تنفست الصعداء وهي تضع يدها على قلبها تحاول تنظيم أنفاسها قبل أن تبدأ رحلة الفرار. وأسرعت بالهرب بكل ما أُوتيت من عزم و قوة. زادت من سرعتها وهي تركض وتركض بلا هدف وقد أفعم الخوف قلبها عندما سمعت صوت سيارات تنطلق مما جعلها تسلك طريقًا نائيًا لا تعرف له نهاية. لكن يبدو أنهم علموا بهروبها إذ كلف فريقًا منهم بالبحث عنها في الأراضي المحيطة. سيعثرون عليها لا محالة.
الظلام حالك والرؤية كلما توغلت في الأراضي كلما أصبحت أكثر صعوبة. أخذت تتعثر في ركضها، تسقط وتنهض بإصرار. صوت عواء الذئاب يرهبها. لكن ذئابهم هم ترهبها أكثر فلم تعد تبالي. لكن سطعت حولها إضاءة مصابيح سيارة تعلم هوية صاحبها. مما جعلها تسرع بالاقتراب من المجرى المائي لتسقط بجسدها داخله فيغلفها الطين من كل جانب مما ساعدها على الأختفاء. اهتزت أوصالها عندما توقفت السيارة وترجل منها صاحبها وقال بغضب:
_اه لو تقع في يدي هخلص عليها في وقتها. توعده جعلها تسقط رأسها داخل المياة بفزع وكأنه علم بذلك إذا ظل لحظات يدقق النظر في المكان وقد ساعده إضاءة السيارة على البحث جيدًا. ولم يتخيل أنها تقبع في الوحل أسفل قدمه تحبس أنفاسها داخلها. شهقة عالية خرجت منها عندما غادروا المكان و عادوا إلى السيارة وابتعدوا بها. كانت تجاهد وهي تحاول تنظيم أنفاسها حتى تواصل الزحف في ذلك المجرى فهو الطريق الوحيد الآمن لها الآن.
لحظات مريرة مرت عليها وهي تزحف داخله. لم ترتعب من الجرذان التي تصادفها والتي لم تخش من شئٍ مثل خشيتها منها. لكن الآن هناك خوف أكبر جعلها لا تبالي بما يصادفها. توقفت عندما هدأت الأصوات من الطريق فأيقنت أنهم ملوا من البحث وعادوا إلى منازلهم بعد أن يأسوا من العثور عليها فى المنطقة. أخذت ترتعد من شدة البرودة والوحل الذي خلفها زاد من ارتجافها. سارت تبحث عن مياة نظيفة كي تنظف به وجهها حتى تستطيع الرؤية جيدًا.
لكن الظلام دامس ولن تجد صنبورًا للمياة إلا على الطريق ولن تجازف بالذهاب إليه. ستواصل الركض حتى تبعد عن تلك البلدة الظالمة. أخذت تركض لكن برودة الجو والوحل الذي التصق بها يعوق خطواتها فلم تعد تستطيع المواصلة حتى تفاجئت به أمامها. وقفت تنظر إليه بسعادة وهو يداعب طفلتهما التي لم يتعدى عمرها الأربعة أشهر بسعادة غامرة. حبيبها الذي أسر قلبها الذي تعلم أبجدية العشق على يده.
عصبى و سريع الغضب لا تنكر ذلك وأحيانًا يدفعها لحد الجنون، لكنها ستظل عاشقةً له مهما فعل. لمح نظراتها العاشقة له مما جعله يشير لها بالتقدم وهو يفتح ذراعه الآخر له. تقدمت منه لتجلس على الفراش بجوارهما يحوطها بذراعه ويقبل جبينها بعشق لا ينتهى وقال بوله: _آخرتي تحت كده ليه؟ أنا وسيلا كنا خلاص هنام. داعبت ابنتها التي ارتاحت على صدر والدها بأمان لتغمض عينيها بنعاس وقالت: _كنت مع ماما وسيلة وتيتا والوقت أخدنا.
نهض ليضع ابنته في فراشها ثم عاد إليها عندما لمح نظرت حزن في عينيها والتي لم تتقن إخفاءها جيدًا فهو أكثر من يعلم بما يدور بخلدها. الآناستلقى على الفراش وجذبها لحضنه وهو يضع رأسها على كتفه وقال بتعاطف: _لو مش عايزة تتكلمي مش هضغط عليكي. اختبئت بحضنه أكثر وكأنها تحتمي به من العالم أجمع وقالت بألم: _مش عايزة اتكلم دلوقت خليني جوه حضنك شوية. لم يبخل عليها يومًا بمشاعره بل كان يغدقها بها ويذيقها فنون العشق بألحانه.
لم يسألها لأنه يعلم الإجابة جيدًا، ومن غيره ذلك المتحجر الذي لم يفكر حتى بمهاتفة ابنته والاطمئنان عليها. لحظات صمت مرت عليهما وهي تتشبث به كالغريق. حتى سمعت صوته يسألها بحنان: _ايه اللي حصل؟ تنهدت بضيق ثم تحدثت بخفوت: _مش عارفه إن كنت هتفهمني ولا لأ. أقبل رأسها مرة أخرى وهو يقول بحب: _جربي. تحدثت بشرود وهي تشدد على يده التي تحتوى يدها بحنان: _تعرف إني بحسدكم على عمي ومرات عمي أوي.
كل مـ أشوف اهتمامه بيكم وخاصةً بـ ليلى وأقارن بينه وبين بابا اللي من وقت اللي حصل مـ فكرش حتى يطمن عليا بالفون، حتى في ولادة سيلا جاه زيه زي أي غريب ومشي تاني. تنهدت بألم وهي تتذكر تلك اللحظة: _حتى ماما من وقت ما رجعت له وهي انشغلت عني بعد ما كانت بتكلمني كل يوم. رأف جاسر بحالتها وزاد بغضه لذلك الرجل الذي لن يتغير مهما حدث ولا يبالي سوى بجشعه وتحدث بتعاطف:
_انتي عارفة كويس الظروف اللي مروا بيها الفترة اللي فاتت وده خلاهم ينشغلوا عنك. لم تقتنع بحديثه ولا حتى هو فتابع قائلًا بمزاح: _وبعدين انا راضي ذمتك انتي شايفة جمال ووسيلة بيقصروا معاكي في حاجة، دا أنا لما بتخانق معاكي بوطي صوتي ليسمعوني خوف منهم. بالطبع لا وهي تعلم ذلك جيدًا لكن مهما فعلا فلن يملأ الفراغ الذي يتركه الوالدان. ابتعدت عنه قليلًا كي تنظر إليه: _جاسر انت مش فاهمني. أكد لها:
_لأ فاهمك كويس أوي وعارف انتي عايزة تفهميني ايه، بس انتي لازم ترضي عشان متتعبيش، ابوكي مش هيتغير دي طبيعته والمفروض تكوني تأقلمتي على كده. هزت راسها بنفي وهي تنظر إليه بألم: _اللي مضايقني أكتر إن رغم كل اللي حصل بس زي ما هو متغيرش. أبعدها عنه قليلًا كي ينظر إليها ثم رفع وجهها إليه وتمتم بحب كي يمحي تلك النظرات التي تؤلمه: _أنا مش عايزك تفكري أو تشغلي نفسك بأي حاجة طول ما انتي في حضني، انسي وانا هعوضك عن كل حاجة.
نهاية حديثهم دائمًا ما ينتهي بالصمت، لتكون لغة العيون والقلوب هي السائدة بينهم. ولحظات عشق تعيشها بين أحضانه التي لم يبخل عليها بهابل منذ عودتها وهو يغدقها بمشاعره الجياشة التي خصها بها وحدها. ظل أمجد قابعًا في غرفته ينتظر عودتها من المشفى. حتى مل من الانتظار. عاد يهاتفها لكنها لم تجب مما يؤكد بأنها مازالت داخل غرفة العمليات. لم يعد يستطيع تحمل المزيد وهي تتمادى بلا حدود. إلى متى سيظل على تلك الحالة من التحمل.
أوقات كثيرة كان ينهي عمله سريعًا كي يعود إليها وينعم بأحضانها الساجية. لكن تفاجئه بذهابها إلى المشفى للضرورة القصوى فلم يستطع معنها ويظل منتظرها ساعات وتصل أحيانًا حد المبيت. لم يعد يستطيع التحمل أكثر من ذلك، اليوم سيضع حدًا لكل ذلك. ساعة أخرى مرت عليه حتى وجدها تدلف الغرفة بتعب وإرهاق بالغين. فهذا حالهما الآن، تأخير ثم عودة مرهقة. _السلام عليكم. حاول بصعوبة بالغة الهدوء لكن كيف ذلك وقد وصل به الأمر حد
الاختناق فرد عليها بحنق: _وعليكم السلام، ممكن أعرف حضرتك أخرتي كده ليه؟ وضعت حقيبتها على المقعد ونزعت حذائها لتتركه بأهمال. ثم تقدمت منه لتجلس بجواره وتقول بتسويف: _أمجد أنا راجعة تعبانه ومش حمل جدال. نهض أمجد من فراشه وقد انتهى ثباته لعدم اهتمامها بالتوضيح له أو حتى كلمة اعتذار وصاح بها بغضب: _جدال؟! يعني عايزاني اتحمل كل ده واسكت متكلمش؟! ليه فاكراني ايه؟
حقًا متعبة ولا تستطيع الخوض في جدال عقيم لن تخرج منه بشئ، عليها أن تهدئ الوضع الآن كي لا يهدد كما فعل من قبل. تحاملت على نفسها وتقدمت منه لتقول بهدوء تهدئ به من غضبه: _أمجد صدقني كل ده غصب عني، دي مهنتي ومينفعش اتاخر عنها. نظر إليها بقوة وقد وصل الغضب زورته وتحدث بانفعال: _وانا فين من كل ده؟ دنت منه أكثر ونظرت في عينيه لتقول بصدق: _انت في قلبي وفحياتي وعارف كده كويس، بس دي مسؤوليات مقدرش اتاخر عنها.
ابتسمت بتصنع كي لا يرى مدى ارهاقها الذي اشتد فيصيبها الدوار وأردفت: _وبعدين أنا أجازة بكرة ايه رأيك تاخد انت كمان أجازة ونقضي اليوم مع بعض. لم تفلح فى تهدئته مازال على استياءه منها فقامت بوضع رأسها على صدره تلتمس الراحة بين يديه وقد اشتد بها الدوار لكنه ظل ثابتًا لا يحرك ساكناً. رفعت وجهها إليه لتنظر إلى وجومه وتمتمت برجاء: _أمجد أرجوك كفاية بقى أنا فعلًا مرهقة أوي وعايزة أرتاح، وانت عارف إن راحتي جوة حضنك.
غمغم أمجد باحتدام وهو يبتعد عنها ليهتز ثباتها بعد أنا كانت تستند عليه: _وانا راحتي فين؟ ايه عايزاني ادور على راحتك وسايبة راحتي انا. نظرت إليه بحيرة وقد أصبحت لا تتحمل عصبيته الزائدة وقالت: _بس راحتك انت كمان في حضني مش كدة؟ رد بسخرية وهو يبتعد عنها أكثر ويقول بحنق: _هو فين حضنك ده!!
انا شايف قدامي واحدة كل اهتماماتها لشغلها حتى الوقت اللي تقضيه معايا يا إما مرهقة؛ ياإما بتفكر في شغلها وانا بقيت آخر اولوياتك، أنا تعبت ومبقتش قادر اتحمل اكثر من كدة. نظرت إلى المقعد تحاول الاستناد عليه كي تحمي نفسها من السقوط مما جعل الدوار يعصف بها. حاولت التشبث به لكنها لم تقوى على الوصول إليه لتجد نفسها داخل ظلام دامس لا ترى به شئ.
تقدم من باب الغرفة ليخرج منه لكنه توقف مكانه عندما سمع صوت ارتطام قوي جعل قلبه ينقبض خوفًا وهو يراها ملقاة على أرضية الغرفة بلا حراك. أسرع إليها بخوف شديد ليحملها ويضعها على الفراش وهو يحاول افاقتها و يقول بخوف: _ليلى فوقي ياحبيبتي. لم يجد منها ردًا فأسرع بالاتصال بعصام كي يبعث إليه بأحد الأطباء بأسرع وقت. ثم أغلق الهاتف وعاد إليها وهو يعاتب نفسه على رعونته معها.
وقف أمام غرفة العمليات بقلب منفطر والقلق يفعم قلبه، وحبيبته في الداخل تسارع ذلك الألم وحدها. يعاتب نفسه على تركها عندما تشبثت به. لكنه لم يقوى على التحمل وهو يراها تعاني دون أن يفعل لها شئ. طلب منها أن ترأف به ولم يرأف هو به. لكن ماذا بوسعه. لحظات مرت عليه وهو يدعوا ربه أن ينچيها حتى خرجت أحدى الممرضات وهى تحمل طفله بين يديه. تقدمت منه وهي تناوله إياه. ليأخذه منها بسعادة لا توصف. وقبل أن تذهب الممرضة
وعى لنفسه وأوقفها بلهفة: _كيف حال زوجتي الآن؟ أجابت الممرضة بابتسامة: _بصحة جيدة لا تقلق ستخرج الآن. نظر إلى طفله بسعادة غامرة وهو لا يصدق بأنه يحمل قطعة منهما بين يديه وحدثه بفرحة وهو يخرج هاتفه من جيبه: _تعالى بقى نصورك ونبعت الصورة لجدك جمال وعمتك سارة. ضحك بسعادة وهو يقول: _والله وبقيتي ماما وعمته ياسارة.
التقط له بعض الصور وقام بإرسالها إليهما وإلى والدته لكنه لم يهتم بأرسالها لوالده الذي لم يكلف نفسه عناء الاتصال به أو الاطمئنان عليهما. خرجت حلم بعد دقائق من الغرفة ومازالت تحت تأثير المخدر. مما جعل مصطفى يشعر بالقلق عليه. دلف معها الغرفة وقام بوضع ابنه في مهده ثم حملها ووضعها على الفراش. لحظات مرت عليه وهو ينظر إلى طفله بسعادة وينظر إليها بقلق حتى فتحت عينيها بتثاقل وهي تقول بتعب: _مصطفى.
نهض ليميل عليها ويمسك بيدها قائلًا بثبوت: _انا جنبك ياحبيبتي اطمني. نظرت إليه لتسأله بوهن: _ابني فين؟ قبل يدها بحب وهو يجلس بجوارها على الفراش: _انتي كويسة وابننا كمان كويس متقلقيش. اومأت له ثم ظهر الحزن واضحًا عليها لتسقط دمعة أقلقت مصطفى الذي سألها بتوجس: _حلم انتي بتعيطي ليه؟ زادت دموعها مما جعله يشعر بالخوف عليها وعاد يسألها بقلق: _حلم متقلقنيش عليكى، فى ايه؟ مسحت دموعها بظهر يدها وقالت بحزن:
_أنا عايزة أرجع مصر، محتاجة لماما جانبي. شعر مصطفى بمدى أحتياجها لوالدتها مما جعله يربت على يدها بتعاطف: _حاضر ياحلم اللي تشوفيه، بس شوية كدة لحد ابننا مـ يتحمل السفر، أنا عن نفسي مش قادر اتأقلم على الحياة هنا والفلوس اللي عمي بيبعتها مع شغلي مش هتكفي بعد النهاردة، هنزل مصر واشتغل مع بابا ونعيش مع أمي. اومأت له بوهن: _وانا معاك في أي مكان بس المهم نكون قريبين من أهلنا.
اللي كنا خايفين منه خلاص مات وانتهى جبروته، ومهران انعزل عن الدنيا كلها يعني مفيش حاجة تقلقنا من الرجوع. شرد قليلًا ثم تحدث بقلق: _بس أنا برضه مـ اضمنش مهران، انتي عارفة جشعه وعارفة اد ايه هو ممكن…. قاطعته حلم:
_مهران مش زي ما كلكم شايفينه، اه هو قاسي واهم حاجة مصلحته بس ده من البيئة اللي نشأ فيهالكن هو من جواه انسان بجد مشكلته الوحيدة إنه فاكر الطيبة ضعف وعشان كدة بيحاول بكل الطرق أنه يظهر قوته وقسوته اللي ملهاش وجود جواه. حافظ على هدوءه الظاهرى رغم نيران الغيرة التى تشتعل داخله من حديثها: _على العموم أحنا هنستنى شوية لحد ما ابننا يقدر يتحمل السفر وبعدها نرجع إن شاء الله. أومأت له فربت على يدها وتابع:
_نامي انتي شوية لحد ما أخلص إجراءات المستشفى. وقف ينظر إلى الطبيبة وهي تعاينها بقلق بالغ يعاتب نفسه على حدته معها، هو يعلم من البداية طبيعة عملها كطبيبة، واكبر دليل على ذلك هو حاجته للطبيبة عندما تعبت هي، ولم تتأخر عنهم بل فور معرفتها أسرعت إليهم في ذلك الوقت المتأخر. انتهت الطبيبة من معاينتها ليسألها أمجد بخوف: _طمنيني مراتي مالها؟ ناولت الطبيبة العينة للمرضة التي جائت معها وأمرتها قائلة:
_ابعتي العينة دي المعمل وخليهم يبعتولي النتيجة على الواتساب. أومأت الممرضة وخرجت من الغرفة ثم نظرت إلى أمجد وقالت: _متقلقش مراتك كويسة وزي الفل هو بس إجهاد مش أكتر. نظر إليها بقلق: _بس دي مفاقتش لحد دلوقت. طمئنته قائله وهي تضع أشياءها داخل الحقيبة وتستعد للذهاب: _هي هتفوق بس مش دلوقت لان فعلًا جسمها محتاج للراحة، ولما نتيجة التحاليل تظهر هتصل اطمنكم واقولكم على العلاج.
شكرها أمجد وخرج معها حتى أوصلها للسيارة ثم عاد إلى ليلى ليجدها كما هيدنى منها ليجلس بجوارها ويتمتم بخفوت: _حقك عليا ياحبيبتي بس صدقيني كان غصب عني. ظل قابعًا بجوارها لتمر الساعات وقلبه ينفطر خوفًا عليها حتى تلقى تلك الرسالة التي جعلته يبتسم بسعادة غامرة وكأنه لا يصدق ما علمه الآن. جلس قابعًا في مكتبه يراجع الأوراق التي تحتاج لتوقيعه أو توقيع غيره بشكل أصح بعد أن كان المالك الوحيد له.
ليصبح بين ليلة وضحاها أجيرًا لديه. لم يعد يتحمل ذلك الوضع الذي أجبر عليه، سيحاول أخذ ما هو حق مكتسب له وحده، ولن يقبل تلك الإهانه التي أجبر على تحمله. لكن كيف ذلك وهو ولا يملك ما يساعده. فقد أصبح كل شئ في متناول أخيه. عاد لذكرياته في ذلك اليوم الذي ذهب إليهم يطلب مساعدتهم. فلاش باك وقف أمام أخيه الذي كان يبتسم إليه بود ليرد هو بحقد: _أنا عايز حقي. اختفت ابتسامة جمال تدريجيًا وهو لا يعي ما سمعه من أخيه الذي
ظن بأنه تغير فسأله بشك: _حق ايه اللي بتتحدت عنيه؟ نهض منصور موليًا ظهره إليه وتحدث بتسويف: _حقي في الأرض ولا انت نسيت إني ليا النص فيها. صُدم جمال؛ وأى صدمة وهو يقف أمام ذلك المتبجح يطالب بورثه ووالده على قيد الحياة. تقدم منه ليجذبه من ذراعيه لكي يواجهه وتحدث بانفعال: _چاي تورث في أبوك وهو لساته عايش يا ابن ابوي؟!! ارتبك منصور وتظاهر بالقوة وهو يقول باحتدام: _بس ده حقي، انا بمر بأزمة مالية صعبة ومحتاج فلوس ضروري.
_حق أيه اللي چاي تتحدت عنيه يامنصور. التفت كلاهما إلى عمران الذي دلف الغرفة بهدوء يتنافى تمامًا عمَّا بداخله من غضب. وجه جمال نظرة حذرة لأخيه كي لا يعيد فتح الموضوع أمام والدهما لكن منصور لم يبال أو يهتم وغمغم بجمود: _حقي وجاي أطالب بيه. نظرات الازدراء الذي وجهها عمران لولده الذي لم يتغير مطلقًا رغم ما حدث له ألجمته لثوان معدودة ثم تابع باستياء: _الأرض اللي كلكم عايشين من خيرها ووصلتكم للمستوى ده أنا فين منها؟
انتو كده بتظلموني. لم تثر كلماته سوى مرارة وازدراء في قلب والده. فضرب بعصاه الأرض وتحدث بقوة: _واني امتى ظلمت الغريب عشان أظلم ولدي اللي من صلبي؟ تقدم منه عمران نظرًا إليه بخيبة أمل: _انت اللي ظلمت حالك محدش منينا ظلمك، أخذت الفلوس وهملتنا وحدينا نقاسي واني شايف أخوك بيشقى ويتعب من غير ما يكل ولا يمل. قلبي كان بيتقطع عليه واني شايفه راچع وش الصبح بيعد الخطاوى اللى هتقربه لفرشته عشان يترمي عليها. ازداد حديثه
حدة وعلا صوته وهو يتابع: _كنت فين انت من كل ده؟ كنت فين واحنا بنكمل عشانا نوم عشان مكنش فيه اللقمة اللي نكمل بيها. عشت حياتك بعيد عنينا وحرمتنا منك وحرمت نفسك منينا. وچاي بعد كل ده تطالب بحقك واني لساتني عايش على وش الدنيا؟ قال كلمته الأخيرة بغضب هادر جعل وتيرة تنفسه تزداد حدة مما جعل جمال يخشى عليه فأسرع إليه ليهدئه قائلاً: _لا يابا هو ميقصدش هو بـ…. قاطعه عمران بانفعال:
_ملوش حاچة عندي والفلوس اللي أخدها كانت اكتر من حقه وكفاية عليه قوي لحد أكدة. أدار ظهره له ليقول بمغزى: _شرفت بيت أخوك. قالها بقوة مؤكدا على كلمة أخوكمما جعل منصور يوجه نظرة غاضبة إليهما ثم خرج من الغرفة ليجد الجميع واقفين أمام الغرفة. منهم من ينظر إليه بازدراء، ومنهم من ينظر بعتاب كحال ابنته التي تقف بجوار زوجها الذي ينظر إليه باستياء. تركهم وغادر وعين والدته ترمقه بحسرةً عليه حتى أختفى من أمام عينيها.
استقل سيارة أجرة كي يلحق بطائرته منتويًا الذهاب دون عودة تلك المرة. لا يعرف ماذا يفعل الآن وكل الطرق اصبحت مسدودة أمامه. غدًا إن لم يسدد القرض سيخسر كل شئ. هل سيظل مكتوف الأيدي وكل شئ يضيع من بين يديه؟ وضع رأسه بين يديه يفكر في حل لتلك المعضلة فهل سيستطيع ذلك أم ماذا؟ باك عاد من ذكرياته على صوت مديرة مكتبه التي تسأله عن الأوراق. فينحي الملف من أمامه وهو يقول بغضب: _اتفضلي ابعتيه فاكس عشان يتمضي وسلمية للمسؤول.
اخذت المديرة الملف وخرجت من الغرفة تحت نظراته الحاقدة لكل ما يحدث. نظرت إلى جاسر الذي غرق بنومٍ عميق وهي لم تذق طعم النوم في ليلتها تلك وعادت إليها ذكريات الماضي وهي تتذكر يوم خذلها أمامهم وكسر قلب جدتها التي مازالت تشتاقه رغم أفعاله. تندهش حقًا من مدى جبروته وكيف أنه استطاع الوقوف أمام أبيه يطالب بما ليس له من حقتتذكر نظراته لها وهو يخرج من المنزل لم تفارق مخيلتها لحظة واحدة. فلاش باك
خرج منصور وهو ينظر إليها ببغض بادلته هي بعتاب ثم تركها وغادر. نظرت لجدتها التي لم تبك تلك المرة على غير عادتها بل التزمت الصمت وأخفت حزنها بداخلها وكأنها أيقنت بعدم جدوى لدموعها على قلب ألف القسوة وألفته.
لكن عمران لم يستطيع الثبات أكثر من ذلك وهوى على المقعد بتعب فأسرع الجميع إليه بقلق إلا سارة التي شعرت بالخجل و الخزي من فعلت والدها ففضلت الانزواء بعيدًا رغم قلقها علي جدها ظنًا بأنه سيبغض وجودها أمامه الآن أو أنه سيذكرها دائمًا بحقارة والده. بكت بحرقة وهي تراه يخرج من غرفة مكتبه متظاهرًا بالقوة رافضًا يد أحفاده التي تمتد إليه لتساعده. مما جعلها تبكي بقهر على حاله.
دلف غرفته ودلفت جدتها خلفه كي يبث كل منهما حزنه للآخر و يشكو إليه قسوة ولدهما الذي يزداد جحودا وتجبرًا كل يوم عن الآخر. لاحظها جمال الذي علم ما يدور بخلدها فطلب من ابنه أن يأخذها ويصعد بها غرفتهم. تقدم منها جاسر ليجدها تنهار في البكاء، فأخذها تحت جناحه بصمت وصعد بها إلى غرفتهم التي من أن أغلق بابها حتى ألقت نفسها بين ذراعيه تبكي بانهيار. رغم الغضب الذي استحوذ عليه إلا إنه أحاطها بتعاطف وتحدث بلهجة هادئة
بثت الاطمئنان بداخلها: _متزعليش ياسارة هو كدة ومش هيتغير وجدي هيحزن شوية وينسى. هزت رأسها الذي تخبئه في صدره وقالت بنحيب: _متخيلتش أنه يكون بالجبروت ده، كان جوايا أمل أنه هيتغير بس بعد اللي عمله ده أكدلي أنه عمره ما هيتغير عشان كدة مكنتش عايزاه يعرف إني رجعت. تنفس جاسر بعمق كي يهدئ من غضبه فلا ذنب لها في ذلك: _عشان كدة كنتي رافضة ترجعي؟ أومأت له بصمت فأبعدها عنه قليلًا كي ينظر إليها وقال بثبات:
_متفكريش فيه اعتبريه مش موجود وخليكي قوية بيا أنا، فاهمة؟ أومأت له وعبراتها تتدفق بغزارة من عينيها ليتعاطف معها ويقول بحنو: _سارة أرجوكي متعيطيش دموعك دي بتعذبني وبتخليني أكرهه أكتر. حاولت بصعوبة السيطرة على دموعها فتغمضها بقوة ولكن فتحتها عندما وجدته يمسحها بإبهامه ويردف بعاطفة: _قلتلك قبل كده وهقولها تاني طول ما أنا عايش مش هسمح لحاجة أنها تكسرك أو حتى تزعلك، مش عايز أشوف الدموع دي تاني فاهمة؟
ابتسمت من بين دموعها عندما لم تجد الكلمات التي تصف بها مدى تعلقها به فعادت تخفي وجهها في صدره ويضمها هو بكل العشق الذي يحمله لها. باك عادت من ذكرياتها على صوت طفلتها التي أخذت تبكي فنهضت مسرعة كي لا توقظ أباها الذي تململ في نومه. وحملتها وهي تقربها لحضنها وكأنها تمحي أحزانها في ذلك الحضن البرئ. وكأن تلك الصغيرة علمت بمعاناة والدتها إذا اوقفت البكاء عندما شعرت بدقات قلب والدتها التي تشعرها بالأمان.
ندوب من الماضي لم تلتئم رغم مرور عام. مازال يقف على ذلك القبر الذي شيده لها بجوار والدته. مازال فراقها يؤلمه وشعور الذنب بداخله يزداد ويزداد حتى جعله زاهدًا تلك الحياة. أختار البقاء داخل المزرعة وترك جده الذي مات وحيدًا بعد أن أكد له بأنها أقدمت على الانتـ.ـحار كوالدته. شئٍ بداخله يخبره بأنها لا تزال على قيد الحياة. لكن كيف ذلك و قد بحث عنها في كل مكان ولم يجد لها أثراً.
الصمت يخيم على المكان والشمس أشرقت على الدنيا بضياءها الساطع إلا أنها لم تستطع أن تبدد ذلك الظلام الدامس الذى غرق بداخله. وكأنه كتب عليه أن يعيش في ظلمات الماضي مهما فعل. انتبه على صوت أحد العمال وهو يسرع إليه وهو ينادي عليه. اندهش مهران عندما وجده يقف أمامه و يلتقط أنفاسه بصعوبة فسأله بحدة: _في ايه يامخبول انت؟ حاول الرجل تنظيم أنفاسه كي يستطيع التحدث مما جعل مهران يسأله بانفعال: _متقول فيه أيه؟ تحدث الرجل بصعوبة:
_لقينا… قتيـ.ـلة في الأرض اللي ورا المزرعة. عقد مهران حاجبيه مندهشًا لتتلاعب الظنون بداخله وينقبض قلبه خوفًا وهو يردد اسمها: _حلم؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!