الفصل 15 | من 27 فصل

رواية وجوه في العتمة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم منة ممدوح

المشاهدات
23
كلمة
4,440
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

إنك ألفت الكذبة وصدقتها يابن بطني! هتفت بها فاطمة بعد ما وقفت وهي بتضرب بإيديها الترابيزة، فبصلها عامر وبقوة قال: _اللي عندي قولته، مش هكرر كلامي تاني. وجه نظره لاخواته وهو بيشاور بإيده ليهم: _وكلامي هذا لكل الموجودين! حطوا في بالكم يقين مرتي وخلاص بقت واحدة مننا، سواء رضيتم ولا لأ! نهى جملته وسابهم وخرج بعصبية مفرطة، رمى نظرة سريعة على يقين اللي كانت واقفة متجمدة تمامًا وهي حاسة بالصدمة، وبعدها خرج من غير ما يتكلم.

استوعبت يقين اللي حصل، فاتلفتت على طول وخرجت وراه بسرعة. أما ليلى والباقي، فكان ظاهر على وشهم الذهول. في حين بص عايد لاخوه وقال: _تفتكر عامر هيسوي كذه فعلًا؟! رفع فارس كتفه وهو بيمط شفايفه وقال: _والله يابن أبوي، عامر مش هيقول الكلام هذا من الباب للطاق. شكله ناوي يكمل معاها فعلًا! _على جثتي! هتفت بها فاطمة بعصبية مفرطة خلتهم سكتوا تمامًا، في حين كملت:

_على جثتي إن هذا يصير. مش هترك هذي الملعونة تخربها وتقعد على تلها طول ما أنا عايشة على وش الدنيا! قالتها وخرجت هي كمان بوجه احمر من العصبية والاستنكار في نفس الوقت من اللي عمله ابنها ومعارضته ليها. أما ليلى فكانت واقفة في حالة صدمة وعيونها مليانة بدموع القهرة. الظاهر إن يقين عجبت عامر، وإلا ما كانش قال الكلام ده! وده معناه إن خلاص عامر ضاع من إيديها للمرة التانية! حرك عايد راسه بيأس وقعد على الترابيزة،

وابتدى ياكل وهو بيقول: _والله أنا بشوف العجب في هذي الدار! لكزه فارس في الوقت ده وهو بيقول بعصبية: _تصدق أنتَ ما عندك ريحة الدم. قاعد بتطفح ولا كإن القيامة قامت! فاعترض عايد على ضربه ليه وقال بصوت متحشرج وهو بيمدغ الأكل: _وش اسوي يعني؟! وبعدين البيض بالأوطة طعمه رهيب مش قادر أقوم! بصله فارس برفعة حاجب، ومال على الترابيزة وهو بياخد عيش وبيغمسه في الطبق وبيقول: _بجد؟ وريني كذه أما أدوق. أخد أول

لقمة واتوسعت عيونه بإعجاب: _تصدق صح! ضحك عايد وهو شايفه بيشد الكرسي وبيقعد، في حين دارت معركة بينهم على طبق البيض غير مباليين باللي حصل ده كله. حست ليلى إن أعصابها هتفلت بسببهم، فسابتهم وراحت لمكان غرفة مرات عمها عشان تفسرلها اللي حصل ده. خرجت تجري وراه وهي شايفاه واخد في وشه بخطوات تكاد تخترق الأرض من فرط العصبية، وهتفت بضيق: _عامر استني! ولكنه مردش عليها وفضل ماشي، فمسكته من دراعه بعنف ولفته ليها وهي بتقول بغضب:

_بقـولك استـني! وقف مرة واحدة وهو بينقل نظراته بين إيديها وبين عيونها المشتعلة، قرب منها وكانت مازالت هي ماسكاه وقال بضيق: _إيش تريدي؟ بمنتهى العصبية ردت: _إيـش تريـدي؟ بعد ده كله تقولي إيش تريدي؟! هو إيه اللي هتبقى أم لأحفادك دي؟! أنتَ ليه محسسني إن أنا عبد عندك ملوش إنه يتحكم في تصرفاته وقراراته وحياته بنفسه! رفع حاجبه ورد ببرود: _عشان أنتِ مرتي، سواء رضيتي ولا لأ. _يعني أنا المفروض اللي أقرر عنك!

ضحكت باستهزاء وقالت: _ليه حد قالك إني فاقدة الأهلية ولا حاجة؟ وبعدين إيه حوار أني مراتك الجديد ده؟! قولتلّك قبل كده يا عامر ميت مرة.. قاطعها وهو بيردد بنفس اسلوبها بتريقة: _عارف عارف، اسطوانة أنا عمري ما هقبل إنك جوزي. أنا مش معترفة بالجوازة دي. الموت عندي أهون من إني أبقى معاك يا عامر! بصتله بصدمة بفاه مفتوح، وهي بترمش كذا مرة لحد ما رددت: _أنتَ.. أنتَ مش طبيعي والله! مش ممكن! زفر بنفاذ صبر وهو بيقول: _بقولك إيش!

متكبريش الموضوع، أنا قولت هذولا الكلمتين عشان لو سيبتك لأمي مش هتسيبك غير وهي مفضية رصاصتين في نفوخك اليابس هذا. قالها وهو بيخبطها بعنف بصوباعه في جانب رأسها فدفعته هي بوجه معترض. قرب منها ومال ناحيتها وهو بيقول: _وبعدين ما كذبت، أنتِ مرتي فعلًا وهتفضلي مرتي عشان معندكيش حل تاني. خروجك من هنا هيكون على قبرك. هذا غير إنك ما عندك مكان تروحيله أساسًا!

أدرك في الوقت ده فداحة اللي قاله ولكن بعد فوات الأوان، اتملت عيونها بالدموع المحبوسة وبان الانفعال على وشها وشافت إنه عايرها بضعفها، ضمت شفايفها وهي بتبصله بتأنيب وقالت: _عندك حق، مليش مكان أروحه فعلًا. رفعت إيديها وشاورت ليه وهي بتكمل بألم:

_عشان أنتَ سلبت مني كل مكان ممكن ألجأله يا عامر. أنتَ سلبت مني حياتي. أنتَ خلتني عاجزة ووحيدة. وحيدة لدرجة إني مش لاقية شخص واحد بس ممكن أآمنله. فأنتَ صح عندك حق، أنا مليش مكان تاني أروحله.

نهت كلامها وسابته ورجعت على البيت. كان عايز يناديها، ولكنه لقى نفسه عاجز وهو رافع إيده في الهوا بقلة حيلة، وكأن مشاعره رافضة تظهر، ومش قادر يطلع اللي بيعتمره جواه، ولكن مش هيقدر ينكر إنه حزن عليها، بل حس إن نظرة عينيها بتصفعه بعنف. فضل مراقب طيفها شوية قبل ما يتلفت وهو بيتنهد بضيق من نفسه واتجه لعربيته. شاور لسعد وحمد اللي جم على طول، فقال: _جهزتوا كل حاجة؟ رد سعد:

_أيوه يا عامر بيه، ووصينا الرجالة ميعرفوش عايد وفارس بيه. وقبل ما يتكلم كان وصل عنده عايد وفارس اللي قالوا: _إحنا جايين معاك ياخوي. غمض عامر عينه وهو بيضغط على جفونه بقوة، رجع بص لسعد اللي شحب لونه بتوتر وقال باستهزاء ورفعة حاجب: _هذا هو اللي وصيت الرجالة ميعرفوش عايد وفارس؟! اتدخل فارس في الوقت ده وقال: _اعذرني ياخوي، بس تارك تارنا إحنا كمان. وبعدين الشحنة اللي اتاخدت كنت أنا المسئول عنها، فمش هنسيبك تروحلهم لحالك!

بصلهم بضيق وهو بيقول: _أنا مش عاوز حد فيكم يتأذى. ربت عايد على كتفه وقال بتأكيد: _ما تقلق، إحنا رجالة نفوت في الحديد برضو. هز راسه بقلة حيلة بعد ما اتأكد إنه استحالة يرجع عن رأيه. وبالفعل كانوا اتحركوا كلهم، تلات عربيات تقريبًا من الدفع الرباعي الربع نقل، عربية فيها عامر وفارس وعايد وكان سعد سايق. والباقيين فيهم رجالة كانوا شايلين سلاح وماشيين بكل جراءة في عز النهار ولا كأنهم بيهابوا شيء.

وبعد وقت قليل في الطريق كانوا وصلوا لبيت ضخم على الطراز الحديث واللي كان لصالح ولكنه كان معزول برضه وسط مزارع الرشيدي. وقفت العربيات مرة واحدة خلت رجالة الرشيدي يتحفزوا. وقبل ما يستوعبوا كانوا نزلوا رجالة عامر واشتعل المكان بالطلق الناري وبقوا يقتلوا في الرجالة اللي قدامهم بلا رحمة. ومنهم عامر اللي نزل وهو بيضرب اللي يقابله بسلاحه من غير أي شفقة أو خوف من مظهر الدماء أو الجثث والاصابات اللي قدامه.

ومعاه عايد وفارس اللي كانوا بيشاركوا رجالته في القتل. وقف عامر قصاد الباب، ضرب القفل بمسدسه وهو بيبعد وشه عشان ميتصابش، وبعدين ضرب الباب برجله ودخل. شاف صالح ضامم زوجته نجاة وهما متخبيين ورا الكنبة، في حين عزيز كان واقف وهو بيبص لعامر بنظرات مشتعلة. قرب منه عامر ووجه كلامه لنجاة: _اطلعي على فوق. أنا مبسيحش دم قدام حرمي. نقلت نظراتها المرعوبة واللي مليانة بالدموع بينه وبين زوجها برفض ولكن صالح اجبرها تطلع.

وبعدين اتحامل على نفسه ووقف وهو ينفض زجاج الشبابيك المتكسر عن هدومه واتجه ناحية عامر وهو بيقول: _أنتَ اتجننت يا عامر؟ بتتهجم على الدار في عز النهار وتقتل في رجالتي ولا فيه خشا! رفع راسه وهو حاطت كفه اللي فيه السلاح على التاني وقال بقوة: _عامر الزيات ما بيهاب شي. وعشان تعرف إن لا أنت ولا الحكومة هتخلونا نكشوا. واعتبر رجالتك اللي راحوا قصاد بضاعتنا اللي الحكومة صادرته. نقل نظره على عزيز الواقف كاتم غيظه بغل،

في حين حاول يهاوده صالح: _يا عامر هذا اللي بتسويه غلط وما يصح! شاور براسه لعزيز وقال: _واللي ابنك سواه هذا غلط ولا مش غلط؟ من متى واحنا بندخل الحكومة بينا؟ ماهو لو عاوزين ندخلها يبقى عز الطلب ومتلوموش غير حالكم! وأظن أنتم داريين بإن كلامي بيتنفذ ومش شوية تهديد؟! كان عارف صالح إنه بالفعل ماسك عليهم حاجات ممكن توديهم في داهية، فلذلك بلع ريقه بخوف وقال: _لا يا عامر، خلافاتنا بعيد عن الحكومة. برفعة حاجب قال:

_قول لابنك هذا الكلام. وبدون تردد اتجه صالح لعزيز وصفعه بقوة لدرجة إن عزيز اتوسعت عيونه بصدمة، في حين وبخه قائلًا: _قولتلك بدل المرة مية ما تسوي شي بدون علمي. عاجبك اللي صار هذا! كتم عزيز غيظه وهو بيبص لأبوه بأعصاب مشدودة وعيون متحجرة، لإن صالح كان عنده علم بكل اللي حصل بل ده كان تفكيره هو! ولكنّه قدر يميز إنه خايف من بطش عامر خاصة بعد جرئته دي. ابتسم عامر باستهزاء وقال:

_أديك شوفت بنفسك يا صالح. لو عوزت اسوي شي بسويه وسط النهار وعلى عينك يا تاجـر. يعني برقع الحيا متشال من على وشي. وبلاش تقف في طريقي عشان قسمًا بالله الرصاص اللي اتضرب في شوية الرجالة والازاز هذا هيتضرب في نفوخك أنتَ وابنك. لو عاوز ترمل مرتك، اتحداني تاني! كان بيقول كلامه بتهديد صريح وهو رافع سلاحه قدام عينه كإنه بيأكدلهم إنه هيعمل كده فعلًا، فكتم صالح غله وقال: _غلطة ومش هتتكرر يا عامر صدقني. اعتبره عيل وغلط.

رمى عليه عامر نظرة استحقار من فوق لتحت وهو بيقول: _لا ماهو عيل فعلًا مش هعتبره. وبعدين قوله يفكه من الجري ورا الحريم ويسترجل لما يعوز يعمل حاجة يعملها بدون ما يدخل الحريم. وجه نظره لعايد وفارس وشاورلهم براسه وخرجوا بدون ما يزودوا كلمة تانية. ضم عزيز قبضته ونوى يروح يهجم عليه بعد ما حس بالإهانة من كلامه ولكن منعه صالح لما بسط كفه على صدره وبصله بأمر.

وبعدين اتحرك ورا عامر وهو بيبص على جثث رجالته اللي مرمية على الأرض والدماء اللي ملت المكان بحسرة. في حين رماهم عامر بنظرة أخيرة قبل ما يركب عربيته هو ورجالته ويخرجوا خروج عاصف يشبه دخلتهم. قرب عزيز من أبوه وهتف: _يعني كان لازم تضربني قدامه يابوي؟ كيف العيل الصغير! التفت ليه صالح وربت على كتفه وهو بيقول:

_كان لازم أقل منك قدامه وإلا مكانش هيسكت غير وهو ضاربك رصاصة. أنا مقدرش استغنى عنك يا عزيز ولا أرضى يصيبك أذى. بس صدقني هيندم. مش هعدي اللي عمله هذا بالساهل. سكت عزيز وهو بيبص لأبوه بغضب شديد، فأومأ ليه التاني بتأكيد على كلامه. **** صوت خبط على الباب قطع خلوتها بنفسها، مسحت دموعها بسرعة رافضة إن يظهر أي ضعف منها وهتفت: _مين؟ اتفتح الباب براحة وطل منه جواد اللي جري عليها وطلع على السرير وهو بيقول: _وش بتسوي يا ماما؟!

اتعدلت وهي بترد: _ولا حاجة. كنت جاي ليه؟ كان قاعد على ركبه قدامها وهو باصصلها بابتسامة واسعة في حين بيشيل الشعر اللي نازل على عينه وقال: _جاي ألعب معاكي. حاشت بالنظر عنه وهي بتحاول تمنع مشاعر الأمومة اللي بتتفاقم جواها بمجرد ما تشوفه وقالت: _مرة تانية عشان تعبانة شوية. ولكن الطفل ميئسش وقال بعبوس: _لا بقى مش كل مرة هتقولي تعبانة! ضحكت يقين غصب عنها لما شافت إصراره، فرجعت ملامحه للحماس وهو بيقول:

_خلاص تعالي نتمشى في المزرعة وأوريكي مسعود. عقدت حاجبها بتعجب وسألت: _مين مسعود؟ نزل من على السرير وهو بيجذب إيديها رغمًا عنها: _مسعود هذا البعير بتاعي، كان صغير أوي وبعدين كبر دلوقت وبقى جمل كبير. لقت نفسها بتمشي معاه غصب عنها، فكمل هو: _وكمان هوريكي جواد. هذا خيل كان أبوي سماه وأمي سلمى حامل فيا، كان بيقول لو جه واد هسميه جواد ويبقى هذا خيله. وأنا مستني أكبر عشان اتسابق بيه.

ابتسمت على برائته وهو بيحكي بحماس، وفعلًا خرجوا لبرا وابتدوا يدخلوا لجوا المزرعة، في حين كان جواد بيحكيلها عن أبوه والعيلة كلها وهي بتسمعه بفضول شديد. يمكن كانت بتتخيله ابنها اللي مقدرتش تشوفه بسبب يوسف بعد ما حرمها منه بسبب قذرته، فبتعوض الإحساس ده فيه. هي كان راغبة بشكل كبير إنها تكون أم. يمكن أول سبب خلاها تتجوز إنها عايزة تشيل طفلها بين إيديها، ولكن حتى ده يوسف حرمها منه.

لعبوا كتير مع بعض واتجولوا كتير جوا المزرعة، لحد ما حسوا بالتعب والارهاق فقعدوا تحت شجرة يوسفي مفضلة عند جواد لإنها كانت بتنتج يوسفي لونه مايل للأحمر المميز. فكانت يقين قاعدة ساندة ضهرها على الشجرة في حين جواد ممدد على الأرض وحاطت راسه على رجلها وبيلعب بجهازه اللوحي وهو مازال بيتكلم كلام عشوائي.

في حين هي بتغلغل أصابعها في شعره وهي سرحانة في الفراغ. يمكن كانت لحظات عشوائية بسيطة مع طفل، ولكنها كانت مليانة دفء محستش بيه من ساعة ما جت هني. معقولة جواد يبقى هو رفيقها الوحيد هنا؟! **** رجعوا البيت بعد المعركة الطاحنة اللي حصلت في بيت الرشايدة، نزل من العربية وقرر يروح لمكتبه عشان يجهز للشحنة الجديدة غير اللي باظت، فوجه كلامه لفارس: _قول لزايد يجهز عشان الشغل المرادي عليه.

هز فارس راسه واتفرقوا هما التلاتة لأماكن مختلفة، ولكن قبل ما يتجه للمكتب الخارجي كان لفت انتباهه نداء فاطمة عليه وهي بتجري ناحيته، عقد حواجبه بتعجب وقال: _خير ياما. اتنفست بعنف وهي بتقول: _الحق يا عامر! قرب منها بنفاذ صبر: _قولي ياما متتعبيش أعصابي. _جـواد. قالتها بخوف، فحس إن قلبه وقع من الرعب عليه وقال بحذر: _ماله جواد؟ حصله حاجة! فردت فاطمة:

_مش لاقيينه. آخر مرة كانوا شافوه طالع لغرفة المشئومة. ودلوقت لا هو ولا هي في غرفتها. أنا متأكدة إنها ساوت فيه شي. تنتقم مننا فيه. الحق جواد من بين ايديها يا عامر إلا حفيدي! رغم القلق اللي اتسلل جوا عامر إلا إنه استنكر اللي بتقوله وقال: _هتلاقيهم هنا ولا هنا يا أمي، دوروا كويس بس. لو كانوا خرجوا كان الرجالة قالولي. ولكن حاولت فاطمة تبخ سمومها اكتر وهتفت بعصبية: _بقولك مالهم أثر في الدار، هتئذي ابنك يا عامر!

هذي الملعونة هتعمل أي شي عشان تكسرك! لقى نفسه بيقول برفض قاطع: _لا يا أمي، يقين ماهي كذا. استحالة تعمل شي في جواد أو تستغله. هي مش من هذا النوع. ولكن كلامه اشعل لهيب فاطمة اللي صرخت: _كأنك بتدافع عنها يا عامر! مخليني أحس إنك عارفها بقالك زمن. لو مش فاكر خليني أفكرك! هذي الملعونة اللي دخلت بيناتنا وطعنتك يا عامر! زفر بنفاذ صبر وسابها واتلفت راح ناحية رجالته، وقال: _جواد ومرتي خرجوا قدامكوا؟ هز الرجل راسه برفض ورد:

_لا يا بيه، كانوا حوالين الدار بس ما خرجوا. سابهم ومشي ناحية المزرعة تحت أنظار فاطمة اللي كانت باصة لأثره بصمت ونظرات غامضة. وبالفعل كان عامر متأكد من جواه إن استحالة يقين تئذي جوادهو شاف بعينه معاملتها ليهوكمان عارف إنها من النوع اللي عمرها ما تستغل طفل في انتقامولكن مهما حاول يشرح لأمه عمرها ما هتفهم ده وهتشوفه بيدافع عنها. فضل يدور حوالين المزرعة والأماكن اللي بيحب جواد يروحها، ولكن ملقاهمش.

وقبل ما يرجع بعد ما حس بالقلق من جواه ليكون حد اذاهم لقى نفسه بيغير اتجاهه. قلت خطواته السريعة، وارتاحت أنفاسه القلقة، وانفرجت شفتاه عن ابتسامة رقيقة وهو شايف المشهد اللي قدامه. كانت نايمة وهي ساندة على الشجرة، في حين جواد هو كمان غارق في النوم وعلى بطنه جهازه اللوحي. قرب منهم بخطوات بطيئة وهو بيتأمل المشهد اللي قدامه بعمق. مشافش قبل كده جواد بالراحة دي مع حد، وكمان استغرب معاملتها ليه. كإنه أمه!

يمكن دي حاجة مخلياه يتمسك بوجودها أكتر. نزل على ركبته، طبع قبلة على جبين جواد وبعدين انتقل بنظراته عليها بيتأملها عن قرب. حس في الوقت ده بمشاعر مختلفة، كأن فيه أحاسيس جديدة بتقوده ناحيته. بتجبره يقرب وبتجبره يحميها! لقى نفسه بيدرس قسماتها عن قرب، وفي اللحظة دي لمعت عيونه بإعجاب واضح ولكنه كان لسة رافض الاعتراف بيه. مد إيده في الوقت ده وبرقة بعد خصلة من شعرها عن وشها. زمّت شفايفها في الوقت ده باعتراض فابتسم رغمًا عنه.

ولكنها فتحت عيونها بنعاس وهي بترمش كذا مرة، فشافته قريب منها لقت نفسها بتبتسم ليه بلا وعي. ورغم إنه رد فعل بسيط إلا إنه اندهش لإنه متعودش منها غير على نظرات الكره. ولكن اتبددت ابتسامته سريعًا لما استوعبت اللي بيحصل وانتفضت بهلع. فبعد بسرعة وهو بيتنحنح بإحراج وبيقول: _اهدي، اهدي. جواد نايم. رمت نظرة على التقل اللي على رجليها وبالفعل لما لقته غارق في النوم هديت حركتها، رجعت بصتله فقال عامر:

_واخدين راحتكم هنا ورايحين في سابع نومة وسايبين الدنيا مقلوبة عليكم هناك. عقدت جبينها وسألت متعجبة: _مقلوبة علينا ليه يعني؟! قعد على الأرض وفرد رجليه وهو بيقول بسخرية: _أمي فاكراكي خطفتي جواد عشان تنتقمي مني. شهقت بصدمة ورددت بعدم استيعاب: _مش للدرجادي يعني! أنا مشكلتي معاك أنت وعمري ما استغل طفل في حاجة زي دي! وبعدين جواد هو اللي كان عايز يتمشى فمقدرتش أكسر خاطره. كان باصصلها بابتسامة فملست هي على شعر جواد وقالت:

_وبعدين الولد ميشبهكوش خالص. أنا مش عارفة هو ابنك ازاي؟! ضحك لما عرف إنها قاصدة تهينه وقال: _متزعليش بكرا لما يكبر هتلاقيه نسخة مني، دم الزيات بيجري في عروقه برضك! وبعدين ما أنتِ أهو متشبهيناش خالص وبقيتي واحدة مننا! أصدرت صوت معترض وقالت بنزق: _شوف الكلام اللي يضايق بقى! لقى نفسه بيضحك بشدة قصاد عبوسها وشفايفها المزمومة بضيق، ورغمًا عنها ابتسمت قصاده وكأنها بتشوف جانب جديد منه، اتنحنحت وقالت:

_هي مامت جواد، أقصد يعني مراتك، يعني كنتوا متجوزين عن حب؟ راسه وشرد قدامه وهو بيقول:

_من زمان وبينا وبين الرشايدة مشاكل بسبب الشغل، كانوا الرشايدة دايمًا بيحاولوا يوقعوناوكان فيه دم كتير بينا، رجالة كانت بتروح في خلافاتنا. فحبينا نوحد شغلنا ونقفل صفحة العداوة اللي بيننا. مكانش فيه حل غير إني اتجوز سلمى بنتهم عشان يبقى فيه نسب ودم بيننا بما إني كبير العيلة وحمايتهم مسئوليتي فكان لازم أنا اللي أضحي. الحقيقة إن الحياة بينا مكانش فيها مشاعر على الأقل من ناحيتي، كان فيه مشاكل بينها وبين أمي كتير لأنها كانت كارهاها عشانها من الرشايدة. وجه جواد نور حياتنا. بس جوازنا مطولش وصار اللي صار.

لاحظت عبوس وشه وكأنه بيقاوم غصة جواه مش قادر يمحيها، شعور بالعار بيساوره، فبفضول وحذر سألت: _إيه اللي حصل بالظبط اليوم ده؟ رفع عيونه ليها، فضل ساكت شوية وهو حاسس بتردد جواه، ولكن لقى نفسه بيقول وهو بيغمض عيونه بضيق:

_يوم عيد ميلاد جواد التاني، احتفلنا وقضينا اليوم مع بعض. كل اللي في الدار شربوا من نفس العصير هذا اليوم. وكلنا حسينا بنفس الدوخة والهبوط. خلصنا وطلعنا نمنا، مادرينا بنفسنا ولا بأي شي حوالينا. صحيت تاني يوم الصبح، كانت سلمى نايمة على دراعي زي ما هي وجواد على سريره لوحده. جيت أقوم وأصحيها لقيتها ما بتتحركش ولما قلبتها لقيتها مقتولة بطلقتين. شهقت يقين بصدمة وهي بتحط إيديها على شفايفها، في حين كمل عامر

بضيق شديد وهو بيضم قبضته: _لحد دلوقت معرفتش اللي سوي هذي العملة. بس كل اللي متأكد منه إنه عمل كذه عشان يرجع العداوة بين العيلتين. مكنتش أنا هدفه، ولا أي حد من الدار. بس كان هدفه الدم والتار، وفعلًا من وقتها زادت العداوة بين العيلتين أكتر من الأول. اتملت عيون يقين بالدموع المحبوسة، ورددت وهي بتهز راسها بعدم استيعاب: _مش ممكن! أنتوا في غابة؟! أنتوا ازاي عايشين كده وبتتعاملوا مع القتل والدم والاسلحة بمنتهى السهولة!

كان شايف نظرات الاشمئزاز على وشها، فابتسم بسخرية أليمة وقال: _الحياة مش وردية يا صحفية. وبعدين مستغربة ليش؟! أكيد قابلتي جرايم كتير في مهنتك. هذا غير مهنة اللي كان زوجك! وبعدين أنتِ بنفسك سايبالي جرح في بطني لسة ما اتداوى لدلوقت. يعني من ساعة من دخلتي العريش وأنتِ بقيتي بتشبهينا يا صحفية! بصتله بغيظ رهيب، كان قادر يقلب الترابيزة عليها بمنتهى البساطة، ودي حاجة كانت مضايقاها.

قطع خلوتهم مع بعض حضور ليلى وهناء اللي كانوا بيدوروا على جواد، ولكن وقفوا متجمدين قصاد المشهد اللي قدامهم واللي كان شكله شاعري. شهقت هناء ورددت: _يا ويلي! شكل كلام أمك صحيح وعامر اعتبرها مرته خلاص. لكزتها ليلى بعنف وهي بتقول: _اسكتي مسمعش حسك! قربت منهم وهي رافعة جلبابها عشان تعرف تمشي، وهتفت: _أنتَ هنا يا عامر! مرت عمي هتموت من الرعب على جواد. أصل كانت فاكراه حصله حاجة ولا حد أذاه!

قالتها وهي بترمي يقين بنظرات ذات مغزى اللي رفعت إيديها وهي بتقول بعدم استيعاب: _مش معقولة نظرية المؤامرة اللي أنتوا عايشين فيها! محسسني إني هاكله! ولكن عامر بص لـ ليلى برفعة حاجب خلاها ترتبك، كان قادر يفهم احساس الغيرة من ناحية يقين اللي جواها ومحاولات الكيد اللي بتعملها، ولكنه رد بحدة: _قوليلها تتطمن. جواد مع امه، يعني استحالة يصير له أي أذى!

نقلت نظرها على جواد النايم وبعدين على يقين اللي بصت لعامر بدهشة إنه دافع عنها، فاتلجلجت ليلى وقال: _أنا ما اقصدش يا عامر أنا.. قاطعها وهو بيقول بلهجة لا تقبل النقاش: _روحي يا ليلى. روحي طمني الجماعة، عرفيهم إن جواد مع أبوه وأمه مش حد غريب.

بصتله بعتاب، كانت نظرات قدرت تقرأها يقين بسهولة، وقدرت تميز إن اللي قدامها دي عاشقة مجروحة، فبالفعل سابتهم ليلى واتلفتت تمشي بخطوات أشبه بالركض عشان تداري دموعها. أما يقين فاتلفتت لعامر وفضلت بصاله شوية بصمت وبعدين سألت بجرأة: _على كده بتحبها أنتَ كمان زي ما بتحبك؟ بصلها عامر بدهشة ملحوظة، أما هي فكانت مستنية رده برفعة حاجب، قطع الاتصال البصري اللي طال بينهم صوت رسالة من تليفون عامر.

طلعه من جيبه وهو مازال باصصلها، فتح تليفونه والرسالة اللي كانت من رقم مجهول. ولكنه اتجمد تمامًا لما لقى محتواها: _الحق اتمتعلك يومين مع الصحفية قبل ما اقتلها هي كمان كيف مراتك الأولانية..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...