الفصل 10 | من 23 فصل

رواية وقعت في دائرة الشر الفصل العاشر 10 - بقلم هبة نبيل

المشاهدات
23
كلمة
2,797
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

ساد صمت ثقيل في شقة حسام، لا يُسمع فيها سوى خرير الماء في سخان الشاي وخرير أنفاس يوسف ويارا النائمين على الأريكة. وقفت فرح في المطبخ، تدفئ يديها فوق كوب الشاي، بينما الشرود يكسو ملامحها والتوتر يخيم على أعماقها. فجأة، دوّى صوت فتح باب الشقة بعنف، كأنه إعلان لبداية عاصفة. دخل جاسر بخطى سريعة وملامح مشتعلة، وعيناه تتفحصان المكان قبل أن تستقرا على فرح العائدة من المطبخ في طريقها لغرفة المعيشة. جاسر (بصوت غاضب) برافو!

هو ده اللي كنتي بتدوري عليه؟ قاعدة لوحدك في بيت راجل غريب؟! ومش بعيد شوية شوية الاقيكي في أوضة نومه. فرح (ببرود يحاول إخفاء ارتباكها وجرحها من حدة كلامه) أولًا أنا مش لوحدي، وثانيًا... أنا هنا بإذن والدي مش بإذنك. جاسر (ساخرًا) بإذن أبويا؟ ما هو باين... على إيدك البيت اتحول لملجأ كل من هب ودب يدخله. اصحصح صح أنا آسف نسيت إنك جاية من الشارع ونسيتي إنك يا حرام لسه طالعة من حادثة؟

ويمكن نسيتي إن وجودك هنا أصلاً في حد ذاته مشكلة؟ فرح (ترفع نظرها بثبات) المشكلة مش في وجودي، المشكلة في اللي شايف الدنيا من فوق لتحت... وما عندوش استعداد يشوف الحقيقة حتى لو قدام عينه. بس نعمل إيه بقى، البعيد أعمى. جاسر (يقترب منها، صوته يرتفع) الحقيقة؟ الحقيقة إنك شغالة تمثيل من أول يوم... وبتدعي البراءة عشان تكملي الخطة اللي بدأتِها واللي هي إنك تصطادي عريس لقطة، عيلة وجاه ومال وشهرة متحلميش بيهم. فرح (بغضب مكبوت)

كفاية قرف بقى! إنت جاي تحاسبني ولا جاي تطلع عقدك عليا؟ إنت عندك نقص يا بني ربنا يشفيك؟ جاسر (صرخ) ابنك؟ طب اطلعي بره! دلوقتي حالًا! ما تقعديش هنا دقيقة واحدة! استيقظ يوسف على صراخه، ونهض فزعًا، بينما نهضت يارا مسرعًا ووقفت خلف فرح وهي تمسك بيدها. يوسف (بصوت خافت) في إيه؟ مالك يا جاسر بتزعق ليه كده؟ جاسر (مشيرًا إلى فرح) الآنسة هتلم شنطها وتمشي... دلوقتي! فرح (بعناد) مش هخرج إلا لما عمي يقول... مش إنت. جاسر

(بصوت أعلى) هو بالعافية؟! طب أنا بقى اللي هخرّجك بيدي... قالها وهو يمسك يدها بعنف ويسحبها. صوت رجولي هادئ ولكنه حاد في الوقت ذاته يصدح من باب الغرفة: جرب... وشوف هتوصل لفين. استدار جاسر بسرعة، ليجد والده واقفًا على عتبة الغرفة، بثبات وهدوء مُربك وهو ما زال مشددًا قبضته على يد فرح التي كانت تبكي في صمت بألم. الأب (ناظرًا لجاسر) بيتي لسه بيتي... وأنا اللي بقرر مين يخرج ومين يفضل. وفرح...

هتفضل. لو مش عاجبك الباب قدامك أهو. تروح مطرح ما جيت. وسيب إيد فرح. إنت اتجننت بقى ولا إيه؟ ما تفوق؟ جاسر (منفعلًا) يعني خلاص؟ بقيت أنت كمان مقتنع بيها؟ الأب (بهدوء) أنا مش مقتنع بحد... بس مش هحكم على حد غير لما أفهم الحقيقة بالعقل اللي من الواضح إنه مبقاش عندك أصلًا. جاسر (بعينين محمرتين) ماشي... بس ما تلوموش غير نفسكم. ثم انصرف بخطى غاضبة، وصفق الباب خلفه بقوة جعلت زجاج النوافذ يهتز.

سكنت الغرفة، بينما فرح ظلت ثابتة في مكانها وهي تبكي ألمًا وتحاول امتصاص الصدمة. ثم اقتربت إلى الرجل الذي لطالما شعرت أن عينيه ترى ما لا يُقال. فرح (بصوت مرتجف) شكرًا يا عمي وأنا آسفة إني سببت لكم كل ده. الأب (ناظرًا إليها بثبات) اللي بيهرب من المواجهة عمره ما هيوصل للحقيقة. وكونك لسه واقفة... يبقى لسه فيكي أمل. أنا اللي آسف على قلة تربيتي للزفت ده. تقريبًا مكنتش فاضي.

قال كلماته الأخيرة بمرح جعلت فرح تبتسم رغم الدموع التي ملئت عينيها. في تلك الليلة، جلس حسام في غرفته بعد أن عاد من الخارج للتو، يُقلب بين الأوراق التي أخرجها من حقيبة فرح بعد أن وجدها مُخبأة داخل بطانة الشنطة بطريقة احترافية. كانت ملاحظاته دقيقة، وفضوله أقوى من أن يتجاهل ما وجده. عناوين لمشروعات هندسية، أختام حكومية، توقيعات غير واضحة، وصور لوثائق مختومة بختم "سري للغاية".

حدّق في أحد الأوراق، كانت نسخة من عقد بين شركتين كبيرتين، وتاريخ التوقيع يعود إلى ما قبل الحادث بأسابيع قليلة. لكن اللافت أكثر كان التوقيع في نهاية الورقة: م. حسني الدمنهوري. تجمّدت ملامحه. الاسم مألوف… أكثر مما يجب. حسام (بصوت عالٍ لنفسه وكأنه يتحدث مع شخص آخر أمامه) الدمنهوري؟! إيه اللي جاب اسم الراجل ده هنا؟ ده عميل عندي؟ وده عقد صفقة أراضي؟ ... فرح كانت ماسكة كل ده؟

دي طلعت جريئة جدًا. أي نعم هي دلوقتي لا حول لها ولا قوة بس مكنتش أعرف إنها شجاعة وقوية أوي كده إنها تشيل كل ده لوحدها. وقف فجأة، وبدأ يفتش في باقي الأوراق بقلق متصاعد. وجد مرفقًا تقريرًا داخليًا يُشير إلى مخالفات مالية جسيمة في صفقة تطوير أحد الموانئ، موقّع باسم مستعار: "ش.ف". حسام (بغصة شك) هي كانت ناوية تقدّم كل ده للنائب العام؟! .. أكيد ده السبب اللي خلاهم يتخلصوا منها؟

قطع شروده صوت طرق خفيف على الباب، تبعه دخول فرح بابتسامة خفيفة وعيناها مثقلتان بآثار البكاء. فرح (بتردد) أنا... سمعت صوتك عالي شوية، فـ... حبيت أطمّنك. حاول حسام إخفاء الأوراق خلف ظهره، لكنه فشل، فقد كانت إحدى الصور سقطت على الأرض، وظهرت عليها خريطة هندسية مُحددة بألوان بارزة. فرح (وهي تحدّق في الصورة) الحاجات دي... كانت فين؟ حسام (بهدوء حذر) في شنطتك. إنتي كنتي شايلة كل ده؟

تقدّمت فرح ببطء، وأخذت الورقة من يده، وجلست على طرف السرير، تحاول تذكُّر ما لا يزال حبيس الظلام داخل ذاكرتها. فرح (بهمس) يمكن..! حسام (يسأل بتركيز) الناس اللي بيطاردوكي... ليهم علاقة باللي جوه الورق ده؟ عيناها تمتلئان بذعر حقيقي هذه المرة. فرح (بصوت منخفض) أكيد كانوا عايزين يمسحوا أي دليل... وأنا كنت الدليل. حسام (يحاول استيعاب الأمر) يعني... اللي حصل لكِ مش صدفة؟ فرح (بمرارة) مفيش حاجة اسمها صدفة في الحكاية دي...

وأنا عارفة إني فتحت على نفسي باب مالوش مفاتيح ووقعت في بير ملوش قرار. صمت كلاهما، لكن العيون كانت تنطق بألف سؤال. ولأول مرة، أحس حسام أن فرح ليست مجرد ضحية فقط... بل مفتاح كبير في لغز أكبر منه ومنها. ساد صمت ثقيل لثوانٍ، قبل أن يقطعه حسام بنظرة قلقة نحو فرح، وقد لاحظ الزرقة الخفيفة على يداها، وارتباكها في الجلوس. حسام (بصوت هادئ ومباشر) هو إنتي كويسة؟ .. يعني حد ضايقك؟ في حاجة حصلت؟

رفعت فرح عينيها إليه بسرعة، قبل أن تطرق ببصرها في الأرض، ثم ابتسمت ابتسامة شاحبة وهي تقرر إخفاء ما حدث لتجنب المشاكل. فرح (بتحاول تهرب) لا خالص... يمكن بس من الشنطة لما وقعت... اتخبطت مش أكتر. حسام (ما زال يراقبها بشك) متأكدة؟ شكلك مش مرتاحة، وحاسس إنك بتخبي حاجة. فرح: لا خالص مفيش أي حاجة أنا تمام. تنهّد حسام، ولم يُرد أن يضغط عليها أكثر، فهز رأسه بصمت، ووقف ليجمع الأوراق التي تناثرت. حسام (بهدوء) ماشي...

بس لو في أي حاجة، أنا موجود... فاهمة؟ أومأت رأسها بخجل، ثم تركته لتخرج من الغرفة، بينما وقف هو يحمل بين يديه القلق والحيرة. في صباح اليوم التالي، كانت يارا تُعد الفطور في المطبخ، حين دخل حسام يبحث عن قهوته كعادته. لم يكن في مزاج جيد ولكن نظراته المستمرة نحو باب غرفة فرح كانت كفيلة بفضح ما يدور في رأسه. يارا (بذكاء) ها، مالك؟ باين عليك مصحصح بدري عن العادة. حسام (ببرود) أنا منمتش أصلًا، حاجات كتير في دماغي...

من ضمنها فرح. توقّفت يارا عن تحريك المعلقة في الكوب، وحدّقت فيه. يارا (بحذر) حصل حاجة؟ حسام (سألها مباشرة) أنا اللي عايز أسألك السؤال ده يا يارا حصل حاجة؟ هو في حد ضايقها؟ فرح شكلها امبارح لما رجعت ميطمنش؟ ... حسيت إنها كانت بتعيط، ومش مرتاحة. ترددت يارا للحظات، ثم زفرت بضيق. يارا (بحسم) هو أنا مكنتش هقول بصراحة، بس طالما سألت...

آه حصل. جاسر جي البيت امبارح واتخانق معاها ومدّ إيده وشدها بعنف من دراعها وكان عايز يطردها وقال لها كلام ما يصحش يتقال لأي واحدة، خصوصًا وهي في بيتنا. اتسعت عينا حسام، وسقطت المعلقة من يده دون أن يشعر. حسام (بغضب مكتوم) إيه؟! وده عدّى كده؟ يارا (بحزن) هي ما قالتلكش علشان خايفة تزود المشاكل... بس الموضوع ما يتسكتش عليه. جاسر زودها أوي بس بابا وقف له بصراحة وكان شوية شوية وهيضربه.

وقف حسام لحظة، يراجع كل ما قالته فرح ليلة أمس، وكل ما أخفته. ثم شدّ على قبضته، وعيناه تلمعان بغضب حقيقي. حسام (بهدوء مخيف) لا أنا بقى اللي مش هعدي ده وهتكلم معاه بنفسي. هو فين؟ قالها وهو ينظر ليارا وعيناه لا تبشر بأي خير. يارا بقلق: جوه في أوضة الصالون. في غرفة المعيشة، كان جاسر يتحدث في الهاتف بصوت مرتفع، وفجأة انفتح الباب بقوة جعلت جاسر يلتفت بقلق. اقترب منه حسام بخطوات ثابتة ونظرة نارية. حسام (بحدة)

عايزك في كلمتين. أنهى جاسر المكالمة بلا اهتمام، ونظر إليه بتعالٍ. جاسر (بنبرة ساخرة) خير يا أستاذ؟ شاكك إني خبيت لك العربية؟ حسام (بهدوء مميت) إنت مدت إيدك على فرح؟ صمت مفاجئ. ثم ضحكة ساخرة خرجت من فم جاسر. جاسر (ببرود) ما تهدى كده... البت كانت بتغلط وبتتجاوز حدودها، وأنا وقفتها عند حدها. اقترب منه حسام خطوة، ونظراته تشتعل. حسام (غاضبًا) حدود إيه اللي بتتكلم عنها؟ دي ضيفتنا... وبعدين دي بنت! تمد إيدك عليها إزاي يعني؟

دي مش رجولة، ده اسمه جبن. جاسر (بصوت عالٍ) أنا حر! دي عايشة في بيتي، وما ينفعش تقلب البيت ساحة تحقيقات. لو أبويا ساكت، أنا مش هسكت! حسام (منفعل) وانت مالك! ده مش بيتك لوحدك، ده بيت عيلة! واللي بتعمله ده مش من حقك، ولا من مقامك يا باشمهندس يا كبير يا عاقل! وبعدين إنت مين عشان تحاسبها أو تحكم عليها؟ الظاهر إنك أوقات كتير بتنسى نفسك. جاسر (بيصرخ) طالما هي موجودة هنا، تبقى تحت سلطتي! وأنا بقولها تمشي، تبقى تمشي!

وبينما كان الجو يزداد توترًا، ودخل والدهما، وقد سمع الجملة الأخيرة. الأب (بصوت جهوري) محدش هيمشي من البيت... وإنت اللي محتاج تمشي وتعقل يا جاسر! أنا معرفتش أربيك. انكمش جسد جاسر للحظة، وهو يلتفت ببطء نحو أبيه. جاسر (بصدمة وانفعال) بابا؟! إنت بتطردني؟ بتمشي كلامهم عليا؟ بتنصر واحدة جاية من الشارع على ابنك؟ إنت الظاهر كبرت وخرفت. اقترب منه الأب بخطوات ثابتة وصفعه على وجهه صفعة دوّى صوتها في أرجاء المنزل بأكمله ثم قال:

الأب (بهدوء مميت ونظرة صارمة) امشي. اطلع بره. سكت البيت بأكمله، وعمّ صمت مهين بالنسبة لجاسر. أما حسام، فاكتفى بأن يبادل أباه نظرة امتنان وهو يقف بجانبه ثم وجه نظراته المشتعلة بالغضب على جاسر الذي ما زال واقفًا أمامهم يحاول تخطي الصدمة. ثم نظر إليهم وذهب مسرعًا إلى خارج المنزل وأغلق خلفه الباب بقوة شديدة. جهة أخرى...

في مقهى هادئ في زاوية مهجورة من وسط البلد، جلس خالد على طاولة منسية في زاوية لم يرها أحد. أمامه فنجان قهوة باردة، وعيناه تتفحصان الساعة كل دقيقتين. دخل رجل أربعيني بملامح غير مألوفة، جلس قبالته دون تحية. الرجل بصوت خافت: التقرير اتأخر... إيه العذر المرة دي؟ خالد (ببرود) البنت طلعت عايشة ولسه الورق معاها. لازم أكون حذر. الرجل: يعني إيه عايشة؟ إنت بتهرج؟ إنت مش قلت إنك متأكد إنها ماتت؟

عايز تقول إن رقبتنا لسه في إيديها؟ خالد: أنا عملت اللي طلبتوه بالحرف... أنا مش عارف إزاي طلعت منها سليمة. الموضوع كبر مننا. الرجل (بعيون ضيقة) وإنت فاكر نفسك مش مرصود؟ إحنا بنديك فرصتك الأخيرة. إما الورق يرجع، وإما... هنعتبرك عقبة. خالد (بصوت جاف) أنا اللي جبت لكم أول طرف خيط، ومش هغرق لوحدي. الرجل نهض من على الكرسي فجأة، وهو يضع مظروفًا على الطاولة وقال: آخر مهلة... يومين.

ثم انسحب في الظل، تاركًا خالد يتنفس بعمق ويمسح عرقه بكف مرتعشة. جهة أخرى. في كافيه صاخب بجوار مدرسة ندى حيث الضحك والموسيقى، وأصوات الفناجين... جلست ندى وسط اثنتين من صديقاتها –ملك وتقى –يضحكن، يتشاركن الذكريات، لكن وجه ندى كان شاردًا. تقى (بضحكة) ندي! إنتي معانا؟ ولا سافرتي؟ ندى (بتنهيدة) بفكر في فرح. ملك (بتفاجؤ) يااااه "فرح"؟ ما سمعتش عنها من يوم الحادثة. ندى:

هتجنن يا ملك مش عارفة عنها حاجة خالص مش قادرة أعيش من غيرها. فرح مش أختي وبس يا ملك، فرح اللي مربياني. أنا عيني فتحت عليها هي وتيتا. أنا معرفش أبويا ولا أمي. فرح كل حاجة ليا في الدنيا. تقى وهي تربط على كتفها: هتلاقيها يا حبيبتي والله هتلاقيها. ندى: يارب. أنا آسفة يا جماعة أنا عارفة إننا جايين نفرفش بس أنا حرفيًا مش قادرة. أنا همشي. ملك (بجدية) لالا خليكي قاعدة معانا. إنتي لو مشيتي كده وبقيتي لوحدك هتتعبي أكتر. تقى:

سبيها براحتها يا ملك. أوصلك يا ندى؟ ندى نظرت لصديقتيها وقالت: لا لا أنا عايزة أكون لوحدي. سلام. يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...