يجلس خلف مكتبه الكبير يراجع كل الأوراق التي أمامه بتركيز شديد. هو المسؤول الأول والأخير عن أموال العائلة، وعليه أن يقرأ كل ورقة وكل حرف. رغم خلافه الكبير مع والدته، والذي على أثره ترك قصر الصواف، لكنه لم يترك مسؤولياته كمدير لشركات الصواف، والمسؤول الأوحد. هو أديم الصواف، ابن عائلة الصواف الأكبر، في عامه الخامس والثلاثون. لديه أختان أصغر منه. تزوجت الأولى من ابن عمه حاتم، والأخرى على وشك الخطبة من ابن عمه الآخر طارق.
وهو أيضًا يعتبرهما أصدقاءه الوحيدين، لكن حاتم الأقرب إليه. بسبب ثرائهم الفاحش، لم يستطع أن يكون صداقات. صداقات حقيقية دون البحث عن المصالح أو أن يحصلوا منه على المال بشكل مباشر وغير مباشر. طرقات على باب مكتبه أخرجته من تركيزه، وقال بصوت واضح: –أدخل. ليفتح الباب ويدلف حاتم وهو يقول: –أنا لو بشتغل في السخرة هتكتر أكتر من كده. ليبتسم أديم وهو يترك الأوراق من يده، ثم وقف ودار حول المكتب ليقف أمام صديقه وابن عمه وقال:
–أنت بتتكلم عن قلة التقدير في مؤسسة الصواف يا حاتم؟ يا ابني كل الموظفين متقدرين. لكن أنت ابن البطة السودا، أنت من عائلة الصواف لازم تتمرمط يا حبيبي. ليرفع حاتم حاجبيه باندهاش وصدمة، والتفت ينظر إلى أديم الذي جلس على الأريكة الكبيرة وأراح ذراعيه على ظهرها، واضعاً قدم فوق الأخرى، ينظر له بابتسامة متسلية. وضع حاتم الأوراق التي بين يديه على المكتب بقوة وقال مازحاً:
–طيب، أنت ولي عهد الإمبراطورية ولازم يطلع عينك، أنا مالي. جلس على الكرسي وهو يقول آخر كلماته، ليتنهد أديم وظهر الضيق على ملامحه. لكن حاتم قال سريعاً: –نفسي أعمل زيك وأسيب قلعة الصواف. أنا بجد تعبت من كم التجمل وعدم التعامل براحة وحرية. أستند بذراعيه على ساقيه وقال بمرح:
–يا ابني نفسي أمشي حافي، ألبس شورت بس، أدخل آخد دش ومسرحش شعري، نفسي آكل فول وطعمية بالعيش البلدي، وأغمس كده بإيدي، مش كل حاجة لازم نعملها بالشوكة والسكينة. ليضحك أديم بصوت عالٍ وهو يقول: –بس كده؟ اهرب يوم من سالي وتعالى عندي الشقة وأنا أخليك تعمل كل اللي نفسك فيه. ليعود حاتم يريح ظهره على الكرسي وقال بضيق مصطنع: –وهي سالي حد يقدر يهرب منها؟ و إهرب إزاي من شاهيناز هانم السلحدار؟ تحولت الابتسامة على وجه
أديم إلى حزن وضيق وقال: –أنت هتقولي؟ المهم، أنت كنت جاي عايز إيه؟ ليقف حاتم سريعاً وهو يقول: –الورق ده محتاج توقيع رئيس مجلس الإدارة، اللي هو حضرتك. ليقف أديم وتوجه إلى المكتب، أمسك الأوراق من حاتم وبدأ يطلع عليها بتركيز شديد، ثم ابتسم وقال: –هو أنا نفسي أفهم، براجع وراك ليه؟ ثم أمسك القلم ووقع الأوراق ومد يده بها له وهو يقول: –اتفضل، وسيبني أخلص اللي ورايا، عطلتني. ليضحك حاتم وهو يقول:
–أنا مظلوم في العيلة دي والله. الوحيد اللي بيعرف ياخد حقه في العيلة دي هو طارق والله. –طارق؟ هو فيه زي طارق؟ مش عارف إزاي قادر ياكل بعقل شاهيناز هانم حلاوة، ودماغ نرمين كمان، وفي نفس الوقت بيعمل كل اللي هو عايزه. قال أديم بحيرة وهو يجلس على الكرسي من جديد خلف مكتبه. ليبتسم حاتم وهو يقول بحقد مصطنع: –أنا بقر عليه كل يوم، بس القر ده مش جايب نتيجة. تفتكر أحسده؟ ليضحك أديم بصوت عالٍ وقال مازحاً: –طيب ما نعمل له عمل؟
مالك يا حاتم قلبت على ست الحجة كده ليه؟ أمشي يا ابني شوف وراك إيه يلا خليني أخلص، عايز أروح بقى. غادر حاتم الغرفة وهو يتحدث إلى نفسه، ومن خلفه أديم يضحك. حاتم الوحيد القادر على إخراجه من إحساس الضيق والقادر على مواساته خلال فترة عمله بالشركة. بالفعل، إذا لم يكن حاتم معه لمرت تلك الساعات كالأعوام.
في قصر الصواف، ذلك القصر الكبير الذي يشبه القلاع بأسواره العالية وحراسه الذين يؤمنونه من جميع الاتجاهات. وفي بهو هذا القصر الكبير تجلس سيدة. حين تراها من بعيد تظن أنها فتاة صغيرة، ولكنها في حقيقة الأمر هي كبيرة عائلة الصواف، والمتحكمة الأولى في كل فرد في تلك العائلة. السيدة شاهيناز السلحدار، امرأة متسلطة من يوم تزوجت من علام الصواف وهي تتحكم بكل شيء. جميلة بشكل مميز، لكن الغرور أيضاً ينضح من كل نظرة وحركة. ويظهر ذلك أيضاً في حركة الخدم بالبيت.
الصمت التام، لكن لغة العيون تتحدث بما لا يستطيع اللسان قوله خوفاً. وبعد وفاته كانت الكلمة الأولى والأخيرة لها. ولم يستطع أي فرد من عائلة الصواف تكسير كلمتها إلا "أديم" ابنها الأكبر، وريث والده، وكبير العائلة من بعده، الذي كسر كل القواعد وغادر القصر رافضاً الزواج من ابنة عمه الوحيدة كاميليا.
رغم أنه يعلم جيداً أنها تعشقه، ويعلم أيضاً أنها إنسانة رائعة، ورغم أن والدته طلبت منه الزواج منها، من الممكن أن يتزوجها هو بكامل إيراداته. لكن لأنها أوامر شاهيناز هانم السلحدار، رفض بشدة وترك قصر الصواف. لكنه أبداً لم يتخلى عن مسؤولياته تجاه المؤسسة، وأيضاً تجاه أختيه سالي ونرمين.
سالي متزوجة من حاتم ابن عمه وصديق عمره. وهو دعم زواجهم بكل قوته وذلك لأنه يرى في حاتم الرجل الحقيقي الذي يطمئن على أخته معه. لكنه معترض تماماً على أمر زواج نرمين من طارق. من الممكن أن تكون نرمين مغرمة به أو معجبة، خاصة أن طارق شاب وسيم دنجوان، كثير العلاقات ويستطيع أن يجعل البنات تتعلق به كثيراً، بسبب حلو كلامه وشخصيته القوية. لذلك هو لا يراه مناسباً، ولكن إذا أمرت شاهيناز هانم السلحدار الأمر، فقد انتهى.
بداخل المطبخ الكبير لذلك القصر الضخم، تجلس سيدة خمسينية يبدو على وجهها أثر الزمن والشقاء. تشرف على عمل الفتيات باهتمام وتركيز. فالخطأ ممنوع، والأوامر لابد أن تنفذ دون نقاش أو تأخير. وبين يديها سبحتها الكبيرة التي لا تفارقها أبداً. أقتربت إحدى الفتيات وهي تقول: –ست مجيدة، كنت عايزة أجازة يوم السبت الجاي عشان أودي أمي المستشفى. لتنظر لها مجيدة بهدوء يعتبر جزء من شخصيتها: –تاني يا نوال؟
مش كنتي لسه واخدة أجازة السبت اللي فات؟ أخفضت الفتاة رأسها بخجل وقالت بصوت مختنق: –ما أنتِ عارفة يا ست مجيدة، أنا وحيدة أمي، وعارفة كمان أنها مريضة. وأنتِ عارفة أن مفيش أجازات خالص، وكأننا في السخرة. تنهدت مجيدة بتثاقل فهي تعلم جيداً ما تقوله نوال، لكن ماذا تفعل في قواعد هذا البيت؟ لتقول بعد أن أخذت نفس عميق: –هحاول يا بنتي، هحاول وربنا يسهل والهام توافق.
لتعود نوال إلى عملها وهي تدعو الله أن يوفق السيدة مجيدة في إقناع شاهيناز هانم. تنزل درجات السلم بهدوء وبدلال طبيعي. شابة جميلة رقيقة في العشرين من عمرها بابتسامة رقيقة ترتسم على ملامحها. شديدة الجمال والفتنة. أقتربت من مكان جلوس شاهيناز وقالت بهدوء وهي تجلس على الأريكة القريبة منها: –صباح الخير يا طنط، عاملة إيه؟ ابتسمت شاهيناز وهي تغلق الجريدة، ونظرت إليها بحب قائلة: –أنا كويسة، أنتِ عاملة إيه يا كاميليا؟ لوت الفتاة
فمها ببعض الضيق وقالت: –حاسة بالملل، ونفسي أعمل حاجة جديدة في حياتي. أنا مش بحب قعدة البيت. ظلت شاهيناز صامتة تنظر إلى وجه الفتاة التي تتمنى أن تكون زوجة ابنها، وسوف تكون. فلا أحد يستطيع أن يقف أمام رغباتها حتى ابنها الوحيد وكبير عائلة الصواف بعد والده. ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: –عندنا بدل الشركة مؤسسة كاملة وأنتِ مش عارفة تلاقي حاجة تعمليها. من بكرة تنزلي تشتغلي مع أخوكي وولاد عمك. ابتسمت كاميليا بسعادة
وهي تقول بعدم تصديق: –بجد يا طنط؟ بس تفتكري أديم، وحاتم هيوافقوا؟ لترفع شاهيناز رأسها بغرور وقالت بكل تأكيد: –هيوافقوا، متخافيش. أقتربت مجيدة بخطوات ثابتة، وقفت أمامهم وقالت بأدب: –شاهيناز هانم، كنت عايزك أتكلم مع حضرتك في موضوع لو تسمحي طبعاً. ظلت شاهيناز صامتة تنظر إليها بغرور طبيعي، وكأنه جزء من شخصيتها ولدت به وتأصل في تفاصيل وخلايا جسدها. لتقف كاميليا وهي تقول بابتسامة رقيقة: –أنا هطلع لنرمين، بعد إذنكم. وغادرت.
لتقول شاهيناز بغرور: –عايزة إيه يا مجيدة؟ لعدة ثوان كانت تفكر مجيدة في الرد التي تعلمه جيداً والذي لم يتغير يوماً، ولكنها لم تيأس يوماً من طلبه. ظفرت بهدوء وقالت بأدب: –كنت عايزة أستأذن حضرتك في أجازة لنوال يوم السبت عشان والدتها عندها جلسة كيماوي. لترفع شاهيناز هانم حاجبها الأيسر بتعالٍ وغرور وقالت برفض قاطع: –مجيدة، أنتِ عارفة أن مفيش عندي هنا أجازات. البنت دي عايزة أجازة تصفي حسابها ومش عايزة أشوفها هنا تاني.
وقبل أن تجيبها مجيدة بشيء، وصلهم صوته وهو يقول: –ليه هو حضرتك كنتي اشتريتيهم من سوق العبيد؟ ده حتى أيام العبودية كان فيه رحمة، وشفقة، وتقدير للظروف، وأجازات من العبودية دي للراحة. طول عمري شاكك إنك مالكيش قلب، لكن دلوقتي اتأكدت. تلونت وجنتا شاهيناز بغضب مكتوم، في حين كانت تنظر إليه مجيدة بسعادة وارتياح. أقترب أديم من مكان جلوس والدته وقال:
–الناس اللي شغالين في البيت هنا أصحاب فضل يا شاهيناز هانم. من غيرهم أنتوا كنتوا هتتعبوا، من غيرهم كنتوا هتقوموا بكل شغلكم ده بنفسكم. قوانين العمل كلها بتحدد عدد ساعات معينة في اليوم، وبتحدد يوم أو يومين في الأسبوع أجازة. مفيش حد بيشتغل كل يوم ولمدة 24 ساعة ومن غير أجازات كمان. ظلت شاهيناز صامتة تنظر إليه، ثم قالت:
–أنا قولت لو البنت دي عايزة تاخد أجازة تصفي حسابها وتمشي، وأنت مش من حقك تقول أعمل إيه في بيتي. طالما خرجت من الباب ده وقررت تعيش بره أسواره اللي بيحصل جواه مش مسموح لك إنك حتى تتكلم فيه. ابتسم أديم ابتسامة جانبية وقال بثقة: –عندك حق. وفي الحقيقة أنا مش جاي لحضرتك، أنا جاي لنرمين. بس أهي فرصة عشان أساعد البنت الغلبانة اللي جار عليها الزمن وجبرها تشتغل هنا. ثم نظر إلى مجيدة وقال باحترام:
–من فضلك يا دادا، لو البنت دي مصرة على الأجازة يبقى صفي حسابها حسب أوامر شاهيناز هانم وأديها عنواني، هوفر لها وظيفة. وغادر من أمامهم غير مبالٍ صاعداً إلى غرفة نرمين، تاركاً خلفه قلباً يدعو له أن يوفقه الله دائماً. وقلب آخر يحترق غضباً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!