اهتزت نظراته بصدمة وهو يقرأ تلك الكلمات التي كتبت بأيدي مرتعشة وكأنها الأخيرة. لكنها كانت كخنجر مسموم يمزق قلبه بلا رأفة. ربما أخطأ في فهم محتواها فظل يعيدها مرة تلو الأخرى، لكن ليس لها معنى آخر. اسودت الدنيا بعينيه وأصبح نهاره أسود قاتم كسواد ذلك الخبر الذي قسم ظهره بلا رأفة. حلم؛ تلك الزهرة التي عطرته بروحها، وكأنها تشعر بما لم يتخيله هو. هل كانت تعلم بذلك؟ وإذا كانت حقًا تعلم، كيف وافقت على زواجهم؟
جثى على ركبتيه وهو يغمض عينيه بشتات. ماذا يحدث له؟ وكيف باستطاعته تخطي تلك الصدمة؟ ويلات من العذاب تنتظره منذ الحين، وقلبه يأن ألمًا على ما عرف. هز رأسه بضياع، وكأن روحه تسحب منه، ودعا من قلبه أن يكون ما يعيشه الآن ليس سوى كابوس مزعج، أو تلك الرسالة لا تخصه. ولكن كيف ذلك وهي موجهة إليه هو؟ كيف استطاع جده الوصول إليها؟ ولما لم يخبره بها؟ كيف؟ وكيف؟ وأين الإجابة؟
طوى الرسالة وأعادها إلى الصندوق، ليتفاجئ بضربة حادة على رأسه أفقدته الوعي. في منزل أمجد. عادت ليلى إلى غرفتها بمساعدة أمجد وسارة، تحمل آسر ووضعته في سريره بجوار فراش ليلى، ثم دنت حلم منها تساعدها على الاستلقاء. "مرتاحة كدة؟ أومأت ليلى بامتنان. "تعبتِ معايا انتي وسارة." ربتت حلم على يدها وتحدثت بصدق. "متقوليش كدة، احنا أخوات. هنزل أنا وسارة لـ طنط وسيلة نعملك حاجة خفيفية تاكليها وهرجعلك على طول."
خرجت سارة وحلم وتركوا أمجد معها، وقد لاحظت حقًا تعبه فسألته بقلق. "أمجد انت كويس؟ شكلك مرهق أوي." ابتسم أمجد وجلس بجوارها ليقول بتروي. "يعني بعد اللي عيشته معاكي انتي وابنك ده عايزاني أعمل ايه؟ لم تقتنع بحديثه وعادت تسأله. "أمجد متخبيش عليا، أنا لاحظت إنك بتحط ايدك على قلبك من وقت للتاني، ارجوك طمني." طمئنها بثقة.
"صدقيني مفيش أي حاجة تقلق، أنا فعلاً تعبت شوية وحسيت بألم بس دكتور عصام طمني وقالي بسبب التوتر اللي مريت به مش أكتر، ولو مش مصدقة تقدري تسألي جاسر لأنه كان معايا." امسك يدها يقبلها وقال بحب. "حمد لله على سلامتك." ردت بابتسامة رغم قلقها. "الله يسلمك ياحبيبي، المهم إنك كويس." ابتسم بحب. "لازم أكون كويس طول ما انتي كويسة." نهض من جوارها وقال. "معلش هضطر أسيبك وأنزل عشان عمي وجاسر، وانتي حاولي تنامي شوية."
أومأت له وتركها خارجًا من الغرفة ونزل للأسفل. في المطبخ. وقفت حلم وقد ظهر عليها القلق، فدنت منها سارة تسألها. "مالك ياحلم؟ شكلك مش طبيعي، في حاجة مضايقاكي؟ أجابت حلم بتوجس. "مش عارفة ليه قلبي مقبوض وقلقانة." تقدمت منها وسيلة وقالت برصانة. "ده أكيد شيطان، استعيذي بالله والقلق ده هيروح، الحمد لله كلنا بخير ومفيش حاجة تخليكي قلقانة." أومأت حلم وبدأت بالاستغفار كي ينتهي ذلك القلق الذي لا تعرف سببه. في الخارج.
نهض جمال وهو ينظر في ساعته. "كان نفسنا نقعد معاكم بس للأسف لازم نرجع الصعيد النهاردة." تحدث صابر برفض. "إزاي بقا؟ عايزين تقولوا علينا بخله ولا إيه؟ لازم نتغدا مع بعض الأول." تحدث جمال معتذرًا. "مش هينفع عشان ميعاد الطيارة ويادوب نلحق نوصل، وبعدين إحنا بقالنا يومين هنا ولازم نرجع عشان الوالد وكمان حازم ومعتز عايزين ييجوا يطمنوا على أختهم." تحدث أمجد برزانة.
"مجيش على النص ساعة اللي هنتغدا فيها، ثواني والأكل هيكون جاهز." نظر أمجد إلى مصطفى وقال بمزاح. "أنا بقول تدخل انت المطبخ تستعجلهم لإن اللي جوه كلهم تبعك." نهض مصطفى وغمغم باستسلام. "ماشي ياسيدي، وسع انت." دلف مصطفى المطبخ ليجد حلم واقفة جانبًا تبعث بهاتفها، فتقدم منها قائلاً. "حلم.." توقف عن التحدث عندما انتفضت بوجل وكاد الهاتف أن يسقط من يدها، فسألها بحيرة. "مالك؟ اتخضيتي كدة ليه؟
انتبهت سارة لوجوده وتقدمت منهم تقول بحيرة. "مش عارفة مالها النهاردة مش طبيعية خالص، انت زعلتها؟ نظر إليها مصطفى باتهام وقال بثبوت. "ردي انتي." اهتزت نظرات حلم وقالت بنفي. "لأ خالص، أنا بس مصدعة مش أكتر." نظر للهاتف الذي وضعته في حقيبتها، ثم نظر لها بعتاب، وسارة تنقل بصرها بينهم ولا تعرف شيئًا مما يدور بينهم، حتى تحدث بجمود. "خلصوا الغدا بسرعة عشان ميعاد الطيارة." أومأت له بصمت وخرج هو دون التفوه بكلمة أخرى.
اجتمعوا الرجال على المائدة، وتناولت سارة ووسيلة وحلم طعامهم مع ليلى كي لا تكون وحدها. وعند ذهابهم، حاولت سارة إقناعهم ببقائها معهم، لكن وسيلة أصرت على عودتها. "مينفعش ياسارة، انتي حامل وكمان مينفعش إحنا الاتنين نسيب البيت عشان جدك وجدتك ميكونوش لوحدهم." نظرت لليلى بتأثر وتحدثت بضيق. "بس صعب أوي أسيبها وأمشي، خليني معاها يومين... قاطعتها ليلى.
"والله يابنتي أنا كويسة، متقلقش عليا، وأنا عشر أيام بالكتير وهكون في البلد عشان عقيقة آسر." وافقت سارة على مضض وعادت مع جاسر وعمها. أما مصطفى فقد التزم الصمت أثناء عودتهم، وهي ما زالت شاردة تحاول الوصول لسامية، لكنها لا تجيبها. هل حدث شيء وتتهرب منها؟ لما تشعر بالقلق عليه لتلك الدرجة؟ نظرت بجانب عينيها لمصطفى الذي التزم الصمت طوال الطريق ويبدو عليه الوجوم. يبدو أيضاً أنه ناقم عليها، فقالت بمراوغة.
"أنا مضايقة أوي إن سارة مشيت، ملحقتش أقعد معاها." لم يحيد عينيه عن الطريق، لكنه أجابها بفتور. "ما انتوا بتتكلموا وكل يوم في الفون ولا إيه؟ رمشت بعينيها بوجل وتمتمت برهبة. "آه طبعاً، بس أنا مشبعتش منها، وكمان طنط سمر كان نفسها تطول معانا." عاد لصمته، والشك عاد يتلاعب بهما، الذي تخبئه؟ وما قصة الهاتف معها؟ وشرودها الدائم منذ يومين. يود إجابة لها، هل يبادر بالسؤال أم يتركها هي تأتي وتخبره بما تخفيه؟
حاول فتح عينيه لكن تلك العصابة المحكمة عليها لم تجعله يفلح في ذلك. حاول تحريك يده لكنها مقيدة كما أقدامه في المقعد. ماذا يحدث؟ وأين هو؟ ومن هؤلاء؟ انتبه لهمهمات أخرى يعرفها جيدًا، فينقبض قلبه رعبًا عليها. حاول التحدث لكنه مكمم الفم، فلم يستطع التحدث والاطمئنان عليها. حاول فك قيده لكنه محكم جيدًا، لم يستطع التخلص منه. لا، ما يعيشه الآن ليس سوى كابوس مزعج وعليه الاستيقاظ منه. نعم، ما يحدث الآن يؤكد ذلك.
لكن همهماتها لا ترحمه، وعقله يخبره بحقيقة وضعه. انتبه لفتح باب وخطوات ثابتة تتقدم منه، ويقف أمامه قليلًا كي يتلاعب بأعصابه، ثم تحدث بجمود. "ارفعوا الشريط من على عينيه." تقدم أحدهم منه ليرفع الغطاء عن عينيه، فيتفاجئ به أمامه. رمش بعينيه والصدمة جعلته يزدرد جفاف حلقه بصعوبة، يبدو أن هذه نهايته، فقلوب هؤلاء لا تعرف الرحمة. "إيه؟ كنت فاكر إنك هتهرب بعمايلك؟
ازداد جفاف حلقه عندما وقع نظره على مهرة التي قيدت أيضاً في المقعد، فيرتعد قلبه خوفًا عليها. فتابع الرجل حديثه. "متخافش عليها، لسة محدش قربلها، بس لما نصفي حسابنا الأول." قام الرجل بنزع الشريط اللاصق من فمه، ثم تحدث بقوة. "انت لعبت مع الناس الغلط، وعمايلك دي هيكون تمنها كبير أوي عليك، الباشا بعتني عشان أندمك الأول قبل ما أخلص عليك." نظر مرة أخرى لمهرة بقلب مرتعب، ثم تحدث بحدة. "خرجها برة الموضوع، وخلي كلامك معايا."
ضحك الرجل وتقدم من مهرة كي يداعب خصلاتها كي يستفزه، وغمغم بمكر. "إزاي! بقا حد يسيب القمر ده يمشي كدة من غير ما يتمتع به شوية؟ دا حتى تبقى عيبة كبيرة." استطاع حقاً إخراج شياطينه، لكن ذلك القيد منعه، فصاح بصوت هادر. "ارفع ايدك من عليها، لأقطعهالك! لكن نظر الرجل إلى أحد رجاله ليفك قيدها. "خدوها على الأوضة جوة لحد ما أخلص حسابي معاه." زأر مهران من بين أسنانه بتوعد. "أوعاك تقرب منها، مش هرحمك يا...
قاموا بفك قيدها وأخذها للخارج، وهي ما بين الإغماء واليقظة تهمهم باسمه ولا تدري بشيء، وهو يزأر كأسد جريح لا يستطيع الدفاع عن زوجته. "مراتي حامل، ولو آذيتها مش هرحمك حتى لو قتلتني." "لا، القتل مش بالساهل كدة، لما أعذبك شوية، وأولهم إني أسمعك صوت مراتك وهي معايا عشان أكسرك، بس لما تفوق عشان تكون واعية للي بيحصلها." أغمض مهران عينيه يعتصرها بألم وشعر بالعجز لمرة أخرى، لكن هذه المرة أشد وأقسى.
دلف وهدان المزرعة كي يأخذ الأوراق كما أمره مهران، لكنه تفاجئ بالحرس الموجودين في المكان مصابين بالرصاص. أسرع إلى الداخل يبحث عن سيده، لكن لا أثر له، لا هو ولا زوجتها. أسرع بالاتصال على الشرطة، والتي لم تتأخر، وأسرعوا بالبحث في المكان لعلهم يجدون أثراً يقومون بتتبعه. سأله مدحت. "انت تعرف الناس اللي كان بيتعامل معاهم؟ أجاب وهدان بنفي. "لأ، لإن حاجة زي دي بنبقى بعاد عنها." تلاعب مدحت بالقلم في يده وعاد يسأله.
"طيب، مين اللي له علاقة بيهم غير خليل ومهران؟ "زي ما قلتلك، الحاجات اللي زي دي مش بيدخلونا فيها، لإنها بتبقى سرية." زم مدحت فمه باستياء، يحاول بصعوبة الوصول لحل. فالرجال الذين تم القبض عليهم لم يعترفوا بشيء، ولا أحد يستطيع الوصول إليهم سواه. خرج وهدان من المركز ليتصل على أحد رجاله الذي كلفه بمراقبة كامل، فيجيبه الرجل. "أنا واقف قدام البيت زي ما طلبت." "تمام، وخلي عينك على اللي خارج واللي داخل من البيت."
وقبل أن يغلق الرجل، وجد آسيا تخرج من منزلها، فقال بسرعة. "استنى، مراته خارجة من البيت." "خليك وراها، واعرفلي هي رايحة فين." أغلق الرجل الهاتف وانتظر انطلاق سائقها بالسيارة، ثم انطلق خلفهم ببضع أمتار كي لا يشكوا بشيء. في داخل السيارة. ظلت آسيا تحاول الاتصال بذلك الرجل، حتى رد بالأخير. "بتتصلي له دلوقتي؟ أجابت من بين أسنانها. "عايزة أعرف عملت إيه، ووصلت معاهم لأيه." ابتعد كامل قليلاً عن العمال وقال بحدة.
"إحنا بلغنا وعملنا اللي علينا خلاص، بقا يخلصوا عليه يسيبوه، هما حرين، المهم بنتي تبقى برة الموضوع." ابتسمت آسيا بمكر وغمغمت بخبث. "طيب، أنا رايحة عندها أطمن عليها عشان متقولش إننا اتخلينا عنها." "لا، انتي كدة بتحطي نفسك في الشبهات وبتعرفيها إننا اللي بلغنا عنه." "لا، اطمن، أنا هعمل إني رايحة زيارة عادية وبتفاجئ باللي حصل." أغلقت الهاتف قبل أن تسمع اعتراضه عليها، أن تخبره بذهابها كي لا يشك بشيء.
أملت السائق العنوان وسارت السيارة حتى وصلت لوجهتها. ظل مدحت يبحث عن معلومات، يحاول بها العثور على أي خيط يوصله بالخاطف. فهذه فرصة ستضاف في سجله إذا استطاع القبض على ذلك المجرم. وحينها سيكون أمسك أول الحبل الذي سيصله إلى باقي المجموعة. هو الآن وضع الجميع تحت المراقبة، ومنهم وهدان الذي شعر بأنه يخطط لشئ ما. وقد كان له ما أراد. إذ رن هاتفه يخبره بتحرك وهدان إلى أعلى الجبل مع رجاله.
فقام بجمع القوة المطلوبة وتوجه إلى الجبل. في منزل الجبل. كان مستسلماً لتلك الضربات التي يتلقاها من الرجال، وكل تفكيره مع ما حدث وما يحدث. صدمات كثيرة تلقاها ولا يعرف ما يخبئه له القدر بعد كل ذلك. عجز لم يشعر بثقله من قبل، وهو مقيد لا يستطيع الدفاع عن عائلته التي اتخذته درعاً لها من قسوة الحياة، وأخذ عهداً على نفسه بأن يحميها، ولم يكن يعرف بأن لعنته ستمتد لهم ويلقوا إلى التهلكة بسببه. شعر بأنه ضعيف لأقصى درجة.
تظاهر بالقوة وهو لا يملكها. وبالأمان وهو لا يعرف طريقه. ضعف وانكسار يداريه خلف مكانته وحراسه وأمواله التي لا عدد لها. ماذا فعلت له تلك الأموال أمام تلك الضربات التي يواجهها، ولا عائلته الصغيرة التي لا يعرف عنها شيئاً. لو يأخذوا منه كل ما يملك مقابل أن يرحموا عائلته لكان أعطاها برحابة صدر، فقط تبقى عائلته. تذكر أمر تلك الرسالة والتي ذبحته بخنجر بارد. ليته لم يعثر عليها ولم يعرف شيئاً عن تلك الحقيقة المرة.
ماذا لو بقيت حلم وتزوجها؟ كيف كان مصيرهم؟ اندلفت آسيا إلى منزل الجبل الخاص بعائلتها، والذي أخبرتهم به كي لا يشك أحد بأمرها، وتستطيع التشفي من تلك الفتاة التي تذكرها بوالدتها. وجدت أحد الرجال الذي أوصلها إلى كبيرهم، وما إن رآها حتى أمر الرجل بالخروج وغلق الباب خلفه. تقدم منها وسألها. "أخرتي ليه؟ غمغمت بحنق. "عشان محدش يشك فيا، المهم هي فين؟ أشار على أحد الغرف. "في الأوضة زي ما طلبتي، محدش قرب منها." "وهو؟
"لأ، ده استوى على الآخر، هنفذ مهمتي وهمشي، وبالنسبة للبنت انتي حرة، بس هحصره عليها قبل ما اقتله... فتحت عينيها بتثاقل وهي تشعر بألم حاد في رأسها. اعتدلت في الفراش لتتفاجئ بذلك المكان الغريب. أين هي؟ تذكرت تلك اليد التي كممت فمها ولم تدري شيئاً بعدها. "مهران." قالتها بخوف ونهضت والألم يزداد برأسها. فتحت الباب وقدماها لا تساعدها على السير جيداً. المكان خالٍ، لا تجد به أحد، رددت اسمه بخفوت كأن اسمه وحده يشعرها بالأمان.
ظلت تستند على الحائط حتى تفاجئت بصوت آسيا تتحدث داخل إحدى الغرف، تقدمت لتسمع صوتها. "أنا ميهمنيش مهران في شئ، تقتله تسيبه، انت حر، المهم البنت دي أخلص منها وأخليها تحصل أمها." رد ذلك الرجل. "أنا جاي في مهمة إني أخلص على الخاين اللي بلغ عنا، قصتك مع البنت متخصنيش... وضعت مهرة يدها على فمه تكتم شهقتها وتساقطت دموعها خوفاً عليه، لا، لن تكون سبباً في قتله. أخذت تبحث عنه في باقي الغرف، لكن لا أثر له.
ترجلت للأسفل وما زالت تشعر بثقل شديد في قدميها، لكنها تحاملت على نفسها لأجله. لقد تذكرت هذا المنزل جيداً. أنه منزل خاص بعائلة آسيا، وقد كانت تطلب منها تنظيفه كل فترة. يبدو أنه داخل القبو. تسللت للاسفل لكنها تراجعت عندما وجدت بعض الرجال يخرجون منه. فتدارت خلف أحد الأعمدة حتى صعدوا للأعلى، ثم عادت للأسفل. فتحت باب القبو لتجد حبيبها جالساً على مقعد ومقيد بأحكام.
ظلت تستند على الحائط حتى وصلت إليه، وما إن رأته حتى نطقت اسمه بألم. "مهران." رفع رأسه إليها فيتفاجئ بها أمامه، بدموعها التي أقسم ألا يجعلها تسقط، فيسقط معه قسمه وشعور العجز يزداد بداخله، فتمتم بصعوبة وهو يراها تتقدم منه. "اهربي." هزت رأسها بنفي وهي تجثو أمامه لتحل وثاقه، وقد آلمتها جروح وجهه وتمتمت برفض. "مستحيل أهرب من غيرك."
بقوتها الواهنة أخذت تحل قيوده، لكنها كانت محكمة، فوجدت صعوبة في حلها، مما جعل مهران يقنعها بالهرب، لكنها أصرت على البقاء. "يا نهرب إحنا الاتنين من هنا، يا نموت مع بعض، أنا وولادك ملناش غيرك، ارجوك ساعدني وخلينا نهرب." استطاعت بعد عناء حل وثاق قدمه وتحاملت على نفسها حتى تحل قيد ذراعه. تراجعت عندما تألم، فيبدو أنهم قاموا بكسر ذراعه، فتمتمت بحزن. "معلش، اتحمل عشان نهرب."
تحامل على نفسه وتحمل الألم حتى استطاعت فكه وساعدته على النهوض، لكن... اقتحموا القبو ودلف ذلك الرجل ومعه آسيا وبعض الرجال المدججين بالسلاح، فيحاوطوهم من كل جانب، ودون إرادتها وجدت نفسها تتحامى به، وقد كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. ضعف وخذلان شعر به عندما تحامت به والموت يحيطهم من كل جانب. أحاطها بذراعه المصاب والآخر ضمها إليه وغمغم بغضب. "سيبها تمشي، وخلي حسابك معايا." تحدث الرجل ببساطة. "وأنا مش ممانع."
ثم أشار على آسيا وتابع. "بس الست خدمتنا وبنردهالها، تقتلها تسيبها دي في إيدها." نظر إليها مهران بغضب شديد وعينيه تتوعدها إذا استطاع النجاة. ابتسمت باستهزاء وغمغمت بهدوء يتنافى تماماً عما بداخلها من بغض.
"أصله حساب قديم، وأخيراً لقيت الفرصة، وزي ما خلصت على أمها هخلص عليها عشان أعذبها في تربتها زي ما عذبتني لما أخدت جوزي مني اللي لسة لحد دلوقتي بيفكر فيها، هقتلها وارميها جنب أمها اللي دفنتها في أزبل مكان عشان يليق بيها، وأهو يليق بيكي إنتِ كمان." تساقطت دموع مهرة وعينيها تنظر إليها بغضب وتمتمت ببغض.
"طول عمرك وإنتي قلبك أسود، قتلتِ أمي وهي مجرد ضحية لجوزك، مع إنه هو اللي يستاهل العقاب. هو اللي سابك وحبها هي، ولما رفضته عمل المستحيل عشان يوصلها. العقاب ده كان له هو مش هي أبداً، بس لإنك ضعيفة استقويتي على اللي أضعف منك." سحبت آسيا السلاح من يد الرجل وغمغمت بتوعد وقد عرتها أمام نفسها. "غلطتي الوحيدة اللي بندم عليها إني مقتلتكيش مع أمك." (نظرت إلى مهران وتابعت بغيظ)
"بس كله منها هي اللي أنقذتك مني، لولاها كان زمانك مدفونة معاها، بس ملحوقة." أشهرت السلاح في وجهها وضغطت على الزناد. ولا تعرف بعدها متى أو كيف تلقى تلك الرصاصة بدلاً منها. فتسقط روحها مع سقوطه على ركبته، فتجثو أمامه بقلب ملتاع وعينيها ترجوه ألا يفعلها. اعتذر بعينيه التي تجوب محياها بكل الحب الذي يحمله بداخله، يرجوها أن تسامحه. لكن عقلها أبى اعتذاره، وعينيها تدينه بتخليه عنها كما فعلها الجميع.
رفعت يديها تحيط وجهه وتضع جبينها على جبينه ترجوه بكل جوارحها. "ارجوك متسبنيش، إن عملتها عمري ما هسامحك يامهران." لم ينتبهوا لوهدان ورجاله الذين حاوطوا المكان، ولا لإنذارات سيارات الشرطة، لا أي شيء من حولهم، فقط هي ترجوه وهو يعتذر. "مهران، ابوسك إيدك متسبنيش." رفع يده المصابة بصعوبة ومحى بها دموعها التي سقطت على قلبه لتدميه وتمتم بوهن. "بعتذر... إني موفتش... بوعدي إني.... توقف قليلاً كي يجمع قوته وتابع بوهن. "إني...
مخلّيش دمعة... دمعة واحدة تنزل منك... بس... (ازدرد جفاف حلقه بصعوبة) "غصب... المرة دي خار... ج... إرادتي." أفحمت بالبكاء وهزت رأسها بجبينه الذي بدأ يميل بوهن وصرخت به بضياع. "لو مت مش هسامحك أبداً يامهران." مال برأسه عليها، فتسندها على كتفها وهي تحيطه بذراعيها تصرخ وتصرخ به ألا يتركها. حاولوا أخذه منها، لكن ذراعيها أحاطته بقوة لم تختبرها من قبل، وكأنه ينتزعوا روحها بكل قسوة.
حاولوا وحاولوا حتى استطاعوا أخيراً أخذه من بين يديها، وهي تصرخ باسمه، وكأن الحياة توقفت عند تلك اللحظة، حتى شعرت بالظلام يأخذه إليها، فتستسلم له، ربما يأخذها إليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!