توقفت السيارة على ضفة النيل ليلتفت إليها جاسر ويجدها صامته تشيح بوجهها بعيدًا. اشتاقها حد الجنون وقد مرت عليه تلك الشهور وكأنها دهور. ملامحها التي أصبحت أكثر جدية، ونظراتها الهادئة تحولت لشراسة راقته قليلًا. أما هي، فقد كانت تتخبط في مشاعرها ما بين قلبها الذي يتمنى العودة إليه، وبين عقلها الذي يذكرها دائمًا بأفعاله وكم الإهانات التي تحملتها. مد يده كي يلمس يدها التي اشتاق ملمسها، لكنها نزعتها
من يده عنوة وقالت باستياء: _ممكن أعرف أنت عايز إيه؟ رغم غيظه الشديد من ردها، إلا أنه رد بهدوء: _عايزك ترجعي معايا. ضحكت بتهكم وهي تسأله: _بالبساطة دي؟ أنت فاكر إني ممكن أرجع تاني بعد اللي حصل؟ نظر جاسر أمامه بكمد علمًا بأنها لن تغفر له مهما فعل، وخاصةً عندما تابعت:
_شوف عشان متتعبش نفسك، أنا عمري ما هرجع معاك تحت أي ظرف. أنت اتجوزتني عشان تداري فضيحة وعار زي ما قلتوا، وخلاص اطمنا لا بقى فيه فضيحة ولا غيره، وبكدة دورك خلاص انتهى ومش مطلوب منك غير إنك تطلقني. مزقت قلبه بكلمتها التي أهدرت الدماء بعروقه، ونظر إليها ليجد في عينيها ندوب لم تشفى بعد، مما جعله يقول بغصة: _بس أنا متجوزتكيش عشان أداري الفضيحة بس، أنا اتجوزتك برضه عشان حبيتك.
قطبت جبينها بعدم استيعاب وكأن ما نطق به ضرب من الجنون، وقالت بمثابرة: _ده فين الحب ده؟ محستش بيه ولا لحظة واحدة، ولا أنت محستش بيه إلا وقت ما عرفت الحقيقة؟ تحولت نظراتها لعتاب وهي تضيف: _أنت عارف لو كنت قلتلي الكلمة دي قبل ما يحصل اللي حصل ده واعرف الحقيقة، كنت هبقى أسعد واحدة في الدنيا. كنت هتلاقيني أنا اللي بترمي في حضنك وأقولك سامحني، كان غصب عني، بس أنت استكترت عليا حبك المزعوم ده وجاي دلوقتي تضحك بيه عليا.
تفتكر إني هقدر أنسى إهانتك ليا في كل كلمة؟ ولا نظرات النفور وأنت بتبعدني عنك؟ ولا ضربك ليا اللي كان بمنتهى القسوة؟ تفتكر إني هقدر أرجعلك وأنسى كل ده؟ تحدث برجاء: _هنسيكي، أوعدك إنـ… قاطعته بانفعال وهي تتحدث بوجع: _مش هنسى، مش هسامح أي حد فيكم، مش هسمح أكون لعبة في إيد حد تاني. نظرت للأمام بضياع وهي تتابع: _أنا اعتزلت كل حاجة ومش ناوية اسمح لحد تاني إنه يحطمني زي ما عملتوا معايا.
وياريت تنسى إني دخلت حياتك في يوم من الأيام. كان يسمعها ويرى كم العذاب الذي تجرعته على يده. وكلما صبرت وتحملت، كلما زاد بغضه لها. لن ترحم بعد الآن وستنتقم منه على ما فعله غيره بها. لكن عليه التحمل كما تحملت هي من قبل. جذبها من يدها يمنعها حينما فتحت باب السيارة وهمت بالخروج، فصرخت به وهي تجذب يدها منه: _متلمسنيش. تحولت نظراتها لغضب هادر لم يراها عليه من قبل، وخاصةً عندما تابعت: _أنا كمان بقيت بأشمئز من لمساتك دي.
اتسعت عينيه ذهولًا من كلماتها مما جعله يضغط بقبضته على مقود السيارة يحاول تهدئة أعصابه كي لا يعاقبها على قولها، وقال بتحذير: _بلاش تتمادي وتفتكري إن صمتي ده ضعف مني. واحفظي لسانك. تحدثت بسخرية: _عايزني أحفظ لساني، يبقى بلاش تظهر قدامي خالص. فتحت باب السيارة وترجلت منها تحت نظراته الغاضبة. ترجل أيضًا وذهب خلفها ليوقفها: _استني. عندما أجابته بل ظلت في طريقها وهو خلفها حتى وصل إليها وامسكها هذه المرة عنوة ليجبرها
على الوقوف أمامه وصاح بها: _قلتلك اقفي وكلميني. ضاق بها ذرعًا ولم تعد تستطيع الثبات أكثر من ذلك، فدفعته بيديها في صدره تبعده عنها وصاحت به: _أنت عايز مني إيه؟ قلتلك بكرهك يا جاسر بكرهك مش طايقة أشوفك، ابعد عني بقى. كانت كل كلمة تنطق بها تدفعه بيديها وهو يرتد للخلف كي يهديها. هرولت بعيدًا عنه لتشير لإحدى سيارات الأجرة التي توقفت أمامها وأسرعت بالصعود إليها قبل أن يصل. انطلقت بها.
أما هو، فقد كاد يجن وهو يراها تبتعد عنه دون أن يستطيع منعها. ظل مكانه يفكر ماذا يفعل كي تسامحه وتعود إليه. خرجه من شروده صوت هاتفه الذي ما إن علم بهوية المتصل حتى أجابه: _أيوه يا حماد، عملت إيه؟ تحدث حامد من الجانب الآخر: _عيب عليك، المرة دي تحت عيني وشايفه بنفسي وهو داخل العمارة. صعد سيارته مسرعًا وتحدث قبل أن يغلق هاتفه: _طيب خليك عندك وأنا چايلك.
أحدثت السيارة صريرًا قويًا وهو ينطلق بها إلى وجهته والشر يتطاير من عينيه. سيخرج ما بجعبته من الألم تسببت بها ذلك الشخص لكلاهما. وسيكون انتقامه أشد وأقوى مما كان ينوي فعله المرة السابقة. حلقت الطائرة المتجهة إلى مطار القاهرة بشوق وحنين لذلك الذي جلس بداخلها ينظر في ساعته بين الحين والآخر. كانت سعادته لا توصف وهو يرى تبدل حاله للأفضل، ولم يعد شيئًا يمنعه عنه.
تلك الحبيبة التي روت قلبه القاحل بشهد عشقها واختبر معها دقات قلب هائمة. أخذ يعيد قراءة الرسالة التي بعثها إليها قبل انطلاقها. وكان محتواها:
"حبيبتي لقد عدت.. لكِ أنت عدت.. عدت لمن أضاء لي دربي بنور الحياة.. لمن أحيت نبض قلب مات فيه الأمل في هذه الحياة.. وحدك حبيبتي من أعطتني القوة للتشبث بهذا العالم الملئ بالألام والأوجاع.. فحبك لي وإيمانك وثقتك بنجاتي جعلني أقواى وأتحدى الموت وأدعو الله أن يكتب لي النجاة.. وأعيش ما تبقى من عمري بجانبك يا ساحرتي فعينيكِ شعاع أمل أغاث قلب توقف عن الحياة.. عدت لكي أنتِ.. ولكن أين أنتِ؟
لقد تركتي يدي وفارقتي روحي وأضعتي أيامي.. فهل لي أن أعرف لماذا أعطيتي قلبي حياة ووهبتي روحًا أملًا.. ثم تركتيها ضائعة في طرقات الغياب." رشا صابر. أغلق هاتفه وعاد لخلده الذي يأخذه إليها. ساعات قليلة ويراها ويعلم منها سبب رفضها التحدث معه. هبطت الطائرة على تلك الأراضي التي اشتاقها وتمنى كثيرًا العودة إليها. وها هو ذا يستقل السيارة ويعود إلى منزله بسعادة منتويًا الذهاب إليها غدًا. استقبله فارس بحفاوة:
_حمد الله على السلامة يا بطل. احتضنه أمجد باشتياق: _الله يسلمك يا فارس، أخبارك إيه؟ تحدث فارس وهو يصعد السيارة: _اركب بس وأنا أقولك أخباري، لأن أبوك كان عايز ييجي بنفسه ومنعته بالعافية نلحق نروح له الأول. صعد أمجد بجواره وقال بضحك: _أنت هتقولي، المهم عملت اللي قلتلك عليه. رفع حاجبيه مؤكدًا: _أومال، متقلقش أنا متابعها أول بأول. حتى فيه دكتور زميلها كده بيلف حواليها من فترة، بس بصراحة هي صداه ديمًا.
بس اللي أمر من كل ده إن سمعت إن فيه عريس متقدم وشكلهم موافقين عليه. تبدلت ملامحه وسأله بفتور: _مين ده؟ هز كتفيه: _لسه مجتليش معلومات عنه، بس إن شاء الله كل حاجة هتوصلني عنه النهاردة. سأله باحتدام: _وهي رأيها إيه؟ _المعلومات اللي بتجيني من بره البيت يعني اللي بيحصل جوه معرفش عنه حاجة. زفر بغضب لم يستطع السيطرة عليه ثم التزم الصمت حتى يصل إليها.
وجدت نفسها محاصرة بين نظرات والدها التي تنظر إلى عينيها يحاول أن يستشف ما يدور بخلدها، فهي دائمًا كتاب مفتوح أمامه يستطيع بسهولة معرفة كل شيء من نظرة واحدة. مما جعلها ترد باستسلام: _تمام، بس سيبني أفكر الأول. رفع حاجبيه متسائلًا: _مش تعرفي لو هو مين؟ تاهت عينيها وهي تجيب بألم: _مش هتفرق، أكيد مش هتكلمني في الموضوع إلا إذا كان حد كويس. تأكد شكه، لكنه لن يتحدث معها الآن، فقال بثبوت:
_اللي تشوفيه، إني هسيبك دلوقتي ولما توصلي لقرار خبريني. تركها جمال وخرج من الغرفة ليجد وسيلة تنتظره أمامها. وعند رؤيته أسرعت إليه تجذبه من يده وتدلف به غرفتهما: _عملت إيه؟ رفضت كالعادة ولا إيه؟ هز رأسه بتعب منها وأجابها: _لا ياستي ارتاحي، وافقت مبدئيًا. قطبت جبينها بعدم فهم وسألته بريبة: _يعني إيه؟ تنهد بتعب منها وهو يجلس على الفراش: _يعني قالت هفكر، وأني سيبتها براحتها في حاجة تاني. دنت منه لتجلس
بجواره وسألته باستياء: _يعني إيه مبدئيًا، إني مفهمش حاجة. رد جمال بتفكير وهو يستند بظهره على الوسادة: _يعني اللي كنت شاكك فيه طلع حقيقي، وبنتك في حد في حياتها وهو السبب في الحالة اللي هي فيها. قطبت جبينها بعدم استيعاب وقالت بنفي: _لا، لو فيه حد زي ما بتقول كانت عرفتني، هي عمرها ما خبت عليا حاجة. زم فمه بضيق وقال بثبوت: _أنا قريت ده في عينيها، بس مقدرتش أتكلم معاها في حاجة زي دي.
مش رايد أتصدم فيها وأعرف إنها حبت واتكلمت مع حد. ردت وسيلة باستنكار: _لا، مصدقش ليلى مستحيل تعمل كده، إني خبراها زين. _إني مقولتش إنها عملت كده، بس قلت حسيت من نظراتها من وقت ما رجعت من القاهرة وهي حالها مش طبيعي. واللي استغربتله أكتر إني لما قلتلها لازم ترجعي وتكملي في المستشفى اللي عندنا، سكتت ومرفضتش زي كل مرة. حاجات كتير بتأكد، بس مش عارف أواجه. بس الغلط كله عليكي. اندهشت وسيلة من حديثه وسألته بريبة: _كيف ده؟
اعتدل جمال وأكد لها: _بعدتي عنها الفترة دي وبقيتي شديدة معاها. ومن وقت ما قررت إنها تكمل في القاهرة، وأنتي بتناقديها في كل حاجة. مبقتيش زي لول. ردت بدفاع عن نفسها: _إني مبعدتش عنها، إني بس…. قاطع حديثها: _لا بعدتي، وحتى لو فيه بينكم كلام، فكنتي ديمًا شديدة وحازمة معاها، خليتيها بعدت عنيكي، وأنتي بنفسك اعترفتي بده. قربي من بنتك واحتويها، واعرفي منها إيه اللي في دماغها بالظبط.
تنهدت وسيلة باستسلام، فهو محق في كل كلمة يتفوه بها. فقررت الذهاب إليها والتحدث معها. عادت إلى منزل والدها والتي اختارت البقاء فيه وألا تتركه وحيدًا، ويكفي تواجد مصطفى مع والدتها. هي حقًا تغيرت كثيرًا عن ذي قبل، لكنها ستظل سببًا فيما حدث لها. لو كانت تركتها تذهب إليهم لكان كل شيءٍ اختلف الآن. ما كانت لتتعرض لتلك المعضلة، ولا أن تتحمل ذلك الهوان الذي تجرعته على يده. كل أخْطَأ في حقها وعلى الجميع تحمل عقابه.
تذكرت أول مقابلة لهما بعد عودتها.. فلاش باك. كانت صدمتها لا توصف عندما علمت بوفاة جدها. صدمة أخرى أضيفت في رصيد خذلانه لها. لم يخبرها منصور بوفاته حتى لا تفشل خطته بزرعها داخلهم حتى يسترد ما لا يستحقه. دلفت المنزل لتتفاجئ بوالدتها جالسة على الأريكة في بهو المنزل وكأنها امرأة أخرى. ملامحها أنهكها الحزن، وصمتها الذي يعلن استسلامه لحياة قاحلة جفت منها المشاعر.
تقدمت منها تبحث في ملامحها عن تلك القوة التي كانت تتجبر بها عليهم، فلم تجد سوى ضعف وذبول. آلمها قلبها عليها، لكن هي من أوصلت حالها لتلك الحياة. تحدثت دون أن تنتبه لها: _مين اللي كان بيخبط؟ حتى صوتها غلفه الحزن مما جعل قلبها يتألم عليها. وعندما لم تجد ردًا رفعت وجهها إليها تسألها: _بسألك مـ…. ألجمتها الصدمة لحظات عندما وقع نظرها على ابنتها التي اشتاقتها كثيرًا. نهضت من مقعدها وقد تجمعت العبرات في عينيها
وهي تقول بعدم استيعاب: _سارة. تقدمت منها سارة لتستسلم لتلك الأذرع التي ضمتها بلهفة واشتياق. لم تبادلها سارة الاحتضان، بل ظلت على موقفها من الجمود حتى أبعدتها سمر عنها قليلًا كي تتأكد من وجودها: _وحشتيني أوي يا حبيبتي. لم تندهش من جمودها معها، فقد علمت كل شيءٍ من أخيه. ردت سارة بفتور: _وأنتي كمان. جذبتها لتجلس بجوارها وهي تمسك يدها بلهفة وسألتها: _أنتِ جيتي إمتى؟ تحدثت على نفس فتورها: _وصلت امبارح.
لم يخفى عليها فنورها في الحديث، لكنها لم تبالي، يكفي تواجدها معها الآن: _هتقعدي معانا فترة ولا هترجعي على طول؟ لم تستطع ازدراد تلك الغصة التي تجمعت في حلقها عندما ذكرتها بهم، وردت بحشرجة: _لا مش راجعة. اندهشت سمر من إجابتها وسألتها بتوجس: _إزاي مش راجعة، أنتِ زعلتي مع جوزك؟ انتهى ثباتها وتركت لدموعها العنان عندما تذكرت ما حدث، فلم تجد سوى حضن والدتها الشائك كما كانت تطلق عليه من قبل، لكن لن تفعل.
ستذيقها ما أذاقته لجدتها، فقامت بمسح دموعها بظهر يدها وقالت بألم: _أنا خلاص سبت البلد ومش هرجع تاني. قطبت جبينها متسائلة بقلق: _إيه اللي حصل، فهميني، عمل فيكي إيه؟ أغمضت عينيها بألم تحاول الثبات، لكنها لم تستطع. وعندما حاولت سمر أخذها داخل أحضانها نهرتها سارة بحدة تمنعها من الاقتراب منه: _متقربيش. اندهشت سمر من حدتها وسألتها بخوفٍ عليها: _في إيه يا سارة، مالك يا حبيبتي؟ نظرت إليها من بين دموعها واجابت بألم:
_عايزة تعرفي عملوا معايا إيه؟ تساءلت بعينيها، رغم أنها تعلم الإجابة جيدًا، لتأكد لها بحزن: _عملوا معايا كل خير، عملوا اللي عمركم ما فكرتوا تعملوه معايا. عمي ومراته اللي مفيش كلام في الدنيا كلها يقدر يوصفهم، عوضوني عن جمودكم، ووقفت معايا في فرحي، لو أنتِ موجودة مش هتقفي معايا كده. أخذت نفس عميق تهدئ به من روعها وأضافت: _جدي وجدتي اللي ضحكتي علينا وفهمتينا إنهم ظلموكم وأخدوا حقكم، مع إنه العكس تمامًا.
نفوس صافية للأسف عرفتها متأخر. أما جاسر، فـ على قد قسوته، على قد طببته ورجولته. كنت أتمنى أعرفه بظروف تانية، يمكن كنا حبينا بعض من غير قسوة. بس للأسف عرفنا بعض بظروف أنتوا اللي رميتونا فيها. رفعت عينيها إليها وتابعت بعتاب: _منعك ليا إني أسافر كان أكبر غلط ارتكبتيه في حقي، لو كنتي سبتيني كان زماني دلوقتي أسعد واحدة في الدنيا. اهتزت نظرات سمر وهي لا تعرف عن ماذا تتحدث، وسألتها بتوجس: _علمتي إيه؟ ضحكت بحزن وأجابت:
_تقصدي معملتيش إيه. عادت نظرات العتاب إليها وهي تسألها: _وجودك في حياة بابا كان عبارة عن إيه؟ كان مرايا يشوف بيها أخطاءه زي أي زوجة صالحة بتعمل مع جوزها؟ ولا كنتي شيطان بياخد بأيده للهلاك. بعدته عن أهله وحرمتيهم منه وحرمتينا إحنا كمان منهم ومن حنانهم. دافعت سمر عن نفسها: _هو كان جاي ومعاه الفلوس، ولما حكالي قلتله دي حياتك ومستقبلك ولازم يفكر فيهم، وهو اختار. صرخت بها سارة:
_بس كان دورك تفوقيه مش تخليه يبيع أهله وناسه. _هو اللي باع، أنا مبعتش، وده خلاني رغم حبي ليه، أخاف منه، لإن اللي يبيع أهله ممكن يبيع حتى ولاده. فكرت إني أأمن نفسي من غدره، بس للأسف خسرت كل حاجة ولقيت نفسي وحيدة. بابا مات من غير حتى ما أودعه، وولادي بعدوا عني، ولقيت نفسي بدوق من نفس الكاس اللي شربوا منها. خوكي مُصر أنه يسافر بعد الامتحانات، وأنتي شكلك بيقول إنك مش هتفضلي معايا.
وفجأة لقيت نفسي محرومة من كل حاجة وعرفت إن ده انتقام من ربنا، زي ما قال داين تدان. لم تكثر معها في الحديث، فحالتها تلك تأكد أنها لن تتحمل أكثر من ذلك، فانسحبت بهدوء دون أن تنظر خلفها. باك. صعدت إلى غرفتها لتتوقف على الدرج عندما استمعت إلى صوت منصور يناديها: _سارة. استدارت إليه وردت بفتور: _نعم يا بابا. _تعالي عايزك. درجت الدرج بضيق لإنها تعلم جيدًا لما يريده. دخلت معه غرفة المكتب ليشير لها بالجلوس، فجلست على مضض:
_سارة، أظن إن كفاية كده وترجعي لجوزك. تنهدت سارة بملل وتحدثت باستياء: _بابا، أنت مش بتزهق من الكلام في الموضوع ده؟ قلتلك مية مرة مش هرجع. فكر منصور بأن عليه إقناعها حتى يصل لهدفه، والطريقة الوحيدة له هي عودة ابنته مهما كلفه الأمر. فقال بثبوت: _قوليلي سبب واحد يخليكي ترفضيني. كنت مستنية منه إيه؟
جاسر قام بدوره على أكمل وجه، يكفي أنه مفضحكيش وستر عليكي وشيلك اسمه وهو ميعرفكيش ولا يعرف أخلاقك عشان يتأكد إن كان تعدي صحيح ولا كان برضاكي. أي واحد مكانه كان هيقتلك ومحدش هيقدر يلومه. صدقيني أنا نفسي لو مكانه كنت هعمل كده. بس هو غير، قف جانبك ونشلك من الفضيحة اللي كنتي هتتعرضي ليها. ولو كان على ضربه ليكي، فـ ده رد فعل طبيعي بعد الرسالة اللي قراها. ارجعي لجوزك وانسي اللي فات.
كانت تحاول بصعوبة إخفاء نظرات الاستهزاء التي ترمقه بها، علمًا بأن هناك سببًا خلف ذلك ويبدو ذلك من حديثه، الذي فسألته بفتور: _يعني أنت عايزني أرجع بعد الإهانة اللي اتحملتها دي كلها؟ أحرجته بسؤالها مما جعله يتراجع عن إصراره: _أنا مقصدش، بس كل الحكاية إني بقول كفاية عليه لحد كده، وبعدين جدك وعمك بيكلموني باستمرار وعايزين يجوا بنفسهم ياخدوكي. نظراته وحديثه كل شيءٍ يأكد حسها وعليها أن تحبط مخططه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!