي مقدرتش تتعافى من اللي حصل، مش قادرة تتخيل إنه عايش مرتاح وبيكمل في اللي بيعمله في حين دمر حياتها ورملها وهي ما زالت شابة مكملتش التلاتين سنة لسة حتى!
واللي قاهرها أكتر إن واحد من رجالته هو اللي اتبنى التهمة واعترف إن هو السبب في قتل جوزها ومفيش غيرها هي الوحيدة اللي عارفة مين السبب في كل ده.
ضغطت على جفونها بقوة تحت الماية، وارتعشت شفايفها وهي بتهمس بحقد دفين:
_ عـامر!
“شمال سيناء تحديدًا العريش”
اصطف عدد كبير من العربيات الضخمة المصفحة قدام مخزن كبير بعيد عن مركز المدينة وكان يعتبر في وسط الصحراء.
نزل عدد من الرجال اللي كانوا مسلحين ولابسين كلهم جلاليب بيضاء ده غير الوشاح اللي ملفوف على راسهم.
فتح واحد من الرجالة عربية سودا چي كلاس فنزل منها شخص براس مرفوع اللي فتح أزرار بدلته الرمادي وهو نازل وبيتأمل المكان بعيونه الحادة مع ابتسامة مليانة سخرية.
شاور لرجالته بعينه يستنوا هنا فوقفوا مكانهم بالفعل من غير ما حد فيهم يجرؤ يعترض.
أما هو فاتحرك بخطوات واثقة واتجه لجوا المخزن.
استقبله واحد من رجالته اللي قال باحترام:
_ نورت يا عامر بيه.
الضيف جوارفع حاجبه وبنبرة ذات مغزى:
_ خد واجبه؟
ابتسم الشخص باتساع:
_ عطيناه واجبه وبزيادة كمان.
طبطب على كتف الشخص بقوة وهو بيقول:
_ الله ينور عليك يا سعد الله ينور عليك.
اتحرك لجوا، كان مخزن فاضي مليان كراكيب وخشب وأثاث متكسر.
وفي وسط المخزن كان فيه شاب مربوط في كرسي ومتبهدل تمامًا وكإنه كان في خناقة عنيفة طالع منها بإصابات غشيمة، عينه المقفولة من قوة الكدمة، والدم اللي سايل جنب شفايفه.
حتى هو مكانش قادر يفتح عينه ويشوف مين اللي بيقرب منه.
اتقدم عامر ناحيته ووراه سعد وهو بيقلع چاكيت بدلته وبيمده لسعد ببرود اللي خده بسرعة منه.
سحب كرسي في طريقه وجره لحد عنده وحطه بالمقلوب وقعد عليه وهو بيشمر أكمام قميصه ببطء وبيقلع ساعته الغالية.
أما الشخص المربوط فاتحامل على نفسه لحد ما قدر يفتح جزء من عينه وبمجرد ما شاف اللي قاعد قدامه ضحك بسخرية.
فابتسم عامر هو كمان وقال:
_ كنت واحشك؟
ابتدى الشخص يكح من الألم وهو ما زال بيضحك وقال:
_ عامر الزيات جايلي بنفسه!
تعبت حالك يا راجل رجالتك قاموا بالواجب وبزيادة كمان.
قام عامر وقف وقرب منه ومال عليه وهو بيقول بهسيس:
_ وأنتَ فكرك إن شوية الشخبطة اللي على خلقتك هذي كفاية؟
باغته بضربة قوية بقبضته خلت وشه ينفجر من الدماء.
حاول التاني يتحامل على نفسه ويتعدل لحد ما بصله وهو بيضحك بأسنانه اللي مليانة دم واتكلم:
_ نهايتك على ايدنا يا عامر.
صدقني آخرتك قربت، حتى لو خلصت عليا دلوقتى هيطلعلك ميت واحد زيي يجيبوا قرارك لحد ما نجيب أجلك.
في لحظات طلع عامر سلاحه من ضهره وشد صمام الأمان وحط فوهته على رقبة الشخص وبإيده التانية ثبت راسه.
وبعيون حمرة وأعصاب مشدودة قال:
_ اسمع.
صدقني هخليك تكره اليوم اللي اتولدت فيه.
هتفضل مرمي هنا كيف الكلاب لحد ما يبانلك صاحبووريني الرشايدة هيعرفوا ينجدوك كيف من بين ايدي!
بلع الشخص ريقه بإرتياب وقلق من إنه يتهور ويضغط على الزناد.
فضل ساكت تمامًا عشان ميثيرش أعصابه.
أما عامر ففضل على وضعه شوية لحد ما بعد عنه واتلفت عشان يمشي.
فاتنفس الشخص بإرتياح ولكنه اتفاجئ لما لف وضربه بضهر السلاح في وشه خلاه يصرخ بألم وهو بيقع على الأرض بالكرسي بعد ما فقد توازنه.
بصله عامر بتشفي وبصق عليه بقرف وبعدين اتلفت وسابه ومشي وهو بيرجع سلاحه مكانه وبياخد چاكيت بدلته من سعد وخرج من غير ما يتكلم وهو بيرجع يلبس ساعته من تاني.
“دار الزيات”
تلات بيوت ضخمة على الطراز الحديث للأخوات التلاتة.
سالم الزيات، وغالب الزيات، ومرزوق الزيات.
متحاوطة التلات بيوت بسور ضخم واخد مساحة شاسعة ومهولة، ومتأمن بكمية حراس كلهم مسلحين بأسلحة تفتك بأي حد يقرب منهم.
التلات بيوت مترتبين بعناية، وبيتوسطهم بيت كبير الزيات المرحوم سالم الزيات واللي توارث القيادة منه عامر واللي ماسك زمام العائلة من بعد والده.
دخلت العربيات جوا الدار الكبير، نزل عامر بقوته ودخل لبهو البيت.
استقبلته والدته السيدة فاطمة اللي كان ظاهر عليها قوة تليق على دماء الزيات اللي بتحملها في دمه.
مال طبع قبلة على مقدمة راسها وقال:
_ كيف حالك ياما؟
ربتت على كتفه وهي بتقول بحنان:
_ بخير يا ولدي ايش امورك أنتَ؟
طبطب على كفها وقال:
_ الحمدلله.
بص حواليه بتعجب وسأل:
_ وينه جواد؟
ردت وهي بتتحرك ببطء:
_ بيتغسل فوق، تعال غسل إيدك البنات حضروا العشا.
اتحرك بالفعل لمكان السفرة اللي كانت في غرفة لوحدها ولكن وقف لما سمع صوت نداء اخواته فارس وعايد.
تلفت ليهم بضيق وهو عارف إيه اللي هيتقاله كويس.
قرب منه فارس واللي كان فيه شبه كبير من عامر ولكن كان يصغره بحوالي اربع سنوات.
وقف قدامه وقال:
_ كيف ما تقوليش إنك لقيت جاسوس الرشايدة؟!
رفع عامر حاجبه وبتهديد قال:
_ بتحاسبني ولا إيش؟!
اتدخل عايد في الحوار قبل ما يحتد النقاش بين عامر وفارس وقال:
_ العفو ياخوي بس أنتَ عارف كويس إن الشحنة اللي كان مسئول عنها فارس كانت هتخرب بسببه.
تكلم عامر بحدة:
_ وأنا حليت الموضوع إيش لازمتها كُتر الكلام؟
وجه كلامه لفارس واتكلم بقوة:
_ وأنتَ عايزني اقولك على مكانه عشان تجري تفضي خزنتك في راسه وتضيع حقنا من الرشايدة؟
بتتكلم كإني مش عارفك ومش عارف إن سلاحك سابق دماغك وهتبوظ كل حاجة.
زفر فارس بضيق وقال:
_ على الأقل كنت خدنا معك.
قاطع حوارهم صراخ طفل صغير وهو بيجري من فوق وبيقول:
_ أبوي!
أشرقت ملامح عامر واتملت حنان، مال وخطف صغيره وشاله وهو بيقول:
_ قلب أبوك! كيف حالك يا بطل!
طبع قبلة على خده وهو بيقول:
_ الحمدلله يا أبوي.
جيبتلي حاجة حلوة ولا لا؟
ضحك عامر وهو بينزله على الأرض وعبث بخصلات شعر ابنه البنية الناعمة وسط انزعاجه وقال:
_ المرة الجاية حاضر.
زفر جواد بضيق ودفع إيده وهو بيتجه بقمص طفولي ناحية جدته وبيقول:
_ مش عاوز منك حاجة.
_ عيب يا جواد! هتفت بيها فاطمة بتنهر حفيدها، في حين ضحك عامر وهو بيقول:
_ سيبيه ياما براحته عيل صغير.
ولكن فاطمة قالت بحدة وقوة:
_ العيل الصغير لو متقومش من صغره هيطلع حاله مايل.
ز عامر راسه بقلة حيلة واتجهوا كلهم للسفرة، ودخلت في الوقت ده راوية زوجة عايد ونوارة زوجة فارس مع بعض البنات اللي بيساعدوهم في البيت وهما شايلين بقيت الأطباق.
تكلمت فاطمة في الوقت ده موجهة كلامها لزوجات أولادها الاتنين:
_ فين العيال؟
ردت راوية:
_ جايين ورانا يا ما.
فقالت فاطمة بقوة:
_ عودوهم بعد كده ييجوا على السفرة في معادها، لازمن يتعودوا على النظام من صغرهم.
بصوا لبعض بتعجب أما عامر فمهتمش باللي بيتقال، هو مدرك كويس إن والدته بتحاول تتحكم في كل حاجة حتى النفس اللي بيتنفسوه.
ولكن في النهاية مش بإيده حاجة، هي بتكون أمه.
بعد مدة كان مجتمع كلًا من عامر وفارس وعايد مع عمه غالب وأولاده الاتنين حسن وزايد، وعمه التاني مرزوق وابنه الوحيد خالد كعادتهم بعد اتمام شغلهم بيجتمعوا يتناقشوا كل آخر شهر لتوزيع حقوق كل واحد فيهم في الشغل المشترك بينهم.
كان قاعد عامر على مكتبه الضخم في حين الباقي واقفين منتظرينه.
طلع عامر شنطة كتف كبيرة شوية وهو بيتكلم:
_ طبعًا أنتوا عارفين إن لولا إننا مسكنا الكلب اللي تبع الرشايدة كنا روحنا كلنا في داهية.
تكلم عمه مرزوق:
_ الحمدلله إنها عدت على خير يا ابن الغالي.
هز عامر راسه ولكن اتكلم بقوة:
_ أنا عايزكم تفتحوا عينيكم كويس بعد كده.
مش المكان اللي أغيب عنه وأسيبكم فيه يتقلب زريبة وكل من هب ودب يدخله!
افتحوا عيونكم شوية!
سكتوا كلهم وهما بيتناقلوا النظرات بين بعض، لحد ما اتكلم زايد:
_ متقلقش يابن عمي.
هنخلي بالنا بعد كده.
لكز في الوقت ده أخوه حسن اللي أكد على كلام أخوه وهو بيقول:
_ طبعًا طبعًا، متشيلش هم يا عامر.
فضل باصصلهم شوية بضيق، هو عارف ومدرك إن ولاد عمامه طايشين ومبيعرفوش يتصرفوا من غير ما هو يوجههم، ودي حاجة مضايقاه، حاسس إن كل حاجة على كتفه هو من غير مساندة، هو مدرك كويس إن من غيره العيلة دي كانت اتدمرت من زمان، ويمكن أصح قرار اتاخد إنه يبقى هو كبيرهم.
ابتدى يدي لكل واحد منهم حصته في الفلوس اللي في الشنطة، وبعد ما انتهى واتراضوا كلهم قال:
_ الشحنة الجديدة هتتسلم الأسبوع الجاي، خلوا بالكم، الغلطة المرادي بفورة!
فرد خالد:
_ متقلقش يابن عمي، الشحنة المرادي بين إيدي أنا، متشيلش هم.
ابتسمله بخفة وهو بيشاورلهم يخرجوا لو عايزين، فاتكلم عمه غالب:
_ من إيد ما نعدمها يابن الغالي.
يجعلها عامرة دايمًا.
رد عليه بتحفظ:
_ تسلم يا عمي.
وبالفعل خرجوا كلهم ونزلوا لتحت، لقوا كل ستات العيلة متجمعين في بهو البيت.
اتحرك بعد ما استأذن عشان وراه شغل.
وبالفعل خرج لبرا لكن مخدش باله من العيون اللي متابعاه واللي أول ما شافته خرج جريت وراه وهي بتهتف:
_ عامر استنى يابن عمي.
قلل خطواته وهو بيضغط على جفونه وبيتنفس بضيق، اتلفت وهو بيقول بكلف:
_ نعم.
اتفضلي يا ليلى خير؟
اتقدمت منه بنت بملامح رقيقة، بشرتها البرونزية وعيونها السمرا المتكحلة بكحل داكن، وشعرها البني اللي حاطة على طرفه طرحة خفيفة، ده غير اللباس التلقيدي المحتشم اللي كانت لابساه.
اتقدمت منه وعلى وشها ابتسامة مليانة حب وقالت:
_ على وين يابن عمي؟ واخد في وشك وماشي؟
كان عارف ومتأكد من المشاعر اللي جواها من زمان، ولكن رافضها تمامًا، رافضها هي أو اي أنثى، كفاية اللي حصل آخر مرة لما فكر يدخل واحدة حياته رغم إن الوضع مكانش قايم على مشاعر، بس برضه مش عايز يظلم التانية ودي مش أي واحدة.
دي بنت عمه غالب ودلوعة العيلة.
حاول يحافظ على رسميته معاها وقال:
_ تريدي شي يا ليلى؟
اتهدلت ملامحها باحباط من جفافه وقالت:
_ سلامتك يابن عمي.
تلفت وسابها ومشي ركب عربيته مع رجالته واتحرك تحت أنظارها الحزينة اللي كانت متابعها.
حست بحد بيلكزها بحدة، اتلفتت بخضة فلقت جنبها هناء بنت عمها اللي هتفت بحدة:
_ يا بت مش كده!
اتقلي شوية.
ما هو طول ما أنتِ متدهولة عليه كده عمره ما هيبص في خلقتك.
بصتلها بغيظ شديد وسابتها ومشيت بعد ما خبطتها بقوة في كتفها، فاتألمت التانية وهي بتقول:
_ بقى كده؟! الحق عليا، يكش تولعي!
كانت قاعدة في صالون شقتها بتسمع فيلم قديم، ولكن كان عقلها في مكان تاني تمامًا.
لحظات وارتفع رنين تليفونها، انتفضت وردت بعد ما لقيتها من صديقتها وقالت:
_ ها عرفتي تعملي حاجة؟!
جه صوت صاحبتها مها اللي كانت بتضحك من لهفة صوت التانية وقالت:
_ اهدي اهدي إيه الحماس ده كله؟
وبعدين اشمعنى العريش اللي ماسكة فيها وحابة تكتبي خبر عن أهل البلد، هي اسكندرية قصرت معاكي في حاجة على الأقل اقرب؟!
زفرت بضيق وقالت:
_ اخلصي يا مها، استاذ فادي وافق ولا لا.
اتكلمت ببساطة:
_ وافق يا ستي، حتى اتحمس كمان، شاف إن العريش محدش بيتكلم عليها كتير، فقرر ينظملك رحلة مع شوية مساعدين صغيرين معاك.
بس بيقولك لازم تطلعي بحاجة تشرف وتقلب الدنيا.
ابتسمت يقين باتساع وهي شايفة خطتها ماشية زي ما هي عايزة بالضبط، وشردت في الفراغ وهي بتقول بنبرة مفيش غيرها هيفهم المتبطن فيها:
_ من ناحية هتقلب الدنيا، فهي هتقلبها فعلًا!
وفي انعكاس عيونها كانت صورته هو، عامر الزيات اللي اقسمت مش هترتاح ولا يهدالها بال غير لما تنهي مسيرته تمامًا…