الفصل 3 | من 15 فصل

رواية وكر الافاعي الفصل الثالث 3 - بقلم اماني جلال

المشاهدات
26
كلمة
4,266
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

نظرت بعيون حمراء حزينة إلى يده الممدودة نحوها، ولكن ما هي سوى ثانية واحدة فقط حتى قست حدقتاها وهي تزوي ما بين حاجبيها بضيق من تطفله هذا. لتنهض من مكانها بهمة وذهبت بعيداً عنه لتستأنف طريقها دون أن تنطق بحرف واحد. حتى لينهض هو الآخر وأخذ يتتبعها بإبتسامة ماكرة، مستمتعاً بهذه المطاردة وهو يقول بصوت مسموع له.

"ما كل هذا الغرور سيدتي، أنا كل غايتي هو المساعدة ليس أكثر. إن كنتِ تعتقدين بأن جمالك هذا واحتشام ثيابك هو الذي أثارني حد الجنون ودفعني أن أتعرف عليك، ف أحب أن أقول لك بأن اعتقادك هذا… صحيح." قال الأخيرة وانفجر بالضحك بصوت رجولي بحت، ما أن رآها تلتفت له بصدمة ممزوجة بغضب من وقاحته. وما زاد غيظها هذا هو ثقته الواضحة من نفسه.

جزت على أسنانها بضيق ثم التفتت وكأنه نكرة، وهو بالفعل هكذا بالنسبة لها فهي لا تعرف هذا اللزج من يكون. أسرعت بخطاها إلى الشارع العام لتستأجر إحدى سيارات الأجرة متوجهة إلى منزلها، تاركة خلفها ذلك الذي ينظر إلى أثرها بتربص وتوعد خطير. في الوكر، دخل هو وأخيه ليجلس على الأريكة بإسترخاء وهو ينظر للآخر بسخرية وهو يقول: "كفارة يا يحيى تعيش وتتعلم على قفاك كمان وكمان." يحيى بغيظ:

"إضحك إضحك، إن ما خليته يقول إني مرة قدام المنطقة كلها مبقاش يحيى اللداغ." أخذ يمرر باطن كفه على وجهه بإختناق ثم سحب شعره إلى الخلف ليتشنج فكه بغضب وهو يكمل بعدم تصديق: "بقيت أنا يترمي في عربيتي حتة حشيش ويتبلغ عليا وأنام ليلة كاملة في الحجز؟ وده كله حصلي من تحت راس واحد ما يتحسبش ع الرجالة. بس قولي قبلها انت متأكد إن اللي عمل العملة دي وبلغ عليا هو رامي بتاعنا؟ "تخيل! " قالها وهو يرفع حاجبه بشماتة. ليعض يحيى

شفته بتوعد ليقول بعده: "لأ يا شاهين، وغلاوتك عندي يا أخويا أنا هسيبه هو اللي يتخيل أنا هعمل فيه إيه." شاهين بلامبالاة: "معاك كل الصلاحيات، اعمل ما بدالك بس إنجز هااا… بسرعة يعني… لأني عايزك تركز بشغلك، إحنا مش فاضيين للعب العيال ده، ورانا هم ما يتلم. بضاعة كاملة من السلاح الأسود هتدخل الحدود اليومين دول ولازم تتوزع في أقل من أسبوع." "إعتبره حصل يابوس."

ما إن قالها يحيى بجدية وهمة وهو يجلس أمامه حتى أتاه رد أخيه النافي محذراً: "لأ… مش عايز كلام وبس، وريني شغلك." يحيى بإستغراب: "إيه يا شاهين، هي أول مرة ولا إيه؟ شاهين بجدية: "مش معنى إنها مش أول مرة هنتساهل بدخولها وتوزيعها. الثقة حلوة ااااه، أنا معاك في كده، بس الحذر واجب وغرورك ممكن يودينا في حتة إحنا مش حمل متاهتها، وشغلنا ده بالذات عايز عينين مفتحة. فعشان كده عايزك تقلل عصبيتك دي وتوزن عقلك." أومأ له برأسه وقال:

"ماتخافش، أنا مفهم الرجالة ع المطلوب ومراقبهم كويس أوي، وده اللي هما عارفينه. بس اللي مش عارفينيه إني هكون معاهم خطوة بخطوة، عشان قبل ما حد منهم يفكر بس إنه يماطل في شغله هيلاقيني جايبه من قفاه ومعلمه الصح." شاهين بإطراء: "تعجبني وانت بتشتغل بمزاج عالي. وعلى العموم أنا مش هسيبك لوحدك وهكون معاك بخطوات الشحن أسهلك الطريق." "عفارم عليكم يا أولاد اللداغ."

قالها الحاج سلطان وهو يدخل عليهن وأخذ يقترب منهم ليجلس أمامهم بهيبته المعتادة. سند ذقنه على عصاه الذي يتكئ عليها ثم أكمل: "دماغكم سم… أهو كده أنا أرفع راسي بيكم وأقول إن تعبي عليكم مارحش هدر. وإصراري إن إنتم التلاتة بالذات إني أخليكم تتعلموا وتوصلو مراحل عالية من التعليم، كانت خطوة صح." شاهين بتدخل: "بس أهم حاجة يا يحيى أوعى غرورك ينسيك أصلك، إنت لسه عودك أخضر." سلطان بتأكيد:

"بالظبط كده… خليك زي شاهين، أهو بقى أكبر محامي في مصر كلها ومافيش حيلة وثغرة في القانون ما يعرفش يعملها." "مصر كلها ومافيش حيلة وثغرة في القانون ما يعرفش يعملها، وده سهل لينا شغلنا بشكل كبير لدرجة بقينا منقدرش نتحرك بأي خطوة من غيره. ومنقدرش ننكر كمان تعبك إنت وياسين عملتم من ولا حاجة عظمة، وهي أكبر شركة استيراد وتصدير في مصر ليها سمعتها وبقيتم معروفين بسوقها. وهنا بقى عندنا درع نقدر نداري ورا اسمه."

"انت عارف اناه بقولك ده كله ليه؟

عشان تعرف إن الدماغ لازم تكون شغالة دايما ومش بس تفكر بالنهاردة. لاء لازم تفكر وتخطط لـ 30 سنة لقدام زي ما عملت أنا. وأوعى تنسى إنك تبص للماضي عشان تتعلم منه. وخلي قصاد عينك أسوء الاحتمالات ودايما اوهم عدوك بالأمان. وأوعى تعاديه وش لوش. لا خليك صاحبه وقرب منه عشان يديك الأمان وتقدر تكتشف نقاط ضعفه بسهولة. لو عملت اللي قولتهولك عليه صدقني هتفعص أي حد مهما كانت قوته تحت جزمتك لو حاول يفكر بس إنه يأذيك أو يحط راسه براسك."

"زيرامي." يحيى بغل: "رامي إيه بس يا كبير، ده عيل فرحان بنفسه وأنا هقرصلك ودنه عشان يتعلم الدرس ميغلطش تاني مع أسياده." سلطان بنفي قاطع وصوت صارم: "لأ…… النوع ده ما ينفعش معاهم قرصة ودن. ده لازم تتكسر عينه. إوعى تخلي ضربتك لعدوك بسيطة، ده هيخليه يتمادى معاك. امشي على مبدأ اقطع عرقه وسيح دمه." "أقطع عرقه وسيح دمه." قالها يحيى بشرود ثم أخذ يبتسم بخبث وهو يقول:

"تصدق بالله يا حاج، أنا كل ما بقعد جنبك بتعلم منك حاجات. فعلاً أنا كان لازم أعمل كده من زمان بس أوعدك المرة دي هسرق منه أغلى ما عنده وهكسر عينه فيها وهخليه يتندم ع اليوم اللي اتولد فيه." "ده بقى ابني اللي أنا ربيته فعلاً، طمرت فيك التربية." قالها سلطان وهو يستقيم بجسده بشموخ ثم نظر إلى شاهين الذي كان يقطب جبينه بضيق، فعلى ما يبدو أن كلامهم هذا ليس على هواه. لينظر إلى يحيى وأشار له بكفه المجعد بأن يخرج ويتركهم لوحده.

وبالفعل نفذ الآخر أمره على الفور. وما إن أغلق الباب خلفه حتى عاد سلطان ببصره نحو ذلك الهجين الذي يجمع صفات الثعبان والصقر. شاهين يملك عقل نشيط جداً يجمع بين الدم البارد والقوة، طباعه ممزوجة بين الحيلة والشجاعة، الهدوء والحزم، والغدر والوفاء. فشخصيته جوزاء كل شيء ونقيضها. اقترب منه وسحب كرسي ليضعه أمامه تماماً. وما إن جلس عليه وإلتقت عينيه بخاصة الآخر حتى قال: شاهين: "نعم. كلامي مع يحيى مش عاجبك صح؟ زفر أنفاسه بضجر

ثم مد شفته وقال بمراوغة: "عاجبني ومش عاجبني." سلطان بضجر لا يقل عن الآخر لأنه لا يستطيع قراءة أفكاره: "فزورة دي ولا إيه؟ مال شاهين بجذعه العلوي ليسند ساعديه على فخذه وأخذ يقول بجدية بعدما تنهد: "حضرتك عارفني كويس… أنا لو ليا حق عندك هاجي اخده من حبابة عينيك وهوريك النجوم في عز الضهر وهكرهك فاليوم اللي اتولدت فيه. بس مستحيل هروح وأخده من ولا." نظر له سلطان بمغزى وهو يقول بخبث:

"انت طيب أوي يا شاهين. أنا قولتهالك زمان وهرجع أعيدهالك، لو عايز تكسر حد بجد وتجيب مناخيره الأرض، اكسره بعزيز قلبه. وصدقني يابني، محدش يقدر يكسر الراجل غير الست بتاعته. خدها مني وخليك ناصح زي ابليس لما حب يحارب أبونا آدم، طرده من الجنة عن طريق وسوسته لحواء." شاهين بعدم اقتناع: "بس انت عارف إني مليش فالطريق ده." رفع سلطان كفه أمامه وهو يقول:

"وأنا ما جبرتكش عليه. العب باللي يجي على هواك وسيب الباقي يلعب زي ما هو عايز. بس اللعب ليه قواعده وأصوله. ده عندك انت، بس عندنا إحنا كل شيء مباح." صمت قليلاً بترقب ثم قال بتساؤل وترقب: "ياسين غاطس فين بقاله أكتر من شهرين مسافر ومش عارف هو بيعمل إيه. وكل ما بكلمه بيلف ويدور وبيقولي انت ليك النتيجة."

"والله ياسين ده داهية… ده راضع مع الجن الأزرق. ده قاعد يلعب بسعد وبناته زي العرايس والخيوط كلها في إيده عمال ياخدهم شمال ويمين وكأنه ما صدق إنه عتر فيهم عشان يدوقهم الويل بألوانه." "هيرجع إمتى؟ "ياسين بيقول قريب جداً. وساعتها هتنزل انت ع الملعب يا وحش، مع إني بختلف معاك فالأسلوب، بس أنا عارف إن محدش هيبرد قلبي في سعد غيرك." شاهين بتوعد وعينيه تلهب بنار الانتقام:

"هو ينزل بس مصر وهيبقى اللعب مني ليه والضرب في اللي زيه حلال." ضحك سلطان بانتصار خفي وقال بإعجاب بكتلة الشر الذي أمامه: "يعجبني فيك حنيتك مع أعدائك يا ابن سامر." لوس انجلوس… مساءً في أحد الأبراج العالية بالتحديد بشقة سعد الجندي. كانت ميرال مستلقية على بطنها وهي تحتضن وسادتها ونظرها شارد في نقطة وهمية بعيدة الهدف، وعقلها كان يعيد ما حدث معها اليوم في الشركة وكيف اضطرت أن تستقيل لتضع حد لذلك الحقير. "آآآآآخ."

تأوهت بضعف وأخذت تمسد على مقدمة رأسها بألم فقد تعبت حقاً من كثر التفكير. وماذا ستقول لوالدها؟ ما هو سبب تركها للعمل؟ وهل سيقتنع بأسبابها الكاذبة؟ أخذت تفكر وتفكر حتى نهضت بتأفف وكسل من مكانها وذهبت تنظر إلى وجهها الباهت بالمرآة. لترفع خصلات شعرها المشعثه بإهمال إلى الأعلى ثم توجهت إلى الصالة بإستغراب ما إن سمعت صوت سيلين العالي آتي من الخارج. خرجت من غرفتها بإستغراب وهي تقول: "إيه بس يا سيلي صوتك عالي كده ليه؟ التفتت

نحوها سيلين بإنفعال: "تعااااالي اسمعي أبوك بيقول ايه؟ فتحت ميرال فمها بصدمة من انفعال أختها الغير مدروس هذا لتتجاهلها تماماً وتذهب نحو والدها الجالس يراقب الأخرى بصدمة لا تقل عنها. لتقول بتريث: "خير يا بابا؟ سيلين بغضب: "خير ااايه بس… ده عايزنا نسيب هنا ونرجع مصر. بذمتك ينفع يقرر كده فجأة. وإحنا لازم ننفذ مش كده؟ قاطعتها ميرال بنظرات تحذير وهي تقول من بين أسنانها:

"اكيد بابا ليه أسبابه اللي لازم نسمعها قبل ما تنتفضي كده، صح؟ سيلين بصوت أعلى من سابقه: "عايزة تجننيني انت كمان ولا إاايه. أسباب إيه اللي هتخليني أسيب حلمي بعد ما اتحقق؟ "وتسبيه ليه انت؟ ممكن تشتغلي هناك بس قبلها ما عرفناش ليه بابي خد القرار ده." ما إن قالتها ميرال حتى نهض سعد من مكانه وهو يقول بغضب يرعد وقهر كبير لا يوصف وعينين يزينهم الخذلان:

"سبيها يا ميرال، عايز اشوف تربيتي فيها وصلت لفين. دي اخرة تعبي فيك ياسيلين!!! تعلي صوتك عليا!!! وما تحترمييش وجودي ووجود مامتك… هي دي جزاتي… هي دي جزاتك ل خالك؟ جفلت بمكانها وابتلعت لعابها بصعوبة وكأن كلامه هذا جعلها تفوق من ما كانت عليه لتستوعب فظاعة خطئها. لتقول بتوتر وتردد وهي تنظر إلى عينيه الغاضبة: "بابي أنااا." رفع سبابته أمامها يرفض بأن يسمعها:

"مش عايز اسمع صوتك ولا اشوف وشك قدامي لحد ما تتعلمي الاحترام الأول. يا خسارة… سامحيني يا سعاد سامحيني معرفتش أربي بناتك صح. يا خسارة." نظر إلى زوجته داليا من طرف عينيه وقال بأمر: "جهزي نفسك على أخر الأسبوع ده إحنا مسافرين. واللي عايزة تيجي معانا اهلاً وسهلا واللي مش عايزة تنسى إن ليها خال." قال كلماته الأخيرة ثم تركهم وخرج من الشقة بأكملها. لتنظر سيلين إلى أختها ووالدتها الروحية ودموعها عرفت طريقها على وجنتيها:

"شفتم قال إيه؟ أومأت لها ميرال برأسها بضيق من تهورها وهي تقول: "أنا شفت صوتك العالي وطريقتك بالكلام اللي زي الزفت وقلة احترامك لينا كلها." رجفت شفتيها عدة مرات لتنفجر بالبكاء بعدها وهي تقول:

"مش قصدي والله أزعله. أنا في الأول فكرته بيهزر بس لم مش قصدي والله ازعله. انا في الأول فكرته بيهزر بس لما أكدلي إنه بدأ يجهز أوراقنا برج من نفوخي طار وإن تعبي في السنتين اللي فاتوا هيروح كده، كان لازم يقدر موقفي ويفهمني مش يزعل مني بالشكل ده." جلست داليا إلى جانبها وأخذت تمسد على شعرها وهي تقول بعتاب طفيف وزعل:

"مقهورة ياسيلين على تعب سنتين من عمرك يروح كده. طب إحنا نعمل إيه دلوقتي لما شفنا إن تعب عمرنا كله راح لما وقفتي في وشه وعليتي صوتك عليه وفضلتي شغلك وحلمك على راحة والدك. ومحترمتيش حد فينا." "كان ممكن تقعدي معاه وتتكلمي بهدوء، مني كلمة ومن ميرال كلمة على كلمتين منك وحبة دلع كنا هنقدر نغير فكرته. بس تهورك ده خلينا أمام أمر واقع ولازم ننفذ لإني أنا عارفة سعد مستحيل يتراجع بعد اللي حصل."

"كنت ضد فكرته بس بعد اللي شفته أنا أول واحدة هشجعه ع القرار ده لأنه صح. إحنا لو مرجعناش انت هتضيعي مننا يا سيلين. إن كنا لسه في أول الطريق وفضلتي شغلك علينا بكره لما تكبري شوية كمان احتمال كبير ترمينا لو وقفنا عائق الطريق وصولك." "أنا آسفة." قالتها بشهقات متفاوتة وهي تمسك يدها. "أسفك مرفوض. انت مش صغيرة عشان تغلطي وإحنا نسامح من غير ما تتحاسبي. بس أقول إيه بدلع سعد ليكي."

"وااااه على فكرة نزولك معانا مصر إجباري مش اختياري زي ما قال باباكي. أنا بناتي ما يعيشوش بعيد عني في بلد غريب." قالتها داليا ونهضت متوجهة إلى غرفتها وما إن أغلقت الباب خلفها حتى اقتربت ميرال من أختها وقال بهدوء: "تعرفي إن بابا عنده حق بقراره ده. إحنا لازم ننزل مصر، كفاية علينا كده هنا." نظرت لها سيلين بإستغراب من بين دموعها: "ليه بتقولي كده؟ رفعت منكبيها بحيرة وقالت بشرود:

"لأني مش مرتاحة هنا. ومن يوم ما جيت ع البلد دي وأنا عايزة أرجع، وبرغم السنين دي كلها عمري ما حسيت بالانتماء للأرض دي ولا عرفت أتأقلم معاها." "طيب… دلوقتي قوليلي أصالح بابي إزاي؟ نظرت ميرال بتساؤل: "افهم من كلامك إنك اخترتي رضا بابي على حلمك؟ سيلين دون تردد: "اكيد طبعاً!!! ضربتها على كتفها وقالت: "وطالما أكيد عملتي الغاغة دي كلها ليه؟

رد فعل من الصدمة مش أكثر واللي حصل من شوية كانت ساعة شيطان ربنا ما يعيدها. وبعدين سمعتي مامي قالت إيه، أنا هسافر معاهم بمزاجي أو غصب عني وإنت عارفة هي عمرها ما هتسمحلي أبقى هنا لو عملت إيه. دي مش بعيدة تسحبني من شعري لحد المطار."

"والله تسلم يدها لو عملت فيكي إيه لأن محدش قادر عليكي غيرها وبتخليكي على الصراط المستقيم. بصراحة يتخاف منها، ما هو لازم تحمر عينها عليكي وتاخد دور القسوة طول ما بابي مطلع عينك بدلعُه اللي يشوفك يقول عندك 17 سنة بتصرفاتك دي مش 24 سنة." "وأنا جازيت تعبه صح مش كده؟ قالتها بدموع جديدة وهي تعض شفتها ندماً على فعلتها النكراء بحق والدها. نهضت ميرال وقالت: "كلنا بنغلط. حاولي تعتذري منه." سيلين بترقب:

"وياترى هسامحني لو اعتذرت؟ ميرال بتأكيد: "بابا بيحبك أكتر من روحه. اااكيد هيسامحك. قومي نامي وبكرة الصباح رباح." سيلين برفض: "نوم إيه وبابي وزعلان مني. لا طبعاً أنا هستناه عشان اصالحه." توجهت نحو غرفتها وقالت: "براحتك. تصبحي على خير." "وانت من أهله." قالتها بشرود وأخذت تنتظر عودة والدها. بعد ساعات من الانتظار الطويلة غفت على الأريكة. ليقترب منها ما إن دخل الشقة ووجدها بهذا الشكل لينظر لها كيف تنام.

نفس أول مرة رآها فيها نائمة. هي صغيرته لم تكبر بنظره أبداً. يخاف عليها بجنون. يقسم بأنه يشعر بأبوته لها وكم كان يتمنى بأن تكون ابنته بالفعل. حقاً لا تعرف سبب قراره هذا… هي… لا يتحمل أن يرى سوء يمسها. رفع يده ليبعد شعرها عن وجهها خوفاً بأن تلك الخصلات تزعج نومها. ولكنه قطب جبينه بحزن ما إن رأى آثار دموعها. لتداهمه ذكرى وقوفها بوجهه وصراخها العالي عليه واعتراضها.

أنزل يده ونهض بإختناق وذهب إلى الشرفة ليجلس على إحدى الكراسي وهو يحارب نفسه بأن لا يذهب ويوقظها ويحتضنها ثم يعنفها ثم يحتضنها مرة أخرى. يالله، كيف سينام براحة الآن وصغيرته نامت وهي حزينة. بقى الحال على ماهو عليه حتى أشرقت الشمس. لتتململ سيلين بإنزعاج وعدم راحة. وما إن فتحت عينيها بنعاس حتى كرمشت ملامح وجهها بإستغراب وهي تعتدل بجسدها. لتتحول نظراتها إلى الحزن عندما أعاد عقلها أحداث ليلة أمس.

استدارت لتدخل غرفتها. ولكن قبل أن تدخل لمحت والدها يجلس بالشرفة يعطيها ظهره. اقتربت بسرعة من الشرفة ولكنها وقفت بمكانها قبل أن تدخل. لا تعرف ماذا سيكون رده إن اعتذرت منه، وياترى هل سيتقبل منها أم سيعنفها…؟؟ لا مشكلة إن عنفها أو حتى ضربها، ولكن ما أوجعها حقاً هو إنكاره لأبوتها. وهذه أول مرة في حياتها يفعلها. أغمضت عينها بوجع عند هذه النقطة. رفعت رأسها إلى الأعلى ثم تنهدت مهمة وذهبت نحوه لتجده نائم أو هذا ما ظنته.

لتجلس أمامه على الأرض بهدوء لتمسك يده وتقبلها وهي تقول بندم حقيقي: "بابا أنا آسفة." فتح عينيه ونظر إلى السماء، لا يود أن ينظر لها لكي لا يضعف أمامها ويسامحها على الفور. تنفس بعمق ما إن قالت ببكاء أوجع فؤاده: "سامحني على غلطتي مش هعمل كده تاني. صدقني… بلاش تزعل مني أرجوك." "بابا بص لي." وما إن رفض أن ينظر لها حتى زاد بكائها أضعاف وهي تقول: "والله أنا آسفة… والله أنا آسفة."

قالت الأخيرة وسندت جبهتها على ركبته وأخذت تبكي بندم. ولكن سرعان ما رفعت وجهها له بلهفة ما إن وضع يده أعلى رأسها وقال بحنانه المعتاد الذي طغى على محاولته بالقسوة عليها: "كفاية يابنتي عياط." شهقت بفرحة واحتضنته وهي تقول: "أيوة أنا بنتك… والله أنا بنتك ومش هكون بنت غيرك." قبل جانب رأسها وأخذ يملس على شعرها بحنية تسع العالم وهو يقول: "ربنا يحميكي من كل شر ويحميك ليا كمان يا بابا." "وشغلك ونجاحك وحلمك."

قالتها داليا وهي تقف عند مدخل الشرفة وهي تعقد ساعديها أمام صدرها. لينظر سعد بترقب إلى ابنته التي أخذت تمسح دموعها لتقول بجدية: "بعد زعل بابا ده واللي أول مرة يعملها معايا اكتشفت إن الدنيا كلها في كفة ورضاه هو عندي بكفة تانية. وبعدين أنا ممكن أشتغل فمصر عادي زي ما ميرال قالت، ولا إيه؟ "هعملك كل اللي انت عايزاه بس بحدود المعقول. هو أنا عندي أغلى منك انت واختك." قالها سعد بحب وهو يقرص وجنتها بخفة.

لتشهق داليا بصدمة مصطنعة: "طب وأنا روحت فين يا سعد. إخص عليك." "هي الغيرة اشتغلت ولا إيه يا ست مامي." قالتها ميرال بمزاج وهي تقبلها من وجنتها. لتذهب نحو والدها وتحتضنه من خلفه وقبلته من وجنته هو الآخر. "انت مكانك هنا." قالها سعد وهو يشير على قلبه. بالخفاء لتقول ميرال بمشاغبة وهي تغمز أختها: "لأ يابابي قلبك ده مكاننا إحنا. أيوة إحنا." "بس خلاص يا داليا بناتك شطبوا على قلبي ما بقالكِيش فيه مكان." داليا بتوعد:

"بقيت كده. طب شوفوا مين اللي هيفطركم." "لأ… كله إلا الأكل." قالوها بصوت واحد وركضوا نحوها واحتضنوها. لتضحك عليهم ثم سحبتهم معها إلى المطبخ وهي تقول: "طب قدامي منك ليها ع المطبخ اشتغلوا بلقمتكم." كادوا أن يعترضوا إلا إنهم ركضوا بسرعة ينفذوا أوامرها. ما إن رفعت حاجبها عليهم بحدة. وما إن دخلوا حتى سحبها سعد من معصمها وقال: "وانا اعمل إيه يا دودو عشان ترضي عني انت بقا حسابك معايا في الأوضة."

قالتها بهمس وهي تغمزه ليضحك عليها من كل قلبه. ليم سكها من وجهها ليقبل أعلى جبهتها وهو يدعو الله بقلبه بأن لا يحرمه من حب عمره. جلسوا كعائلة صغيرة جميلة دافئة حول الطاولة. ليبتسم سعد براحة وهو يراهم حوله بهذا الشكل. لينظر إلى زوجته بحب وقال بمشاكسة: "داليا." "أيوه يا حبيبي." "أنا عزمت شريكي ع الغدا النهاردة عايزك ترفعي راسي." "شريكك الجديد مش كده." هو بعينيه نظرت له ميرال بإستغراب:

"غريبة يا بابي من إمتى بتعزم شركائك بالشغل عندنا في البيت دي أول مرة تعملها." سعد بتوضيح: "لأن ببساطة شريكي الجديد مصري زينا. وبصراحة أنا نازل مصر مخصوص عشان اتفقنا أنا وهو نفتح شركة هناك مع بعض." حمحمت ميرال حنجرتها وقالت بترقب: "طب في مكان ليا أشتغل معاك فيه؟ سعد بعدم تصديق ممزوج بفرحة: "ده بجد… عايزة تشتغلي معايا؟ مش كنتي رافضة المبدأ ده وبتقولي إنك عايزة تشتغلي بعيد عني وتبني نفسك بنفسك ومش عايزة تعتمدي علي؟

ميرال بعملية: "أنا وصلت مديرة مكتب المحاسبات بمجهودي بعيد عنك ودلوقتي مش عايزة منصب أكتر من اللي وصلتله بمجهودي في شركة حضرتك. إلا إذا كنت رافض شغلي معاك ياسي بابا." ابتسم لها وقال بترحاب: "الشركة كلها تحت أمرك يا قلب أبوكي ونور عيونه انت." "احممممم نحن هنا." قالتها داليا وسيلين بغيرة بنفس الوقت. لتضحك ميرال من كل قلبها عليهم. لتنظر إلى والدها وهي تقول لوالدته: "بتغيري عليه مني يا مامي؟ داليا بحب كبير:

"هو أنا عندي أغلى من ابوكم عشان مغرش عليه." سيلين بتأكيد ممزوج بحب وتملك: "صح. إحنا معندناش أغلى منه وهو ما عندوش أغلى مني. أنا رب نا ما يحرمني منكم ولا من لمتنا دي." "مين." قالها الجميع ثم نهضت داليا ونظرت إلى ابنتيها وهي تقولي: "يلا يابنات ورانا غدا بلاش لكاعة هيجينا ضيوف." نهضوا وهم يتأففون بضيق. ليم ر الوقت عليهم بين الضحك والمرح والعمل وبالطبع لم يكن خالي من التعب.

حتى جاء الوقت والموعد المنتظر ليرتفع صوت جرس الباب. لتنظر داليا الى ميرال التي خرجت من غرفتها للتو وهي بكامل أناقتها لتقول له: "ميرال…… روحي افتحي الباب لحد ما أروح أغير هدومي بحاجة شيك." "حاضر يا حبيبتي." قالتها وهي تذهب نحو الباب الرئيس ي للشقة. وما إن فتحت الباب حتى تسمرت بمكانها من الصدمة. لينطلق في المقابل صوت صفير خافت يدل عن مدى إعجابه بتلك التي أمامه. ليقول لها بخفوت وقح وهو يمرر نظره إلى

قامتها ببطء أثار غضبها: "فاتنة ومغرية كقهوة الصباح، كأنها إدمان مهما ارتشفت منها يطلب جسدك بالمزيد." "ياترى ايه اللي هيحصل معاهم؟ "غالية هتظهر امتى؟ "شاهين ده طيب ولا شريري." "يتبع."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...