بين اللقاء و الغياب
كانت الليلة هادئة بشكل مخيف&; فقط صوت أنفاسه المتوترة يملأ السيارة. يوسف كان متردد&;ا وهو يقود سيارته الى منزل يارا.
لقد أقسم على نفسه أن لا يعود لهذا المكان&; لكن المكالمة التي تلقاها منها قلبت كل شيء. لم تخبره بالكثير&; فقط قالت بصوت&; مضطرب:
&; &;يوسف&; لازم تيجي حال&;ا&; الأمر ضروري!&;
كان في صوتها شيء أربكه&; لكن رغم ذلك&; لم يسألها عن التفاصيل&; فقط أغلق الهاتف وجاء. والآن&; وهو جالس في سيارته متردد&;ا&; لم يكن يعلم إن كان قراره هذا صائب&;ا أم لا.
كان الليل قد انتصف&; والهدوء يلف الشوارع الخالية إلا من أضواء السيارات المتناثرة هنا وهناك. على أحد الأرصفة&; توقفت سيارة يوسف أمام منزل يارا&; لكنه لم يترجل منها فور&;ا. أصابعه كانت تضغط على المقود بقوة&; بينما عيناه تحدقان في باب المنزل&; وكأنه ينتظر إشارة ما لتخبره إن كان عليه الدخول أم لا
تنهد بعمق&; أخرج هاتفه ونظر إلى شاشته للحظة&; وكأنه يتوقع أن يجد رسالة من رحيل زوجته&; لكنه لم يجد شيئ&;ا. ربما كانت نائمة&; أو ربما لم تكن تهتم لمكانه في هذه اللحظة. هز&; رأسه محاول&;ا طرد هذه الأفكار&; ثم أخير&;ا&; فتح باب السيارة ونزل.
وقف يوسف أمام باب منزل يارا&; يضغط أصابعه بتوتر حول هاتفه. لم يكن يريد الدخول&; لم يكن يريد حتى أن يكون هنا&; لكنه لم يستطع تجاهل قلقه عندما سمع صوتها المتوتر في الهاتف. تنهد بعمق&; رفع يده ليطرق الباب&; لكنه توقف لثانية&; وكأنه يمنح نفسه فرصة أخيرة للتراجع.
كانت يارا تراقب من النافذة&; وبمجرد أن لمحته يتقدم نحو الباب&; أسرعت لفتحه قبل أن يطرق. وقفت أمامه بثوب&; منزلي بسيط&; لكن عينيها كانتا مرهقتين وكأنها لم تنم منذ أيام.
&; &;يوسف&; بنتك مريضة عندها حرارة عالية ومش راضية تاكل أي حاجة.&;
شعر بقلبه ينقبض&; مر من جوارها دون أن ينبس بكلمة&; واتجه مباشرة إلى الداخل&; عارف&;ا طريقه جيد&;ا إلى غرفة الصغيرة. وما إن فتح الباب&; حتى وجدها مستلقية تحت الغطاء&; جبينها متعرق وخدودها متوردة بفعل الحمى&; بينما عيناها نصف مغمضتين من التعب.
اقترب منها&; جلس بجانبها وأمسك يدها الصغيرة&; ففتحت عينيها بصعوبة&; وما إن رأته حتى تمتمت بصوت ضعيف:
&; &;بابا&;&;
يوسف (بقلق): &;حبيبتي&; إنت&; كويسة&;&;
لم ترد الصغيرة&; فقط مدت ذراعيها نحوه بتعب&; فحملها بحنان
شعر بانكسار داخلي وهو يراها بهذه الحالة. لم يتردد أكثر&; التفت نحو يارا قائلا&; بحزم:
&; &;لبسيها بسرعة&; هنروح للطبيب.&;
لم تجادله&; فقط تحركت بسرعة لإحضار معطفها ومعطف الطفلة&; وقبل أن تمر عشر دقائق&; كانوا قد غادروا المنزل متجهين إلى المستشفى.
يوسف كان يقود بصمت&; عيناه تراقبان الطريق&; لكن ذهنه كان مشتت&;ا. من حين لآخر&; كان يلقي نظرات سريعة عبر المرآة على الصغيرة&; التي كانت مستندة على المقعد الخلفي&; تغلق عينيها وتفتحهما بتعب.
يارا&; التي كانت تجلس بجانبه&; استغلت الصمت بينهما لتتكلم بصوت منخفض:
&; &;عارفة إنك مكنتش عايز تيجي&; بس بنتك محتاجاك&; يوسف.&;
لم يرد&; فقط ضغط على المقود بقوة أكبر. لم يكن يريد الحديث الآن&; كل ما كان يهمه هو أن يطمئن على طفلته.
وصلوا إلى المستشفى أخير&;ا&; وأسرع يوسف بحمل الصغيرة إلى الداخل&; حيث تم فحصها من قبل الطبيب. وبعد دقائق من الانتظار
فحص الطبيب الطفلة بدقة&; ثم كتب لها دواء&; خافض&;ا للحرارة ونصائح للعناية بها.
الطبيب: &;مفيش حاجة خطيرة&; بس خليها ترتاح وتشرب سوائل كتير&; وأعطاهم بعض الأدوية.
يوسف تنفس الصعداء&; لكن ابنته لم تترك يده&; تشبثت به كأنها تخشى أن يختفي من جديد.
شعر يوسف بالراحة أخير&;ا&; ثم حمل طفلته إلى السيارة&; بينما يارا ظلت صامتة&; وكأنها تخطط لشيء.
وعند خروجهما من العيادة وركوب السيارة&; كانت الصغيرة هادئة لبعض الوقت&; ثم نظرت إليه بعينيها البريئتين وقالت بصوت متوسل:
الطفلة: &;بابا&; أنا نفسي نتعشى مع بعض النهاردة&; زي زمان.&;
تجمدت يده على المقود&; والتفت إليها بدهشة&; ثم نظر إلى يارا&; التي ظلت صامتة لكن على وجهها ابتسامة خفية.
يوسف (بتردد): &;حبيبت&;ي&; إحنا لسه راجعين من العيادة&; لازم ترتاحي.&;
الطفلة (بتوسل): &;بابا بليز&; عايزة أقعد معك شوية.&;
نظر إليها يوسف&; ثم زفر بتعب&; يعرف أنه لا يستطيع رفضها&; لكنه شعر بشيء من الضيق&; كأنه وقع في فخ دون أن يدرك ذلك.
يوسف: &;طيب&; بس هنقعد شوية صغيرين.&;
ابتسمت الطفلة بحماس&; بينما نظرت يارا ليوسف نظرة انتصار خفية.
في نفس اللحظة&;
كانت الليلة مختلفة عن كل الليالي السابقة. قلبها ينبض بشعور متناقض بين الأمل والخوف&; وبين الرغبة في إعادة بناء ما تهدم وبين الحذر من تكرار الخذلان.
كانت رحيل قد قررت أن تمنحه فرصة جديدة. كانت تعلم أن الشك لم يغادرها&; لكنها أرادت المحاولة&; أرادت أن ترى إن كان ما بينهما يستحق القتال من أجله&;لم تكن متأكدة من قرارها&; لكنها أرادت أن تمنح يوسف فرصة&; فرصة أخيرة ربما&; لتصديق أنه لا يزال يستحق حبها.
وقفت أمام المرآة&; تتفقد إطلالتها بعينين تحملان بريق&;ا لم تره منذ فترة طويلة. اختارت فستان&;ا بسيط&;ا لكنه أنيق&; زينت وجهها بلمسات خفيفة من المكياج&; ورفعت شعرها بطريقة ناعمة&; وكأنها تستعد للقاء كان يجب أن يحدث منذ زمن.
نظرت إلى انعكاسها في المرآة وسألت نفسها بصوت خافت:
&; &;هل سيفرح عندما يراني هكذا&; هل سيشعر أنني بذلت جهدي لأجله&; أم أنني فقط أعيش وهم&;ا آخر&;&;
أغمضت عينيها لثانية&; محاولة طرد الأفكار السلبية&; ثم أخذت نفس&;ا عميق&;ا واتجهت إلى طاولة العشاء التي أعدتها بنفسها.
المكان كان ينبض بالرومانسية.
أضواء خافتة&; شموع متناثرة بعناية&; موسيقى هادئة تتسلل في الأجواء&; والطاولة مزينة بأطباق مرتبة بعناية&; تحمل الأكلات التي تعلم أن يوسف يحبها.
جلست على الكرسي&; وعيناها تراقبان عقارب الساعة التي تتحرك ببطء شديد&; وكأنها تعاند انتظارها.
&; &;سيأتي&; لا بد أنه في طريقه الآن&;&;
همست لنفسها بهذه الكلمات&; محاولة إقناع قلبها القلق بأن هذه المرة ستكون مختلفة. لكنها لم تستطع تجاهل ذاك الصوت الصغير في عقلها الذي يهمس لها:
&; &;وماذا لو لم يأت&;&; ماذا لو خذلك&; مرة أخرى&;&;
مرت عشر دقائق&; ثم عشرون&; ثم نصف ساعة&; ولا يزال الهاتف صامت&;ا&; بلا رسائل&; بلا اتصالات&; بلا أي إشارة تدل على اقتراب قدومه.
بدأت رحيل تفقد صبرها&; حملت هاتفها وترددت للحظة قبل أن تتصل به. وضعت الهاتف على أذنها&; وانتظرت&; انتظرت رنين&;ا يطمئنها&; لكن بدلا&; من ذلك&; جاءها صوت آلي بارد:
&; &;عذر&;ا&; الرقم الذي طلبته غير متاح حالي&;ا&; يرجى المحاولة لاحق&;ا.&;
غير متاح&;!
خفضت الهاتف ببطء&; ورفعت عينيها إلى الطاولة التي أعدتها بكل حب&; ثم إلى الشموع التي بدأت تذوب&;والطعام برد&; وكأنها تعكس ما تشعر به في هذه اللحظة.
هل كانت ساذجة&; هل كانت تعيش في وهم أنها يمكن أن تستعيده&;
نهضت من مكانها ببطء&; أطفأت الموسيقى&; ثم جلست على الأريكة&; وعيناها تتعلقان بالباب وكأنها تنتظر أن ينفتح في أي لحظة&; أن يدخل يوسف معتذر&;ا&; أن يخبرها بأن هناك سبب&;ا منطقي&;ا لهذا التأخير.
لكن الحقيقة&; أن يوسف لم يكن في طريقه إليها. كان في مكان آخر تمام&;ا&; وكان يقضي تلك الليلة مع شخص آخر.
لكن يوسف لم يكن يعلم شيئ&;ا عن ذلك. بل كان في مكان آخر تمام&;ا&; مع يارا&; وابنتهما&; دون أن يدرك أن هذه الليلة ستحمل له صدمة لم يكن مستعد&;ا لها&;
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!