خرجا من القاعة، نظر لها سيف بتساؤل: -فيه إيه؟ عدلت حجابها بارتباك وقالت: -حمدي هنا وشكله ناوي على شر. جحظت عيناه وسألها: -هنا في الفندق؟ نازل عندنا؟ -أيوه هنا، أنا شوفته واقف في القاعة. مسح لحيته بتوتر وقال: -عملك حاجة تاني؟ قالت بتوضيح: -لأ، أنا لمحته واقف مع رجالة كدا، وشكله بيتفق معاهم على حاجة وكان بيشاور عليك. فكر قليلاً، ثم نظر لها قائلاً: -طيب تعالي معايا.
نظرت حولها بتوجس، ثم تبعته مسرعة. وقف أمام جهاز الكمبيوتر الخاص بنزلاء الفندق، وبحث عن اسم حمدي حتى وجده. دفع الهواء من أنفه وقال: -نازل في الفندق هنا بقاله أسبوع... بس حالاً هيكون out. وقفت جواره قائلة بهمس: -أنا خايفة أوي. رفع عينيه من جهاز الكمبيوتر قائلاً: -متقلقيش، أنا هتصرف. أخذ ورقة وقلم وكتب بها معلومات حول حمدي، ثم هرول لأمن الفندق، وتبعته هي بارتباك. وقفت بالقرب منه تسمعه وهو يتحدث مع أفراد الأمن:
-فيه شاب هنا في الفندق بيعمل مشاكل، أنا عايزه حالاً. رد أحد أفراد الأمن: -ممكن حضرتك تديني بياناته؟ أعطاه الورقة وأشار لمروى لتقترب قائلاً: -تعالي يا مروى، شاوريلي على مكانه. قالت بارتباك: -هو... هو كان في القاعة. اتجهوا للقاعة مع فردين من الأمن. بحثت بعينيها عنه، لكنه اختفى ولم تجد أثره. فنظرت لسيف قائلة: -شكله مشي! قال: -يبقا ممكن يكون في أوضته... أنا مش هسيبه إلا لما ألاقيه.
سار مجدداً مع أفراد الأمن قاصداً غرفة حمدي. طرق باب الغرفة مرة بعد أخرى، حتى فتح زياد الذي هربت الدماء من أوردته حين رأى سيف. ابتسم سيف بسخرية وقال: -الله، زياد باشا كمان عندنا. عادت ملامحه للجدية وقال: -فين حمدي؟ نظر زياد لسيف بتوجس وازدرد ريقه بتوتر قائلاً: -هو... هو عمل إيه؟
دفعه سيف لداخل الغرفة ودخل. تبعه مروى وأفراد الأمن. كان قلب مروى يرتعد من الروع. هربت الدماء من أطراف يديها فأصبحت باردة كالثلج. وقفت خلف سيف كأنها تحتمي به. قاطع شرودها سيف الذي أمر زياد قائلاً بدهاء: -الظاهر إن صاحبك دبسك وخلع... المرة دي بقا مش هتهرب من تحت إيدي. ارتبك زياد واندفع قائلاً بفزع: -والله يا باشا معملت حاجة، حمدي اللي مرتب كل حاجة، أنا معملتش أي حاجة.
ابتسم سيف بمكر فقد أصاب هدفه. ضرب على كتف زياد بخفة قائلاً: -أيووووه، تعالى بقا احكيلي حمدي مرتب إيه بالظبط عشان تلحق نفسك ومتوحش في داهية. وفي القاعة، هدأت أصوات الأغاني وارتفعت موسيقى هادئة. كان كل عريس يجلس جوار عروسته ويتحدث معها. اقتربت سيدة في أواخر الأربعينات، لكن لا يظهر عليها أثر السن. ترتدي فستاناً أنيقاً وشعرها المشذب بعناية ينسدل على ظهرها. ملامحها هادئة وتضع مكياجاً كاملاً. اقتربت من أحمد الذي يجلس
بجوار هدى وضمته قائلة: -مبروك يا أحمد. قال بامتعاض: -الله يبارك فيك يا ماما. كانت هدى تنظر لها بتساؤل. قدمها أحمد قائلاً: -هدى يا ماما. رمقتها أمه بغرور وقالت: -أهلاً. فيبدو أنها غير راضية عن زواج ابنها. همست بجوار أذن ابنها قائلة: -معرفتش تختار... وعلفكرة عروستك لسه موجودة. نفخ أحمد حانقاً وقال: -أعتقد يا ماما الكلام ده ملهوش لازمة... أنا اخترت اللي هتبقى أم لولادي مش اللي أدخل بيها عرض أزياء! ابتسمت بسخرية وقالت:
-هتفضل فقري زي أبوك. قالت جملتها وغادرت وهي ترمق هدى بنفور وكره. تعجبت هدى من نظرات والدة أحمد، لكن لم تعيرها اهتمام، فهي تعلم مدى تزعزع العلاقة بينها وبين أحمد. نظرت له منى قائلة: -مش كفاية بقا كده ونطلع ننام؟ غمز بعينه وقال بمكر: -مستعجلة إنتي؟ ارتبكت من نظراته وقالت: -أنا زهقت من الأغاني والموسيقى دي. غير الموضوع وأسبل عينيه قائلاً بمشاكسة: -بس إيه الحلاوة دي... عروستي زي القمر. ابتسمت بحياء ولم ترد، فأردف:
-ربع ساعة بس وهيتقفل علينا باب واحد. ابتلعت ريقها بارتباك ونظرت للاتجاه الآخر لتهرب من نظراته. يبدو أنها أخطأت حين وافقت على انعقاد زفافها بتلك السرعة. لا تعلم لم تشعر بعدم الارتياح. تتمنى أن يعود الوقت وتتريث في قرارها. نظرت هدير لمعاذ قائلة: -هما وقفوا الأغاني ليه؟ -مش عارف، الظاهر إن هيشغلوا حاجة على شاشة العرض. لوت شفتيها لأسفل بتعجب قائلة: -هيشغلوا إيه؟
سرعان ما هدأت الأضواء وبدأت تظهر صور لمعاذ وهدير. في البداية كانت صوراً عادية، فظنوا أنها مفاجأة من إحدى أخواتهم أو أصدقائهم. كانوا يبتسمون بفرحة على تلك الصور التي تجمعهم سوياً. لكن سرعان ما تجهمت الوجوه وأصيبت السعادة التي ترفرف بسماء القاعة بطلقات الحزن. صرخت هدير حين رأت تلك الصور التي ذكرتها بهذا اليوم العصيب. هرول معاذ ليغلقها، لكن لم يستطع. ظهر فيديو لهدى التي توبخ معاذ وتخبره أن أختها حامل منه، فكان تأكيداً
على أن الصور صحيحة وليست مفبركة. انقلب الحفل إلى عزاء لتوديع لحظات السعادة المقتولة. نظرت هدى لأحمد الذي كان يحدقها بنظرات ثاقبة لإخفائها عليه مثل هذا الموضوع. ظل معاذ يحاول إطفاء الفيديو حتى نجح في آخر الأمر، لكن بعد أن انكشف كل شيء. ابتسم فؤاد بخبث، فقد نجحت خطته وعاد إلى غرفته ليحزم أمتعته ويأخذ أخته ويغادر الفندق، فقد أتم مهمته على أكمل وجه.
-حمدي بيحاول يسلم جابر للشرطة، لكن بيشتغل بدراية عشان جابر ميحسش. اندفع زياد وكأنه قد بلع ترياق الصراحة. كانت تلك آخر جملة وضحها لسيف بعد حكى كل شيء، وأصبحت كل الأوراق واضحة وضوح الشمس في كبد السماء. ربط سيف كافة الأدلة ببعضها، بما فيها حادثة منى. هتف زياد بخوف: -بالله عليك يا باشا متجيبش سيرتي، لو عرفوا إن أنا قولت حاجة هيقتلوني وهيقتلوا أهلي. ربت سيف على كتف زياد قائلاً:
-أنا مستعد أخرجك من القضية دي زي الشعرة من العجين، لكن تكمل معايا للآخر. ازدرد ريقه بارتباك، فبسبب حمدي قد دخل بمتاهة كبيرة، وإما أن يخرج منها سالماً، أو يتوه بها ولن يعثر عليه أحد. قال: -هعمل أي حاجة، بس بالله عليك يا باشا من غير ما تجيب سيرتي! رتب سيف أفكاره وهتف آمراً: -أول ما حمدي يجيلك، هتقوله إن أنا جيت سألت عليه... وحاولت أوقعك في الكلام، بس إنت مقولتليش أي حاجة... وهتوصلني تحركاته أول بأول.
هز زياد رأسه لأسفل وقال: -حاضر يا باشا. أمر سيف أفراد الأمن بالبحث عن حمدي. وبعد أن أوصاه سيف بتوصيل المزيد من المعلومات، خرج من الغرفة وتركه يبتسم بخبث، فقد نفذ خطة حمدي بدقة. تنفس بارتياح وطلب رقم حمدي. -الخطة بدأت بدري شوية يا ريس، الظابط لسه خارج من عندي وبلع الطعم. كانت مروى تتبعه وتنظر له بخوف. حاول أن يطمئنها بعينه، ثم هتف قائلاً: -ارجعي إنتي القاعة عشان أكمل شغلي. ازدردت ريقها بهلع وتجعدت ملامحها بخوف قائلة:
-لأ والله ما همشي لوحدي، أنا مرعوبة... معقولة فيه ناس بالشكل ده؟ نفخ الهواء من فمه ينفث ما بداخله من دربكة واضطراب قائلاً: -الموضوع كبير أوي يا مروى... أنا خايف عليكِ. حرك عينه بتفكير ومسح رأسه متوتراً، ثم أردف: -هكلم الدكتور عوض، يمكن يفيدني بحاجة. نظرت له بقلق وقالت: -بابا كمان موبايله مقفول من الصبح أصلاً! حمل هاتفه وبدأ يبحث عن رقمه وهو يقول: -يمكن يرن المرة دي. ضغط على الرقم قائلاً: -بسم الله. صدع صوت الهاتف:
-الهاتف المطلوب مغلق أو غير متاح. نفخ حانقاً وبدأ القلق يدخل لقلبه، فطلب رقم النقيب وانتظر لحظات حتى أجاب: -أيوه يافندم، أنا توصلت لحاجات لازم أقول لحضرتك عليها. وبعد أن حكى كل شيء، نظر لمروى قائلاً: -تعالي نرجع القاعة. نخلص الفرح وبعدين أشوف الهم دا -لسه مغلق برده أنا هتجنن... الساعة داخله على واحدة الصبح
قالتها ناهد بقلق، بدأ القلق يتوغل لقلبه هو الآخر فكيف يطمئنها وهو قلق أكثر منها، رأى سيف يسير بجوار مروى فأشار إليه، انتبه له سيف واتجه إليهم، كانت ملامح القلق تعلو وجوه الجميع، وقفت مروى جوار ناهد وسألتها: -مفيش برده أخبار عن بابا وماما؟ هزت ناهد رأسها بأسف، حاول سعد تلطيف الجو فهتف: -متقلقوش إن شاء الله يرجعوا بالسلامه رددت ناهد ومروى في نفس الوقت: -يارب -تعالوا نرجع القاعة شويه ردت ناهد: -لأ إحنا هنطلع أوضتنا بقا
تذكرت مروى حمدي وتلك الأحداث الي تكاد تخلع قلبها رعبا وقالت: -لأ يا ناهد احنا هنرجع القاعه معاهم لحد ما بابا وماما يجوا فكرت ناهد لوهلة فهي الأخرى تود أن تلهي نفسها بأي شيء عسى أن ينقضي هذا الوقت المظلم سريعًا وينير الضوء جانب قلبها المعتم، هزت ناهد رأسها بألم موافقة واتجهوا للقاعه، كان الناس يخرجون من القاعه فنظرت ناهد قائلة: -الظاهر إن الحفله خلصت قابلهم معاذ ومعه والد هدير يهرولون بوجه متجهم، اقبلوا إليه وهتف سعد:
-فيه إيه؟! ضغط معاذ على أسنانه بغضب وشرح لهم كل ما حدث، نفخ سيف الهواء من فمه بضيق وقال: -إيه المصائب إلي عماله ترن على دماغنا دي!! سألهم سعد: -انتوا رايحين فين؟! معاذ: -هنشوف فؤاد نازل في الفندق ولا لأ... أصل هيكون مين غيره الي عمل كدا! ربت سيف على كتف معاذ قائلاً: -روح خد عروستك واطلع أوضتك أنا هتصرف في الموضوع ده اقنعه سيف أنه سيحل كل شيء فعاد معاذ للقاعه وبقى والد هدير مع سيف وحين هم سيف أن يغادر
أوقفته مروى قائلة بقلق: أنا هاجي معاك! أمرها قائلاً: خدي ناهد واطلعوا أوضتكم نظر سيف لسعد قائلاً: -وصلهم يا سعد وبص في الأوضه كويس اطمن أن مفيش حد جوه نظرت ناهد لأختها تسألها بنظراتها عما يحدث فرفعت مروى كتفها أي أنها لا تدري، لكنها تدري بكل شيء وتعلم ما يقصده سيف، أيعقل أن ينتظرها حمدي بالغرفه؟ ازدردت ريقها بتوتر وتوجهت لغرفتها مع أختها وسعد...
وصلت ناهد الغرفه وجلست ناهد على الأريكة وقد ازداد توترها وقلقها على والديها، حملت هاتفها وطلبت أرقامهما مجددًا لكن مازال الهاتف خارج التغطية، فتحت تطبيق الفيسبوك وبدأت تلف به حتى رأت ما صدمها، صورة لوالدها ووالدتها في حالة مزرية ومكتوب عليها أنهما فارقا الحياة، صرخت ناهد فخرجت مروى من الحمام على صوت صرخاتها، بدأ جسدها يرتعد من الصدمه صرخات هستيريه ودموع كالشلالات تفيض من عينيها، هزتها مروى تسألها
عما حدث معها فردت بصراخ: -بابا وماما ماتوا... بابا وماما ماتوا يا مروى ردت مروى بصدمه: -إيه الي بتقوله دا؟ أكيد غلط مش ممكن أعطتها ناهد الهاتف فحدقت بتلك الصورة وصرخت هي الأخرى، دخلا في نوبة من البكاء لم تستطع مروى التماسك وخارت قواها فاقدة الوعي، ضربتها ناهد على وجهها بخفة وهي تبكي حتى تفتح عينيها هتفت قائلة ببكاء: -فوقي يا مروى متعمليش فيا كدا!
لم تستطيع افاقتها فقررت الاستعانه بأحد خرجت من الغرفه تبحث عن أي أحد لكن الجميع مشغول بحادثة هدير ومعاذ وكل يلهى في جهته، رأت أم مصطفى تكاد تدخل غرفتها فأقبلت إليها مهرولة وقفت أمامها تلهث وهتفت ببكاء: -ماما وبابا ماتوا يا طنط... ومروى كمان مبتفوقش الحقيقي أرجوكِ جحظت عيني أم مصطفى في دهشة، وهتفت: -تعالي نشوف أختك الأول ركضت أم مصطفى لغرفتهما وهي تقول: -جيب العواقب سليمه يارب
"طلقني يا معاذ أنا مش عايزه أعيش معاك مش طيقاك... أنا اتفضحت بسببك" كانت تقف بفستانها الأبيض، وتسيل الدموع من عينيها بألم فسأل معها المكياج على وجهها، شهقت ببكاء وأردفت: -منك لله يا معاذ إنت الي عملت فينا كدا! لم تكن تشعر بذالك البركان الذي يهتز بداخله لينفجر في وجهها رفع صوته هاتفاً بنبرة حادة: -إنت ليه بتعامليني إن أنا الي ظالم وإنت المظلومه! نظر لها بأعين تشتغل بالغضب أشار بسبابته عند شريانه الصدغي وهو يقول:
-ليه مش قادره تستوعبي إن أنا اتظلمت زي زيك جلس بانكسار ونكس رأسه قائلاً: -كام مره هعتذر على غلط مليش يد فيه! نظرت من بين دموعها وقالت بهدوء عكس ما يدور بداخلها تماماً: -اتجوزتني عشان تستر على الي عملته فيا! لكن كل حاجه انكشفت خلاص... أردفت بدموع: -ملهاش لزمه الجوازه دي أصل الي بدأ غلط عمره ما هيستمر همت أن تفتح الباب لتذهب لأهلها، فقام من جلسته ومسك يدها نظر بعينيها قائلاً بغضب: -مش هتخرجي من هنا!
إنتِ مراتي والجوازه دي هتستمر برضاكِ أو غصب عنك لم ترد عليه ودخلت الحمام فلا تريد أي نزاعات الآن يكفيها فضائح!
اضطر حمدي أن يؤجل الخطه التي حبكها لمروى حين هاتفه جابر وطلب منه العوده للأسكندريه بأسرع وقت، لعنه حمدي لكن لم يجد بدا وغادر على الفور ملبياً أوامره دخل حمدي مكتب جابر، كان جابر يجلس على مكتبه يحدق ببعض الأوراق وحين رآه جابر حدجه بنظره ثاقبه وقام من مقعده ليتوجه له ثم يصوب لكمة على وجهه، ينظر له حمدى بهلح فلو علم ما أحاكه من خلف ظهره فسينهي حياته هتف جابر بنبرة غاضبه: -إنت سارح ورا بنت عوض وسايب شغلك
تنهد حمدي بارتياح وهدأ حاله قائلاً: -يا دكتور والله كنت مشغول مع الظابط رمقه بغيظ ورد غاضباً: -كداب... الكلام الي وصلني غير كدا! هتف بتبرير كاذب: -إلي وصلك الكلام كذاب لأن أنا كنت عامل خطه للظابط وكنت ناويله على... قاطعه جابر وهتف بحده: -إنت إلي كداب... كنت هتدخلنا في مشاكل مع الظابط بسبب البت الي شاغله دماغك ضغط على أسنانه بغضب وهتف بأمر: -تشيل الظابط والبت دي من دماغك وإلا إنت عارف أنا ممكن أعمل إيه؟
اومأ حمدي برأسه بقلة حيلة، أمره جابر أن ينصرف فخرج من المكتب وهو يشتعل غضباً وبعد يومين، بعد العوده للأسكندريه، كانت ناهد تقف بانكسار ترتدي ملابس سوداء، هتفت ناهد قائلة بألم: -أنا حاسه إن أنا في كابوس! رد سعد: -أنا جنبك وإن شاء الله المحنه دي تعدي جلست على الكرسي وسندت رأسها بألم فقد مضى يومان ولم يرتاح جسدها بهما، مسحت دموعها ونظرت لأختها التي تجلس على الكرسي مقابلها، تسند رأسها على الحائط، زفرت بألم قائلة:
-صعبان عليا مروى أوي قاطعهما دخول مفاجئ لأربعة رجال يرتدون جلباب بلدي ويبدو من هيئتهم أنهم عائلتها التي تقطن سوهاج، اقترب العم الأكبر "رأفت" بهيبته المعتادة وملامحه التي يتضح عليها الشده والقسوة، لا تعلم لم اهتز قلبها بخوف حتى اختبئت خلف سعد، نظر سعد لأعينها التي ينبع منها الخوف ووقف أمامها كجبل يحميها من هجوم الأعداء، نظر رأفت لناهد وقال: -السلام عليكم... كيفك يا بتي
نظرت له ناهد فهذا عمها الذي لم تراه إلا مرات معدودة على أصابع اليد الواحده، سلم عليها وضمها يربت على ظهرها قائلاً: -أنا لسه عارف بالموضوع من الأخبار... بوكِ أحواله إيه؟ خرجت من بين ذراعيه، فقد سرت قشعريرة غريبة في جسدها حين ضمها، استجمعت قوتها وقالت: -الحمد لله الدكاتره بيقولوا الحاله مستقره صمت الرجل للحظات ونظر لسعد قائلاً: -وحضرته يبجا مين؟ ردت ناهد وهي تشير إلى سعد قائلة: -دا الأستاذ سعد أشارت على عمها قائلة:
-دا عمي اخو بابا كان عمها يعلم أنه العريس جلس عمها على المقعد بشموخ وقال: -شكرًا يا أستاذ سعد واچبك وصل تجدر تتفضل نظرت له ناهد لسعد بخوف كأنها تترجاه ألا يتركهم مع هؤلاء الغرباء، فرد سعد: -اتفضل فين؟ أنا مش هتحرك من هنا قبل ما أطمن على الدكتور عوض خبط رأفت على المقعد بيده وقال: -اظن الزياره ممنوعه وأنا بصفتي صاحب المستشفى دي بطلب منك تتفضل من غير مطرود ردت ناهد بنبره حاده: -بابا هو الي صاحب المستشفى مش حضرتك!
حدجها عمها الآخر بنظره حاده قائلاً: —إزاي تكلمي عمك كدا يا بتي لم ترد عليه ورفعت رأسها بكبرياء وكرامه كأنها توجه له رساله أنه لم تخطئ، فتحدث رأفت ليفجر تلك القنبله بوجهها وهو يشير على رياض وحامد: -سلمي يا بتي على خطيبك وخطيب أختك بدلا نظرهما بين رياض وحامد ونظرا لبعضهما قائلين في صوت واحد: خطيب مين؟ وقفت رأفت قائلاً: —حامد ورياض طلبوكم من أبوكم وهو وافق هتفت ناهد باستنكار: -لأ طبعًا مستحيل بابا يعمل كدا!! قال بصلابه:
-وه وه يعني أنا هكذب... بتكذبيني يا بت أخوي نظرت ناهد لسعد بهلع فأردف سعد بتوضيح: -دا ازاي؟ وأنا كنت مكلم الدكتور ووافق على جوازي من ناهد قال رأفت ساخراً: -رچع في حديثه... هتفت مروى بحده: -بكره بابا يقوم بالسلامه ويكدب كل كلامكم ازداد روع ناهد فمن الواضح أن هناك معركه ستخوضها هي وأختها، دعت الله أن يطيب والدها بأسرع وقت، حاولت الصمود واستجمعت شجاعتها قائلة: -إنت جاي عايز ايه يا عمي؟
-أولًا يتكتب كتابكم على ولاد عمكم عشان تبقوا في حمايتنا ثانيًا المستشفى دي هتتباع -أولًا مش هينفع لأننا مش موافقين ثانيًا المستشفى دي بتاعت بابا ومعتقدش أنه عايز يبيعها ثالثًا بقا ياريت حضرتك تاخد الجماعه الي معاك وتتفضل احنا مش محتاجين حد يساعدنا -بتطرديني من ملكي إياك!! رمقها بنظرات ثاقبه وأردف: —اسمعي بجا المستشفى دي باسمي أخرج الورق من جيبه ووضعه نصب أعينهم ثم أردف:
-ومن النهارده يا تدفعوا تكاليف علاج أبوكي وأمك يا تشوفولهم مستشفى تانيه... الورق أهوه خدوه واتأكدوا منه. قال جملته ثم أمر من معه بالمغادرة وانصرف، تاركًا المستشفى بأكملها. حدقت ناهد بالأوراق بصدمة، وأخذها سعد من يدها ليدقق بها. زرفت ناهد الدموع بألم، وضمتها أختها باكية. هتف سعد يطمئنهم: -متقلقوش إن شاء الله هتصرف. أقبل سيف ومعه نبيلة وسأل عما يجري، فبدأ سعد بسرد ما حدث باختصار. ضمت نبيلة ناهد ومروى تهدئهم وتطمئنهم.
قرروا ألا يتركوا المستشفى. سينتظرون ليوم أو اثنين عسى أن يفيق والدها وينجدهما من كل تلك الإضطرابات. *** أجبرها والديها أن تستمر بالزواج من معاذ كي يقطعا شك الناس وكلامهم، وأن تنفي حملها بالذهاب إلى طبيب. ظنت أنها صارت عبئًا على والديها فقبلت بالعيش مع معاذ، لكنها تعامله بجمود وتغلق باب غرفتها عليها أغلب الوقت حتى لا تراه.
رفضت رفضًا قاطعًا أن تفحص حالها عند طبيب حتى ينفي حملها، فستترك من يتكلم يتكلم، لن تبرر لأحد أي شيء، يكفي أن الله يعلم ما يحويه قلبها وسينجدها بكل تأكيد. خرجت من غرفتها لتشرب، فرأته في وجهها. لم تنظر إليه وهمت أن تذهب من أمامه، فمسك يدها وسألها: -هنفضل كدا لحد إمته؟ ردت بنبرة حادة: -سيب إيدي لو سمحت. قال بنبرة معاتبة: -بتعاقبيني على إيه هدير؟ ترك يدها ونظر لها قائلًا: -ممكن ترجعي معايا زي الأول؟ نفثت
الهواء من فمها بغضب وقالت: -لو سمحت يا معاذ مش قادره أتكلم دلوقتي. انصرفت من أمامه، وتركت تنظر لأثرها بشفقة، وتعظم أن يظل ورائها حتى تتقبل وجوده وتسامحه. *** -نتجوز. لم تتخيل أنه قد يطلبها للزواج، وخصوصًا في هذا الوقت الغير ملائم لمثل هذا الحديث! رمقته مروى بصدمة وردت قائلة: -لأ طبعًا. رمقها بطرف عينيه وقال: -خلاص خليهم يجوزوك لرياض بالعافية! رفعت رأسها بشموخ وقالت بثقة: -أنا محدش يقدر يجبرني على حاجة! ابتسم ساخرًا
وقال: -الي يشوفك دلوقتي ميشوفكيش من شويه وإنت بتعيطي! زفر الهواء من فمه وأردف: -على العموم فكري كويس، أنا عايز أحميك منهم. نظرت له قائلة: -إنت ممكن تحميني منهم من غير جواز! سألها سيف: -إزاي؟ بصفتي إيه؟ سألته: -يعني عايز تتجوزني فتره على ما الأمور تتحسن وبعدين تطلقني ونعيش بقا في شغل الأفلام دا؟ ابتسم لها ثم نظر لها وقال بتوضيح: -وأطلقك ليه؟ جوازنا هيبقى طبيعي. عقدت حاجبيها وسألته: -وإيه الي يجبرك على كدا؟
ابتسمت ساخرة: -أكيد يعني مش هتقولي عشان بحبك. -لأ. اعتقدت أنه ينفي حبه لها، لكنه أردف في سرعة: -لأ تفكيرك غلط، لأني فعلًا بحبك يا مروى. نظرت له مطولًا، لكن قاطعها صوت الطبيب قائلًا: -أنسه مروى. انتبهت إليه فأردف: -الدك ووالدتك حالتهم مستقره، وإن شاء الله بكره يفوقوا وتطمنوا عليهم. حمدت الله وانبسطت ملامحها. نظر لها سيف قائلًا: -يبقا تاخدي ناهد وتروحوا البيت تريحوا شويه، ملهاش لزمه قاعدتكم هنا.
أومأت رأسها بتفهم، فهي تحتاج للراحة، وكذلك أختها تحتاج لقليل من الراحة حتى يكملا تلك المعركة. *** ارتفع رنين جرس الباب، فأقبلت منى لتفتحه وهي تسأل: -مييبن؟ فتحت الباب لتتفاجأ بممرضة كانت زميلتها بالعمل بمستشفى جابر. وبعد تبادل التحية والمباركة لها على زواجها، هتفت قائلة: -أنا عارفه إن ممكن الوقت ميكونش مناسب للكلام ده، لكن. سكتت قليلًا، فسألتها منى: -خير؟ زفرت الهواء من فمها بارتباك وقالت:
-البت الي اسمها منار أنا شوفتها واقفه مع واحد كدا، وسمعتها بالصدفة بتجيب في سيرتك. حاولت الإستفهام، فسألتها لتوضح: -سيرتي أنا؟ نظرت إليها قائلة: -منار هي السبب في الحادثه إلي حصلتلك!!! *** -اطلع بره. وإلا والله هطلبلك الشرطه. قالتها ناهد لرياض. اقتربت من أختها تضمها وتطمئنها، فقد اقتحم عمها شقتهم عنوة مع رياض. نظر لها رياض بأعين تشتعل غضبًا وقال: -الظاهر إنكم مش هتيچوا إلا بالقوه. نظرت ناهد لعمها
الذي يقف بجوارها وقالت: -حرام عليك! قوله حاجه يا عمي، هو إزاي بيتكلم كدا؟ عمها بملامح جامدة وسألها: -تقبلوا بجوازكم من ولاد عمكم ولا نستعمل القوه؟ -متقدروش تعملوا حاجه. نظر رياض بأعين حادة كالصقر وقال: -احنا قولنا إلي عندنا واختاروا. نظرت ناهد لأختها وقالت بقوة ونبرة مرتفعة: -مش هنتجوز اطلعوا بره. أشار رأفت لرياض بيده، فتوجه نحو مروى مبتسمًا بمكر. سحبها من أحضان أختها، فتشبثت بذراع أختها وصرخت.
سحب رأفت ناهد ودفعها على الأرض. كانت تصرخ ليترك أختها، فوضع عمها يده على فمها ليكتم صوتها. على جانب آخر، حاولت مروى التملص من بين يديه، لكنه كان أقوى منها ودفعها لداخل الغرفة ثم أغلق الباب. كان ينظر لها بشغف، فصرخت وهي تقول: -إنت هتعمل إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!