فيلا الجندي. كانت تتفنن بوضع المكياج الخاص بها، وبعد مدة ما إن انتهت من وضع الروج واللمسات الأخيرة لوجهها حتى سحبت ربطة شعرها لتبدأ بتصفيف خصلاتها المموجة. تارة تضعه على كتفها، وتارة أخرى ترفع نصفه. لتستقر في النهاية بإنها سترفعه كله بإهمال إلى الأعلى بتسريحة أنيقة، ثم أخذت تثبته بدبوس أنيق بكريستال ذهبي، لتبدأ بعدها بتنزيل بعض الخصلات القصيرة على وجهها وعنقها.
ابتعدت قليلاً عن المرآة لترى هيئتها الأخيرة بعدما قامت بنثر عطرها الخاص. كانت فاتنة ومغرية بفستانها الحرير باللون البني المحمر ذو حمالات رفيعة جداً، يصل طوله إلى كاحليها وتصميمه بسيط جداً ولكنه أظهر جمال قوامها وهو يلتف حول تفاصيلها البارزة بإتقان. وضعت شالاً على كتفيها ليغطي ما يظهر من الفستان. توقعت بإنه سيقلل من جمالها، ولكن زادها أناقة ورقة. وهنا ابتسمت بغرور ورضا ممزوج بثقة وهي تتطلع إلى هيئتها النهائية.
قطع تأملها لنفسها دخول ميرال التي سألتها بإبتسامة وهي تدور حول نفسها: "إيه رأيك ياسيلي؟ أخذت تتمعن بإطلالة أختها، فهي كانت ترتدي فستاناً بكم طويل باللون النيلي وعليه رتوش لامعة مع تسريحة بسيطة للغاية أظهرت جمالها حقاً. وهذا ما جعل الأخرى تقول بغرور عالٍ: "لازم تشكريني لأني اخترتلك الفستان الحلو ده." ميرال بشك: "يعني بجد حلو! والا بتجامليني! ابتسمت سيلين بثقة وأخذت ترتدي الحلق وهي تقول: "ماتخافيش هيعجبه." لتقول ميرال
بضيق من تلميحاتها الواضحة: "هيعجب مين؟ نظرت لأختها بخبث وقالت: "اللي في بالك." ميرال بمكابرة كاذبة كالعادة: "على فكرة هو آخر همي." سيلين بإطراء:
"برافو، وهو ده الصح ياحبيبتي. خلي الكل آخر همك مش بس هو، أهم حاجة انتي وعيلتك والباقي مجرد كماليات في حياتنا. أسعدونا بدخولهم حياتنا كان بها، وجعوا لينا دماغنا نديهم بلوك محترم ونمسكهم من طراطيف صوابعنا كده ونرميهم بأقرب زبالة. بصي. ميرال ياحبيبتي انتي محتاجة درس تقوية ولازم تمشي على مبدأ أنا ثم يأتي الباقي من بعدي. طيبتك دي مش هتأكلك عيش لما تنضربي على قفاك وتتكفي على وشك وتيجي تعيطيلي."
"غرورك ده هيوديك في داهية ياسيلين." قالتها داليا وهي تدخل عليها. لترفع سيلين حاجبها ثم أخذت تحرك رأسها بدلع وهي تقول: "ومين قال إني هغار؟ إذا كان سعد الجندي بابايا، وداليا هانم الدسوقي مامتي، وميرال أختي، هحتاج إيه كمان عشان أغار؟ داليا بابتسامة حب من شقاوتها: "والله أنا خايفة ليجي يوم وتقعي على بوزك بحب واحد يطلع عليك الجديد والقديم." سيلين بنفس ثقتها:
"لأ ماتخافيش. بالعكس خافي على اللي يفكر يقرب مني لأن بابا هياكله بسنانه لو قرب فعلاً. وبعدين أحب مين؟ أنا مش هحب غيركم انتوا التلاتة وبس." داليا بعدم تصديق: "متأكدة؟ مش هتغيري رأيك مع الزمن، وتيجي تقول بحبه يامامي." "طبعاً لأ يامامي مش هعمل كده." قالتها سيلين بتأكيد وهي تضع طبقة ثانية من أحمر شفاهها. مما جعل ميرال تعجب به وهي تقول: "الروج بتاعك لونه حلو أوي مع الفستان لايق جداً، ده بني مش كده؟
"إسمه بني محمر، مزيج ناري بين البني والأحمر والنتيجة زي ما انتي شايفة، يطلع اللون ده." "بس مش حاسة إنه أوفر شوية." قالتها داليا وهي تتمعن بهيئتها. لتحرك رأسها الأخرى وهي تقول بتوسل: "لأ مش أوفر أوي يعني، وبلاش بالله عليكي تركزي معايا الليلة دي. ركزي مع ميرال أحسن وحاولي تشغلي بابا عني بلاش تزعلوني. سيبوني فرحانة بشكلي." "بس يابنتي انتي مش محتاجة كل ده. شوفي أختك مكياجها ناعم إزاي وهادي."
تنهدت سيلين بضجر من هذه المقارنة التي تحصل دائماً، لتحاول أن تغير الموضوع وهو أن تهرب من هذا الحوار العقيم من وجهة نظرها. "أنا خلصت وهسبقكم على تحت، إوعوا تتأخروا. بابا هيتعصب." قالت الأخيرة وهي تتركهم وتخرج من غرفتها. لتنظر داليا لميرال وهي تقول: "شفتيها هربت إزاي وبردو عملت اللي في دماغها ومسمعتش كلامي." ارتسمت الإبتسامة على ثغر ميرال وهي تقول:
"هي دي سيلين، لو ماعملتش كده يبقى في حاجة غلط. يلا يا ست الكل ننزل قبل ما سعد باشا يتعصب علينا." "يالا ياحبيبتي." في قاعة للمناسبات الرسمية لرجال الأعمال والمستثمرين، كانت هناك تقام حفلة إعلان الشراكة بين عائلتي الجندي واللداغ. "بسسسس هو ده اللي مطلوب منك لا أكتر ولا أقل." يحيى بقلق: "انت متأكد من اللي عايز تعمله؟ ولو طلع شكك في محله تعرف شاهين هيعمل فيا إيه! صمت قليلاً ثم ضرب كفيه ببعضهم وأكمل:
"وأنا بقول ليه ياسين أصر إني أحضر معاهم الحفلة دي. كنت مفكرها حفلة شراكة بس الحقيقة طلع ناوي يعملهالي حفلة توديعي للدنيا دي. تصدق طريقة شيك للموت." ياسين بضجر من ثرثرته هذه: "مالك يلاااا ماتنشف كده. هو أنا طلبت إيه يعني عشان تعملي الغاغة دي كلها." يحيى بنبرة مستهزئة:
"ولا حاجة يا أخويا، هاطلب إيه يعني، هو بس إني أروح وأقرب من البنت اللي حضرتك شاكك إنها عاجبة شاهين اللداغ. عارف لو شكك ده طلع في محله أنا هتعلق على بوابة الوكر مشنوق." "يا أخي افهم أنا أصلاً في الحالتين محتاج حد يقرب من سيلين. لأن وقت ما شاهين رفض أنه يقرب من أي واحدة فيهم، قولت أنا ألغي الإثنين مع بعض. بس طلعت مزتي عفريتة وحطتني تحت الميكروسكوب. وبصراحة مش عايز أغامر بيها." يحيى بنظرات مستفسرة: "شكلها عجباك."
ياسين بإعجاب: "أووووي، بنت الإيه. عليها عيون لوحدها حكاية." "بتتكلموا عن إيه." قالها شاهين وهو يقف خلفهم بشكل مباغت، مما جعلهم يلتفتون له بسرعة. ليبتسم يحيى بتصنع وهو ينظر إلى هيئته القوية وذراعيه المعضلة، فهو كان يقف أمامهم بطوله المهيب. رفع شاهين حاجبه بترقب ونظراته زادت حدة وهو يقول: "فيه إيه مالكم مبلمين كده ليه؟ "أبدا ده بس يحيى كان بيسأل عن سيلين هتيجي إمتي." ما إن قالها ياسين بنذالة حتى نظر شاهين بإجرام على
الآخر وهو يقول بنبرة شر: "وانت دخلك إيه بيها... كاد أن يرد عليه إلا أن ياسين أكمل عنه بحقارة: "هو أنت متعرفش بإنها عاجباه." قاطعه يحيى وهو يمسكه من كتفه وهو يقول بهمس: "اسكت يخرب بيتك بلاش تولعه، أنت مش شايف اتحول إزاي، ده هياكلني على دفعة واحدة." ارتفع رنين هاتف ياسين برقم سعد. وما إن رآه حتى قال بإستئذان:
"ده سعد، أنا هروح أشوفه. شكل عيلة الجندي وصلت أخيراااا. مش هوصيك على سيلين يايحيى عايز البنت ماتشوفش غيرك من الآخر تاكل عقلك." فجر ياسين قنبلته الأخيرة بمنتهى الخباثة ثم تركهم وذهب متوجهاً نحو بوابة الدخول بهدف استقبالهم. ليللتفت يحيى لذلك الغول الذي كان ينظر له بتوعد وهو يقول بتهديد: "لو لمحت ضلك قرب منها أو عينك جت عليها... ليقاطعه يحيى بسرعة:
"ولا أعرفها أصلاً، ده ياسين جابني هنا على عمايا. بس قولي قبلها. البنت دي تخصك. صح؟ شاهين بجمود: "مالكش فيه، خليك في حالك." "حقك يابوس، بس هو صحيح بنات الجندي حاجة ماحصلتش زي ما ياسين قال؟ "بقولك إيه." قالها وهو يحاوطه بقوة، أو بالمعنى الأصح كتفه. ليبتلع يحيى ريقه بصعوبة ثم قال بعدها بصوت خافت: "إيه." أخذ شاهين يربت بقوته كلها على ظهره وأكتافه وكأنه يبعد الغبار الوهمي عن بدلته وهو يقول:
"ماتروح لمراتك بدل ما عينك تروح ع سيلين بالغلط، وقتها هرجعك البيت بإيدي بعد ما أفقعلك عينك." "الله! دي طلعت عجباك فعلاً." شاهين بتحذير: "يحيى." "نعم." ما إن قالها يحيى بخوف مضحك حتى ابتسم له أخيه ابتسامة واسعة جداً، ولكن لا تبشر بالخير وهو يقول: "انت قلت حاجة يا حبيبي." يحيى بتهرب: "قلت أنا لازم أروح البيت."
"شاطر، يالا اتكل." كان يتكلم مع أخيه إلا أنه صمت وأخذ ينظر نحو المدخل عندما وجدها تدخل بأناقتها التي على ما يبدو أنها جزء هام من شخصيته. لم يزحزح نظراته عنها، بل أخذ يتنقل بين الحضور بهيبته وعينيه الحادة تراقبها من بعيد بين الحينة والأخرى، ثم بدأ كالأفعى يتسلل إليهم بالتدريج إلى مكان وقوفهم. كانت تقف مع عائلتها تحتضن ذراع والدها بغرور وكأنه لا يوجد على هذه الأرض أنثى سواها. ولكن، السؤال هنا؟
لما عليها أن تحتضن والدها؟ لما لا تقف بعيداً عنه قليلاً؟ هذا ما كان يدور برأسه. وهناك رغبة عارمة وغاضبة بداخله يتمنى لو يذهب نحوهم وينتزعها منهم حتى لو بالقوة. تلاشى غضبه ليحل مكانه ابتسامة هادئة وحالمة رغماً عنه ما إن وجدها تضحك من كل قلبها. أخذ يقترب أكثر منهم وعينيه ما تزال تسافر في ملامحها الساحرة. وقف معهم بعدما ألقى السلام. وهنا التقت عينيه بخاصتها لتتحول ضحكتها إلى غضب وحقد غير مبرر من وجهة نظره.
لاحظ ياسين هذه النظرات ليقرر حالاً إبعاد سعد عنهم وهو يقول: "اتفضل معايا ياسعد بيه أعرفك على أهم رجال الأعمال الموجودين." ولكن قبل أن يرد عليه وجدوا أحد العملاء المهمين في هذا المجال يقف إلى جانبه. "أنا جيت بنفسي عشان أتعرف." قالها هذا الرجل ونظره معلق بسيلين مما جعل الكل يقطب جبينه بإنزعاج، والدها والأخوين اللداغ. مد يده لها بعدما صافحهم جميعاً وهو يقول بإعجاب: "متعرفناش بالآنسة، أنا غالب منصور رجل أعمال."
وضعت يدها بيده وهي تقول بإبتسامة مجاملة: "سيلين سعد الجندي ديزاينر (مصممة) "تشرفت يافندم." قالها وهو ينحني ليدها وقبلها بطريقة نبيلة مما جعل شاهين يغلي من غضبه. استغرب من نفسه ووضعه وضيقته المفرط هذا. وأخذ يسأل نفسه لما كل هذا الضيق؟ من تكون هذه بالنسبة له حتى يغضب من أجلها بهذا الشكل لدرجة أراد أن يكسر يده التي أمسكت بها وأن يحرق شفتيه التي تذوقت بهما نعومة بشرته.
نظر ياسين إلى يحيى من بعيد وأشار له بالتدخل لكي يبعد هذا اللزج من هنا قبل أن يحدث شيء لن يحمد عقباه أحد. أومأ يحيى برأسه وتقدم نحوهم ليبدأ ياسين بتقديمه لسعد بأنه الأخ الثالث لهم. ثم بعدها استطاع يحيى أن يذهب بسعد وغالب إلى مكان بعيد لمناقشة آخر تطورات البورصة ومناقشة سعر الأسهم بعدما أعلنت بعض الشركات إفلاسها.
وهنا نظر ياسين بإندهاش إلى أخيه العاقل الرزين الذي يدرس كل خطواته قبل أن يخطوها، كيف تحول إلى عكس ذلك تماماً ما إن وجده يسحب سيلين من يدها وتتوجه بها نحو الباب الخلفي. أخذ يضحك بعدم تصديق وهو يرى أثر شاهين يختفي من أمامه وهو يقول: "والله وجاء اليوم وشوفتك تلف حوالين نفسك يابوس. وقال إيه ماليش أنا فالصغيرين. ده انت طلعت مالكش غير فالصغيرين."
صمت واعتدل بوقفته عندما وجدها تختلس النظرات له. كانت فتاته شقية نوعاً ما، فهو كلما أراد أن يقترب منها وجدها تذهب لمكان آخر. على ما يبدو بأنها تعشق المطاردة والمراوغة. ابتسم لها بحب وما إن بادلته الإبتسامة بخجل حتى فتح عينيه بعدم تصديق ودون تردد ذهب نحوها. فهي كانت تقف عند إحدى الطاولات، ليقف إلى جوارها لتلتف ذراعه بخفة حول خصرها المنحوت وهذا ما جعلها تشهق بتفاجؤ من جرأته. ميرال بخوف: "ابعد، ماما لو شافتك هتولع فينا."
"هششششش، متخافيش محدش واخد باله. مامتك مشغولة مع باباكي." ميرال بصرامة: "ياسين لو سمحت ماتخلنيش أستخدم أسلوب مش حلو معاك. ابعد، ده انت جرئ أوي." "تعالي." قالها وهو يذهب بها إلى وسط القاعة. وما إن وقف حتى سحبها من خصرها بيديه الاثنين وأخذ يتمايل معها على أنغام الموسيقى الهادئة.
نعم هذه حفلة، حفلة عمل لا يوجد بها رقص، ولكن ابن اللداغ كان له رأي آخر. ما إن بدأ يرقص مع فتاته أمام الحضور مما دفع البقية أيضاً بتنظيم الرقص على شكل ثنائيات. كانت متعثرة تائهة تماماً بين مخالبه السامة. نظرت له بضيق وهي تقول بكذب: "أنا بعرفش أرقص."
"مش مهم، حطي رجلك على رجلي." قالها وهو يقف عن الحركة ليجعلها تضع قدميها على خاصته. وما إن فعلت ذلك حتى ارتفعت بقامتها أكثر وأصبح وجهها أمام وجهه ليبتسم لها بجاذبية لم تستطع مقاومتها. سحبها نحوه أكثر بل ألصقها به وعينيه كانت تأكل كل إنش من ملامحها المثيرة لرجولته. احتضنها بإحتواء وسند ذقنه على ركبها وأخذ يهمس لها عند أذنها: "سيبيني نفسك، ماتخافيش مني، عمري ما هجرحك."
"على فكرة ماينفعش كده، بابا بيبص علينا." قالتها وهي تدفعه بيدها محاولة أن تنقذ نفسها من سحره إلا أنه كان كالحائط غير قابل للحراك. كان سعد دمه يغلي كالمرجل مما يرى أمامه ليغمض عينيه بمحاولة أن يهدئ من روعه عندما سمع زوجته تهمس له: "ماتتعصبش ع البنت ياحبيبي دي أكيد وافقت ترقص معاه من باب المجاملة بإنه شريكك." أومأ لها برأسه وهو ينظر إلى ابنته ويعتصر قبضته بإختناق من هذا الوضع أمامه.
عند ياسين كان يتنفس عطر بشرتها بجرأة قاتلة للتي بين يديه. ليناديها بهدوء وكأنه لا يود أن يصحى من حلمه الجميل هذا: "ميرال بصيلي." ولكنها لم تفعل ليكرر ندائه بحب أكبر: "يابت بلاش تتعبيني معاك أكتر من كده." لم تصغ له وأخذت تبعد نظراتها عنه أكثر بغضب جامح لأنه عنيد يرفض أن يطلق سراحها. ووالدها يراقبهما بالتأكيد ستحدث مشكلة لها ما إن تعود إلى المنزل.
"مرمر." ما إن نطق اسمها بدلال وهو يقرص انحناء خصرها بأنامله خلسة حتى نظرت له بسرعة وكأن أفعى لدغتها وفاضت عينيها بالدموع لتقول بصوت مخنوق ورفض قاطع: "بلاش تناديني بالإسم ده." ياسين بتساؤل: "ليه؟ "مالكش دعوة، وأوعى كده أحسنلك." قالتها بحدة وهي تمسك يده لتبعدها عنها ثم تركته وذهبت إلى المرحاض فهي تريد الهروب من الجميع. دخلت وأغلقت الباب خلفها لتنزل دموعها بوجع. فهو ضغط على الوتر الحساس وفتح جروحها دون أن يعرف. (مرمر)
اسمها المدلل كانت والدتها تناديها به دائماً ومنذ وفاتها حرمت هذا الاسم عليها ترفض وتكره من يناديها به. رغماً عنها داهمتها ذكريات تلك الليلة المشؤومة وكيف استيقظت من نومها لتجد والدها الحنون الذي كان يغرقها بالدلال، جثة هامدة. كان عبارة عن بركة دماء ووالدتها تصرخ كالمذبوحة وتضرب نفسها كالمجنونة لتجد نفسها بعدها بين ليلة وضحاها وحيدة مع أختها حديثة الولادة لا يوجد لديها أحد سوا خالهم الذي عوضهم الله به.
ذهبت إلى المغسلة وفتحت صنبور الماء وأخذت ترمي الماء على وجهها عدة مرات لعل هذا يجعل عينيها تتوقف عن البكاء. نظرت إلى انعكاس صورتها وبدأت تمسح مكياجها بالمنديل الورقي وهي تقول لنفسها بتشجيع: "أنا قوية، أنا قوية، والحمد لله على كل شيء."
أما على الجهة الأخرى عند أختها سيلين كانت في قمة ذهولها ما إن وجدته يمسكها من يدها ويأخذها معه جبراً إلى خلف القاعة. وفي غمضة عين وجدت نفسها عند حمام سباحة داخلي. كان المكان مغلق، كل هذا حدث لها في لحظات فقط لم تستطع أن تستوعب وقتها. ولكن ما إن توقف حتى انفجرت به: "إاااايه الجنان ده، حضرتك مفكر نفسك مين عشان تسحبني كده، مين اللي سمحلك إنك تمسك إيدي." نظر لها شاهين بغضب ليقول بغيرة ساخرة:
"ماهو ماسك إيدك ياحلوة وباسها كمان، جت علي." لتقول سيلين بتفاجئ من طريقته وكلامه هذا: "هو انت طبيعي، لأ بجد جاوبني، انت طبيعي؟ عقلك بيشتغل زينا يعني ولا ليه سيستم خاص فيه." استطاعت بكلماتها هذه أن تجعل نيرانه تلتهب أكثر ليصرخ بانفعال: "اتعدلي وإنتي بتتكلمي معايا وإسمعيني كويس."
"لأأأ أنت اللي لازم تسمعني ياربع متر أنت." ما إن قالت الأخيرة بسخرية واضحة منه حتى صمتت عندما وجدته يقترب منها لدرجة خطيرة وعينيه أصبحت تحرقها حرفياً. لتقول وهي ترفع إصبعها أمامه بقوة واهية تحاول أن تداري بها توترها من قربه هذا: "آخر مرة تتجاوز حدودك معايا. مفهوم." مسك إصبعها وأنزلته بعنف آلمها به وهو يقول بهدوء خطير: "يعني انت مش شايفة نفسك غلطانة." بادلته النظرات بتحدي:
"لأ، وحتى لو غلطانة ده شئ ما يخصكش يا أستاذ، انت مين أصلاً." "شاهين اللداغ." ما إن قالها بثقة جبارة حتى أتاه ردها مباشرة: "ماتشرفت بصراحة بمعرفتي بيك، ويا ريت تحرمني من شوفة طلتك البهية دي." "إممممم مش عايزة تشوفيني بس عادي إنك تشوفي غالب منصور صح." لتقول سيلين بمكابرة وهي لا تعرف الآخر ولكن غيظاً بالذي أمامها: "وليه لأ على الأقل هو إنسان محترم وذوق، مش عامل زي البرابرة." ليقول شاهين بغيرة قاتلة ممزوجة بسخرية:
"شكله دخل مزاجك ومش بعيد بعد يومين تقولي أنه ده هو نصك التاني." "نصي التاني! " قالتها وابتسمت بعدم رضا لما سمعت. لترفع أنفها الصغير بشموخ ثم أخذت تسرد مقولة سمعتها في يوم وأعجبتها: "أنا لست أنثى ناقصة لكي أبحث عن شخص آخر لكي يكملني. وإن دخل أحد في حياتي فهو ليس أكثر من نجم لامع في سمائي وإن رحل فما أجمل السماء وهي صافية." هدأت أعصابه وأخذ ينظر لها بهيام داخلي، فهي تروقه حقاً. ليقول بخفوت هامس وهو
يلمس خصلاتها المتناثرة: "مغرورة وشكلك بتحبي نفسك أوي." أبعدت خصلاتها عن مرمى يده وقالت: "قصدك بتقديرها. كل الناس بتحب نفسها بس ما عندهمش تقدير لذاتهم." وضع يديه بجيب بنطاله وقال وهو ما يزال ينظر إلى عينيها بتركيز عالٍ: "تعجبيني." سيلين بتكبر: "نفسي أجاملك وأقول وأنت كمان." اقترب من وجهها وقال بتوعد: "انتي محتاجة ترويض وصدقيني ده هيحصل على إيدي."
"بليزززز، ماتخلنيش أضحك. الترويض محتاج لرجالة هاااا رجالة، مش شوية عضلات." قالت الأخيرة وهي تشير بيدها إلى عضلات صدره البارزة. مما جعل الآخر يمسك يدها بقوة كبيرة وأخذ يقول من بين أنفاسه الغاضبة: "تصدقي بالله انتي عايزة تتربي عشان تفكري ميت مرة قبل ما تتكلمي قصادي، واعتبري ده هيبقى أول درس لترويضك سيلينة!
نظرت له باستنكار من لفظه لاسمها بهذه الطريقة. ولكن ما جعلها تفتح فمها وعينيها بصدمة هو عندما وجدته يحاوط وجهها بكفيه بشكل مباغت لينحني بسرعة البرق إلى شفتيها يلثمها بعطش وجوع. فهي كانت تستفزه بأحمر شفاهها المغري هذا. أخذت تقاومه بغضب من اقتحامه لها ولكن عن أي مقاومة نتكلم، فهما كانا مثل طاووس وأفعى الكوبرا، أي لا مجال هناك للمقارنة بينهما. عرف كيف يكتم أنفاسها ببراعة.
ضعفت معافرتها له ما إن قيد معصميها ليبتعد بعد مدة ببطء مميت فعل بهما الأفاعيل. وما إن حرر شفتيها المنتفخة تماماً حتى طبع قبلة سطحية طويلة عليهما. ثم أخذ يحرر يديها بهدوء. لترفع كفها بسرعة لتضربه كعقاب على فعلته. ولكن كان هو أسرع منها ومسك يدها. ولكن هيهات أن تسكت، فهو ما إن مسك يدها حتى عالجته بكف أقوى بيدها الأخرى. ثم أخذت تقول وهي تضرب سبابتها بصدره بقوة: "مافيش حد يلمسني إلا بموافقتي، سامع، إلا بموافقتي."
أنهت كلامها وهي تدفعه من طريقها وذهبت إلى المرحاض بسرعة تشعر بأنها ستفقد وعيها حقاً من ما عصف بها من أحاسيس غريبة. ولكن ما إن كادت أن تفتح الباب حتى وجدت انه ينفتح ولم تكن سوى أختها ميرال. وقبل أن تتكلم واحدة منهم بصدمة، حتى سمعوا والدتهم تقترب نحوهم وهي تقول بضيق: "كنتم فين بقالي ساعة بدور عليكم. باباكم طين عيشتي لما ما شافكمش قريب منه وحملني المسؤولية لأنكم غبتم عن عيني. يالا الوقت اتأخر ولازم نرجع."
تحركوا خلف والدتهم بهدوء على عكس ما بداخلهم. لتشهق سيلين واحمرت وجنتيها بخجل ما إن همست لها أختها بعدما مدت لها منديل ورقي: "امسحي شفايفك بسرعة قبل ما حد ياخد باله." في الوكر عند غالية كان يومها كالتالي، نامت حزينة واستيقظت حزينة. فهي تكاد أن تموت شوقاً لوالدتها. وأما الآخر زوجها، سبب عذابها، من تلك الليلة التي حبسها بالشرفة أصبحت تتجاهله تماماً وكأنه غير موجود. وهو الآخر يتعامل معها وكأنها خادمة لديه حقاً.
أصبحت تنتظر خروجه لكي تنزع عنها ثيابها وتأخذ راحتها. فهي خلال الفترة التي يتواجد بها في المنزل، ترتدي ثياباً فضفاضة وحجاب وأحياناً تلتزم بالإسدال عندما تلاحظ نظراته الوقحة لها. وما إن يخرج حتى تتحرر من كل هذه القيود. وبما أنه مختفي ولم يظهر اليوم كله، وبما أنه أيضاً لا يوجد لديها في سجنها هذا أي وسيلة للتسلية، بدأت بتنظيم الشقة وتغيير ديكورها. وبرغم بساطة المكان والأثاث إلا أنها استطاعت أن تضع لمساتها الأنثوية.
وما إن انتهت بعد وقت لا يستهان به حتى ذهبت بتعب إلى الحمام لتأخذ دشاً دافئاً يفك عضلاتها المتشنجة. ولكن المفاجأة عندما دخلت وجدت أمامها ثياباً متسخة، بنطال وقميصين لزوجها المبجل. زمت شفتيها وأخذت تحرك قدمها بضيق لتتأفف بقلة حيلة وهي تنحني نحو الثياب. فهو لا يملك غسالة وهي لا تقوى حقاً على غسلها بيدها.
عند هذه اللحظة ابتسمت بخبث. لتذهب وتملأ الحوض بالماء ثم رمت بداخله الثياب ورشت عليه القليل من مسحوق الغسيل والكثير من المعطر وتركتهم عشر دقائق. ثم شطفتهم. وما إن انتهت حتى أخذت توزعهم على الأريكة في الصالة وهي تقول مع نفسها بصوت مسموع مضحك: "والله ده اللي عندي، نظفت على كده أهلاً وسهلاً، ما نظفتش عز الطلب ده أصلاً. صاحبهم مقرف مش هتيجي ع الهدوم يعني."
أخيراً انتهت من كل شيء وانتهت معها طاقتها لتستلقي على السرير مستغلة عدم وجوده لتغمض عينيها بنعاس شديد. ولكن لا تعرف كم مر من الوقت حتى شعرت بأحد يوقظها بعنف وهو يقول بأمر ما إن رآها تفتح عينيها بنعاس: "غلاااا قومي إعمليلي لقمة آكلها، يلا قومي."
"اسمي غالية مش غلا. احفظه بقا، وبعدين ماتروح تطفح هو حد حايشك صغير أنت وعايز اللي يوكلك بإيده." قالتها وهي تحرك يدها بإنزعاج لتنهض بعدها وهي تتثاءب. لتجده ينظر لها وهو يكرمش وجهه بزهق ليقول بعدها باستفزاز: "أعوذ بالله من الخبث والخبائث. جتك القرف في شكلك هو ده شكل بنت." أغلقت عينيها قليلاً باستغراب وهي تقول مع نفسها: "ماله ده كل ما يشوفني يطلع فيا مية عيب، يكونش بيغير لأني أحلى منه وضفري خسارة فيه."
تركته وخرجت وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة وبيديها أخذت تجمع خصلات شعرها المشعثة لأنه ببساطة كان شعرها معاكساً لاتجاه الجاذبية. ولكن غاليتنا جميلة في كل حالاتها. اتجاهلت طلبه للطعام لتتوجه مباشرة للحمام بعدما أخذت ثيابها فهي من تعبها لم تستحم. وبعد ما يقارب النصف ساعة خرجت وهي تجفف شعرها لتتأوه بألم عندما وجدته يسحبها من شعرها بعنف وهو يقول بغضب: "هو أنا مش قولت عايز سم." غالية برفض لأوامره:
"لما تطلب بأدب هبقى أعملك. غير كده انسى." "أدب؟ أنا ماليش فالأدب، ليا في قلة الأدب إيه رأيك، هممممم." همهم بالأخيرة وهو يرفع يده الممسكة بشعرها ليستنشقه كالمدمنين، فرائحتها جميلة حقاً. ابتعد قليلاً ثم قال: "جهزيلي العشا، يا إما هتعشا بيكي والقرار ليكي." قالها ثم تركها ليستحم هو الآخر. أما غالية ذهبت إلى المطبخ مرغمة لتحضر له الطعام وهي تدعي بأن يختنق به ويموت أو حتى يتسمم.
مر بعض الوقت وما إن انتهت من ترتيب الطعام على الطاولة حتى توجهت إلى الغرفة لتأخذ بطانيتها من الدولاب لتنام. ولكن وجدت انه يدخل خلفها وهو يرتدي بنطال قطني فقط باللون الرصاصي وشعره الطويل مبلل وقطرات الماء تنزل منه تسير على صدره العريض. "عشاك في المطبخ." يحيى بسفالة: "لأ ما أنا خلاص غيرت رأيي وعايز أتعشى بيكي." قطبت جبينها بضيق فهو حقاً وقح لوقوفه هكذا أمامها.
وما إن كادت أن تتركه وتخرج حتى أوقفها وهو يقول بمغزى صريح ونظراته المتفرسة تحرقها من الأعلى للأسفل: "إيه رأيك يا غلا تكون الليلة ليلتنا." التفتت له ورمقته بنظرة رافضة ثم قالت باستخفاف: "بأخلاقك دي، ولا بأحلامك." ابتسم يحيى ابتسامة صفراء رفعت ضغطها بها ليقرصها من وجنتها بقوة وانحنى وقبل وجنتها الأخرى بعمق هدفه من هذه القبلة هو الإهانة لا أكثر. ثم أخذ يقول:
"وماله نستنى ياجميل لحد ما أخلاقي دي تعجبك وتجيني بمزاجك، لأني أنا مابحبش آخد الحاجة دي بالذات غصب، لأن طعمها أحلى بكتير لما تكون بالتراضي، وأنا أصلاً تعبان يعني وفرتي عليا. بس من هنا لغاية ما تجيني بنفسك هتتعاملي زي ما تستحقي، ودلوقتي يالا اطلعي برا." "حقير! " همست بها وهي تحمل بطانيتها وتخرج. ولكن تفاجأت ما إن سحبها منها ويرميها على الأرض بإهمال وهو يقول:
"لأ ياحلوة مافيش غطا، هتنامي كده، عشان تتأدبي، ولو بردتي تعالي ليا أدفيكي فحضني غير كده مافيش." تركته وخرجت خالية اليدين دون أن ترد عليه لتجلس على الأريكة وهي تقول بغيظ: "وقح، طعمها أحلى بالتراضي؟
اااااكيد مجرب الحاجات دي السافل، وقال إيه هيستنى لحد ما أروحله برجلي. جات كسر رجلي لو فكرت أروحلك بيها. المشكلة إن الأخ واثق من نفسه أوي، والله ولا في أحلامك إني أكون ليك. ولو في البني آدم ده ميزة واحدة بس هتكون أنه ما حاولش يفرض نفسه عليا وما جبرنيش عليه."
تنهدت بقهر وهي تنهض لتذهب نحو حقيبتها وأخذت ترتدي أكثر من بنطال وجاكيت لتستطيع النوم فالجو الآن بدأ يبرد في الليل. استلقت على الأريكة وجمعت أطرافها نحو بعضهم البعض كالجنين وهي تغمض عينيها بتعب نفسي حقيقي. وبعد مدة زمنية غطت أخيراً بنوم عميق غير واعية مثل كل مرة عندما خرج الآخر وهو يحمل بطانيتها الخاصة ليغطيها بها. وما إن تأمل وجهها الطفولي لبرهة حتى نهض ودخل غرفته وأغلق الباب عليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!